الذهاب إلى الصفحة الرئيسية للموقع

الكذبة القاسية
The Cruellest Lie

الكاتبة : سوزان نابيير
-------------------
الملخص
------------
لقد استقرت هاتان الكلمتان في أعماق ضمير كلوديا الذي أثقله الشعور بالذنب لعامين كاملين، هذا الذنب الذي كان نتيجة باعث نشأ عن فقدان طفلها المفجع. لقد علمت أنها اخطأت بحق مورغان ستون وأرهقت ضميره، ولهذا لم يكن مستغربا أن يصمم على أن ترد إليه نفس الذي أخذته. لقد تصرف معها بنفس الغلظة والعناد اللذين عرفتهما عنه. ولكن، الماضي وحبها له منعاها من مقاومة خطته المفزعة . . . لهما الاثنين
***
«إن هذا ابتزاز.»
لا بد أنه معتوه.
وفغرت كلوديا فاها وهي تنظر إلى مورغان. وتمتمت: «مورغان، ألا تظن أنك تفهم الأمر من وجهة معكوسة؟ إن عندك من الأسباب التي تجعلك تخاف من انكشاف الحقيقة، أكثر بكثير مما عندي. إنني أنا التي في استطاعتها ابتزازك.» فقال: «في استطاعتك ذلك يا كلوديا، إنما هل ستفعلين؟» فخفضت أهدابها القاتمة تتصنع التفكير، وما لبثت أن لمعت عيناها وهي تنظر إلى وجهه الجامد. وقال هو بصوت ناعم: «إنك لن تجرؤي.»
------------
الفصل الأول
------------
«إن أكبر الأكاذيب، غالباً ما يعلن بصمت.»
روبرت لويس شيفنسون. «إنك حامل.»
نظرت كلوديا، التي لم تجد في خلال الأشهر القليلة الماضية ما يدعوها إلى السرور، إلى بطنها البارز تحت ثوبها الصيفي الواسع الباهت اللون، وغمرها شعور ساخر رفع من معنوياتها. بادرت الرجل الغريب الأسود الحاجبين الذي كان يقف عند عتبة بابها ينظر إليها عابساً، قائلة بلهجة ساخرة تتصنع الفزع: «وهكذا، بعد كل تلك النقود التي بددتها على محلات إنقاص الوزن، إذ بي اكتشف أن الأمر لم يكن سوى أنني حامل...»
لكن ثرثرتها، بدلاً من أن تدفع به إلى الابتسام، زادت من عبوسه. كان مديد القامة يتناقض لون شعره الأسود القصير مع لون بشرته الناصع البياض، وقد أسبغ ظل على فكه البارز، طابعاً فظاً على مظهره إجمالاً. وكان ينظر إليها بعينين ضيقتهما أشعة الشمس الساطعة. وفي الحقيقة، لولا أناقته البالغة، في بذلته الرمادية وربطة عنقه الحريرية الثمينة والتي تشير إلى ثرائه المفرط، لشعرت كلوديا بالخوف. ولما قالت إنه لا بد قد أخطأ وقرع الباب الخطأ، أجاب بعناد: «هذا غريب.»
قالت ممازحة: «وهذا هو رأيي أنا كذلك، إنما هل أنت عادة تبتدىء الحديث مع الغرباء بمثل هذه الصراحة؟» فأجاب بجفاء وهو يشير إلى بطنها المنتفخ: «لا أظن ثمة شخص بمثل صراحتك أنت.» حول جوابه هذا ممازحتها، انزعاجاً، إذ بدا لها أنه أكثر تبلداً من أن يتقبل المزاح. ومن ناحية أخرى، فإن أحداً لا يحب أن يصبح اضحوكة لمجرد غلطة بريئة اقترفها، كقرع الباب الخطأ هذا، ولم يكن من اللائق بها أن تسخر من جهله، ولكنها لم تستطع مقاومة أن تعود لتقول مرة أخرى ممازحة وهي تتنهد بصوت عال: «حسناً، ما الذي تبيعه؛
معدات للتنظيف؟ دائرات معارف؟» لقد خاطبته كما تخاطب ربة منزل، رجلاً غريباً يقرع بابها، مع أنها تدرك تماماً أنه من غير الممكن أن يكون بائعاً، ناهيك ببائع جوال على الأبواب. ولكن، من الواضح أن الجاذبية التي يتحلى بها، عادة مثل أولئك الباعة، تنقصه هو.
قال وقد تصلب في وقفته لدى قولها هذا: «إنني لا أبيع شيئاً.» قالت: «ليس لي على كل حال، هل هو يومك الأول في هذه المهنة؟ في الحقيقة يجب أن تتفهم طبيعة عملك إذا أردت أن تتخذ مهنة بائع جوال على الأبواب هذه.» جمجم غاضباً وقد بان الشر في عينيه: «قلت لك إنني لست بائعاً.» شعرت كلوديا بأن استهتارها غير العادي سيوردها مورد الخطر. ولا بد لها من أن تفعل شيئاً يستقيم معه أمرها مع هذا الرجل الفظ. وقالت بلطف تخفف من ثورته:
«طبعاً، أنت لست بائعاً...» «لا تحاولي التلطف معي يا آنسة لاوسون.» كان في مخاطبته لها بوضعها العازب، وكذلك ادراكها أنه يعرف هويتها، ما يشبه صدمة أحدثها انزلاق ماء مثلج فوق رأسها، يغسل ما يحويه من السخرية والتفكه، كما أنه يوضح بجلاء أسباب ازدرائه لها. انتابت كلوديا موجة من الاكتئاب وفتور العزم، إلى خيبة أمل ليس لها ما يبررها في زائرها غير المتوقع هذا. ذلك أنها واجهت، في المدة الأخيرة ما يكفي من المتحاملين عليها من ذوي العقول الضيقة. وسرعان ما استحالت شبه الابتسامة التي كانت تلطف من ملامحها عبوساً وهي تشعر، فجأة، بأن نور أشعة شمس الصيف قد كشف أمرها. وشعرت نحوه بالكراهية البالغة إذ يعرض بوضعها الشاذ المنتقد.
تساءلت إن كان صحافياً، ولكن هذا الاحتمال لم يرجح على احتمال كونه بائعاً. ذلك أن الصحف لا تمنح مراسليها مرتباً يمكنهم من شراء بدلة بألف دولار التي تعرف رفعت حاجبها في حركة تنبيء عن الكبرياء الطبيعية هي أنها تميز ملامحها الدقيقة. لقد سبق ودعاها «كريس» برائعة الجمال، وبرغم أنها كانت تدرك أن وجهها كان أقل من أن يمثل الجمال، إلا أنه جعلها تصدق ذلك. وقد أصبح وجهها هذه الأيام أقل جمالاً، نتيجة الشعور بالغثيان الذي يفسد شهيتها إلى الطعام على الدوام، هذا إلى الجهد البالغ في التظاهر أمام الملأ، بعدم الاهتمام. قالت: «إذن، هات ما عندك يا سيد...»
سألها متجاهلاً طلبها معرفة اسمه: «هل «مارك» في الداخل؟» «مارك؟» وحيث أنها كانت تتوقع هجوماً آخر على مسلكها، فقد كان سؤاله البريء عن الساكن في بيتها، قد حيّرها. وكرر هو: «مارك ستون.» عادت تكرر الاسم، مارك ستون، ببطء معطية بذلك، فرصة لنفسها للتفكير. أهو بريء هذا الرجل؟ كلا بالتأكيد. هل كان يريد معلومات عنها أم عن مارك؟ هل هذا الرجل هو السبب الذي دفع الشاب إلى إبداء شعور غريب بالذنب في الأسابيع الأخيرة؟ هل وقع مارك في بعض المشكلات ولم يشأ أن يحملها هماً، فوق همومها، بازعاجها بمشكلاته الخاصة؟
عادت كلوديا تنظر إلى زائرها الذي كان واقفاً ينتظر جوابها بفارغ الصبر. إن مظاهر الثراء ليست دليلا على النزاهة والفضيلة، كما علمتها الظروف. إن الملابس الفاخرة لـم تـخف التهديد البادي من شكل شفتيه الملتويتين، والنظرة الباردة في عينيه الضيقتين أو توتر عضلات عنقه أو مظهر كتفيه داخل سترته الأنيقة. لقد جاء متأبطاً المتاعب، وكان مستعدا لمجابهتها. كان يمثل القسوة بشكل لا يتصوره عقل. هل كان عدواً؟ أم أنه دائن جاء يطالب بدين مستحق؟ وتجاوزته بأنظارها إلى السيارة الواقفة خارج بوابة منزلها الصغير، كانت (جاكوار) فضية اللون يبدو عليها نفس المظهر المتكلف الصارم الذي يبدو على هذا الرجل الواقف أمامها
