الذهاب إلى الصفحة الرئيسية للموقع
----------------------- الكاتبة : آني ويست ----------------------- ---------- الملخص ---------- بَعْدَ أَنْ نُفِيَ إِلى عالَمٍ مِنَ الظَّلامِ، صارَ دِيكلانْ كارْسْتيرْس رَجُلًا يَسْكُنُهُ العَذابُ، كَأَنَّ اللَّيْلَ اسْتَوْطَنَ قَلْبَهُ فَلَمْ يَعُدْ يَغادِرُهُ. كانَ الذَّنْبُ يَنْهَشُ رُوحَهُ نَهْشًا بَطيئًا، يَتَسَلَّلُ إِلى أَعْماقِهِ، حَتّى أَطْفَأَ كُلَّ دَرْبٍ، وَمَحا مِنْ أَمامِهِ أَيَّ أَمَلٍ فِي الخُرُوجِ مِنْ عَتَمَةٍ صَارَتْ وَطَنَهُ الأَبَدِيَّ. لَمْ يَبْقَ لَهُ سِوى خَيْطٍ واحِدٍ يَشُدُّهُ إِلى الحَياةِ… أَنْ يَجِدَ تِلْكَ المَرْأَةَ، المَرْأَةَ الَّتِي كَتَبَتْ بِيَدَيْها نِهايَةَ أَخِيهِ، وَتَرَكَتْ الحادِثَ يَسْلُبُهُ نُورَ بَصَرِهِ، كَأَنَّهُ انْتِقامُ القَدَرِ الأَعْمى. أَمّا كْلُوي دانِييلْز، مُديرَةُ المَنْزِلِ، فَكانَتْ تَرْفُضُ الشَّفَقَةَ كَأَنَّها ضَعْفٌ لا يَليقُ بِهِ. عامَلَتْهُ كَرَجُلٍ قَوِيٍّ، مُقْتَدِرٍ، لا يَحْتاجُ إِلى أَنْ يُكْسَرَ أَكْثَرَ مِمّا كَسَرَتْهُ الحَياةُ، غافِلَةً أَنَّ تِلْكَ القُوَّةَ الصّامِتَةَ تُخْفِي فِي طَيّاتِها خَطَرًا يَتَنامى فِي الخَفاءِ. وَبَيْنَما كَانَتْ كْلُوي تَنْزَلِقُ بَطِيئًا، دُونَ وَعْيٍ، فِي فِلْكِ سِحْرِ دِيكلانْ، اسْتَيْقَظَتْ مَشاعِرُها مِنْ سُباتٍ طَويلٍ، وَخَفَقَ قَلْبُها بِإيقاعٍ لَمْ تَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ. نَسِيَتْ كُلَّ شَيْءٍ… نَسِيَتِ السِّرَّ الَّذِي تَحْمِلُهُ فِي صَدْرِها، ذلِكَ السِّرَّ الَّذِي، إِنْ انْكَشَفَ، قَدْ يُحَطِّمُهُما مَعًا… كَما يَتَحَطَّمُ الزُّجاجُ عِنْدَ أَوَّلِ صَرْخَةِ حَقيقَةٍ. ----------------- 💝💫 المقدمة 💫💝 ----------------- «أَنْتَ لا تَسْتَطِيعُ إِنْقاذَنا…» تِلْكَ الصَّرْخَةُ الخَشِنَةُ، المُتَشَقِّقَةُ كَصَخْرَةٍ تَتَفَتَّتُ، ظَلَّتْ تَرْتَدُّ فِي أُذُنَيْ دِيكلانْ، كَأَنَّها لَعْنَةٌ لا تَخْبُو. رَفَعَ نَظَرَهُ إِلى أَدْرِيانْ، جَسَدًا مُعَلَّقًا تَحْتَهُ بِالحَبْلِ، وَالمَوْتُ يَتَأَرْجَحُ بَيْنَهُما كَنَفَسٍ أَخِيرٍ. «إِنَّهُ… سَيَنْقَطِعُ.» كانا مُعَلَّقَيْنِ فَوْقَ وَادٍ مُنْعَزِلٍ، عَلى عُلُوٍّ يُفْقِدُ العَقْلَ اتِّزانَهُ. الرِّيحُ تَعْوِي، تَرْفَعُهُما وَتُسْقِطُهُما فِي هَوَاءِ الخَوْفِ، وَأَعْصابُ أَدْرِيانْ تَتَهَشَّمُ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى. رُعْبُهُ المُنْفَلِتُ أَزاحَ رِباطًا مِنَ الرَّوابِطِ الَّتِي تُثَبِّتُهُما إِلى الجُرْفِ. «تَمَسَّكْ!» شَهَقَ دِيكلانْ، وَصَدْرُهُ يَطْرُقُ مِنْ آخِرِ قُوَّةٍ بَقِيَتْ فِي رِئَتَيْهِ. لَوَى عُنُقَهُ نَحْوَ الأَعْلى، حَيْثُ كَانَ الطَّرِيقُ الَّذِي جاؤوا مِنْهُ، فَانْهَمَرَتْ الصُّخُورُ كَسَيْلٍ أَعْمى، تَصْدِمُ وَجْهَهُ، وَتُمَزِّقُ حَنْجَرَتَهُ مَعَ كُلِّ نَفَسٍ يَخْرُجُ مِنْهُ مُمَزَّقًا. لَوْ فَقَطْ كَشَفَ خِداعَ أَدْرِيانْ يَوْمَ هَدَّدَ بِالتَّسَلُّقِ وَحْدَهُ… لَكِنَّهُ بَدا هَشًّا، أَكْثَرَ هَشاشَةً مِمّا يَحْتَمِلُهُ الخَوْفُ. لَمْ يَصْرُخْ دِيكلانْ. تَشَبَّثَ بِالأَمَلِ، بِحُلْمِ اسْتِعادَةِ ذلِكَ التَّقارُبِ القَدِيمِ، وَهُمْ يَتَسَلَّقُونَ، لَعَلَّ الأَسْرارَ تَخْرُجُ، وَلَعَلَّ القُلُوبَ تَلْتَئِمُ. أَمّا الآنَ… فَالنَّجاةُ مُعَلَّقَةٌ فِي كِفَّةِ المِيزانِ. «بِثَباتٍ، أَدْ… كُلُّ شَيْءٍ سَيَكُونُ بِخَيْرٍ.» «بِخَيْرٍ؟» ارْتَفَعَ صَوْتُ أَدْرِيانْ كَسِكِّينٍ يَشُقُّ الهَوَاءَ. «لا تَكْذِبْ، دِيكلانْ.» أَرْسَلَ لَهُ نَظْرَةً مُطْمَئِنَّةً، مَصْنُوعَةً مِنْ وَهْمٍ وَأَلَمٍ. «كَدْتُ أَنْ أَنْجَحَ فِي آخِرِ مَرَّةٍ… الثَّالِثَةُ سَتَنْجَحُ. سَتَرَى.» قَبَضَ عَلى فَكَّيْهِ، وَأَمْسَكَ بِالحَبْلِ، يَسْحَبُ، يُقاوِمُ صُراخَ الأَلَمِ وَهُوَ يَمْزِقُ يَدَيْهِ المُمَزَّقَتَيْنِ أَصْلًا. تَوَتَّرَتْ رَقَبَتُهُ وَكَتِفاهُ حَتّى ظَنَّ أَنَّ عَمُودَهُ الفِقْرِيَّ سَيَنْكَسِرُ، أَو أَنَّ كَتِفَهُ سَيَخْرُجُ مِنْ مَكانِهِ. الجُهْدُ كانَ فَوْقَ طاقَتِهِ، وَلكِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ. «لَنْ تَفْعَلَها أَبَدًا… هٰذا مُسْتَحِيلٌ.» مَرَّتِ الكَلِماتُ فَوْقَهُ كَصَدًى بَعِيدٍ. لَمْ يَعُدْ يَمْلِكُ طاقَةَ الكَلامِ. «تَعْلَمُ… لَيْسَ الأَمْرُ سَيِّئًا.» قالَها أَدْرِيانْ، وَصَوْتُهُ بالكادِ يُسْمَعُ فَوْقَ العَصْفِ وَدَمِ دِيكلانْ الَّذِي يَدُقُّ فِي أُذُنَيْهِ. «السُّقُوطُ سَيَكُونُ سَرِيعًا… عَلى