أخيراً، استقر رأيها على أن تقول ببرودة: «إنه ليس هنا.» لكن، لم يظهر عليه أي شعور بالأسف أو بالرغبة المهذبة للرحيل، بل قال متحدياً إياها أن تنكر قوله: «إنني أعلم أنه يسكن هنا.» قالت دون أن تخفي سرورها لخيبة أمله: «إنني آسفة، فهو ليس هنا في الوقت الحاضر.» قال دون أن يخفي، هو أيضاً، عدم تصديقه لها: «حقاً؟ تعنين أنه حقاً ليس في البيت أم أنه ليس في البيت بالنسبة إلي.» الأمرين معاً.» قالت بجمود: «بما أنني لا أعرفك، يمكنك أن تخمن قال: «سأنتظر. قالت وقد لمعت عيناها البنيتان مكراً: «حسناً، يمكنك ذلك .»
كانت ترجو أن تلهبه الحرارة في بدلته السميكة اثناء انتظاره ضحية لن تأتي ابدأ، هذا مع أن سيارته لا شك تحتوي على مكيف هواء. قال: «شكراً وقبل أن تدرك قصده، كان قد تجاوزها، بخفة مستغربة ممن هو في مثل طوله، داخلاً إلى القاعة المبردة، وهو ينظر داخل الغرف إلى الجهتين. صرخت في أثره: «ما هذا؟ماذا تظن أنك تفعل؟» وكانت قد تركت الأبواب داخل المنزل مفتوحة لتسمح للهواء بالدخول وتخفيف حرارة جو الصيف. وفي الوقت الذي وصلت فيه إلى ذلك الزائر المتطفل،كان قد انتهى من التفتيش في المطبخ الخالي والحمام وغرفتي النوم، احداهما كانت تحتوي على
سرير مزدوج، أما الثانية فقد كانت تحتوي على أريكة ومهد طفل هزاز وكذلك مكتب وكرسي. إذ أدركت أنه ليس بمقدورها ايقافه عند حده، اندفعت إلى غرفة الجلوس أمامه، وهي تشعر بتفجر الطاقة في جسمها طاردة كل شعور بالتعب والخمول اللذين رافقاها منذ بداية الحمل. قالت: «إن مارك ليس هنا كما ترى. ربما تريد أن تفتش داخل الخزائن أو تحت السجاد، إذ ربما كان مختبئاً في القبو.» قال: «وهل عندك قبو؟» تجمدت نظراتها إزاء هذه الريبة الشديدة التي يبديها هذا الرجل الذي بدا خالياً من أي حس أو تفهم. قالت: «كلا، وإن كنت أتمنى لو أملك قبواً لأحبسك فيه إلى أن يأتي إليك العفريت.»
قال وعلى شفتيه شبه ابتسامة: «أتظنينني مجنوناً؟ إذن فأنت لم تري شيئاً بعد يا آنسة لاوسون.» فكرت هي، إذن في استطاعته أن يبتسم... ولكن هذا لـم يدخل السرور إلى نفسها، إذ أن المكر الذي كان يبدو في التواء شفتيه يدخل الهلع إلى نفسها. لم يكن في ابتسامته تلك أي معنى للمرح أو التسلية. وكانت عيناه أكثر بعثاً على الهلع. وقد رأتهما الآن، في الظل، رائعتي الجمال، شديدتي الزرقة إلى حد مدهش. ولكن ملامحه الباردة وفكه القاسي
كانت خالية تقريباً، من أية جاذبية، بينما عيناه كانتا، لحيويتهما الرائعة، مغناطيسيتين تقريباً. وبادرها قائلاً: «أين هو؟»

تحميل الرواية من هنا

الذهاب إلى الصفحة الرئيسية للموقع