الأَقَلِّ.» «لَنْ…» قاتَلَ دِيكلانْ لِيَجْمَعَ الكَلِماتِ فِي حَنْجَرَةٍ جافَّةٍ، «… نَسْقُطَ.» تَدَفَّقَتْ كَلِماتُ أَدْرِيانْ بُطْئًا، مَلْفُوفَةً بِنَبْضِ القَلْبِ المُسْتَعِرِ وَالأَلَمِ النَّابِضِ فِي يَدَيْهِ. العَرَقُ غَشِيَ بَصَرَهُ. «لَيْسَ هُناكَ شَيْءٌ نَعِيشُ مِنْ أَجْلِهِ…» كانَ صَوْتُهُ ناعِمًا لِدَرَجَةٍ جَعَلَتْ دِيكلانْ يَشُكُّ فِي سَمْعِهِ. هَلْ يُمْكِنُ لِلأَلَمِ أَنْ يُوَلِّدَ الهَلْوَسَةَ؟ «أَضَعْتُها… هِيَ تُرِيدُ رَجُلًا غَنِيًّا نَاجِحًا مِثْلَكَ، لا فاشِلًا مِثْلِي. تَرَكَتْنِي.» «تَرَكَتْكَ؟» كانَ صَوْتُ دِيكلانْ هَمْسًا مُنْكَسِرًا. العالَمُ ضاقَ، حَتّى لَمْ يَبْقَ إِلّا ذلِكَ الخَيْطُ الَّذِي يَرْبِطُ ذِراعَيْهِ بِالعِظامِ، وَالأَلَمُ، وَصَوْتُ أَخِيهِ. رَجْفَةُ تَوَجُّسٍ تَسَلَّلَتْ إِلَيْهِ، لَكِنَّهُ كانَ مُنْهَكًا أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُجِيبَ. تَسارَعَتِ الرِّيحُ، تُأَرْجِحُهُما. طَعْمُ الدَّمِ المَالِحِ اِنْفَجَرَ عَلى شَفَتَيْهِ. مِتْرانِ… «لا أَسْتَطِيعُ الاِسْتِمْرارَ… حاوَلْتُ، لَكِنَّها المَرْأَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي أَحْبَبْتُها، وَهِيَ خانَتْنِي. هٰذا لِلأَفْضَلِ.» لِلأَفْضَلِ؟ اِهْتَزَّ الحَبْلُ بِغَيْرِ اِنْتِظامٍ. رَغْمَ العَرَقِ الَّذِي غَمَرَ جَسَدَ دِيكلانْ المَشْوِيَّ بِالشَّمْسِ، مَرَّ أَصْبَعٌ ثَلْجِيٌّ عَلى مُؤَخِّرَةِ عُنُقِهِ. «أَد؟» شَدَّدَ عَلى عَضَلاتِ عُنُقِهِ، وَنَظَرَ إِلى الأَسْفَلِ. عَيْنانِ رَمادِيَّتانِ مَأْلُوفَتانِ اِلْتَقَتَا بِعَيْنَيْهِ. لَمْ يَكُنْ فِيهِما رُعْبٌ… فَقَطْ هُدُوءٌ غَرِيبٌ أَسْقَطَ قَلْبَ دِيكلانْ فِي صَدْرِهِ. «بِهٰذِهِ الطَّرِيقَةِ… واحِدٌ مِنّا سَيَنْجُو. أَنا لا أَسْتَطِيعُ الاِسْتِمْرارَ مِنْ دُونِها.» شَهَقَ دِيكلانْ بِرُعْبٍ، وَهُوَ يَرَى أَدْرِيانْ يَقْطَعُ الحَبْلَ. «أَدْرِيانْ… لا!» «وَداعًا، دِيكلانْ.» فَجْأَةً، اِخْتَفَى الوَزْنُ الثَّقِيلُ عَنْ كَتِفَيْهِ. لا صُراخَ… لا صَوْتَ… فَقَطْ فَراغٌ، كَأَنَّ عُمْرًا كامِلًا مَرَّ، قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ تَكَسُّرَ الأَغْصانِ فِي الأَسْفَلِ… وَلَمْ يَعُدْ يَرَى أَخاهُ.