حب يموت مرتين
The Sicilan’s Virgin Bride

الكاتبة : ساره مورغان
روايات احلام
الملخص
كل ما أراده ريكو هو زوجة لطيفة غير معقدة تنجب له العديد من الأطفال. لكن فرانسيسكا هربت منه يوم زفافهما وقبل الرقصة الاولى. الآن لم يعد ريكو مضطرا إلى ملاحقتها والبحث عنها. فقد عادت بنفسها إلى حيث يجب أن تكون الزوجة الصالحة. إلى احضان زوجها. تعرض ريكو للخيانة ليلة زفافه. والآن لا شيء سيمنعه من الحصول على عروسه العذراء...

تحميل الرواية مكتوبة

تحميل الرواية مصورة

الفصل الأول
هربت يوم زفافها
تمكنت جيسي من استئجار طائرة خاصة صغيرة بما تبقى لديها من نقود. شدت حاشية قبعتها لتغطي عينيها، وتخفي معظم ملامحها، أما شعرها فجمعته في عقدة، وأخفته عن الأنظار. ارتدت معطفا عاديا أسود اللون فوق سروال أسود، ولم تضع أي مساحيق زينة أو مجوهرات، فهي لا تريد أن تجذب الانتباه إليها. لو نظر إليها ربان الطائرة عن كثب، للاحظ لون بشرتها الشاحب وارتجاف يديها، وهي تمسك بحقيبتها الوحيدة الصغيرة. لو أنه فعل، للاحظ أيضا النيران المشتعلة في عينيها الزرقاوين والتصميم الشديد الواضح في ذقنها المرفوع، لكنه لم يكن ينظر باتجاهها. ألقى نظرة واحدة مختصرة عليها ما إن صعدت إلى الطائرة، ثم فقد أي اهتمام بها. دفعت جيسي مبلغا كبيرا من المال من أجل ذلك بالتحديد. مع ذلك جلست بتوتر في مقعدها، غير قادرة على الإحساس بالارتياح وهي تحدق من خلال النافذة الصغيرة في الظلام. رفضت أن يقدم لها أي شراب منعش بهزة مختصرة من رأسها، فهي غير قادرة على إضافة المزيد من الانزعاج إلى معدتها المتوترة المهتاجة. بعد قليل ستهبط الطائرة في صقلية. مجرد التفكير بذلك يجعلها تشعر بالمرض والغثيان. حاولت أن تهدئ من تسارع نبضها. أغمضت عينيها، ومالت إلى الوراء، على مقعدها، وراحت تتنفس بعمق. لا شيء سيوقفها، فلا أحد يتوقع حضورها، مرّت ستة أشهر... ستة أشهر تعلمت خلالها أن تعيش بمفردها.. لا أسماء ولا هوية ولا ارتباطات... عاشت مجهولة الهوية كي تحمي نفسها، أما الآن فها هي تعود إلى صقلية. هذه الجزيرة السابحة في البحر المتوسط أشبه بالجنة، لكنها بالنسبة إلى جيسي مجرد سجن! فكرت وهي تتحرك بقلق على مقعدها، قريبا.. قريبا جدا ستقوم بما يجب عليها القيام به، أما الآن فكل ما تريده هو أن ترى أمها. مرّت ستة أشهر على غيابها... سار مساعد الطيار إلى مؤخرة الطائرة، وقال: " سنهبط في غضون خمس دقائق، آنسة بركلي! ثبتي حزام الأمان جيدا. ستكون السيارة بانتظارك، كما طلبت ". تحدث باللغة الإنكليزية بنبرة ثقيلة، فأجابت جيسي باللغة ذاتها، متجنبة أن تفضح حقيقة طلاقة لسانها باللغة الإيطالية. للحظة قصيرة فكرت بما سيقوله الربان لو أنه عرف هويتها، ثم رفعت كتفيها بلا اهتمام، مؤكدة لنفسها أن لا مجال لذلك أبدا. لا شيء في أوراقها الثبوتية سيكشف عنها. هز مساعد الطيار رأسه قائلا: " فايين! أتمنى لك رحلة آمنة " رحلة آمنة؟! اكتشفت جيسي أن فمها اصبح جافا بسبب الخوف. ازداد توترها ما إن هبطت الطائرة محدثة سلسلة من الارتجاجات. أخيرا، وضعت يديها على حزام الأمان، أزالته، ثم رفعت الحقيبة الصغيرة، وأجبرت نفسها على السير إلى الجهة الأمامية للطائرة. ستسير الأمور على ما يرام! قالت ذلك لنفسها بحزم، وهي تنزل الدرج لتسير على درج الطائرة. تنفست لتتنشق عطر صقلية، وتشعر بدفء هوا الليل الذي يطبق عليها. توفي والدها وانتهت مراسم الجنازة، ولا أحد يتوقع قدومها إلى المنزل. ستدخل خلسة لترى أمها، ثم تغادر. بعد ذلك ستعمل على إنهاء زواجها. لن تهرب بعد اليوم، ولن تختبئ. أعلمتها الأشهر الستة الأخيرة أنها تملك قوة كافية.. أكثر مما يمكنها أن تتخيل. ذكرتها أضواء السيارة التي تقترب منها بأضواء السيارات التي تطارد الهاربين. حاولت السيطرة على ذهنها المضطرب وعلى دقات قلبها المتسارعة. ازداد توترها ما إن اقتربت السيارة منها، وتوقفت بهدوء قربها. بالكاد انتظرت أن يفتح الباب الخلفي قبل أن تصعد إلى الداخل. فقط عندما اغلق الباب وراءها، واقفل عليها، ادركت أن هناك شخصا آخر في المقعد الخلفي للسيارة. شعرت على الفور بانقباض في معدتها، وبتوتر لا يمكن وصفه لشدة الرعب. آه.. لا، لا! تجمدت مكانها من الصدمة، ولم تعد قادرة على الحركة أو على الالتفات. لا داعي لأن تلتفت، فهي تعرف من هو، فقد شعرت بحضوره بكل عصب وكل نبض في جسدها. ريكو كاستيلاني البليونير الوغد.. زوجها! راقبها ريكو وهي تمد يدها إلى مقبض الباب، وراقبها عندما استسلمت لحقيقة أن أبواب السيارة مقفلة، وهكذا لم يعد لديها أي وسيلة للهرب. من تحت حافة القبعة، تمكن من رؤية عينيها اللتين ظهر فيهما الرعب، كذلك الرعب الذي يتملك حيوانا جريحا. فكر بضيق أنه قلل من شأنها، وشعر على الفور بومضة من السخرية. من بين كل النساء اللواتي تعرف عليهن، فرانسيسكا هي الوحيدة التي تمكنت من مفاجأته. - بوناسيرا، تسورو! أهلا بعودتك. رأى كيف شحب وجهها، واختفى اللون منه. من الواضح أنها لم تتوقع وجوده هنا. أهي حقا بهذه السذاجة؟ هل اعتقدت حقا أنها تستطيع العودة إلى صقلية، من دون أن يعلم بذلك؟ انتظر أن تقول شيئا ما، لكنها لم تتحدث. بدلا من ذلك جلست جيسي بهدوء، وهي تمسك بحافة المقعد. راح صدرها يعلو ويهبط بسرعة. لو أنها امرأة أخرى، لشعر ريكو بالاسف حيالها، لكنه بعيد جدا عن الشعور بالأسف على زوجته. لماذا عليه أن يتعاطف معها بعد ما فعلته؟ إنها محظوظة جدا لانه مستعد للجلوس معها في السيارة ذاتها. - تبدين متفاجئة لرؤيتي. بمجهود كبير تمكن من الاحتفاظ بنبرة صوت هادئة، خشية أن يبوح بما يشعر به بالفعل. تابع قائلا: " لماذا؟ نحن متزجان تسورو. لم لا أكون هنا للقاء زوجتي أثناء عودتها إلى الديار؟ " أخيرا استدارت جيسي لتنظر إليه، فرأى الدهشة في عينيها وهي تقول بنبرة مختنقة: " كيف علمت بعودتي؟". اضطر إلى التركيز بشدة ليتمكن من سماع كلماته. رفع كتفيه بدون اهتمام وقال: " هل اعتقدت حقا أنني لن أعرف؟ أنت زوجتي فرانسيسكا! ،انا أهتم بأي أمر يحدث لك. أوصاني والدك بك، وهذه مهمة أتحملها بمنتهى الجدية ". استعادت نبرة صوتها بعض القوة، وهي تقول: " احقا؟ أنت لا تهتم لي أبدا، ريكو. أنت لا تهتم سوى بنفسك ". مال ريكو إلى الأمام، ونزع القبعة عن رأسها. انفلت شعرها من عقدته، وانسدل فوق كتفيها بتموجاته الناعمة. بدت يافعة بشكل لا يصدق، وصغيرة جدا لتقوم بتلك المكائد كلها. تمتم ريكو بتعجب: " كم تفاجئينني! أنت مليئة بالاندفاع والحياة، لكن ذلك لا يظهر عليك مطلقا. عندما التقينا بالكاد كنت تتكلمين. رحت أتملق كي أتمكن من انتزاع الكلمات من فمك. اعتقد أنك خجولك، لكن.." حدقت بي جسي للحظات، قبل أن تقول: " انت لا تعرفني مطلقا، ريكو! " - هذا أمر واضح جدا. تساءل إن كانت قد لاحظت نبرة السخرية في صوته، وهو يتابع: " لكنني أرغب بالتعويض عن ذلك. في الواقع، سوف أضحي بوقتي كله لتعزيز تعارفنا ". ظهرت نبرة من الرعب في صوتها، فيما أخذت تهز رأسها بسرعة: " لا! أنت لست بحاجة إلى ذلك.. انا لا أريد أن أعرفك.. ما أعرفه أكثر من كاف لي " إنها كتلة من التناقض! فكر بذلك وهو يحدق بها. الانطباع الأول لدى رؤيتها يظهر أنها لطيفة وجبانة، مع ذلك برهنت أنها طائشة وماكرة. - شعرك الأسود يشير إلى أنك تحملين دماء إيطالية. مال إلى الأمام، وبرقة لف خصلة من الشعر الحريري على اصبعه، ثم تابع: " لكن هاتين العينين الزرقاوين تظهران صلتك بالعرق الإنكليزي ". تملك جيسي عينين كبريتين بلون الزمرد وبشرة ناعمة حريرية. في الواقع إنها صورة مثالية للأنثى الشابة البريئة. مع ذلك يعرف ريكو أنها فقدت براءتها إلى الأبد.. أضاعتها مع رجل آخر. اندفع الغضب بقوة في عروقه، مع عاطفة أخرى أكثر بشاعة وخطرا: إنها الغيرة! هذا ما يشعر به المرء عندما يواجه الخيانة الزوجية. شيء ما من ماضيه، شيء مظلم وخطير، انبعث حيا، فحاول بقسوة قهره والسيطرة عليه، مذكرا نفسه بالقاعدة الذهبية التي تتحكم بحياته: تحرك إلى الأمام.. دائما إلى الأمام.. ولا ترجع إلى الماضي أبدا. بالرغم من أنها فقدت براءتها، لكنها لا تزال له. تسارعت أنفاس جيسي وهي تقول: " لا تلمسني! لا أريدك أن تلمسني ". وبحركة سريعة من رأسها، أفلتت شعرها من بين أصابعه، وانزلقت إلى أقصى زاوية في المقعد. راحت تحدق إلى الأمام مباشرة، وكأنها بعدم النظر إليه تستطيع، بطريقة ما ن أن تنكر وجوده. قالت: " أريد الذهاب إلى منزل والدي ". أخذ ريكو يقاوم رغبة بأن يديرها باتجاهه على المقعد، ليجعل نفسه مركز اهتمامها. بقي صامتا للحظة، وعيناه مركزتان على وجهها الجانبي وهو يفكر بطلبها. - ألم تتأخري قليلا؟ توفي والدك، وأقيمت الجنازة منذ أسبوعين. قال ذلك بنبرة ناعمة، مع ذلك لم تبدر منها أي ردة فعل. لا شيء. هذا أمر غريب! فكر بذلك وهو يراقبها. ما يحدث أمامه لا يطابق ما يعرفه عنها. تابع قائلا: " بما أنك طفلته الوحيدة، ألم تعتقدي أن من الأفضل أن تحضري وتقدمي التعازي قبل الآن؟" أدارت وجهها نحوه، فرأى شيئا ما في عينيها لم يستطع أن يفسره. قالت بهدوء: " لا! لم أفكر بذلك " - لم لا؟ ساد صمت طويل.. صمت طويل عملت خلاله على التحديق به ببساطة، فيما لفّ الغموض عينيها. بعدئذ أدارت رأسها قائلة: " علاقتي بأبي ليست من شأنك ريكو، فأنا لا أدين لك بأي شي أو باي تفسير. انا لست هنا لأراك. أتيت لرؤية أمي " - أمك رحلت. سمعت جيسي نبرة دهشة في صوتها، ولمعت عيناها بالخوف وهي تقول: " رحلت؟! إلى أين؟ ". - لا فكرة لدي مطلقا. ما إن قال ذلك حتى مدّت يدها عبر المقعد، وأمسكت بذراعه بأصابع متوترة. - هل حضرت الجنازة؟ أريد أن أعلم. - أجل، وغادرت بعد فترة قصيرة من ذلك. راقبها كيف غاصت في مقعدها. ثم أغمضت عينيها، فيما بدا الارتياح واضحا على ملامح وجهها. همست. - في هذه الحالة يمكنك إيقاف السيارة. ساعود إلى الطائرة مجددا، ولن أزعجك بعد الآن. يمكنك المضي بحياتك كيفما تشاء. - هذا ما أرغب بالقيام به، لكنني بالتأكيد لن أعيدك إلى تلك الطائرة. تابع ريكو بصوت خافت: " لدينا الكثير لنتحدث عنه. أهلا بعودتك،تسوروا!" هي ما زالت زوجته! ذكر نفسه بذلك بتصميم وعناد. كل أمر آخر أصبح من الماضي، وهو خبير في كيفية إبقاء عينيه مركزتين بحزم على المستقبل. حاولت جيسي أن تفكر بسرعة. لِم لم تتوقع ذلك؟ كيف أمكنها أن تكون بمثل هذا الغباء، فتتخيل أنها تستطيع الوصول إلى صقلية من دون أن يلاحظها احد؟ في أي لحظة بالتحديد نسيت من هو زوجها؟ ألم تتذكر أن الجميع هنا يدعونه الثعلب؟ حقق ريكو مليونه الأول قبل أن يتخطى سنوات المراهقة، وتابع تكديس المال بتصميم قوي لا يرحم، وقد عرف عنه أنه قاس متطرف ووسيم جدا. إنه محور أحلام النساء، وقربه منها يؤثر على سرعة بديهتها وعلى قدراتها العقلية. قطب ريكو جبينه، وراقبها وهو متكئ على مقعده، فيما بدا هادئا، ما جعل جيسي تجد سيطرته على نفسه أمرا مخقيفا حقا. كل ما فيه غامض، عيناه، شعره وطبعه الناري. ارتجفت من دون قصد منها، فهو يمثل السلطة والقوة، وهي تعلم أن هذا الرجل يملك قوة وتأثيرا أكثر مما كان والدها يملك. إنه الشريك اللبق الى اقصى الحدود، لكنها لست حمقاء لتنخدع بهذه الشخصية المتحضرة التي يقدمها للعالم. البذلة الأنيقة التي يرتديها والحذاء المصنوع يدويا الذي ينتعله مع كل ما يمثله من جاذبية ووسامة ليست إلا مظهرا زائفا لخداع الآخرين. إنه مظهر تنكري يخدع به معارضيه، لكي يشعروا بإحساس زائف من الأمان. أما هي فتعلم أن تلك الابتسامة الساحرة التي تجذب الكثير من النساء تخفي شخصية باردة، قاسية، تثير حسد أي صياد ماكر ماهر. مهما تأنق هذا الرجل، وكيفما ظهر للناس، فهي تعلم الحقيقة بكل وضوح، ريكو كاستيلاني صقلي مئة بالمئة، وجيسي واحدة من القلائل الذين يعرفون ذلك. - لا يمكن أن تكون جديا برغبتك في استمرار زواجنا؟ لا شك أنها أساءت فهم ما قاله. امتد الصمت بينهما، وحدقت به جيسي بصمت ورعب. بدا من المستحيل عليها أن تقرأ تعابير وجهه، كما أنها غير قادرة على النظر بعيدا عن عينيه السوداوين اللامعتين. - لماذا؟ - لان زواجنا انتهى. لانها تخلت عنه، والرجل الصقلي لا يغفر عملا كهذا! ابتسم ريكو ببرودة قائلا: " زواجنا لم يبدأ بعد، تسورو! والفضل يعود لك بذلك. لدينا الكثير من المشاكل التي علينا تخطيها، وهذا ما اسعى للقيام به ". شعرت جيسي بقلبها يدق في صدرها كالمطرقة، أما جسدها فراح ينتفض بقوة، فيما سيطرت عليها موجة من الغضب، لدرجة أنها خشيت أن تغيب عن الوعي. - ما الذي تفعله هنا؟ لماذا أنت هنا؟ قالت الصحف إنك في نيويورك. هذا بالتحديد ما شجعها على المجيء إلى صقلية. - يجب الاّ تصدقي ما تقراينه في الصحف، لكنني أشعر بالإطراء لمعرفتي أنك كنت تهتمين بتحركاتي خلال عطلتك الطويلة. قال ذلك بصوت ناعم، وهو لا يزال يحدق بها. أعطى بعض التعليمات للسائق قبل أن يجلس بارتياح، وهو يتابع: " من الواضح أنك اشتقت إلي. لا تشعري بالخجل، فهذا أمر طبيعي جدا. أليس من الطبيعي أن تشتاق الزوجة لزوجها؟ أشعر بالارتياح الآن لأن شملنا اجتمع من جديد " بدت نبرة صوته ناعمة ومتحضرة، لكن جيسي شعرت أن راحتي يديها أصبحتها رطبتين، فهي لا تنخدع بمظهره الهادئ. ريكو خصم خطير، وهي تعلم أن تصرفاتها وضعتها في موقع الخصم له. لا بد أنه غاضب. هي تعلم أنه غاضب، مع ذلك لم يرفع صوته حتى الآن. - كيف.. كيف عرفت أنني على متن تلك الطائرة؟ عادت لتتلعثم من جديد، رغبت في الصراخ من شدة الإحباط. لماذا الآن؟ إنها بحاجة إلى كل ما لديها نم ثقة بنفسها. لماذا هجرها وتخلى عنها فجأة كل ما تعلمته خلال الأشهر الستة الماضية؟ - من الطبيعي أن أعرف. تكور فمه عن ابتسامة باهتة، وهو يتابع: " بعد موت والدك، عودتك إلى صقلية أمر محتوم. كل ما يحتاجه الأمر بعض الوقت. صحيح أن الصبر ليس من صفاتي، لكنني قاومت كثيرا للحصول على شيء منه " - اعتقدت أنك لا.... - ما دمت لم تعودي إلى البلاد لحضور الجنازة، أفترض أنك عدت الآن بشكل نهائي، لأنك سئمت من حبيبك. - اي حبيب؟ ما زال تشعر بصدمة وجوده، وهي لا تستطيع إبعاد نظراتها عن عينيه. - أنت زوجتي. منذ اللحظة التي تبادلنا فيها عهود الزواج، أصدرت الأوامر لحراس الأمن لدي بمراقبتك. لذا إن كنت تحاولين أن تنكري أنك غادرت زفافنا مع كارلو مانسيني... رفع كتفيه بلا مبالاة، وكأن الأمر الذي يتحدث عنه بلا أهمية، قبل أن يتابع: -..... فأنت إذن تضيعين وقتك. اتمنى أ، تكوني قد وجدت السعادة معه. الطريقة التي تفوه بها بتلك الكلمات زادت من توترها. تذكرت أن إحدى أهم مميزات ريكو هي قدرته على التفكير ببرودة وبعقل صاف حتى وهو يغلي من الغضب. وهو الآن كذلك. إنها تشعر بالصراع الدائر في أعماقه. على العكس من والدها، تعلم ريكو أن يسيطر على طبعه الصقلي النزق، واستعمله لمصلحته. بدلا من مواجهة العدو، هو يراقب نقاط ضعفه ثم يتحين الفرصة المناسبة ليهجم عليه. قرأت مرة مقالا عنه في صفحة اقتصادية من جريدة عالمية، حيث تم وصفه بالمعلم في التخطيط والدقة والمهارة، كما أنه عدو شرس لا يرحم. أما هي فقد تم دمغها كسجينة لديه من خلال فاعلية عقد زواجهما، وهذا أحد الأسباب التي دفعتها إلى الهرب. رحلت مع كارلو، البستاني الذي كان يعمل لدى والدها، ولم تفكر للحظة أن ريكو سيعتقد أنهما حبيبان. في الواقع، ذلك الافتراض من قبله هو سبب آخر يثبت اتساع الهوة بينهما. تلفظت بالكلمات قبل أن تتمكن من منع نفسها: "كيف عرفت أنني على متن الطائرة؟ دفعت ثمن التذكرة نقدا ". - وأنا دفعت لهم مبلغا أكبر. ظهر السأم على ملامح وجهه. نظر إلى ساعته، وتابع: " سذاجتك مؤثرة بالفعل. هل تعتقدين حقا أنني سأسمح لزوجتي بالعودة إلى صقلية من دون الحماية الكافية؟ انا مسرور بالفعل لأنك عدت إلى البلاد من دون صديقك. لأن ذلك كان سيحرجني بالرغم من المجهود الذي سأبذله " ضغطت جيسي باصابعها على المقعد، فبدت أصابعها بيضاء من شدة الضغط. هل يعتقد حقا أن كارلو حبيبها؟ في تلك اللحظة أدركت أن غضبه ليس نابعا من حبه لها بل من كبريائه الجريحة. اعتقد أنها أقامت علاقة غرامية مع رجل آخر. للحظة بقيت جيسي صامتة، ثم تذكرت أي نوع من الرجال هو ريكو، فشعرت بالشجاعة تنبعث من داخلها. إن كان عليها أن تواجهه فلتبدأ الآن. تنفست بعمق، وبدأت بالقول: " لن أعود إليك، ريكو. لا أريد أن أبقى زوجة لك. أنا أريد الطلاق! " كررت تلك الكلمات مرات عدة، لدرجة انها انزلقت من شفتيها بسهولة واضحة، وعلى لافور شعرت بارتياح كبير. لقد انتهى الأمر! لن تستيقظ بعد الآن في الليل، وهي تخطط لأفضل وسيلة لمواجهته. أجاب ريكو بنعومة: " كيف يمكنك قول ذلك؟ ليس هذا ما قلته حين وقفت أمام الكاهن وقلت نعم أريد الزواج بريكو " - حدث ذلك لأنني اعتقدت أنك شخص لطيف. لمع المرح في عينيه وهو قول:" فرانسيسكا.. تسورو! أنا شخص لطيف ". اخفض جفنيه قليلا ليخفي ما يفكر به: " كيف يمكن أن تفكري بطريقة أخرى؟ أنا دائما لطيف مع العجائز والأطفال ". - أنت لا تعرف أي امراة عجوز أو أي طفل. رفع ريكو كتفيه، وحرك يده كأنهي صرفها عن التكلم بهذا الأمر: " لو كنت أعرف، لكنت لطيفا معهم ". - بعد ذلك ربما ستسرقهم. فأنت لا تفكر إلا بنفسك. كادت جيسي تختنق. استدارت للتخلص من نظراته الحارقة، التي تمزق أعماقها إلى شظايا. - على العكس تماما. أنا لم أفكر بأي شخص غيرك منذ رحلت يوم زفافنا. هل أحتاج إلى تذكيرك بأنك ما كنت تطيقين الانتظار للزواج بي؟ تلألأت النجوم في عينك منذ اللحظة التي تقدمت بها لأطلب يدك، فقد كنت مغرمة بي بجنون. شعرت جيسي بموجة حارة من الإذلال تحيط بها. فتحت فمها لتنكر ما قاله، لكن الكلمات لم تسعفها. كيف يمكنها أن تتلفظ بكذبة من هذا النوع؟ بالطبع كانت مغرمة به. كل ما في الأمر أن ذلك الحب لم يكن جزءا من مخططها. بدا لها الزواج من ريكو طريق الهروب المثالي من والدها. وأتتها الفرصة لتحظى أخيرا بالحرية التي تمنتها، وانتظرتها طويلا. بعد أن أمضيا بعض الأوقات معا، حصل لها ما يحصل لأي امرأة عندما تلتقي بريكو، وقعت أسيرة جاذبيته ووسامته، وهذا أمر لم تخبره به أبدا. حقيقة أنه علم بما كانت تشعر به نحوه، تجعلها ترغب في أن تختفي تحت أقرب صخرة من شدة اإحراج. نظرت إلى خارج النافذة، لتتمكن من إخفاء بؤسها وضيقها. ريكو رجل تتناقس العارضات والممثلات على جذب انتباهه، فكيف يمكن لفتاة خرقاء، لم يسمح لها يوما بالابتعاد عن قريتها، أن تحظى بفرصة للحصول على انتباهه؟ - اعتقدت أنني مغرمة بك. أجل، هذا صحيح. لكن حدث ذلك قبل أن أفهم أي نوع من الرجال أنت. لا يمكنني مطلقا أن أحب شخصا مثلك. قالت ذلك وهي تشعر بألم يكاد يخنقها، فهي لا تريده أن يدرك مدى اهتمامها به. حبست عواطفها لمدة طويلة، لدرجة أن جسدها ودماغها يكادان ينفجران. - قمت بما عليك القيام به لتجعلني أقول نعم، لكن الامر كان بالنسبة إليك مجرد إتفاق عمل. هذا ليس هو الزواج الذي أريده. أنا أريد زواجا حقيقيا. - زواج حقيقي؟ أنت تضيعين خاتمي في إصبعك. فماذا تريدين أكثر من ذلك؟ أظهرت السخرية في نبرة صوته رأيه بما قالته. - أنت لا تفهم ما أقوله. اليس كذلك؟ أدارت جيسي رأسها، وأجبرت نفسها على النظر إلى زوجها. قالت متابعة: " لا يتعلق الأمر بالخواتم والعهود، ريكو! هذه الامور لا قيمة لها. الزواج الحقيقي يتحدد بما تشعر به. إنه العناية والاهتمام والحب، هذه الأمور التي لا تعرف عنها أي شيء ". - وهل هذا ما قدمه لك كارلو.. الاهتمام والحب؟ السخرية في صوته كانت القشة الأخيرة. - أنت منافق حقيقي! لماذا رحلت يوم زفافنا، ريكو؟ هل أزعجت نفسك مرة بطرح هذا السؤال؟ رأت كيف ضاقت نظرة عينيه قليلا، لكنها لم تعد قادرة على كبح غضبها. فالغضب يتصاعد في أعماقها، ويمد أوصالها المرتجفة وثقتها المهتزة بالقوة. تابعت قائلة:" كيف تجرؤ أن تجلس أمامي، وتتهمني بأن لدي حبيبا، وتسخر مني، في حين أنك دعوت صديقتك إلى زفافنا؟ أي نوع من الرجال انت، ريكو؟ أي نوع من الرجال ذاك الذي يتوقع من صديقته أن تسر حين تراه يتزوج امراة أخرى، ويتوقع من زوجته أن تستقبل عشيقته؟ ألا تملك اي أحاسيس؟ " توقفت عن الكلام متفاجئة من ثورتها، إذ أصبحت فجأة سريعة الإدراك والفهم. أمضت طوال حياتها مع والدها، وهي تعض على لسانها، مطأطئة رأسها إلى الأرض، ولم تحاول أن ترد عليه يوما.لم يحدث معها أبدا قبل هذه اللحظة أن قالت ما تفكر به. بطريقة لا إرادية، انكمشت جيسي على نفسها في مقعدها، لكن ريكو لم يتحرك. استمر في مراقبتها فقط، وقد رفع حاجبه بسخرية وإعجاب معا. قال بنبرة متكاسلة: " هذا اطول حديث سمعته منك يوما. عندما كنا نمضي بعض الوقت معا قبل الزفاف، بالكاد كنت تتفوهين بكلمة. كنت خجولة جدا، وكنت أعمل جاهدا للحصول على أي نوع من الإجابة منك. كنت تحدقين بالأرض، بالجدار أو الطاولة، أواي مكان بعيد عني. إنه لأمر مذهل بالفعل أن ألاحظ أن لديك رأيا حاسما " تورد وجهها بقوة، فما قاله هو الحقيقة بعينها. كانت لقاءاتهما تتم بحضور والدها، وجيسي تعلمت من التجارب المرة أن من الأفضل لها أن تبقى صامتة كي لا تتعرض لغضبه. - حسنا! أنا أنظر إليك الآن، وأتكلم معك. قالت ذلك، وهي تحاول أن تحافظ على نبرة صوت ثابتة. لا مجال لتدعه يعلم بما تشعر به من توتر. تابعت قائلة: " ورأيي بك لا مجال لتغييره، ريكو! أنت تقيس كل شيء على أسا الربح، ولا تقوم بأي عمل إن لم تحظ بشيء ما منه. كما أنك لا تهتم لمشاعر الناس؟ أمضيت ستة أشهر وأنا أفكر بما حصل. تزوجت بي للحصول على شركة والدي، وهذا أمر سيء بما فيه الكفاية، إلاّ أنني اعتقدت أنك على الأقل تكن بعض الاحترام لي، لكنك قمت بدعوة عشيقتك إلى حفلة زفافنا ". سيطر الألم والإذلال عليها، وكأن هناك جرحا في أعماقها ما زال ينزف. - أنت ما زلت يافعا حقا. كان هناك أكثر من مئتي مدعو إلى الزفاف. - أنا لست مهتمة بذلك العدد كله. فقط اهتم لواحدة، تلك الشقراء التي لم تستطع الابتعاد عنك.. عشيقتك! صحح لها وهو يقطب جبينه: " صديقتي السابقة، ولا أعلم لماذا تهتمين لأمرها. انتهت علاقتي بها منذ وقت طويل جدا " - إذا لماذا كنت تعانقها على الشرفة؟ وضع يده على فمه ليخفي تثاؤبه. من الواضح أنه سئم من هذا الشجار. قال: " انا فعلا لا أستطيع أن أتذكر. بعض النساء عاطفيات بطبعهن. ربما كانت تعانقني عناق الوداع " عاطفيات بطبعهن! تذكرت جيسي ذلك العناق الملتهب. تذكرت الحسد الذي كاد يسمرها مكانها، فريكو لم يعانقها مرة هكذا. - لماذا دعوتها إلى الزفاف؟ أصبحت عيناه فجأة باردتين، وهو يقول: " وضعك لا يعطيك الحق بأن تسألي عن تصرفاتي. بصراحة، أنا لا أفهم سبب تذمرك، فقد تزوجت بك أنت، وأنت صاحبة الحظ السعيد ". احتاجت جيسي إلى بضع لحظات للتمكن من فهم ما قاله. - صاحبة الحظ السعيد؟ اي حظ؟ حدقت به غير مصدقة. بحثت في وجهه الوسيم الامسر البرونزي عن اثر للندم أو الأسف العميق، لكنها لم تجد غير الثقة بالنفس والتسلط. هذا الرجل لا يرضى بأن تسأله عن أفعاله. قال بنعومة: " أجل، أنت محظوظة. قدمت لك ما لم أقدمه لأي امرأة أخرى " - وما الذي يفترض بي أن أشعر به بالتحديد؟ - الامتنان. قالت وهي تكاد تختنق من الغضب: " الامتنان؟ الامتنان لإعطائي فرصة أن أتشارك بزوجي مع عشرات النساء؟ حسنا! اعذرني إن لم أشاركك بهذا المستوى من الامتنان!" - لم أتصور أبدا أنك تملكين مثل هذه الثورة في دخلك. كم يبدو ذلك مثيرا! هذا يشرح الكثير من الأمور. تابع التحديق بها، وهو يفكر مليا، ثم قال: " عليك أن تدركي أنني أعتبر الغيرة صفة مزعجة في المرأة، وغيرتك هذه سخيفة، ما دمت المرأة التي تضع خاتمي في إصبعها " - أنا لا أشعر بالغيرة. كي يراودك مثل هذا العشور يجب أن تكون مهتما بالشخص الآخر، وأنا لا أهتم بك مطلقا. في السابق كانت تفعل. جعلتها فكرة الزواج به تشعر بسعادة لا توصف، حتى إنها لم تكن قادرة على نزع الابتسامة عن وجهها. كان ذلك مجرد حلم طفولي، فالواقع أثبت لها أمورا مختلفة تماما. - لم أشعر بالغيرة، بل بالإذلال. ماذا توقعت مني أن أفعل، ريكو؟ هل افترضت أنني سأنظر إلى أولئك النساء المتعلقات بك، وأشعر أنني محظوظة؟ أهذا ما تقوله؟ هل افترضت أنني ساحتفل مع أولئك النساء، وابتسم لأنك اخترتني أنا؟ أهذا ما تريده؟ حدق ريكو بها من خلال جفون شبه مطبقة، وقال: " أنت تتصرفين بشكل هستيري ". - لا، ريكو! لست هستيرية. أنا أفكر بوضوح ولأول مرة منذ سنوات. في الواقع، لم تعد جيسي تهتم لنتائج ما سيحدث إن قالت ما تفكر به. ما الذي جنته من الصمت؟ - أجبني عن سؤال واحد. إن أردت أن تكون مع تلك الشقراء، فلّم لم تتزوج بها، وتقضي عمرك معها؟ - لوينا أميركية، وهي لست زوجة مناسبة لي. لديها عمل خاص بها، وهي مستقلة جدا. شهقت جيسي وهي تحدق به غير مصدقة: " أي نوع من الأجوبة هذا؟ أتقصد أن لديها من النمطق ما يكفي كي لا تتزوجك؟ آه! بدلا من ذلك اخترت فتاة حمقاء من صقلية لا تعرف أي شيء. أهذا ما تحاول قوله؟ حسنا! علي أن اذكرك أن امي إنكليزية الأصل. لذا فإن دمي الصقلي ليس صافيا. ارتكبت غلطة بالزواج بي، ريكو.. غلطة كبرى ". لم ترمش عيناه، وهو يحدق بها قائلا: " انا لأ أرتكب الأخطاء، أما أنت فارتكبت غلطة فادحة بالتخلي عن زواجنا، لكنك عدت الآن، لذا يمكنك البدء بإصلاح الأمر. قررت أن أتخطى حقيقة أنه كانت لديك علاقة سابقة، فقومي بدورك بطريقة صحيحة، وقد أتمكن من مسامحتك ". مسامحتها؟! حدقت به جيسي بيأس مطلق. ريكو كاستيلاني معتاد على معاملة النساء بطريقة سيئة، لدرجة أنه لا يدرك أن هناك طريقة أخرى. إنه تماما كوالدها. الزوجة هي المرأة التي تترك في المنزل، بينما يذهب هو للاحتفال مع نساء أخريات. - أنا متأكدة أنك وجدت العديد من النساء الراغبات في مواساتك. شعرت جيسي بالرعب بسبب الغصة التي تشكلت في حلقها. لماذا تهتم لذلك؟ لماذا تشعر بالانزعاج لأن زفافهما لم يعن إلا القليل له؟ لقد انتهى الأمر. زواجهما انتهى، وهي لا تشعر نحوه إلا بالكراهية. حدق بها ريكو ببرودة، وقال: " وافقت على الزفاف، وهذا ما كنت تريدينه " - كان ذلك قبل أن أعرف حقيقتك. - واي حقيقة تلك؟ شعرت كأن الهواء حبس في صدرها، فترددت للحظة. هي تشعربالإحراج من الاعتراف بسذاجتها، لكن هناك أوقات هامة جدا للصدق والاعتراف بالحقيقة. - أنت وأبي اوقعتما بي. كلاكما عاملتماني كأنني جزء من اتفاقية على سلعة ما. تلعثمت بالكلمات، فرفعت يدها إلى عنقها لتحاول التخفيف من تسارع أنفاسها. - اتفقتما وقايضتما، حتى حصلتما على ما تريدانه. جعلتني أعتقد أنك تريد الزواج بي لم أكن أكثر من مقايضة على سلعة ما. لم يتوقف أي منكما للحظة ليفكر بي. لم تفكرا بما أحتاج إليه، وبما أريده. فكرتما فقط بما يريده كل منكما. شعرت جيسي بالتمزق بسبب جشعهما وعدم اهتمامها بها. - معظم الزيجات تتم على هذا النحو، ونحن لم نكن غريبين عن بعضنا. يبدو أنك نسيت الوقت الذي أمضيناه معا. قال كلماته بنبرة حازمة، فعلمت بالتحديد ماذا يقصد بقوله. في تلك المناسبة الوحيدة دفعها الفضول لمواجهة الخجل والمنطق، وأقدمت على معانقته. تلك التجربة أقلقت نومها منذ تلك اللحظة. العناق الدافئ وهو يضمها غليه، ويمرر يده على ظهرها... الإحساس المفاجئ الذي تملكها جعلها تتمنى لو أن عناقهما يستمر أكثر، لكنه توقف بغته. أدركت أن ريكو لا يشعر بأي انجذاب نحوها، وقد تزوج بها لأسباب مختلفة تماما. لكنها لم تستطع نسيان ذلك العناق، ما زال جسدها حتى الآن يتلوى لمجرد الذكرى. أصابها الرعب من ردة فعلها، فرفعت بصرها نحوه، ورأت اللمعان في عينيه. لا بد أنه يعرف مدى جاذبيته. حدق بها بسخرية جعلتها تشيح ببصرها عنه بسرعة. شعرت جيسي بالإحراج من ردة فعلها، لكنها قالت: " لم أتمكن من معرفتك أبدا، فأنت لم تبح لي بأي شيء عن نفسك، ريكو. أما بالنسبة إليك، فتلك اللقاءات لم تكن أكثر من مقابلة من أجل وظيفة " - وظيفة...! وما هي الوظيفة؟ لاحظت أثر للمرح في نبرة صوته وهو يكرر ما قالته. - زوجة لك. الأجر غير محدود. المكافأة الإضافية والتحفيزات: مذهلة. المطلوب: فتاة مطيعة لا علاقات سابقة لها، خنوعة، تعمل ما يطلب منها، ولا تتكلم أبدا... لم تتمكن من منع نفسها من التحديق به. تذكرت عناقه لها، ثم تذكرت أنه كان يعانق عشيقته يوم زفافهما. - ... فتاة مستعدة لتتحمل علاقاتك العاطفية العديدة. حسنا! اخترت المرأة غير المناسبة لهذا العمل. أنا أستقيل. في المرة الثانية عندما ترغب في الزواج، عليك أن تمدد فترة المقابلة ريكو! - لِم قد أرغب بأن أتزوج ثانية، ولدي زوجة رائعة تجلس الآن أمامي؟ نظرته سببت رجفة في جسدها، فحدقت جيسي به، محاولة أن تخفي ما تشعر به. إنه يمزح.. لا بد أنه يمزح! لا يمكن لرجل متفاخر مثل ريكو أن يسامح زوجته التي تركته يوم زفافهما. لا بد أنه سيطلقها... لا بد أنه سيفعل. سيصعب الأمر عليها ن لكنه سيطلقها في النهاية، وستصبح حرة. - أنت فقط تقول ذلك لتعاقبني، لأن صورتك الاجتماعية اهتزت. - أظهرت ابتسامته أن جملتها جعلته يشعر بالتسلية:" صورتيالاجتماعية لم تتغير أبدا". - لا اصدق أنك لا تزال متمسكا بوزاجنا. كلانا نعلم أنك تزوجتني فقط لأن ذلك الزواج كان جزءا من الاتفاق الذي ابرمته مع والدي. شعرت جيسي بالإهانة لاعترافها بتلك الحقيقة. لا بد أن ريكو لم يجدها جذابة على الإطلاق، ومن الواضح أن هذا هو السبب الذي دفعه إلى الابتعاد عنها بعد أن عانقها. فقد كان يؤجل مسألة التقرب منها ومعانقتها قدر ما يستطيع. - احتاج والدي إلى شخص يدير أعماله، فاختارك أنت، لأنك الرجل الوحيد العديم الرحمة مثله. أنا أهنئك على ذلك. رفع ريكو حاجبه، وقال: " عديم الرحمة؟! أعتقد أنك تقصدين أنني أملك القدرة على اتخاذ القرارات بدون التأثر بالنواحي العاطفية، وهذا مفهوم تجده معظم النساء أمرا مزعجا " أما هي، فكانت غبية إلى درجة جعلتها تغرم به! - شركة والدك كانت على وشك الإفلاس، لذا من الصعب جدا أن أتهم بالجشع. شعرت جيسي بالصدمة، ولم تستطع التفوه بأي كلمة. حدقت به مليا، ثم سألته: - أتقول إن شركة والدي كانت على وشك الإفلاس؟ - لِم أنت متفاجئة؟ تجارة زيت الزيتون هي مجرد تجارة محلية. لمتكن لدى والدك أي فكرة عن كيفية توسيع أعماله أو الدخول في منافسة حقيقية. - عمل والدي كان أكثر من ناجح. فكرت بأولئك الأشخاص الذين كانوا يتوافدون إلى الفيلا، وبالفرق الواضح بينهم وبين والدها. فجأة قال ريكو بنبرة قاسية: " والدك كان يدير الشركة بطريقة سيئة ن فطريقة عمله تعود إلى العصور الوسطى، لكنني أعمل على تصحيح ذلك " هزت جيسي راسها، محاولة أن تفهم ما يقوله: " أتعني أن عمل والدي كان فاشلا؟ " - ألم تعرفي بذلك من قبل؟ - كيف لي أن اعلم؟ أبي لم يتحدث مطلقا معي عن الأعمال. كنت أقطف الزيتون، وأقوم ببعض أعمال السكرتيريا له، لكنه لم يخبرني أي تفاصيل عن العمل. لو كنت صبيا لاختلف الأمر. استقرت عينا ريكو على وجهها، وكأن فكرة ما لمعت بذهنه فجأة. حدقت به جيسي بانزعاج، وقالت: " أنا لا أفهم... إن كانت شركة والدي فاشلة، فلماذا أردتها؟". - يمكنك أن تسمي ذلك نزوة... ابتسم ريكو ابتسامة لم تبح بشيء من أفكاره، قبل أن يتابع: ".. أو رغبة عاطفية بأن تكون لي شركة في صقلية بين مجموعة شركاتي ". - أنت عاطفي تماما كأسد يلتهم رجلا. اتسعت ابتسامته، وقال: " أهذا ما تعتقدينه؟ حسنا! في هذه الحالة، علي أن اعترف أن للأمر علاقة بالأرباح أكثر مما هو أمر عاطفي. فأنا أملك موهبة في معرفة الفرص التجارية الرابحة التي لا يهتم بها الآخرون ". لمعت عيناه فجأة بالحماس وأصبحت نبرة صوته أكثر ثقة وفرحا وهو يتابع: " كان والدك يخسر في تجارته بسبب وجود خلل في توزيع عمله، وليس بسبب الإنتاج، فالزيت من أفضل الأنواع. تناولت الطعام في أفضل المطاعم عبر العالم كله، ولم أتذوق يوما افضل منه. ساعمل على تسويق الزيت بأفضل طريقة ممكنة " حدقت جيسي به. لقد نشأت بين أشجار الزيتون، لكنها لم تشعر يوما بالحماس لها، فجمع الزيتون من بين الأشواك والحصى من أصعب الأعمال. - لكن الأسواق مليئة بزيت الزيتون. حدق ريكو بها، وقال بلطف مؤكدا: " ليس زيت الزيتون الذي أملكه أنا، فهنالك دائما أسواق للافضل، وزيت الزيتون الأخضر هو الأفضل ". تمنت جيسي لو أنه يتوقف عن النظر إليها بهذه الطريقة التقييمية، شعرت بوجهها يتورد خجلا، فتمتمت:" هذه ملاحظة نموذجية من شخص صقلي ". تحرك ريكو بسرعة قصوى، لدرجة أنها لم تره يقترب. في لحظة كان يجلس على مسافة آمنة منها، وفي لحظة أخرى أصبح وجهه الوسيم قريبا جدا. رفع يده ومرر أصابعه على خدها، مجبرا إياها على النظر إليه، وقال: " لو أنني صقلي نموذجي، لوضعت حدا لذلك المراهق الذي هربت معه يوم زفافنا. أنا أحاول أن أكون متحضرا بشأن الأمر كله. لكن، من أجل إيضاح الأمور، من الأفضل ألا تذكريني بأنك كنت غير مخلصة لي. من الآن وصاعدا أمنعك من بحث هذا الموضوع بشكل مطلق " حدقت جيسي به غير قادرة على التحرك. شعرت كأنها تسمرت في مكانها بسبب عمق نظرته وجمال عينيه السوداوين وكثافة رموشه. إنه وسيم جدا، حتى إنها تكاد تشعر بالأمل لمجرد النظر إليه. راح قلبها يدق بسرعة، فقاومت بشدة للتخلص من إحساس لا يقاوم بالاقتراب منه. - لماذا تزوجت بي؟ يبدو كأن والدي دفع لك مالا لتأخذ شركته.. وابنته معا. للحظة حدق بها ريكو بصمت معبر، ثم تراجع على المقعد، ليضع مسافة كافية بينهما. قال: " كنت مستعدا للزواج. لو لم أكن كذلك لما وافقت مطلقا على طلبات والدك، بغض النظر عن رغبتي في الحصول على شركة تصدير زيت الزيتون التي يملكها ". كان مستعدا للزواج؟ فتحت جيسي فمها، وفكرت في كل ما قرأته عنه يوما. سمعته مع النساء كانت دائما مصدرا للاقاويل والملاحقة. لم يعرف عنه يوما أنه راغب في الزواج، وإن كان فعلا كذلك، فقد أخفى ذلك بطريقة جيدة. - لِم لم تتزوج واحدة من عشيقاتك الكثيرات؟ - ما هذا التعبير الجذاب. إنه إنكليزي عتيق. ابتسم ريكو ابتسامة باهتة وهو يعترف بما قالته، ثم تابع: " العشيقة لها دور معروف، تسورو! أما وضع الزوجة فيحمل مسؤوليات مختلفة. لهذا السبب أردت امراة من نوع آخر. أردت فتاة من صقلية " - أنا نصف إنكليزية. - والدك صقلي، وأنت نشأتِ في صقلية. رفع كتفيه، وتابع: " هذا أمر جيد بالنسبة لي ". - أتقصد أنه يفترض بي أن أعرف ما هو المطلوب من زوجة رجل صقلي؟ جلست جيسي مستقيمة الظهر، ورفعت ذقنها عاليا، متذكرة تلك الأوقات التي عملت فيها جاهدة على تكرار هذه الجمل في ذهنها. قالت متابعة: " حسنا! لدي أخبار هامة لك. أنا زوجة سيئة جدا. من الأفضل لك أن تعمل على الطلاق بسرعة ريكو، قبل أن أبدأ بإظهار التصرفات التي تؤكد على دمي البريطاني ". جمدت ملامح وجه ريكو للحظة، ثم قال بنبرة هادئة وحازمة: " لآخر مرة أقول لك: لا رغبة لدي في الطلاق، ابدا! فأنا لا أؤمن بالطلاق. أنت زوجتي، وستبقين كذلك. كلما اعتدت على هذه الفكرة بسرعة أكبر، كلما شعرنا كلانا بارتياح أكبر ". ********* الفصل الثاني إلى سجن جديد ألا رغبة لديه حقا في الانفصال عنها؟! جلست جيسي صامتة، وقد تجمدت أوصالها. تساءلت إن كانت قد أساءت فهمه. كانت تعلم أنها ستقف يوما ما وجها لوجه أمام ريكو، لكنها كانت تعزي نفسها وتخفف عنها بالقول إنه في نهاية الأمر سيوافق على الطلاق. تصرفاته يوم زفافهما برهنت أنه لا يفكر بها أو يهتم لأمرها، وأن زواجهما لا يعني شيئا له من الناحية العاطفية. أصبحت الشركة له الآن، ووالدها توفي، فلماذا يريد أن يبقي على زواجهما؟ قالت بسرعة: " يمكننا أن نحظى بطلاق سريع وهادئ. أنا لا أريد منك مالا أو أي شيء، كما أنني لن أثير أي ضجة حيال الأمر ". قال وهو يحدق بها بقسوة: " يمكنك أن تنسي ذلك، فاحتمال الطلاق ليس واردا. إن كان حبيبك ينتظر طلاقنا ليتزوج بك، فلا جدوى من الانتظار " فتحت جيسي فمها لتنكر أن كارلو هو حبيبها، ثم أغلقته من جديد، وبدأ عقلها يعمل بسرعة قصوى. ريكو رجل صقلي ذو نزعة للتملك بطبيعته. من المؤكد أن هناك أمرا واحدا قد يدفعه إلى الموافقة على الطلاق، وهو اعتقاده أنها أقامت علاقة غرامية مع رجل آخر. إنها خطة مليئة بالخطر، لكن... قالت بهدوء، وهي تراقب ردة فعله بحذر: " كارلو وأنا لا نهتم بشأن الزواج. كل ما نريده هو أن نكون معا ". ظهرت التماعة خطيرة في عينيه السوداوين، لكن عندما تكلم بدت نبرة صوته هادئة: " إذا عليك أن تعدي نفسك لحياة مليئة بالبؤس، فبالنسبة لي الزواج عهد لمدى الحياة " " عندما تقول ذلك ن يبدو ما تقوله خاليا من أي رومنسية ". ضحكت ضحكة خالية من المرح، وهزت رأسها قليلا وهي تتابع: " أتحكم عليّ بالسجن، بينما تذهب أنت لتستمتع بحياتك؟ تزوج أبي بأمي لمدى الحياة، وأنا أفهم ما تعنيه بالتحديد هذه الكلمة بالنسبة لرجل صقلي. انس ذلك.... ريكو! لربما كان لهذا الزواج أمل بالنجاح في الماضي، لكنك قضيت عليه عندما دعوت تلك الفتاة إلى حفل زفافنا. أنت لم تكن مخلصا لي حتى في يوم زفافنا، فأي فرصة حقيقية لنا "؟ " لا أعتقد أنك في وضع يسمح لك بإلقاء محاضرة عن الأخلاق ". علق ريكو بذلك بنبرة ناعمة كالحرير، فأغمضت جيسي عينيها للحظة، مدركة أنها وقعت في الفخ الذي نصبته له. كل ما تستطيع القيام به الآن هو اللعب على رغبته بالتملك. " أنا لست فتاة عذراء، ريكو! أتريد حقا امرأة تفكر برجل آخر؟ ". بقي صامتا لفترة، وللحظة تساءلت إن كانت قد بالغت في ما قالته. " حدث ذلك في الماضي. يتطلب الأمر مني أقل من خمسة عشرة ثانية حتى أنسيك أنك عرفت رجلا سواي ". تابع بتفاخر طبيعي في شخصيته: " أما بعد ذلك فسيكون الاسم الوحيد على شفتيك هو اسمي " احمر وجهها من شدة الخجل، وصدمتها الصورة التي تشكلت في مخيلتها. قالت: " لا أستطيع أن أصدق أنك قلت ذلك " قال ينصحها بنبرة ناعمة كالحرير: " حاولي الثبات على مبدأ واحد، كاراميا! لا يمكنك التباهي بحبيبك في لحظة ما، ثم التظاهر بالبراءة في اللحظة الثانية. اتخذي قرارك من أنت؟ عذراء ام فتاة عابثة؟ ". أرادت أن تصرخ به: أنا عذراء! لكنها تعلم أن ذلك لن يساعد قضيتها. قالت بصوت مضطرب: " لا يمكنك أن ترغمني على البقاء هنا. اتيت إلى هنا لرؤية أمي. إن لم تكن هنا. فسأرحل على الفور " " لن تغادري إلى أي مكان. أنت زوجتي، وما إن نصل إلى الفيلا حتى أذكرك بتلك الحقيقة ". هل سيقدم حقا على إقامة علاقة معها ليتأكد مما قالته؟ لا! هذا غير ممكن. شعرت جيسي بقلبها يقوم بعدة وثبات في صدرها، وفجأة أدركت أنها لا تملك أي فكرة عما يجدر بها القيام به الآن. إنها ليست معتادة على القيام بألاعيب، لا سيما مع رجال مثل ريكو. فجأة ندمت على لحظة التهور التي قادتها إلى الكذب. قالت: " انت تحاول فقط أن تتأكد مما قلته، وكأنك حيوان مفترس يريد أن يحدد ممتلكاته. حسنا! لست بحاجة إلى ذلك. كذبت عليك عندما قلت لك إنني أقمت علاقة مع كارلو. الحقيقة هي أنني بالكاد أعرف كارلو. قلت ذلك لأنني اعتقدت أنه سيدفعك إلى الطلاق " " لا شيء سيجعلني أقدم على الطلاق، وتغيير قصتك لن يغير الوقائع ". بقيت عيناه مسمرتين على وجهها، وهو يتابع: " قلت لك من قبل إنني لا أريد أن أسمع باسمه، لكن هذه المرة، وفقط هذه المرة سنعاين الوقائع معا، وهكذا لن يكون هناك مجال للخطأ بيننا. هربت معه يوم زفافنا، والآن تتوقعين مني أن أصدق أن العلاقة بينكما كانت بريئة؟ " " كارلو ساعدني فقط على الهروب من هنا. هذا كل شيء. كان ينقذني! ". " ينقذك؟! ". رفع ريكو حاجبه بسخرية، وتابع: " مِمّ بالتحديد تسورو؟ أمن حياة ثرية، مدللة؟ أم من مال يفوق ما قد تحلمين بأنك قادرة على إنفاقه؟ أم من فريق عمل بانتظارك ليؤمن ما تطلبينه؟ " حدقت به جيسي بإحباط وبعدم تصديق. إنه تماما مثل والدها، يقيس كل شيء بمقاييس الثراء والتملك. " أنا لا أهتم لكل ما ذكرته ". للحظة فكرت بأن تقول له إن أكثر ما يهمها في الحياة هو الحرية، لكنها تعلم أن رجلا مثل ريكو كاستيلاني لن يفهمها مطلقا. كيف يمكن له أن يعرف أي شيء عن حياتها؟ كيف له أن يعلم كيف نشأت في منزل ابيها؟ قررت أنني لا أستطيع الزواج من رجل لا يهتم مطلقا لما أشعر به أو أحتاجه. علق ريكو بنبرة متعالية: " ألهذا فضلتِ الهرب مع ذلك المراهق الأحمق؟ هل كنت سعيدة معه؟ هل حققت العلاقة معه أحلامك؟ أتذكر تلك المرة الأولى في حديقة والدك، عندما عانقتك... او بالأحرى أنت من عانقتني.. لا أستطيع تذكر الظروف بالتحديد. كل ما أذكره هو أنك بدوت شغوفة وأنت تضمينني إليك " تدفق اللون الأحمر إلى خديها، وشعرت جيسي فجأة بالحرارة تجتاح جسدها. عرف ريكو بالتحديد ما الذي عناه ذلك العناق الوحيد لها، وكم كانت بائسة ومحبطة. لقد جعلت من نفسه حمقاء بالفعل! في السابق اعتقدت أنه يجدها جذابة، واعتقدت أنه يهتم بها، لكن سرعان ما اكتشفت أنه لا يهتم لها مطلقا، وأن الأمر الوحيد الذي يهتم له هو توقيع الاتفاق مع والدها والحصول على زوجة تقليدية. إنها علاقة والديها تعاد من جديد! لماذا لم تر ذلك من قبل؟ قبل الزفاف كانت تشعر بالدار من شدة السعادة. لأول مرة منذ سنوات، رأت ومضة من نور في مستقبلها المظلم الغامض، أخيرا ستتمكن من الهروب من والدها، وستتزوج من رجل تحلم به ملايين النساء. أخيرا ستتمكن من الرحيل عن صقلية، وستسافر، وستحظى بحياة خارج الفيلا. استعادت شيئا من احترامها لذاتها وهي تتخيل نفسها في حياتها الجديدة. لن تعيش بعد الآن في وحدة قاتلة، ولن تبقى نكرة، فزوجة ريكو سيتم الترحيب بها في كل مكان. أما أولئك الفتيات النحيلات في المدرسة التي ترددت إليها، واللواتي كن يسخرن من طول قامتها وشكل جسمها، فسوف يشعرن بالحسد والانزعاج ما إن تتزوج العازب الأكثر وسامة في العالم الغربي: ريكو كاستيلاني! نظر ريكو إلى ما وراء طولها وجسدها وخجلها الواضح، ورأى المراة الحقيقية التي تكمن في اعماقها.. أو هذا ما اعتقدته. أما في هذه اللحظة، فارادت أن تذوب وتنكمش على ذاتها من شدة الإذلال. " لا داعي للمراوغة ريكو! فهذا أمر سيئ لكلينا ". بالكاد استطاعت أن تجبر نفسها على التلفظ بهذه الكلمات، فما يحدث يزيد من إحراجها وخجلها. تابعت قائلة: " أنت لم ترغب بالزواج بي. أخبرني بصدق، كم دفع لك والدي لتزيحني عن كاهله؟ " لم يبعد ريكو نظراته عن وجهها، وهو يقول: " أمضيت ما يكفي من يومي وأنا أتحدث عن الأعمال، ولا أرغب في متابعة ذلك مع زوجتي ". " الأعمال؟! ". ارتفعت نبرة صوتها، ونسيت فجأة أن عليها الاحتفاظ بهدوئها، فاندفعت قائلة: " الأعمال؟! أنا أتحدث عن زواجنا، ريكو.. يفترض ألا يكون لزواجنا أي علاقة بالأعمال. إنه أمر يخص شخصين تعهدا بأن يمضيا حياتهما معا؟ ". " أنا التزمت بذلك العهد ". بدا مما قاله أن زواجهما هو مجرد اتفاق جديد خاص بالعمل. أدارت جيسي وجهها لتتمكن من إخفاء الألم الذي ظهر في عينيها. لا مجال مطاق لأن تدعه يرى مدى ألمها وحزنها، أو تسمح له بأن يعرف أن هذا الاتفاق أهانها وجعلها تشعر بالذل. " جيد! أعطاك والدي الشركة يوم زفافنا، وهكذا حصلت على ما تريده ". ابتسم ريكو باستياء، وأجاب: " حتى الآن ما زلت أمضي الثلاث وعشرين ساعة في اليوم في محاولة التخلص من الفوضى التي كان والدك يسميها " شركة ". اخيرا بدأت بعض التحسينات الايجابية تظهر، وأصبحت الآن جاهزا لأركز اهتمامي على زواجنا ". أبعدت جيسي نظرها عنه، وحدقت إلى خارج النافذة، مدركة فجأة أنها لم تنتبه مطلقا إلى ما يحيط بها. فمنذ اللحظة التي صعدت فيها إلى السيارة، ورأته جالسا بارتياح على المقعد بجانبها، تجمد دماغها في رأسها، ولم تفكر بأي شيء آخر غيره. " إلى أين نحن ذاهبان؟ ". " إلى المنزل، بالطبع! في أي مكان آخر يمضي المتزوجون أوقاتهم؟ نحن بحاجة إلى مكان يمكننا أن نكون فيه بمفردنا، من دون أن يزعجنا أحد ". تابع بصوت ناعم كالحرير: " الفيلا التي أعيش فيها هي أكثر الأمكنة توفيرا للخصوصية، ونحن بحاجة فعلا إلى الخصوصية لنتمكن من معرفة بعضنا بصورة أفضل، كاراميا " استدارت جيسي لتواجهه، وقد تورد وجهها من الخجل والغضب معا. قالت " لماذا؟ هل صديقتك الحالية منشغلة؟". " هذا تعليق بمنتهى السخافة ". توقفت السيارة، فأدركت جيسي أنهما في حوض السفن. قالت: " أين نحن؟ " قطب جبينه مستغربا، وكأنه تفاجأ من سؤالها. تساءلت ما الذي سيقوله لو عرف أنه لم يسمح لها يوما بالابتعاد عن القرية، والتوجه إلى عمق الجزيرة الكبير. " لم آتِ إلى هنا أبدا ". " هذا يفاجئني.. بيتك ليس بعيدا من هنا ". نظر إلى وجهها، ثم رفع كتفيه وهو يعدد أسماء المرافئ في البلدة، ثم يتابع: " الفيلا التي أسكن فيها ليست على الأرض الأساسية لصقلية. للذهاب إليها تحتاجين إلى رحلة قصيرة في القارب عبر الخليج. هذا كاف ليذكرك أن المياه تفصلك عما تبقى من العالم. فلا تفكري أبدا بالعودة إلى حبيبك " " هل تعيش في جزيرة؟ ". لم تفكر حتى في أن تسأله أين يعيش. سمعت دقات قلبها في أذنيها، ما إن تبخرت آمالها بإيجاد طريقة للهرب. في الجزيرة لن تجد فرصة للحرية، ولن تفعل أي أمر تمنت أن تفعله، ولن تصبح المرأة التي خططت لأن تكونها، ذلك سيكون مستحيلا. قالت بغضب: " لا أريد أن أسجن في جزيرة أخرى! اكتفيت من الجزر حتى آخر يوم في حياتي. لا أريد أن أستقر فوق الماء! أريد الذهاب إلى البلاد الواسعة لأحظى بتجارب جديدة.. أريد أن... ". قاطعها ريكو بنبرة منخفضة مليئة بالإيحاء: " حياتك معي ستكون تجربة لا تنسى. أؤكد لك أن لا أحد يمكنه الوصول إلى المكان الذي سنمكث فيه. كل ما أنا بحاجة إليه هو غرفة مغلقة، لأذكرك أنك عروسي. بعدئذ لن تبقى لديك أي رغبة في الابتعاد عني " حدقت جيسي به قائلة: " كيف يمكنك أن تقول ذلك؟ " " لمِ لا؟ إنها الحقيقة ". " أنت متفاخر جدا. وهذا أمر مثيرة للسخرية، فأنت حقا تعتقد أنك حبيب لا يمكن الاستغناء عنه. اليس كذلك؟ ". ظهرت ابتسامة باهتة على شفتي ريكو، ثم قال: " أنا بطبعي أحب المنافسة. أشعر دائما أن علي ّ القيام بالافضل في كل ما افعله. ما الغاية من القيام بالأمر إن لم يكن الافضل؟ ". حاولت جيسي أن تبقي نبرة صوتها هادئة وهي تجيب بسخرية: " حسنا! مع أنني أكره أن أقلل من غرورك ريكو، لكن يجيب أن تعلم أنك لا تعني أي شيء لي، فأنا أفضل الرجال اللطفاء ". " يمكنني أن أكون بمنتهى اللطف ". شعرت بالحرارة تجتاحها وبالضعف يدب في أوصالها، فحاولت أن تبعد تلك الحقيقة عن أفكارها. " أنا حقا لا يمكن أن أشعر بشيء تجاه رجال صقلية المتفاخرين ". " ألا تشعرين حقا بشيء نحوي؟ لا شيء على الإطلاق؟ ". سمعت صوته أجش عميقا، بعدئذ مال نحوها، ثم أخفض جفنيه، ما جعل من الصعب عليها أن تقرأ ما يفكر به. ضغطت على يديها بقوة كي لا يشعر بارتجافهما: " لا، مطلقا! فأنت لا تؤثر بي مطلقا ". حدق بها ريكو للحظة، ثم ابتسم وتراجع إلى الوراء على مقعده. قال بغرور واضح: " لا أدري كيف كانت علاقتك مع ذلك المراهق، لكن ما إن تشرق الشمس حتى تصبحين يائسة من شدة تعلقك بي، كاراميا. لكن العبي أوراقك بوضوح، فربما أستطيع أن أسامحك " " أيها الوغد المتفاخر! ". بحماس يتخطى كل منطق، رفعت جيسي يدها، وصفعته بقوة على وجهه. " يا إلهي! ". أمسك رسغها بيده، ولمعت عيناه بغضب بركاني، ما جعلها تنكمش على نفسها. ابتعدت عنه بحركة لا إرادية، وكأنها تدافع عن نفسها. لم تستطع أن تصدق جرأة تصرفها. في الواقع، لولا الألم في يدها التي لسعتها من شدة الحرارة، ولولا أثر الاحمرار الواضح على خده البرونزي، لاعتقدت جيسي أن ذلك العنف موجود فقط في مخيلتها. كم من المرات قضت الليل مستيقظة، تتخيل ما سيكون عليه شعورها إن تمكنت من الدفاع عن نفسها.. كم من المرات تخيلت نفسها تواجه وتقاتل، مدافعة عن نفسها وعن أمها بوجه والدها... في الواقع، فعلت ذلك مرة واحدة، ومواجهتها تلك سببت لها آثارا لم تنسها مطلقا. منذ ذلك الوقت، تعلمت أن تحدق بالأرض، وهكذا لن يظهر الغضب الكامن في عينيها لأحد.. تعلمت أن تضغط بأظافرها في راحتي يديها بدلا من أن تضرب... حتى اليوم... أعدت نفسها لنوع من الانتقام، لكن مع أن اصابع ريكو الطويلة القوية التفت حول رسغها كأنها أصابع من فولاذ، فهو لم يسبب لها أي ألم. شدت بقوة لتفلت يدها، لكنه لم يتركها. قالت: " دعني! لا تتوقع مني أن أعتذر، فأنت تستحق ذلك ". " من الواضح أننا سنستمتع بعلاقة عاطفية رائعة، وهذا يناسبني تماما ". حاولت جيسي سحب يدها لتتمكن من الابتعاد عنه. بدت محبطة وهي تقول: " دعني! أنت لن تتمكن من إجباري على الصعود إلى ذلك القارب، ريكو! إن حاولت أن تفعل، سأصرخ. وسأخبر الجميع أنك تخطفني "... ماتت الكلمات في حلقها، ما إن اقترب منها ريكو، وعانقها بقوة. جردتها حرارة عناقه من قدرتها على النطق، فغاصت بين ذراعيه، وتمسكت يداها بسترته. شعرت بلمسة أصابعه، فشعرت بالعالم حولها يدور في عاصفة من الاحساس، لا يمكنها مطلقا أن تهرب منها. العواطف المكبوتة في داخلها بدت قوية، لدرجة أنها لم تستطع أن تفكر أو تتنفس. بدلا من ذلك غاصت أكثر في عالم ليس فيه إلا تبادل أحاسيس لم تشعر بها من قبل. ضمته بين ذراعيها، واقتربت منه أكثر. استمر في عناقها وهو يشدها نحوه. فتح معطفها بمهارة ورأى أنها ترتدي كنزة وقميصا فتمتم وهو يبتسم: " أنت ترتدين الكثير من الثياب. لا تفعلي ذلك بعد الآن ". فتحت جيسي فمها لتقول له إنه لا يستطيع أن يوجه لها الأوامر، لكن عناقه أسكتها. تمتم ريكو بكلمات باللغة الإيطالية، ومرر يده على شعرها ليمسكها بثبات، ثم عانقها من جديد. استمر العناق للحظات، وعندما رفع رأسه أخيرا، كانت تشعر بالانبهار والدوار لدرجة أنها لم تقدر على الاعتراض عندما رفعها بين ذراعيه وحملها في ذلك الليل الدافئ نحو القارب. بالكاد سمعت صوت رجل يتحدث باللغة الإيطالية، ثم سمعت ريكو يجيبه بهدوء وحزم معا. " ريكو! ". قالت ذلك بنبرة مضطربة، وحاولت أن تتحرك بين ذراعيه، لكنه ضمها إليه بقوة، ثم صعد إلى الجسر المتحرك، وهو يعطي التعليمات باللغة الإيطالية. حملها إلى داخل القارب نحو غرفة جلوس انيقة. " آسف لمقاطعة ذلك المرح، لكن علينا أن ننطلق. سنصل إلى الجزيرة في أقل من عشرين دقيقة. عندها سنكمل ما بدأنا به الآن ". وضعها على الأريكة، وسار نحو خزانة ليسكب لنفسه شرابا. في الواقع بدا هادئا ومسيطرا تماما على نفسه، وكأنه انتهى على الفور من لقاء عمل. أصيبت جيسي بالرعب والارتباك بسبب ردة فعلها. هي ليست معجبة به. مع ذلك نسيت كل شيء عندما عانقها. ضمت معطفها إلى جسدها وقالت: " لم أحضر معي الكثير من الثياب " " اشترى ثيابا جديدة أو.. أفضل ألا تفعلي. الفيلا مكان خاص جدا ". " هل تتوقع مني أن أتجول هناك شبه عارية؟ ". رفع ريكو كتفيه، وأجاب بلا اهتمام: " لا بأس بالأمر، ما دمنا نحن الاثنان فقط هناك ". لكن هذا ما لا يناسبها أبدا، فهي تكره جسمها. في المدرسة كانت تبدو مختلفة عن صديقاتها النحيلات، ولطالما شعرت بالإحراج بسبب ذلك. لطالما تمنت لو أنها تملك صدرا مسطحا وأوراكا نحيلة، لكنها حظيت بجسد مختلف تماما. راقبته بصمت وهو يشرب كوبه، محاولة أن تتجاهل ما تشعر به، فهي ما زالت ترتجف من تأثير عناقه. ما الذي حدث لها؟ قالت جيسي بقسوة، وهي تضغط بأصابعها على حافة معطفها: " إذا، أنا سجينة الآن!" قال بنعومة: " لا، كارميا! أنت زوجتي، وأنا أريد أن أتذكر هذه الحقيقة، وأبدأ بالتصرف من خلالها " رفعت ذقنها وسألته: " هل تذكرت ذلك يوم زفافنا؟ " ابتسم قائلا: " صديقتي ليست هنا الآن، وأنت المرأة الوحيدة الحائزة على اهتامي وعنايتي ". تراجعت إلى الوراء على الأريكة، فيما راح قلبها يدق بسرعة. هي لا تريد أن تكون مركز اهتمامه. الفكرة تحدث اضطرابا في أعماقها. حاولت أن تواسي نفسها بالتفكير أن ريكو رجل أعمال ذو شهرة عالمية، وأنه لم يحصل على شهرته من خلال حجز نفسه في جزيرة نائية في البحر المتوسط. عاجلا أم آجلا سيغادر، وهذا ما ستفعله هي أيضا. حتى لو اضطرت إلى السباحة، فهي لن تبقى محجزة في صقلية. " متى ستعود إلى نيويورك؟ ". ابتسم ريكو ابتسامة باهتة، وقال: " عندما أشعر بالسأم من علاقتنا " " إن كنت تتوقع مني أن أصدق أنك مستعد للتخلي عن عملك من أجل زواجنا، فلا بد أنك تعتقد أنني غبية ". " لم أقل كلمة واحدة عن التخلي عن عملي ". لمعت عيناه وهو يتابع: " نحن في عصر التكنولوجيا والاتصالات السريعة، تسورو! لدي كل ما أنا بحاجة إليه للعمل في الجزيرة. للأسابيع القليلة القادمة لا شيء سيعمل على إزعاجنا، إلا حاجتنا إلى تناول الطعام والاستراحة بين علاقات غرامية مليئة بالشغف والحب ". نهضت جيسي على الفور، وهي تشعر بتوتر كبير بسبب التوهج الواضح في عينيه والابتسامة الساخرة على شفتيه. " كيف يمكنك أن تتحدث عن الأمر بهذه البساطة؟ الزواج بالنسبة إليك يعني الحصول على زوجة مطيعة، ترغب في البقاء في المنزل بانتظار أن تعود إليها ". حدق ريكو بوجهها للحظة، ثم وضع كوبه جانبا، وقال: " وأنت، ماذا يعني الزواج بالنسبة إليك؟ " " إنه شراكة فعلية. إنه يعني الاحترام والـ...". توقفت عن الكلام مدركة أن التلفظ بكلمة " الحب " أمام رجل مثل ريكو، هو منتهى السخرية. أنهت كلامها بالقول: "... الكثير من الأمور ". " الاحترام؟! أهو ذلك الاحترام الذي قدمته لي عندما غادرت زفافنا مع رجل آخر؟ ". تابع بنبرة هادئة أثارت مخاوفها:" الموظفون لديّ يشعرون بحماس شديد للترحيب بعروسي في الجزيرة. من فضلك! تذكري ذلك " بكلمات أخرى، يجب عليها ألا تسبب اي إحراج له. فجأة لمعت فكرة في ذهنها، فقطبت جبينها، وسألته: " لكنهم بالطبع يعلمون أننا كنا منفصلين طوال الأشهر الستة الماضية ". " لا احد يعلم بذلك. عدت إلى نيويورك ليلة زفافنا، وافترض الجميع ـ بمن فيهم والدك ـ أنك كنت معي ". " هل اعتقد والدي أنني كنت معك؟ ". " بالطبع! أنت لم تفكري إلاّ بنفسك عندما هربت تلك الليلة ". اصبح صوته قاسيا جدا، وهو يتابع: " والدك لم يكن بصحة جيدة. مع ذلك غادرت من دون التفوه بأي كلمة. توفي من دون أن يحظى بفرصة لودعك. ومع أن العائلة يجب أن تكون أهم ما في الوجود، فأنت لم تحضري جنازته ". وقفت جيسي بلا حراك، وكأنها تجمدت في مكانها. لا يملك ريكو كاستيلاني أي فكرة.. لا يملك أي فكرة عما كانت عليه حياتها. اخترقت كلماته أفكارها: تأخر الوقت على الشعور بالذنب، تسورو! " والدك مات، وفات الأوان على إصلاح ما حدث ". " إصلاح ما حدث؟! ". اختنق صوتها وهي تحاول أن تتكلم. عليها أن تخبره أي نوع من الرجال هو والدها، لكنها معتادة على الاحتفاظ بأفكارها لنفسها، فكيف تستطيع الوثوق برجل صقلي متفاخر يشبه والدها؟ شعرت باليأس والرعب يمتزجان مع الدم الذي يجري في عروقها. الزواج من ريكو حررها من والدها، لينقلها إلى سجن آخر. " ريكو! ". " الماضي أصبح وراءنا. وكل ما يهمنا الآن هو المستقبل ". مدّ يده ليساعدها كي تقف، ثم شدها إليه متابعا: " ها قد وصلنا. أهلا بك في منزلك الجديد. عليّ القيام ببعض الاتصالات الهاتفية، فقد غادرت نيويورك على وجه السرعة. اذهبي إلى السرير، واستريحي قليلا. أنت بحاجة إلى ذلك ". ********* الفصل الثالث براءة أم احتيال؟ حرك ريكو كوبه بين يديه، وهو يراقب زوجته عبر الطاولة التي ةدوضعت على الشرفة. راغباً في التخلص من الغضب والإحباط اللذين يغليان في أعماقه. وصلا إلى الفيلا مع شروق الشمس، فترك عروسه لتنام، وامضى نهاره وهو يحاول حل المشاكل التي طرأت منذ أن غادر نيويورك. كان على وشك إبرام اتفاق هام جداً، والوقت لك يكن مناسباً ليعود بسرعة إلى صقلية، لكنه لم يستطع المخاطرة بفقدان عروسه. أنبأه حدسه أنه إن تركها ستهرب من جديد. إنها مزيج من التناقضات... ضغط ريكو على أسنانه بغضب. تبدو جيسي بريئة جدا ويافعة بشكل لا يصدق. عقدت شعرها الأسود بشريط إلى الخلف، وارتدت ثياباً محتشمة، كما لو أنها في مدرسة داخلية. في الظاهر، تبدو المرأة التي اختارها متواضعة، حنونة وصالحة... أي زوجة مثالية، لا فتاة قادرة على الهرب مع رجل آخر يوم زفافها. لكن منذ أن قبض عليها في المطار، رأى جانباً مختلفاً منها. اختفى ذلك الخجل واللسان المربوط الذي كان يعمل جاهداً ليفك عقدته، كما اختفت فرانسيسكا الهادئة المتحفظة، التي كانت تشعر بالامتنان بشكل مثير للشفقة بسبب اهتمامه بها، وحلت مكانها فتاة شابة قوية نارية الطبع، لديها أفكارها الخاصة، وكأنها اكتشفت فجأة أن لديها رأياً، وهي مصممة على التعبير عنه. من الواضح أنه قلل من شأنها، وهذا أمر لم يفعله من قبل أبداً. حسناً! لن يحدث ذلك مجدداً، فقد وضع ترتيبات معقدة جداً ليضمن سلامتها. زوجته لن تسافر إلى أي مكان من دون موافقته. ما زال ريكو يتألم بشدة لأنها تمكنت من الاختفاء لمدة ستة أشهر كاملة. بعد لحظات من صعودها إلى سيارة كارلو مانسيني، تلقى تقريراً كاملاً من فريق الحراسة لديه، لكنه لسوء الحظ لم يكن كافياً بالنسبة له، ليتمكن من منعها من الرحيل، أو حتى من ملاحقتها. لقد أضاعوها! بطريقة ما تمكنت جيسي من الاختباء في أماكن خفية لم تصل إليها عيون فريق الحماية لديه، بالرغم من قدراتها العالية. ضغط ريكو على أسنانه من جديد، وهو يفكر بعدد الموظفين الذين طردهم بسبب تلك الحادثة. ظهر الحزن على وجهه وهو يتذكر اليوم الذي ذكر فيه والد فرانسيسكا، برونو ماندوزو أمر الزواج من ابنته. جاءت ردة فعل ريكو الفورية انسحاباً ومراوغة من الموضوع. صحيح أنه كان يفكر في الزواج، لكنه بالتأكيد سيختار عروسه بنفسه. بعدئذ التقى بجيسي، وأدرك أنها مثالية. في الواقع، إنها بالتحديد المرأة التي كان ليختارها بنفسه. إنها ترتدي ثياباً متواضعة، ولا تضع أي مساحيق زينة، كما أنها لا تهتم مطلقاً للتودد والمغازلة. أمضت الفتاة حياتها في ضقلية، وليست لديها أي علاقة غرامية من قبل. كما أنها صعقت منذ اللحظة الأولى به، فماذا يمكن للرجل أن يطلب أكثر؟ وهكذا وافق على العقد. نظر إليها الآن وهي ترتدي قميصاً سوداء ذات ياقة عالية، تسحب اللون من وجهها الشاحب، فتساءل ماذا تخفي تحت بشرتها المتعبة وملامح وجهها البريء. أتراها تشتاق لحبيبها؟ فكرة تواجد زوجته مع رجل آخر أصابته بإحساس قوي من الغيرة. حسناً! في وقت لاحق سيأخذها إلى السرير. وعندها لن تفكر بأحد سواه. حركت جيسي الطعام في طبقها بكسل، فقد فقدتشهيتها. لا يمكنها التصديق أنها عادت إلى صقلية، وأنها الآن مع ريكو. لماذا ارتكبت ذلك الخطأ الشنيع؟ بعد كل تلك السنوات مع والدها، ألا تستحق الحصول على حريتها؟ بعد تلك الرحلة القصيرة بالقارب، أمضت النهار مستلقية على سرير كبير تحدق بالسقف. منعها التوتر من الاستسلام للنوم. حاولت أن تضع خطة هرب جديدة، لكنها فشلت. فالمسافة بعيدة جداً لتتمكن من اجتيازها سباحة، كما أن أحداً من فريق عمل ريكو لن يقوم بنقلها إلى البر الرئيسي. رفعت رأسها وحدقت إلى الأفق الممتدوراء الشرفة المغطاة بالنباتات المتسلقة، ورأت الرمال الذهبية الرائعة ثم البحر. إنه مكان رائع الجمال لكنها لم تلاحظ ذلك. كل ما تراه هو العزلة إذ ليس هناك من وسيلة للهرب من هنا. حدقت بطبقها من جديد وهي تعلم أن ريكو يراقبها. تعرف أنه يراقبها بعينيه السوداوين الخطيرتين. هي لا تريده أبداً في أفكارها. لا تريد أن تفكر بشهرته مع النساءأ أو محتجزة هنا معه كما أنها لا تريد أن تفكر بالعناق الذي حدث بينهما. ذلك العناق أربكها، إذ شعرت كأنه يمثل كل شيء بالنسبة لها، مع أنها تعلم أنه لا يعني أي شيء على الإطلاق، فهي ليست من نوع النساء اللواتي يرافقهن ريكو كاستيلاني. فجأة لمعت في مخيلتها صورة واضحة للشقراء النحيلة التي عانقته ملتفة حوله كالأفعى يوم زفافهما. إن كانت تلك الفتاة مثالاً عن ذوقه في النساء، فكيف له أن يعجب بها هي؟ فكرت بذلك وهي تشعر بيأس شديد. إنا بعيدة جداً عن الجمال الأنثوي الذي يفضله، ولابد أنه يعمل جاهداً كي يجبر نفسه على اصطحابها إلى سريره. كيف حد ذلك؟ كيف انتهى بها الأمر متزوجة من ريكو كاستيلاني؟ وضعت شوكتها جانباً وأمسكت كوبها. عادت بها الذكريات إلى اليوم الذي أخبرها فيه والدها عن مخططاته لزواجها... " حسناً! ألن تقولي شيئاً؟ ". سمعت نبرة صوت والدها، برونو ماندوزو قاسية ونافذة الصبر كالعادة، وهو يتابع: " هل أنت صماء؟ ". لا، إنها مصدومة! حدقت جيسي بالأرض فهي تعلم أن ذلك أفضل من النظر إلى والدها. انكمشت على نفسها من شدة الخجل والإحراج، وكورت أصابع قدميها داخل حذائها المسطح الكعبين. آه، يا إلهي العزيز! والدها يحاول أن يشتري لها زوجاً... وليس أي زوج عجوز، بل ريكو كاستيلاني. هل هناك أمر أشد إذلالاً؟ إنها ليست بحاجة إلى التفكير بسخرية الفتيات اللواتي كن معها في مدرسة الراهبات، لتعلم أن الطبيعة لم تكن لطيفة معها. صحيح أن لديها عيني زرقاوين، لكن شعرها أسود كجناح الغراب، وجسدها استمر في النمو والطول بعد أن توقف نمو كل زميلاتها. إنها تدرك تماماً ما لديها من عيوب وليست بحاجة إلى النظر في المرآة لتعلم أنها بعيدة عن صنف النساء اللواتي يختارهن كاستيلاني تمام البعد. لن يرضى بها، بالطبع! كيف يوافق رجل أعمال عصري مثل ريكو كاستيلاني على الزواج من فتاة مثلها؟ فتاة لم يسمح لها أبداً بالخروج من قريتها؟ والأمر الأكثر إذلالاً أنها تحمل في جيبها صورلاة قديمة له، أخذتها من صحيفة ما منذ سنة تقريبا وأخفتها تحت وسادتها. إنه عمل أحمق وطفولي بالطبع! لكن ريكو يملك وسامة تجعله حلم ملايين النساء. لقد شعرت بالإنجذاب إلى شخصيته القوية، وإلأى سمعته الخطيرة بأنه جريء جداً ورافض لإسعاد أي شخص آخر غير نفسه. زوجة رجل مثله ستسافر لترى العالم، وستستلقي على سريرها في الليل وهي تفكر كم هو رائع أن تكون موضع اهتمامه. إنها ناضجة بما فيه الكفاية لتعلم أن ريكو هو من يجذبها وليس ثراؤه ولا وسامته. إنه قوي ويملك سلطة واضحة كما أنه لا يهتم لرأي الآخرين. إنه الرجل الوحيد الذي تمكن من الوقوف بوجه والدها. والآن والدها يخبرها أنه قال لكاستيلاني إن عليه الزواج بها، لكنها تعلم أن والدها لا يملك ما يكفي من المال ليقنع رجلاً مثل ريكو بتمضية حياته مع فتاة مثلها. قال والدها بنبرة آمرة، فيما لمعت عيناه السوادوان بالغضب: " اذهبي، وسرحي شعرك. سيأتي إلى هنا بعد خمس دقائق، وهو يريد أن يراك ". حدقت جيسي بوالدها برعب. تسرح شعرها؟! ريكو كاستيلاني رجل يواعد الممثلات وعارضات الأزياء، فأي فرق سيحدث إن سرحت شعرها أم لا؟ ماهي فعلاً بحاجة إليه هو أن تزيل ستة إنشلات من طولها، وعدداً من الكيلوغرامات من وزنها وذلك في غضون خمس دقائق فقط. نظرت إلى امها نظرة قلقة، ورأتها صامتة كعادتها دائماً. خرجت جيسي من الغرفة بسرعة، وعادت إلى غرفة نومها. غسلت وجهها بالماء في غرفة الحمام وما إن أمسكت بالمشط حتى سمعت صوت محرك سيارة قوي جداً يقترب من المنزل. اختلست النظر من النافذة، وهي تشعر بمزيج من الاستسلام والافتنان معاً. توقفت سيارة رياضية سوداء أمام منزلها وخرج كاستيلاني من وراء مقود السيارة. الثعلي! أليس هذا ما تصفه به الصحف الاقتصادية؟ إنه يهاجم الشركات الضعيفة، ويعمل على إفلاسها أو تحويلها، وفقىاً لما يؤمن له الأرباح أكثر، وهو يواجه الأخطار بجرأة وبقلب قاسٍ لا يرحم ولا يعرف الخوف. كما أنه اكثر الرجال وسامة ممن رأتهم في حياتها. شعر أسود كثيف، يلمع بشدة تحت أشعة الشمس، ونظارتان سوداوان تغطيان عينيه، لكنها تعلم أنهما سوداوان أيضاً. إنه فارع الطول ذو جسم رياضي يمكنه أن ينافس أكبر الرياضيين، بحيث لايمكن لأي امرأة أن تنظر إليه من دون أن تعجب به. والآن هناك عروسة له، وهي... استدارت لتنظر إلى صورتها في المرآة، ضغطت على شفتيها لتكتم تنهيدة. كيف سيتصرف عندما يراها؟ ربما سيغيب عن الوعي من الصدمة والضحك، لأن أحدهم اقترح عليه أن يتزوج بها. تمنت فجأة لو أن خزانتها مليئة بالثياب الأنيقة كتلك التي ترتديها الفتيات عندما يخرجن في مواعيد غرامية، لكن كل ما تملكه ع=هو ثياب فضفاضة داكنة اللون. والدها لا يسمح لها بارتداء أي ثوب قد يجذب الانتباه لها. نزلت إلى الطابق الأرضي وهي تشعر بالخوف خشية تلقيها إهانة لا تنسى. سمعت ريكو كاستيلاني يتحدث إلى والدها باللغة الإيطالية. توقفا عن الكلام ما إن دخلت الغرفة. قدمها والدها لريكو، فوقفت جيسي بصمت مؤلم لم تعلم ما الذي يمكنها قوله لتتمكن من إنقاذ الموقف. إن كان ريكو كاستيلاني يتمتع بأي ذرة من الإدراك، فسيهرب ما دام قادراً على ذلك. لكنه لم يهرب... وقف هناك بثبات وثقة تامين. أخيراًقطع الصمت قائلاً بصوت دافئ كالمخمل: " حدائقك جميلة جداً. ربما ترغب فرانسيسكا بأن تأخذني في جولة إليها ". قطب والدها جبينه لعدم موافقته على ذلك الاقتراح، ثم قال: " ساطلب من أحدهم مرافقتك ". رفع ريكو نظره، وابتسم ابتسامة حازمة، ثم قال: " ذلك ليس ضرورياً. ابنتك ستكون بأمان معي ". أمان...! أي أمان؟ ضغطت جيسي على شفتيها بقوة كي لا تصرخ من الإحباط والانزعاج. إنها لا تريد أن تكون بأمان. تريد أن تهرب من عالمها الصغير الضيق المكبوت. تريد أن تحيا... تريد أن تكتشف المعنى الحقيقي للحب. لقد بلغت الحادية والعشرين من عمرها، ولا يسمح لها حتى الآن بمرافقة أي رجل إلا إذا كان هناك من يراقبهما. أي رجل عاقل سيرغب بالزواج من فتاة مراهقة مرتبكة؟ أخيراً وافق والدها على أن يتمشيا معاً في الحديقة. بدا ريكو مرتاحاً جداً على سجيته، أما هي فكادت تموت من شدة الخجل والإحراج. يومها جعلها ريكو تضحك مرتين، وهذا ما جعلها تشعر بالاندهاش، لأنها لم تتمكن من الضحك منذ وقت طويل. كان ذلك أول لقاء من عدة لقاءات. في كل مرة كان يصر على أن يمضيا بعض الوقت بمفردهما. وفي كل مرة كان يجعلها تبتسم. في لقائهما الرابع قررت أنه ألطف رجل قابلته في حياتها، وفي اللقاء الخامس أصبحت مغرمة به بجنون. بالرغم من ذلك، عندما سألها إن كانت تقبل الزواج به، أطرقت برأسها وهي تشعر بالألم لقلة ثقتها بنفسها. لم تصدق أنها سمعته بالفعل يطلب يدها. " هل تطلب مني الزواج لأن هذا ما يريده أبي؟ ". أجابها ريكو بتلك النبرة الهادئة الكسولة، التي تجعل أعصابها تتراقص في جسمها: " إن كنت تعتقدين ذلك، فأنت لا تعرفينني أبداً. أنا لم أفعل شيئاً في حياتي لأسعد أياً كان إلا نفسي، فأنا أناني بالفطرة ". وضع يده تحت ذقنها، ورفع وجهها وهكذا وجدت نفسها مجبرة على النظر إليه. شعرت جيسي باضطراب في جسدها. هل يسألها إن كانت ترضى الزواج به لأنه يريد ذلك؟ " أنا لست المرأة المناسبة لأكون زوجة لك ". " بل أنت بالتحديد المرأة المناسبة لتصبح زوجتي. لو لم تكوني كذلك لما كنا نجري هذا الحديث الآن ". نظرت إليه جيسي غير مصدقة ما تسمعه. ريكو كاستيلاني يريد فعلاً الزواج بها؟! سألته: " لماذا؟ ". النظرة التي التمعت في عينيه أشارت إلى أنه غير معتاد على تفسير ما يفكر به. قال: " لأننا نستطيع أن نحظى بزواج ناجح ". ثم تابع وهي يبتسم بثقة وتفاخر: " كما أننا نستطيع أن نضحك معاً. لديك كل ما أفكر به وأريده في الزوجة ". أرادت أن تقرص نفسها، لترى إن كانت ستتمكن من الاستيقاظ من هذا الحلم. إنها متحفظة ومرتبكة، ومع ذلك هذا الرجل الذي هو حلم كل النساء اختارها. قال ريكو فيما ظهرت نبرة من المرح في صوته: " فرانسيسكا! أنا بانتظار جواب منك. هل ستقبلين؟ ". جواغب؟! منذ متى اهتم رجل لرأيها في أي أمر كان؟ أجابت بصوت مرتجف: " أجل... أجل، بالطبع! ". فجأة أصبح العالم سهل المنال. معه ستحصل على حياة لم تكن موجودة إلا في أحلامها، وسيعيشان بسعادة معاً. لن تكون هناك وحدة قاتلة بعد الآن... لن يكون هناك انعزال. أخيراً ستحظى بالحياة التي تريدها بالفعل... أعادت جيسي تفكيرها إلى الحاضر، وأدركت أن ريكو لا يزال يراقبها. تخلت عن فكرة تناول أي شيء من الطبق أمامها. بطريقة ما، مجرد الوجود معه أزال كل ما لديها من شهية للطعام. مال ريكو إلى الأمام وهو يقول: " كلي شيئاً ما، تجويع نفسك لن يحل أياً من مشاكلك ". أردكت جيسي وهي تشعر بالألم، أن وزنها يفوق تلك المرأة التي كان يعانقها يوم زفافهماببضع كيلوغرامات، وتمنت من جديد لو أنها تملك مقاييس أضغر. إنها ترتدي قميصاً فضفاضاًذات ألوان داكنة، ومع ذلك ما زال جسمها يبدو ممتلئاً. " أنا حقاً لست جائعة ". ألقت نظرة جانبية نحو الفيلا. لم يكن هناك أي أثر للخدم، فقالت: " أحتاج إلى معرفة مكان أمي. هل يمكنك أن تجدها من أجلي؟ ". " ما الذي يجعلك تعتقدين أنني قادر على القيام بذلك؟ ". " أنت من صقلية. ولديك اتصالات قوية، وأنا أعرف ذلك. يمكن أن تجدها إن أردت ". قال: " كان عليها البقاء في منزل العائلة، لتحزن على والدك ". " لا تطلق أحكاماً على أمي ". نهضت على قدميها بسرعة بالرغم من ارتجاف ساقيها، وتابعت: " لو عرفت ما عانته أمي طوال تلك السنوات، لاعتقدت أنها قديسة ". جالت عيناه ببطء وتامل على وجهها، قبل أن يقول: " بدأت أفكر أن والدك لم يكن رجلاص يسهل العيش معه. اجلسي، فرانسيسكا! التوتر في أوقات تناول الطعام يجلب لي عسر الهضم ". تورد وجهها من الغضب، وهي تقول: " لا يمكنك أن...". قاطعها ريكو بصوت هادئ: " جيسي... اجلسي! ". جلست وقلبها يدق بسرعة بسبب تلف5ظه باسمها غير الرسمي. إنها المرة الأولى التي يناديها بأي اسم غير فرانسيسكا. على شفتيه بدا اسم التحبب لفظاً حميماً مختلفاً. " هل تشعر بالسعادة عندما تأمرني؟ ". ساد صمت طويل بينهما وهو يحدق بعينيهاز فشعرت بشحنة كهربائية تجتاح جسدها. " أرغب فعلاً في جعلك تدركين ما الذي يسعدني حقاً، ما إن انتهي من تناول طعامي ". قال لها ذلك بنبرة ناعمة كالحرير، فغرقت جيسي أكثر في مقعدها. " إن كنت تتحدث من جديد عن العلاقة العاطفية، عليك أن تعلم أن لا رغبة لدي مطلقاً في مشاركتك ذلك ". ابتسم ريكو قائلاً: " هذا ليس صحيحاً، فانت تشعرين بالشوق لذلك، لكنك ما تزالين تتريثين بسبب لورينا. يمكنك أن تهديء ما من علاقة بيننا الآن. علاقتنا انتهت منذ زمن ". شهقت جيسي من فقدانه للباقة، وقالت: " امن المفترض أن يجعلني كلامك هذا أشعر بالارتياح؟ ". " لم لا؟ علاقتي بلورينا كانت علاقة جسدية عابرة، وانتهت قبل زواجنا ". رفع كتفيه بلااهتمام، وتابع: " لذلك لا داعي لأن تشعري بالغيرة ". " أنا لا أشعر بالغيرة، كل ما في الأمر أنك لا تعجبني ". هزت جيسي رأسها غير مصدقة ما تسمعه، وهي تتابع: " تقول علاقتك بها كانت علاقة جسدية، لكن هل هناك علاقة من نوع آخر بالنسبة لك؟ هل كنت تحب النساء اللواتي كنت تقيم علاقات معهن؟ ". " بالطبع! ". " هل أغرمت بإحداهن يوماً؟ ". تمتم ريكو كلمات باللغة الإيطالية لم تفهمها. ثم مال إلى الأمام، وقد لمعت عيناه بسخرية لاذعة. قال ينصحها بنبرة هادئة ناعمة: " اكبري! أنت فب العالم الحقيقي الآن. العلاقات بين الكبار معقدة ". " مما أراه أن لا تهتم إلا للعلاقة النفعية ". رفع ريكو يده، كأنه يصرفباله عما قالته، وعلق: " أين الخطأ بذلك؟ كلانا يعلم أنه كانت لديك علاقة عاطفية قبل زواجنا، لذا توقفي عن التصرف كأنك عذراء غاضبة من سوء تصرفي. من الآن فصاعداً أصبح الماضي أمراً منسياً لنا معاً ". تمنت فجأة لو أنها لم تخبره بتلك الكذبة عن كارلفو، لكنها في ذلك الوقت، اعتقدت أنه سيرفضها إن عرف أنها أقامت علاقة مع رجل آخر غيره. " أنا لا أجدك جذاباً، ولا رغبة لي في مشاركتك سريرك ". أمسكت ريكو كوبه، وعلق بنعومة وهو يبتسم بمرح: " خمس عشرة ثانية هذا كل ما أحتاجه لأجعلك تبدلين رأيك، وربما أحتاج إلى أقل من ذلك ". شعرت جيسي بحرارة تجتاحها، ما جعل الدم يتدفق بسرعة في عروقها. " بما أنا المرأة الوحيدة التي رفضتك. هل فكرت بذلك يوماً؟ ". " لا! ". تمنت لو أنه يتوقف عن النظر إليها، فهذا يزيد من توترها ويشوش أفكارها. إنها تحتاج إلى الشجاعة والتفكير بهدوء، مع ذلك شعرت أن الأرض تدور بها، كما أحست بجفاف في فمها. " أشعر بالعطش. ساشرب المزيد من العصير ". " ليس قبل أن تاكلي شيئاً ما ". " توقف عن إصدار الأوامر ". " توقفي عن التصرف كطفلة ". اشاحت جيسي بنظرها إلى البعيد، غير قادرة على تحمل نظرته الثاقبة أكثر من ذلك. " توقف عن تحليلي ودراستي. ما كنت لتستطيع تناول لقمة واحدة لو كنت مكاني ". " وأي مكان هذا؟ ". هل تعترف له أن فكرة إقامة علاقة معه تجعلها تموت من الإحراج؟ لا! إن عدم ثقتها بنفسها أمر مثير للشفقة. حسناً! يكفي أنها ليست جذابة، ولا داعي لأن تضيف المزيد من الإحراج على مشاكلها. تمتمت: " إنه ليس بالوضع السهل حقاً. أليس كذلك؟ ". تركت يدها تشسقط عن الكوب. شعرت فجأة بالارهاق والتعبز الإحساس بالضيق والخوف في الطائرة، ثم لقاءها بريكو، واكتشافها أن أمها غادرت صقلية. ذلك كله كثير عليها. قالت: " أنا حقاً متعبة. هل يسمح لي بالذهاب إلى السرير؟ ". ساد صمت وهو يتأملها، ثم قال بهدوء: " هذا منزلك وأنت تفعلين فيه ما يسرك ". نظرت جيسي إليه بشك وحيرة، وهي تشعر بدوار في رأسها. " أنت تقصد، إن كان ما أفعله يناسبك ". " بالطبع! ". ابتسم ريكو قليلاً، ونهض على قدميه وهو يتابع: " لحسن الحظ، الذهاب إلى السرير أمر يناسبني تماماً. سأريك غرفة نومك ". " أعرف أين هي غرفتي ". " استرحت اليوم في إحدى غرف الضيوف، أما الليلة فستنامين في سريرنا ". قادها عبر الفيلا، صاعداً وإياها على درج ملتو ذي نقوش جميلة، حتى وصلا إلى غرفة ضخمة. رأت جيسي ستائر رقيقة بيضاء تطير في الهواء أمام أبواب زجاجية تفتح على شرفة جميلة. شعرت بثقل في ساقيها، لكنها تجولت في الغرفة حتى وصلت إلى الخارج، ثم تمايلت فجأة، وهي تقول: " أشعر بنوع من الدوار. لابد أنني مرهقة ". تنهدت بارتياح، ما إن حملها ريكو بين ذراعيه، وهو يتمتم بشتيمة. تابعت قائلة: " شكراً لك، هذا أفضل بكثير من السير على قدمي ". شعرت بدوار في رأسها ما إن وضعها على السرير. فتحت عينيها وحدقت بوجهه البرونزي الوسيمن ملاحظة عدم الرضى والضيق على ملامح وجهه من خلال الخطوط حول فمه. تمتمت وهي شبه نائمة: " لابد أنه تأثير الشراب القوي على معدتي الفارغة ". استدارت لتنام على جنبها وهي تتابع: ط إنها المرة الأولى التي أتذوق فيها ذلك الشراب، ونظراص لللم الذي أشعر به في رأسي الآن، من المؤكد أنها ستكون المرة الأخيرة أيضاً ". " المرة الأولى؟! ". حملت نبرة صوته عدم تصديق لما سمعه، فابتسمت جيسي له بنعومة، وأغمضت عينيها: " أبي لا يوافق على أن تشرب النساء مطلقاً أي شراب مصنع. في الواقع، هو لا يوافق على النساء مطلقاً، باستثناء اولئك اللواتي كان يخرج برفقتهن خفية عن أمي. هو يشبهك في الواقع ". شعرت بالوسادة ناعمة جداً، فتابعت: " هذا الفراش مريح جداً... عمت مساء ". أخذ ريكو يتجول على الشرفة خارج غرفة نومه، وهو يحاول السيطرة على غضبه وإحساسه المتزايد بالإحباط، أين تراه أقدم على فهم الأمور بطريقة خاطئة؟ توقع من فرانسيسكا ماندوزو أن تكون الزوجة المثالية له. عندما التقى بها للمرة الأولى، بدت متحفظة وحسنة الخلق إلى درجة تثير الشفقة. بدت لطيفة ورقيقة وراحت تنظر إليه بدرجة مبالغة من الإعجاب والافتنان. في الواقع بدت منذهلة من عرضه للزواج بها، لدرجة أن ريكو كان متاكداً تماماً أن اختياره لزوجته هون أكثر من مثالي. الحماس الذي أظهرته عندما عانقها أدهشه. تذكر تلك اللحظة في الحديقة، وهو يقطب جبينه. لطالما اعتقد ان عروسه تحمل شغفاً كبيراً في داخلهاغ، لكنه لم يتوقع أن تعرض ذلك الشغف على أي رجل آخر غيره. إنه يحارب بشكل مستمر للسيطرة على الغيرة السامة التي تعذبه في كل لحظة من يقظته. هو لا يريد أن يشعر بهذا الإحساس. هو من بين كل الناس يجب أن يدرك أن هذه العاطفة بالتحديد هي ذات طبيعة مدمرة. حقيقة أن جيسي لديها علاقة سابقة يجب ألا تقف في طريق مستقبلهما معاً. عليه أن يضع هذا الأمر وراءه. وحقيقة أنها بعيدة عن تلك الفتاة الناعمة السهلة، التي كانت عليها عندما تزوج بها، وأنها تبدي المزيد من التحدي، يجب ألا تحزنه البتة. هو لا يستطيع أن يتجاهل أنها ومنذ اللحظة التي ظهرت فيها مجدداً، أظهرت شخصية مختلفة تماماً. في الواقع، أصبح يعتقد أن جيسي هي اكثر النساء تعقيداً وتناقضاً من بين كل النساء اللواتي تعرف عليهن. في لحظة تصرخ به مبدية طبعاً نارياً غاضباً، مظهرة كل سمات المرأة الغيورة، وفي اللحظة التالية تتكور في السرير كطفلة. كما أنها لا تسعى إلى مسامرته وممازحته أو محاولة إسعاده بأي طريقة ممكنة. تنهد ريكو وهو يزفر بقوة، وشد على أصابعه وهو يمررها في شعره متسائلاً لماذا لا تكون النساء أكثر صراحة. لا شيء مما يحدث معه يجري كما كا خطط له منذ البداية. عندما اتخذ قراره بأن الوقت حان ليوجه اهتمامه نحو إنشاء عائلة، لم يدرك أن هذا الأمر معقد ويحتاج إلى الكثير من الوقت. غير أن التعامل مع جيسي يثبت أن لا شيء معها يتم ببساطة، وإن أعطيت أي فرصة فلابد أنها ستهرب من جديد. ذكر نفسه على الفور، أن الأمر يتعلق بالكبرياء. رؤيتها للورينا في حفلة الزفاف أصابت كبرياءها في الصميم. استسلم وأقر لنفسه بحقيقة أن الزواج لا يشبه مطلقاً ولا يقترب بشيء من الأمور التي فكر بها وتوقعها كأي مشروع معقد، زواجه بحاجة إلى اهتمامه الشخصي وعنايته، في الوقت الراهن على الأقل. حسناً! لاشك لديه مطلقاً أنه إذا ما ركز اهتمامه على زواجه، فسوف يجعل زوجته تنظر إليه بشغف وشوق بعد مرور ليلتين او اكثر قليلاً. نظر إلى ساعته ثم نزل الدرج من الشرفة، ليتجه نحو الجناح الخاص بالمكاتب في الفيلا. الليل ما زال في أوله وعروسه نائمة. حسناً! بإمكانه إجراء بعض الإتصالات الهاتفية مع نيويورك، ليرى كيف تجري الأمور بالنسبة للعقد الجديد، وعندما تستيقظ زوجتهن سيتمكن من تكريس اهتمامه لها. ********* الفصل الرابع صدمة موجعة! استيقظت جيسى على صداع أليم فى رأسها، وبقعة نور تسطع على وجهها. ــ آه هل يستطيع أحد ما إطفاء النور؟ قالت ذلك وهى تتأوه، وتستدير على بطنها، لتدفن وجهها بالوسادة. ــ إنها أشعة الشمس. سمعت صوت رجل بقربها تماماً، وفجأة أدركت أن الغطاء فى مكان ما حول كاحلها. شعرت بالهواء البارد يلفح بشرتها، فأدركت أنها لا ترتدى سوى ثيابها الداخلية. بشهقة من الإحراج أمسكت بالغطاء، وجذبته إليها، لكنه التف على ساقيها، فاحتاجت إلى جذبه بقوة عدة مرات قبل أن تتمكن أخيراً من تغطية جسمها كما ترغب. ــ ما الذى حدث لثيابى؟ ــ نزعتها عنك بعد خمس ثوان من استلامك للنوم. تابع ريكو بنبرة ساخرة: " على أن أعترف أنك لم تكونى رفيقة مسلية أثناء العشاء ". شعرت جيسى بالإضطراب والضيق حين علمت أنه نزع عنها ثيابها. جلست وهى تمسك بالغطاء حتى ذقنها. قالت: " كل ما فى الأمر أننى لم أنم منذ أكثر من ثلاثة أيام. كنت متعبة ". حدقت به، واتسعت عيناها وهى تراه ينزع ربطة عنقه بحركات هادئة. سألته: " إنه الصباح، فلماذا تخلع ثيابك؟ ". ــ لأننى لم أنم بعد، ولا أرغب فى الذهاب إلى السرير وأنا أرتدى بذلة. رمى ربطة العنق على ظهر أقرب كرسى، ثم خلع سترته. أمسكت جيسى بالغطاء بقوة أكبر، وهى تتابع: " لا يمكننا أن... ننام معاً الآن، إننا فى ضوء النهار ". رفع ريكو كتفيه العريضتين بلا أى اهتمام: " لو لم أكن منشغلاً فى اجتماعات طوال الليل، لاستلقيت إلى جانبك، منتظراً أن تستيقظى. كما أن... ضوء النهار يناسبنى ". هذا أسوأ كابوس فكرت به يوماً. بقيت تمسك بالغطاء فوق صدرها، وتراجعت بسرعة إلى أعلى السرير. ــ اسمع! لا يمكننا القيام بذلك. ــ إن كنت قلقة بشأن حبيبك، أؤكد لك أنك لن تتذكرى اسمه بعد اليوم. أكد ريكو ذلك بثقة واضحة، وهو يرمى قميصه جانباً. قلبت جيسى عينيها، وقد تورد وجهها بلون أحمر قان. لم تر مطلقاً رجلاً ينزع ثيابه من قبل، لكن ريكو يملك وسامة لانظير لها، لذا هو لا يشعر بأى انزعاج من قيامه بذلك. لم تقدر على منع نفسها من اختلاس نظرة ثانية إليه. إنه رجل من لحم ودم، وهو ملئ بالحيوية والحماس... حان الوقت لتخبره أنها لم تقم أى علاقة عاطفية مع كارلو. التظاهر بأنها خبيرة سيجلب لها المشاكل، فهى لا تعرف شيئاً عن هذه المواضيع. لكن اعترافها بمثل هذا الأمر سيجعلها تعترف أيضاً أن لا أحد وجدها جذابة حتى الآن، وهى لا تستطيع أن تجبر نفسها على قول ذلك بصوت عال. قال ريكو وهو ينضم إليها فى السرير: " ألن تتركى هذا الغطاء؟ ". حدقت جيسى بالقميص السوداء التى كانت ترتديها ليلة البارحة، والتى أصبحت مرمية على الأرض. ثم مالت عبر السرير لتتمكن من التقاطها. ــ ما الذى تفعلينه؟ أمسكت يداه البرونزيتين النحيلتين بخصرها وأعادتاها إلى السرير: " لست بحاجة إليها ". تابع بنعومة، وهو يبعد شعرها عن وجهها فى لمسة ناعمة واثقة: " فأنا سأعمل على نزعها من جديد ". قالت بنبرة مرتجفة: " اسمع! حان الوقت لنتوقف عن المراوغة. أنا لست من نوع النساء اللواتى تقيم علاقات معهن، وكلانا يعلم ذلك ". من المحتمل أنه سينظر إليها نظرة واحدة، ثم يبدل رأيه. فكرت بذلك بيأس، وهى تختبئ بقدر ما تستطيع تحت الغطاء. ــ توقفى عن الحديث عن أولئك النساء. بنبرة من السخط بدت واضحة فى صوته، تابع يقول: " أنا الآن معك، وهذا كل ما يهمنا ". شعرت جيسى بالحرارة تجتاحها وبالدماء تحرق خديها. امتد الصمت بينهما لفترة طويلة. تلاشت قدرتها على الشجار، وهى تنتظر أن يقول لها شيئاً مهيناً. تمتمت أخيراً وهى تحاول أن تبتعد عنه: " توقف عن النظر إلى. أعلم أننى لست جذابة ". حدق بها بثبات، وبدت نظرة غريبة فى عينيه السوداوين. وهو يقول: " لست جذابة؟! ماذا تعنين بقولك؟ ". هل سيجعلها تقول ذلك فى العلن، حسناً! ــ أعرف أننى لا أبدو مثل أولئك العارضات اللواتى تخرج برفقتهن، فأنا سمينة. أكد لها بصوت عميق: " لست سمينة ". مرر يده بنعومة على ظهرها وقال: " تملكين جسماً مثالياً ". فتحت جيسى فمها لتجادله، لكنه اختار فى تلك اللحظة أن يعانقها بقوة. تأوهت وهى تقول: " يجب ألا نفعل ذلك... ". تمتم ريكو بصوت بالكاد يسمع: " نحن متزوجان. كان يجب أن نفعل ذلك منذ ستة أشهر". ــ ضمها إليه بقوة، فشهقت متلفظة باسمه: " ريكو! ". ــ أنت رائعة! علمت منذ اللحظة الأولى التى رأيتك فيها أن علاقتنا ستكون مذهلة. هل فكر بذلك حقاً؟ حاولت جيسى أن تتمسك بتلك الفكرة، فيما شعرت أن العالم كله غاب عنهما، ولم يبق إلا الشوق الذى سرق أنفاسها من جسدها. ــ هل أخبرك أحد من قبل أنك غريبة الأطوار بشكل مثير للجنون؟ نظر إليها للحظة وهو يفكر، ثم تابع: عانقينى تسورو، وكل شئ سيصبح على ما يرام. ثقى بى! ". تأوهت باسمه وهى تقترب منه أكثر، وفى اللحظات التالية شعرت أنها تطفو فوق الغيوم برفقته غافلة عن كل ما حولها..... فى نهاية الأمر استلقت جيسى مغمضة العينين، وهى تشعر الصدمة والإنبهار مما حدث. لم تتخيل حتى فى أكثر أحلامها غرابة أن العلاقة الغرامية تحمل هذا المقدار من السعادة. إنها أكثر من تجربة حسية. إنه اتحاد وتقارب لا يمكن التعبير عنهما بالكلمات. تلك الحميمية أدهشتها، فهى معتادة على الوحدة. عاشت جيسى حياتها فى عزلة تامة. والدها أبقاها بعيدة عنه، ولم يرغب بأن يكون لديها أصدقاء. عاشت وحيدة بشكل لا يحتمل. علاقاتها الوحيدة هى مع الكتب، وأصدقاؤها هم الشخصيات الحية ضمن أوراقها. لكن ما حدث الآن جعلها تشعر بالدفء. ابتسمت ابتسامة خافتة، فما حدث حقيقى. الآن فقط علمت معنى المشاركة الحقيقية، وكيف يمكنها أن تمنح نفسها لشخص آخر. بقيت هادئة وصامتة، كأنها ترغب فى إطالة تلك اللحظة. أصغت إلى أنفاس ريكو، فيما لم تستطع أن تتذكر لماذا أرادت الطلاق. نسيت لماذا أرادت الحصول على حريتها بكل ما لديها من قوة. لماذا قد تطلب أى شئ أكثر من هذا؟ عندما ابتعد عنها، أرادت أن تمسك به وأن تطلب منه ألا يتحرك، لكن لسانها لم يجد الكلمات المناسبة. لا فكرة لديها كيف يجب أن تتصرف الآن. هل شعر ريكو بالأحاسيس ذاتها؟ لم تستطع مقاومة الرغبة بالنظر إليه. أدارت رأسها، وشعرت بكل ما فيها يذوب شوقاً إليه. إنه وسيم بشكل لا يصدق! لم تتمكن إلا من التحديق بجانب وجهه، متأملة الخطوط القوية لفكه الأسمر. وكأن ريكو شعر بنظراتها، فاستدار لينظر إليها، ويقول بنبرة قاسية: " لا تجعلينى أعتقد ثانية أنك أقمت علاقة مع رجل آخر، إذ إننى قد أقتله ". توقعت أن يقول لها كلاماً رومنسياً بعد تلك العلاقة الرائعة بينهما. على الفور شعرت جيسى أن الدفء والأحاسيس الناعمة تبخرت من أعماقها. ــ ما الذى تتحدث عنه؟ استلقى ريكو على ظهره، وقال: " مانسينى... إما أنه حبيب فاشل، أو أنك كنت تكذبين بشأنه، فحتى هذا الصباح لم يسبق لك أن أقمت علاقة غرامية مع أحد ". توقعاتها أن تسمع منه كلاماً رومنسياً تحطمت كلياً. شعرت جيسى بالدماء تتدفق إلى خديها، فليس هذا هو الحديث الذى يجب أن يتبادلا ". ــ حاولت أن أخبرك الحقيقة. ــ لكن بعد أن أخبرتنى كذبة أولاً. لمعلوماتك، أن تخبرى زوجك أنك خنته مع رجل آخر هو لعبة خطيرة جداً، تسورو. لا تخاطرى بذلك مرة أخرى. استلقى على جنبه، ونظر إليها. بدا سعيداً جداً وهو يتابع: " لكننى سعيد لأنك كنت عذراء... سعيد جداً. فى هذه الظروف، قد أسامحك لأنك هربت ". يسامحها؟! استلقت جيسى وهى تفكر بصمت. بحثت فى عينيه العاصفتين عن شئ من الرقة... شئ ما يعكس العاطفة العميقة التى تشاركا بها. أين هى الكلمات المليئة بالعاطفة التى يفترض أن تتبع ما حدث؟ ــ أهذا كل ماتريد قوله؟ أهذا كل ما تهتم له؟ ــ وهل يدهشك ذلك؟ ابتسامته الواثقة أربكتها. مرر ريكو يده فوق كتفها بحركة متملكة، وتابع: " أنت زوجتى، وأنا لم أكن يوماً شخصاً يرضى بالمشاركة. حاولت أن أبدو متفهماً، لكن على أن أعترف أن الأمر كان صعباً جداً ". تأثر جسدها على الفور بلمسته، وشعرت بالحرارة تجتاحها من جديد، فقالت: " أنت متملك بشكل لا يحتمل ". ــ شكراً لك. أبعد ريكو يده عنها، وقفز من السرير، ثم سار عبر غرفة النوم بثقة وهدوء، وهو يتابع: " من الأفضل أن تتذكرى ذلك قبل أن تقبلى الصعود فى سيارة رجل غريب ". بقيت جيسى مستلقية للحظات، مندهشة من حقيقة أنه اعتبر نقدها مديحاً له. حاولت أن تتجاهل الضيق الذى تشعر به. غمرها إحساس بخيبة الأمل طغى على تلك اللحظات السعيدة التى عاشتها. إنها التجربة العاطفية الأولى لها، وهو عرف ذلك، مع ذلك لم يقل لها كلمة لطيفة؟ من الواضح أن هدفه الوحيد كان تلقينها درساً. شعرت أنها محطمة تماماً. بعدئذ أخذ تصميم قوى يظهر فى أعماقها، تصميم نما وترعرع خلال الأشهر الستة التى أمضتها بعيداً عن والدها: لن تسمح لأى رجل بعد الآن أن يعاملها بطريقة سيئة! غادرت السرير، وارتدت ثيابها بيدين مرتجفتين، ثم تبعته إلى غرفة الحمام. عبرت الباب فى الوقت الذى كان ريكو يضرب زراً على الحائط، فاندفعت المياه إلى داخل مغطس مرصوف بحجارة نافرة. ــ أريد أن أتحدث إليك. ــ التحدث بعد علاقة عاطفية أمر مزعج، فأنا أفضل الاستمتاع بالأمور العملية. مد يده ليمسك بمنشفة. ــ حسناً! هذا أمر واضح. تذكرت من كلامه أن تلك العواطف التى عاشتها للمرة الأولى ليست جديدة عليه، وهذا ببساطة زاد من ضيقها، فتابعت: " أعتقد أن طريقة تصرفك فى غرفة النوم بحاجة إلى بعض التعديلات ". استدار ريكو ليحدق بها، فشعرت برغبة فى ضمه إليها. تراجعت إلى الوراء، وكأنها خائفة من جاذبيته الطاغية. سترسمه يوماً بقلم الرصاص، مستعملة خطوطاً قوية واضحة... أبعدت نظرها، وهى تعلم أن ليس هناك فنان، حتى لو كان مايكل أنجلو أو دافنشى، قادر على إنصاف هذه القوة التى تتضح من جسمه. جمد ريكو مكانه، وقد ظهر عليه الانزعاج. راقبها للحظات، ثم لمعت عيناه بقوة وهو يقول: " أخبرينى بالتحديد، ما الذى يحتاج إلى التغيير؟ ". سار نحوها، فشهقت بنعومة، وأبعدت نظرها عن صدره الواسع. إنه قريب جداً منها... تمتمت وهى تشعر بخديها يحترقان من شدة الإحراج: " لايتعلق الأمر بالعلاقة الغرامية، بل بما حدث بعد ذلك. أنت لم تقل أى كلمة لطيفة ". ــ ماذا؟ بدا مرتبكاً وهو يتابع: " ماذا تقصدين؟ ". ــ لم تقل أى شئ شخصى. إن كنت لا تجدنى جذابة، فهذه غلطتك. حذرتك أن لا داعى لنقوم بعلاقة عاطفية فى وضح النهار. ما إن انتهت من قولها حتى ساد صمت طويل. ثم وضع ريكو يده تحت ذقنها ليجبرها على النظر إلى عينيه، وسألها بنبرة ناعمة كالحرير: " لماذا تريدين إخفاء جسدك؟ ". هل هو بحاجة ليسمعها تقول ذلك؟ ــ أنا لست من نوع النساء اللواتى تعرفهن. اعتقدت أنه... ربما... قاطعها قائلاً:" لماذا ترغبين فى إخفاء جسدك؟ أخبرينى! أريد أن أعرف ". قال ذلك بنبرة صوت حازمة وهادئة، كأنه يصدر أمراً. ــ آه... حسناً! ذلك أمر واضح جداً. حاولت أن تبعد نظرها عنه، لكن أصابعه بقيت تمسك بذقنها، لتمنعها من الحركة. فتابعت:" أتمنى لو أننى أكثر نحافة، أعنى أننى... ذات جسد ضخم بين النساء ". ــ حسناً! أنا محظوظ لأنك لا تستطيعين تغيير ما وهبتك إياه الطبيعة. أبعد يده عن ذقنها، وأمسك بحاشية قميصها، ثم شدها إليه مقاوماً محاولتها فى منعه. تابع قائلاً: " جسمك مثالى، تسورو! ما كنت لأرغب فى تبديل أى شئ سوى رغبتك المستمرة فى إخفائه ". مثالى؟! قال لها ذلك من قبل، وهى لم تصدقه حينها، بدون تفكير منها حاولت أن تحمى نفسها بذراعيها، لكن ريكو ضحك بنعومة، وأمسك برسغيها، مجبراً إياها أن تلف ذراعيها حول رقبته. همست جيسى:" لا تفعل! لا أصدق أنك معجب بى ". ــ هل أنت بحاجة إلى برهان إضافى؟ ضمها إليه وعانقها وهو يشدها إليه بقوة. ــ هل اقتنعت، أنجيلا ميو؟ شعرت جيسى بالانبهار من قوة الأحاسيس التى سيطرت عليها، حاولت أن تتذكر الحديث الذى كان يجرى بينهما. ــ إن كنت تجدنى جذابة، فلماذا قفزت من السرير فجأة؟ ــ لأننى لا استطيع التواجد فى السرير معك بدون إقامة علاقة من جديد. ابتسم لها ابتسامة ساحرة، وهو يبعد شعرها عن وجهها، ويتابع: " وأنا لا أريد أن أسبب لك أى أذى، لذا قررت أن استحم بالماء البارد عوضاً عن ذلك ". ــ آه! التفتت نحو المغطس، ولاحظت أنه ليس هناك بخار متصاعد منه. سوف يستحم بالماء البارد. هل كان يفكر بها عندما غادر السرير بسرعة؟ قال ريكو بنعومة: " والآن، لدى سؤال لك. أريد أن أعرف بالتحديد من الذى جعلك تظنين أنك سمينة؟ ". رفعت كتفيها بخجل، وقالت: " الفتيات فى المدرسة... أبى.... وأنا نفسى عندما كنت أنظر إلى المرآة ". قطب جبينه، وسألها: " أتعنين أن والدك هدم ثقتك بنفسك؟ ". ــ لقد عمل على مهاجمتى بضربات متواصلة ودائمة. قالت ذلك بصراحة، ثم أدركت أنها باحت بالكثير، فعبست مندهشة من تصرفها. بعد إحدى وعشرين سنة من الصمت، بدأت فجأة تطلق العنان لنفسها بالبوح بكل ما يدور فى فكرها فى كل فرصة سانحة. نظر ريكو إلى وجهها ملياً. بدت ملامح وجهه جدية، وهو يقول: " فهمت. حسناً! والدك كان مخطئاً، وأنا لا أريد مطلقاً أن أسمعك تتحدثين عن نفسك بطريقة سيئة. جسدك رائع بكل ما للكلمة من معنى ". شعرت جيسى بالارتياح من جراء ذلك الإطراء والرقة غير المتوقعة فى عينيه. تركت يديها تنحدران على كتفيه، وهى تشعر بالسعادة من جراء الإحساس بقوته. سألته: " هل تقصد ذلك حقاً؟ ". تمتم وهو يهمس قرب أذنها: " بشكل مطلق. أنت كل ما أريده، وسأبرهن لك ذلك على الدوام، تسورو ". وهذا ما فعله... أمضيا الأسبوعين التاليين فى انسجام تام. بدا لها بوضوح أن ريكو غير قادر على الابتعاد عنها. كل ليلة، كانا يذوبان ببعضهما، ويحلقان معاً. بدا ريكو سعيداً جداً بقربها، لدرجة أنها شعرت أن من المستحيل ألا يشعر بأنها مميزة. منحها ذلك إحساساً رائعاً ومذهلاً. إن لم يكن ريكو عاطفياً، فهو شديد الاهتمام بعلاقتهما. قالت جيسى لنفسها، إنها البداية فقط! ريكو ليس معتاداً على التعبير عما يشعر به، وهى تشعر بالتعاطف معه من جراء ذلك، لأنها هى أيضاً كذلك. سيتعلمان معاً. قالت ذلك لنفسها وهى مستلقية فى سريرها بعد مرور أسبوعين على عودتها إلى صقلية. معاً سيتعلمان، فهى تعلم أنه يهتم بها، لأنه يثبت لها ذلك. لأول مرة فى حياتها باتت تشعر بالثقة بنفسها... تشعر أنها جذابة، وأنها امرأة محبوبة. سارت حياتهما على المنوال ذاته، فهو يعمل فى جناح المكاتب الذى يحتل قسماً من الفيلا الكبيرة، ثم يمضى طوال الليل برفقتها، وينهض عند الفجر ليبدأ يوم عمل جديد. برنامج عمله دقيق جداً، أما متى يأكل ويرتاح فلا فكرة لديها أبداً. جال فى فكرها تساؤل، لماذا يستمر رجل بثرائه فى العمل بالحماس ذاته، لكنها لم تحظ بفرصة لتسأله، لأن علاقتهما لا تتضمن أى حوار أو نقاش. حسناً! أليس هناك الكثير من العلاقات الناجحة التى تبدأ بعلاقات حسية فقط، ثم تنتقل إلى علاقات أعمق مليئة بالعاطفة الصادقة؟ بالنسبة إليها، فإن تواجدها معه هو المغامرة الحقيقية الوحيدة التى عاشتها فى حياتها. ريكو يجعلها تشعر بأنها امرأة مميزة، وهو يتعامل معها بطريقة تدهشها. رغبتها الجارفة فى الحصول على الحرية تراجعت إلى أبعد مكان فى أفكارها. أصبح تركيزها كله منصباً على علاقتهما. كل ليلة يدخل ريكو إلى غرفة نومهما كالمحارب، أما تصميمها على أنهما فى هذه الليلة سيجلسان ليتحدثا، فلا يدوم لأكثر من عشر ثوان. علاقتهما ما زالت بدائية، لكنها مليئة بالشغف والاهتمام، ولم يعد لديها أى شك بأنه يجدها جذابة. فى الواقع، أصبحت جيسى أكثر اقتناعاً بأنه معجب بها، وإلا لماذا يمضى معظم الليل فى علاقة حميمة معها؟ إنه لا يستطيع إبعاد يديه عنها، وهى تحب فكرة أنه يجدها لا تقاوم. كل ما فى الأمر أنهما بحاجة إلى مزيد من الوقت قبل أن يمتد هذا التقارب إلى أجزاء أخرى من حياتهما. سيأخذها ريكو معه فى رحلات عمل إلى خارج البلاد. سيسافران ويمضيان أوقاتاً يكتشفان فيها أماكن جديدة... استدارت على السرير وهى تبتسم بفرح. صحيح أنه لم يقل إنه يحبها، لكنه بدون شك منجذب إليها، وهذه مجرد بداية. إنه يقول لها على الدوام إنها مثالية وكاملة. فكرت بما يقوله ملياً، ثم ابتسمت بسعادة ورضى. لأول مرة فى حياتها بدأت تشعر بالثقة فى ما يتعلق بمظهرها. لم يمض ريكو ليلة واحدة بعيداً عنها منذ أن وصلا إلى الجزيرة. ذكرت نفسها بذلك، وهى تضم هذه المعرفة إلى أفكارها وأحلامها، وكأنها غطاء دافئ يلفها. منذ اللحظة التى وضعها فيها فى سريره تلك الليلة الأولى، بدا واضحاً أنه لا يشعر بحاجة كى يرى أى امرأة أخرى. فى الواقع، بدأت تصل إلى الاستنتاج أنها كانت مخطئة بظنها أنه يشبه والدها. مخطئة بشكل مطلق. صحيح أن ريكو قوى وقاس، لكنه أيضاً حساس معها، وهما يصبحان أكثر قرباً من بعضهما مع مرور كل ليلة. هل أمضى والدها كل ليلة فى سرير أمها؟ لا! هى تعرف ذلك. ما عليها سوى الانتظار لبعض الوقت قبل أن يجد ريكو نفسه غير قادر على تمضية نهار بأكمله من دون أن يبحث عنها، ويطلب رفقتها. غادرت جيسى السرير، ثم استحمت، وارتدت ثيابها، وأمسكت بحقيبتها. اعتادت على تمضية أيامها على الشاطئ، تنام أحياناً أو تنغمس بهوايتها السرية: الرسم. هى ليست مضطرة الآن لإخفاء ما تفعله، لأن لدى ريكو الكثير من الأمور الهامة التى تشغله عن البحث بين أغراضها كما كان يفعل والدها. إنها تسبح فى معظم الأيام، وفى بعض الأحيان تستلقى هناك، ترسم وتحلم بريكو، وتفكر فى الليل القادم الذى سيجمعهما. لكنها اليوم، ما إن استقرت على السجادة فوق الرمال، حتى شعرت بانزعاج وقلق. إنها تشتاق إلى ريكو. نظرت إلى ساعتها، وأدركت أن الوقت بالكاد قارب بعد الظهر. ما زالت أمامها عدة ساعات قبل أن يأتى إلى غرفة نومهما... إلا إذا ذهبت لرؤيته. حسناً! لم لا تفعل ذلك؟ لماذا على ريكو أن يأخذ المبادرة دائماً؟ استجمعت كل ما تحتاجه من شجاعة، لتذهب وتراه فى الجناح الذى يستعمله كمكتب لإدارة أعماله. لدهشتها، لاحظت أن المكان أشبه بخلية النحل، فهو ملئ بالنشاط والعمل. رأت أربع فتيات جميلات مغمورات بأكداس من الأوراق فى مكتب مكيف ومضاء بشكل قوى، وراءهن، وفى غرفة أوسع مع جدران زجاجية تطل على منظر للبحر يحبس الأنفاس، رأت ريكو. كان يجلس وراء مكتبه، واضعاً الهاتف بين كتفه وأذنه، مستغرقاً فى حديث هام كما يبدو. كانت حركة يديه تدل على مدى انزعاجه من النقاش الدائر. للحظة توقفت جيسى عند الباب، وقد شعرت بالحرج من النبرة الآمرة فى صوته ومن عرض كتفيه، وهو يعطى قائمة من التعليمات على الهاتف. بعدئذ رفع ريكو نظره، ورآها. ــ سأتصل بك فى ما بعد. أعاد سماعة الهاتف إلى مكانها، قاطعاً الاتصال بدون أى اعتذار أو أى إحساس بالندم. حدق بتركيز بمظهرها غير المرتب، وقال: " هل حدث شئ ما؟ هل هناك أمر هام؟ ". إنه يربط حضورها بمشكلة ما، فبعيداً عن علاقتهما الحسية، هما لا يمضيان أى وقت آخر مع بعضهما، حتى إنهما لا يريان بعضهما أبداً أثناء النهار، لكنها ستعمل على تغيير ذلك. إنها على وشك نقل علاقتهما إلى مستوى مختلف، وستعطيه دفعة كافية ليفعل ذلك. تمنت فجأة لو أنها لم تأت إلى هنا مباشرة من الشاطئ. كان بإمكانها أن تذهب إلى غرفتها لتبدل ثيابها. هذا لا يعنى أن هناك ثياباً مميزة أو جميلة فى خزانتها، لكنها أدركت فجأة أن ثيابها مجعدة بسبب جلوسها على الشاطئ. ــ لا شئ هام. أردت فقط أن أراك، وأن نتحدث. ــ نتحدث؟! كرر ريكو الكلمة وكأنها كلمة غريبة لم يفهمها، ثم وقف وسار نحوها، وهو يسأل: " بأى شأن؟ ". فكرت بمرح أنه طويل جداً. وهو الرجل الوحيد الذى يجعلها تنسى أن قامتها طويلة جداً. معه لا تشعر كأنها زرافة، فلا تضطر إلى إحناء كتفيها، أو انتعال حذاء مسطح. شبكت جيسى يديها ببعضهما. إنها ببساطة، تريده أن يقول لها كلاماً لطيفاً، أو أى كلام عاطفى يبرهن فيه أنه يهتم بها، لكنه ليس ناجحاً فى القيام بذلك. أدركت أن فريق عمله يصغى إلى كل كلمة يتلفظان بها. نظرت من وراء كتفها، وقالت: " هل نستطيع أن نغلق الباب؟ ". ــ أنا أعمل، جيسى! حاولت ألا تفقد شجاعتها بسبب نبرة صوته الحازمة. ذكرت نفسها أنها لم يكن يتوقع رؤيتها، ومن المحتمل أن فكره مازال منشغلاً بالاتصال الهاتفى الذى كان يجريه. ــ كل ما فى الأمر أننى أردت أن أتحدث إليك بخصوصية. نظر ريكو إلى وجهها متأملاً للحظة، ثم تبدلت القسوة فى نظرته، ليحل مكانها تعبير ناعم ولطيف. التوتر الذى ساد فى الغرفة اختفى، وساد مكانه إحساس بالتوقع. قطع المسافة فى مكتبه بخطى واسعة، ثم أغلق الباب بلمسة من يده. قال بنبرة ناعمة كالحرير: " لدينا الخصوصية المطلوبة الآن، وأنا أتطلع بشوق لسماع ما ترغبين بقوله لى ". ــ ألست غاضباً منى لأننى أزعجتك؟ ــ بعض الأمور تستحق أن ينزعج المرء لأجلها. عاد ليسير نحوها، وقد ظهرت ابتسامة مشرقة على وجهه، فشعرت جيسى بحرارة دافئة تجتاحها وتغمر أوصالها. أحسنت عملاً بالقدوم إليه، فهو يهتم لها. من الواضح أنه يجد صعوبة فى التعبير عن عواطفه، لذا يحتاج إلى بعض التشجيع والتحفيز. ــ أردت التحدث إليك، ولم أستطع الانتظار حتى الليل. ــ هذا واضح جداً ومفهوم. قال ذلك، ثم أحنى رأسه ليعانقها عناقاً سريعاً خاطفاً، ويتابع: " لم الانتظار، فيما لديك أمر هام جداً عليك إعلامى به؟ إننى سعيد لأنك أتيت ". ابتسمت له، وقالت: " أريد أن نمضى المزيد من الوقت معاً ". ــ بالطبع! هذا ما سنفعله. ابتسم بدوره ابتسامة كبيرة، وتابع: " سنقوم برحلات عائلية وبنزهات. أشعر أن والدك كان حازماً جداً معك، ولم يكن له دور فى تربيتك. لست بحاجة إلى القلق. أنا اؤمن بأن الطفل يجب أن يجد مثالاً دائماً أمامه، أريد أن يكون لى دور كبير فى تربية ابنى منذ البداية ". ابنه؟! حدقت جيسى به من دون أن تفهم شيئاً، وعلقت: " ما الذى تتحدث عنه؟ ". ــ أنت تحاولين أن تخبرينى أنك حامل. لا داعى للقلق. أنا سعيد جداً بهذا الخبر. بالطبع! كنت أتوقع ذلك. هل اعتقد أنها حامل؟ ــ لماذا تتوقع أن أكون حاملاً؟ ــ ولماذا نمضى الليل كله بإقامة علاقات حميمة؟ أليس بهدف أن تصبحى حاملاً؟ رفع ريكو كتفيه، وتابع: " إنشاء عائلة هو السبب الوحيد لزواجنا. هذا خبر رائع! أنا سعيد، سعيد جداً تسورو. أنت فتاة ذكية ". فتحت جيسى فمها غير مصدقة ما تسمعه. ترددت كلماته فى ذهنها وهى تتذكر تلك اللحظات الحميمة بينهما. قالت بصوت بالكاد يسمع، بسبب رعبها من السيناريو الغريب الذى يختلف تماماً عما تكترث به: " طوال الأسبوعين الماضيين... هل كنت تحاول أن تجعلنى حاملاً؟ ". ــ بالطبع! ما الذى ظننته إذاً؟ قطب جبينه كأنه يعتبر سؤالها بمنتهى الغباء. أرادت أن تسأله عن الشغف والشوق، لكن فمها لم يتمكن من تشكيل الكلمات. بدلاً من ذلك راحت تردد ما سمعته منه تكراراً: " قلت لى إن جسدى رائع ومثالى ". ــ بالطبع! كيف يمكنك أن تشكى بذلك؟ وقف بعيداً عنها وراح يتأملها بإعجاب، ثم تابع: " هذا ما قلته، وما زلت على رأيى. كل ما فيك مصمم للأمومة. وركاك واسعان وهذا مثالى لإنجاب الأطفال ". مثالى لإنجاب الأطفال؟! هل يعتقد أن جسدها مثالى، لأنها خلقت لتنجب الأطفال، وليس لأنها جذابة؟ ظلت مندهشة من شدة الصدمة، لدرجة أنها لم تعد قادرة على التفكير. قالت بصوت خفيض: " أحتاج إلى الجلوس ". على الفور، لف ريكو ذراعه حولها، وقادها نحو أريكة مريحة فى زاوية غرفة مكتبه. قال بنبرة مليئة بالاهتمام والرقة: " بالطبع تحتاجين إلى ذلك، وتحتاجين إلى كثير من الراحة. أنا أتفهم ذلك. من الآن فصاعداً سأتركك بمفردك فى الليل، لتنامى قدر ما تشائين ". جلست جيسى على الأريكة وكأنها تلقى بنفسها عليها، فساقاها راحتا ترتجفان بشدة، ولم تعودا قادرتين على حملها. فجأة شعرت بجفاف فى فمها، فرطبت شفتيها قبل أن تتمكن من التلفظ بالكلمات التى هى بحاجة إلى قولها: " أنت لم تأت إلى الفراش كل ليلة لأنك تجدنى جذابة، بل لأنك تريد أن ننجب طفلاً؟ ". شعرت بدوار خفيف. تمتمت الكلمات لنفسها، وكأنها بسماعها للحقيقة بصوت عال ستتمكن من استيعابها بصورة أفضل: " أنت حقاً غير معجب بى؟ ". ــ كم من المرات على أن أقول لك ذلك؟ أعتقد أن لديك جسداً مثالياً. تلعثمت جيسى، وهى تشعر بالغضب يتصاعد فى أعماقها: " مثالى... لإنجاب وريث لك. هذا أمر... مختلف عن اعتقادك أننى جذابة ". ــ لو لم تكونى جذابة لما كنت أمضى الليل كله معك. ــ ألم تفكر للحظة أن عليك بحث الأمر معى؟ قطب جبينه وسألها: " وماذا هناك لنبحث فيه؟ الحمل أمر طبيعى بعد أى علاقة غرامية ". ــ علاقة فى العصور الوسطى، ربما. سمعت صوتها يرتفع، لكنها لم تزعج نفسها فى القيام بأى محاولة لتتابع بنبرة منخفضة: " لكن ليس الآن. فى هذه الأيام تخطط المرأة لإنشاء عائلة مع زوجها، ويقرران معاً متى سينجبان أطفالاً وكم عدد الأطفال ". رفع ريكو كتفه بلا أى اهتمام، وعلق: " وهذا ما نفعله نحن أيضاً. ما دمت لا تعملين، وليس لدينا أى عوائق مالية، فيمكننى القول إننا سننجب العديد من الأطفال ومن دون تأخير". أظهر لمعان عينيها الغضب المتصاعد فيهما، وهى تقول: " آه! أحقاً؟ وهل لدى أى رأى فى هذا كله؟ ". حدق بها بفقدان صبر قائلاً: " ليس هناك أى عائق. لم لا ننجب العديد من الأطفال، وبقدر ما نشاء. أنت شابة وصحتك جيدة، كما أنك ولدت لتكونى أماً، فلم الانتظار؟ ". ابتلعت جيسى غصة، وقالت بالرغم من الألم الذى تشعر به: " لو أننى من النوع الذى يلجأ إلى العنف، لكنت الآن مطروحاً على الأرض ". ــ أنا متأكد أن ما تقولينه وما تشعرين به سببه الهرمونات لديك. قال ريكو ذلك كأنه يخفف عنها، فنهضت جيسى على الفور، وهى تشعر بألم حارق، لدرجة أنها جاهزة لضربه. ــ أنت لا تعرفنى. أليس كذلك؟ أنت لا تعرف أبداً ما الذى أفكر به. ــ لا يمكن لأى رجل أن يكون متفائلاً بدرجة كافية ليتظاهر أنه يفهم ما الذى تفكر به المرأة، لا سيما عندما تكون حاملاً. تابع مؤكداً لها بنبرة واثقة وكسولة: " وأنا لا أؤمن بإضاعة الوقت فى أمور تافهة. لم نكن بحاجة لنفهم بعضنا كى نتزوج ". ــ لكن تلك كانت البداية. ألا تعتقد ذلك؟ حدقت جيسى به بإحباط شديد. من الواضح أنه يعتقد أن دورها يقتصر على إنجاب الأطفال، ولاشئ أكثر من ذلك. ــ هل فكرت للحظة أنه قد تكون لدى خطط لا تتعلق بالأطفال؟ ضاقت نظرة عينيه وهو يسألها: " أى نوع من الخطط بالتحديد؟ ". ــ أريد أن أسافر. أريد أن أعيش حياتى. أريد عملاً ريكو. أخيراً، قالت ذلك. شعرت فجأة أن قلبها يدق بسرعة، لدرجة خشيت معها أن تغيب عن الوعى. ــ أريد أن أعمل. أصبحت نظرته باردة فجأة، وقال: " لماذا تريدين أن تعملى ولديك الكثير من المال، بل أكثر مما تحتاجين؟ ــ ليس للمال أهمية هنا، الأمر يتعلق باحترام الذات والاستمتاع بالحياة. أريد أن أكون مثل معظم الناس. وتريد أن يتعلق عملها بالفنون. توقفت عن الكلام، بسبب القسوة التى ظهرت فى عينيه. بعد برهة تابعت بنبرة هادئة: " أحاول أن أجعلك تفهم ". ــ أفهم ماذا؟ أن زوجتى لا تريد أطفالاً؟ أجابت بسرعة: " لم أقل إننى لا أريد أطفالاً، كل ما فى الأمر أننى لا أريدهم فى الوقت الحالى. اعتقدت أن هذا أمر يجب أن نتحدث عنه. ألم تفكر أن هناك أموراً أخرى أريدها أولاً؟ ". ــ لم على أن أفكر بذلك؟ لم نستعمل أى موانع للحمل، ولم تعترضى على ذلك مرة واحدة. قال ذلك وهو يحدق بوجهها، ثم تابع: " أنت شاحبة جداً، ومن الواضح أنك غاضبة. أنت بحاجة إلى النوم أكثر مما تفعلين، فأنت متعبة. سأحضر طبيباً بالطائرة ليعانيك بعد ظهر هذا اليوم، كما أننى سأتوقف عن إزعاج ليلك ". إنه لا يصغى إلى ما تقوله. ــ أتقصد أنك بعد أن قمت بما عليك، لم تعد بحاجة إلى بذل المزيد من الطاقة لجعلى حاملاً؟ بدت جيسى مرهقة، فهى لم تستعد بعد هدوئها من إدراكها المفاجئ أنهما لم يستعملا أى موانع للحمل. تابعت باستهزاء: " حسناً! أخشى أننى سأخيب أملك، لكن ليس هناك من حاجة لإضاعة وقت الطبيب، فأنا لست حاملاً، ولست متوترة بسبب تضاعف الهرمونات فى جسمى، ريكو. أنا غاضبة، وغاضبة جداً فى الواقع ". حدق بها غير مصدق ما يسمعه: " ألست حاملاً؟ ". كررت كلماته بهدوء وببطء، كى لا يكون هناك أى سوء تفاهم بينهما: " لست حاملاً، لذا إن كان هذا هدفك، فأمامك المزيد من العمل ". أصبحت عيناه باردتين فجأة، ثم قال: " قاطعت نهار عملى لكى تقولى لى إنك لست حاملاً؟ ". ــ لا! لم أقاطع يوم عملك لأخبرك أننى لست حاملاً، فموضوع الحمل لم يمر ببالى للحظة حتى تكلمت أنت عنه. لم آت إلى هنا لأخبرك أى شئ. أردت فقط... توقفت عن الكلام، فالغضب والإحباط أوصلاها إلى بؤس لا يوصف. كيف يمكنها أن تعترف أنها تريد تمضية المزيد من الوقت معه، فيما يبدو بوضوح أنه لا يشاركها الإحساس بشكل لا يحتمل. أدركت الآن أنه لا يهتم لها أبداً، أما حقيقة اعتقادها غير ذلك لفترة، فجعلتها ترغب فى أن تختفى تحت الأرض من الاحساس بالذل والكره لنفسها. ها قد فعلت ذلك من جديد! وقعت تحت سحر ريكو المميت، وجعلت من نفسها حمقاء من أجله، تماماً كما فعلت عشرات النساء من قبلها. اعتقدت أنه يهتم بها، فمنذ اللحظة التى ضمها فيها بين ذراعيه، بدأت تفكر بالحب والرومنسية، أما هو فكان يفكر بعلاقة جسدية من أجل إنجاب الأطفال. حمقاء! بل هى فى منتهى الحماقة. وقفت بتعثر وهى تتمتم: " هذا نقاش لا جدوى منه. يجب أن أغادر، وبدون شك سأراك فى ما بعد، من أجل إنجاب طفل ما ". أطبق ريكو بيديه على كتفيها، وأدارها لتنظر إليه. بعد ذلك قال: " السخرية لا تناسبك، وأنت لن تغادرى قبل أن نصل إلى حل يرضى الجميع ". ــ هذا ليس اتفاق عمل، ريكو! حل يرضى الجميع يعنى أن تصل إلى ما تريده أنت، فأنت تلغى كل شخص يقف بطريقك، لكنك لن تفعل ذلك معى. شعرت بقلبها يدق بعنف، لكنها رفعت رأسها وتابعت: " أنا زوجتك، ومن المفترض أننا شريكان. ولن أسمح لك بأن تأمرنى وتتنمر على ". قطعت ذلك العهد على نفسها، وهى ترغب فى الحفاظ عليه. حدق ريكو بها باستغراب، وعلق مؤكداً: " أنا لا أتنمر عليك، فنحن شريكان ". ــ كيف نكون شريكين ونحن لا نتحدث أبداً؟ لمعت الدموع فى عينيها، فرفعت ذقنها لتحدق فى عينيه وتتابع: " لهذا السبب أتيت إلى هنا. أتيت لأحاول إدخال أمور جديدة فى علاقتنا بعيداً عن العلاقة الجسدية. هل تدرك أننا خلال الأسبوعين الماضيين لم نتحدث أبداً؟ أريد أن نمضى بعض الوقت معاً، وهو أمر لم نفعله أبداً. اكتشفت السبب الآن، فأنت غيرمهتم أبداً بالتفاهم معى. فى الواقع، يبدو بوضوح أنك لست مهتماً بى أبداً. أنت تقول إنك تريد زوجة، لكن هل أمضيت أى وقت معى؟ ". ضحكت ضحكة تخلو من أى مرح، فيما أكملت: " أنا هنا ببساطة لأعطيك ابناً، وهذا يفسر لماذا لا أراك أبداً خلال النهار، فيما تصر على إقامة علاقة عاطفية معى كل ليلة ". بدا ريكو كما لو أنه يبحث عما يتمسك به كى لا ينفجر غضباً. مرر يده على مؤخرة عنقه، واعترف قائلاً: ــ هناك شئ من الحقيقة فى ما تقولينه، لكنك تجعلين الأمر يبدو سيئاً. يمكننى أن أرى أنك منزعجة وغاضبة. ــ أحقاً؟ أيمكنك أن تعرف ذلك من النظر إلى؟ هزت رأسها بغضب، فانفلت شعرها الأسود لينتشر على ظهرها، وهى تقول: " إذاً، أنت أكثر إحساساً مما يظهر عليك ". سارت محاولة الخروج من المكتب، لكنه أمسك بذراعها من جديد، وأدارها، وهكذا أجبرت على النظر إليه مجدداً. قال بنبرة حانقة، والضيق والإحباط واضحان فى عينيه: " أجدك الأم المثالية لأطفالى. أى إطراء أفضل من هذا يمكن قوله لإمرأة؟ ". ــ آه، حقاً! دعنى أرى. رمشت بعينيها لتتخلص من الدموع المهددة بالانهمار، قبل أن تتابع: " أن تجدنى امرأة جذابة لاتقاوم، ورفقتها تثير البهجة، هذه الصفات هى الإطراء الأفضل برأيى ". ــ ليس من وجهة نظرى. ــ دعنى اسألك سؤالاً ريكو، وأريد منك جواباً صادقاً. هل نظرت يوماً إلى ورغبت فى معانقتى لأنك لا تستطيع مقاومة ذلك؟ ــ أى نوع من الأسئلة هذا؟ ــ سؤال منطقى. أجبنى ريكو! امتلأت نبرة صوتها بالتحدى، وهى تقترب منه وتسأله: " هل تجدنى جذابة حقاً؟ ". ــ هذا ليس نوع الحديث الذى أتوقع أن أخوضه مع زوجتى. عادت البرودة إلى عينيه، لتبكى هناك. قالت بنبرة مخنوقة: " انس الأمر ريكو! من المؤسف أننا لم نجر هذا النقاش من قبل. يبدو بوضوح أن كلاً منا يتوقع اموراً مختلفة من هذا الزواج. سأتركك لتتابع عملك، فهذا كل ما يهمك كما يبدو ". ********* الفصل الخامس ورود صامتة! هي لا تعني لة شيئا على الأطلاق.....لا شئ. رمت جيسي ثيابها في حقيبتها و هي تجهش بالبكاء حتى أن رأسها كاد ينفجر و وجهها بات مليئا ببقع حمراء. فكرت و هي تبحث عن منديل ورقي جديد لتمسح دموعها أنة لأمر جيد أن ركو لا يريد زوجة جذابة و الأسوأ من ذلك أن ما تشعر بة لا يهمة. يبدو بوضوح أنة لا يريد منها سوى أن تنجب لة طفلا. اقنعت نفسها بأنة يشعر بالانجذاب اليها و الأن علمت أنة وجد جسدها مثاليا و رائعا لأنجاب الأطفال و ليس رائعا بمعنى الجاذبية! يبدو ان لدية رغبة جارفة للحصول على اطفال و لسبب ما اختارها هي لتساعدة على تحقيق هذا الطموح. أنة يرها زوجة و أما أكثر منها أمرأة جميلة او جذابة. باندفاع فوري تخلت عن حزم حقائبها و نزعت عنها الروب الفضفاض و وقفت أمام المرأة و هي ترتدي ثيابها الداخلية. مالذي يراة ريكو عندما ينظر اليها؟ مجرد جسد مثالي لأنجاب الأطفال! مسحت دموعها عن خديها ادرات وجهها الى جنينها لتحدقق بقامتها. اختارها ريكو زوجة لة لأنها قادرة على أنجاب عائلة و ليس لآنها امرأة يحبها و يرغب في اسعادها و الاستماع بالحياة معها او ليتشارك معها ملذات الحياة و صابها. حسنا! لماذا يفاجئها موقفة هذا؟ لماذا؟ أنة صقلي المنشأ و هي تعرف ذلك منذ البداية. اليس هذا هو السبب الرئيسي الذي دفعها الى الهرب في الدرجة الأولى؟ كيف أمكنها أن تنسى ذلك؟ ارتدت ثوبها و جلست بارهاق على جانب السرسر كجبرة نفسها على مواجهة الحقيقة المؤلمة فيما بقيت الدموع تغسل وجهها. أنة لا يحبها و لن يحبها مطلقا! بالنسبة الية علاقتهما تنحصر فقط على انجاب الاطفال و أنشاء عائلة كبيرة مليئة بالصبيان السمينين الذين يتربون على التقاليد البالية. زفرت بشدة ثم رفعت نظرها ما أن انفتح باب الغرفة بعتف و دخل ريكو. سقطت خصل من شعرة الأسود اللامع على جبينة و لمعت عينها السوداوان بغضب كالبركان. -أذهب من هنا. ليس هناك ما اقولة لك. كورت المنديل الورقي بيدها ثم ادارت رأسها لتخفي احمرار وجهها. لا تريد أن تعطية الاحساس بالرضى لرؤيتها تبكي. -مع ذلك أتيت الى مكتبي لكي نتكلم. ألم تفعلي ذلك؟دفع الباب بيدة فأفلقة. فجأة بدت غرفة النوم رائعة مرعبة. تمتمت جيسي و هي تعود الى السرير و تجذب ركبتها الى صدرها: "دعني وشأني فأنت لا تعجبني أتمني لو أنيي لم أرجع أبدا الى صقلية" -لاشك أنني كنت سأعمل على ملاحقتك. شعرت بالسرير يتحرك ما أن جلس بجانبها و هو يتابع:"أذا كان زواجنا هذا سينج يوما عليك التوقف عن الهرب" -سأتوقف عن الهرب عندما تتوقف عن أعطائي سببا لك" رفعت رأسها و حدقت بة بغضب غير مهتمة لاحمرار وجهها ثم تابعت:"هل تريد أن تعرف سبب هروبي ليلة زفافنا؟ لأنني اكتشفت فجأة أنك تماما مثل أبي" تبدل الغصب في عينية ال قلق و تفهم قال:"فرانسيسكا....!" -جميعهن كن يتحدثن عنك. هل تعلم ذلك؟ مسحت دموعها بظاهر يدها و تابعت:"كنت أقف هناك مرتدية فستان الزفاف الرقيق و أفكر أنني أسعد فتاة في العالم ثم سمعتهن يتحدثن.....كجموعة كبيرة منهن" -من هن؟ -يجب أن تعرف من هن فمن الواضح أنك تعرفهن جيدا تمتمت بذلك و هي تغطي وجهها بيدها و تتذكر ذلك الحوار الذي دار بين النساء يوم زفافها. -كن يتحدثن عني و يقلن أنك تزوجت بي لأنني بسيطة و خنوعة و أن هذا ما تريدة في الزوجة و أعتقد أن ما قالتة واحدة منهن بالتحديد: "ما من امرأ’ عصرية بكامل عقلها ترضى الزواج برجل مثل ريكو بالرغم ثرائة الفاحش و وسامتة الطاغية" -من الواضح أنهم قلن ذلك بسبب شعورهن بالغيرة لأنهن لم يحصلن على تلك الفرصة قال ريكو ذلك برقة و هو يبعد يديها عن وجهها بتصميم ثم يتابع: "أنظري ألي جيسي!" -قلن أن لورينا ألا تقلق لأنك ستستمر برؤيتها و مواعدتها بعد زواجنا. -كن يحاولن أن يسببن الألم لك.زفر ريكو بضيق لكن جيسي هزت رأسها:"لم تعلم أي واحدة منهن بوجودي" رمت المنديل الورقي جابنا و أنتزعت واحدا أخر من الصندوق و هي تتابع:"لكنني قررت أن أبحث عنك و أتحدث أليك عن ذلك" أجفل ريكو و أطلق يديها قائلا:"و لم لم تفعلي؟" -بل فعلت! وجدتك على الشرفة تضحك مع لورينا و تعانقها. -عرفتها لفترة طويلة. غطت جيسي أذنيها و قالت:"لا أريد أن أعرف.....أنا حقا لا أريد أن اعرف.....كل ما اريدة هو التوافق على الطلاق" -ها انت تتصرفين بسخافة. انا و لورينا لسنا معا بالطريقة التي تفكرين بها. اولئك النساء كن فقط حاقدات ابعدت يديها عن اذنيها و نظرت الية قائلة:"شهاهدت هذة الامور تحدث لأمي" ضغط ريكو على اسنانة بضيق و قال:"ما الذي شتهدتة يحدث لأمك؟" -رأيت والدي يحطم قلبها و روحها. امي كانت زوجتة مع ذلك لم يشاركها حياتة. لم يكن هناك اي اثر للرومانسية بينهما. لم يهتم بها و لم يكن لها اي مودة و احترام. -امك من شجعتك على الهرب تلك الليلة اليس كذلك؟ هزت جيسي رأسها فما جدوى الكذب؟ قالت:"أرادت أن أفعل ما لم يكن لديها الشجاعة لتقوم بة بنفسها.....أن تكون لي حياتي الخاصة. أعطتني المال الكافي لأبدأ حياة جديدة بعيدا عن والدي"-كارلو؟ أعلم أنك لم تقيمي علاقة جسدية معة لكن هل كنتما مقربين؟ ترددت جيسي قليلا ثم أعترفت اخيرا:"كان يعمل في حديقة المنزل عند أبي و بالكاد كنت أعرفة لكنة كان مغادرا الى روما للعمل هناك. اعطتة أمي ما يكفي من المال لأقناعة بأن يقلني الى أول سفينة مغادرة" -هل أوصلك الى السفينة و تركك هناك؟ أهذا كل ما بينكما؟ -هذا صحيح! بعد أن صعدت الى السفينة رحل و لم أراة يعد ذك ثانية. ساد صمت طويل حاول ريكو خلالة أستيعاب هذة المعلومة. أخيرا نهض على قدمية بحركة سريعة بدا التوتر واضحا على كتفية المشدودتين و يذرع الغرفة ذهابا و ايابا. -اعتقدت أنك على علاقة معة. -لا! قبل تلك الليلة لم أتبادل معة أكثر من عدة كلمات. لماذا يصر على ذكر علاقتها بكارلو؟ ضحكت جيسي بدون أي مرح و هي تلاحظ التوتر الواضح على ملامحة. انة يعتبرها ملكية خاصة بة و لك ما يهمة هو ان يبقى ممتلكاتة حصرية. كيف تمكنت من أقناع نفسها أن ريكو معجب بها بشدة؟ مع أنة ينتمي الى جيل مختلف عن جيل والدها لكنة يشبهة من حيث وجهات النظر و المواقف. -أتعلم؟ أنت تعيش في غير هصرك. لكان من الأفضل لو أنك ولدت في العصر الحجري حيث تعيش في كهف مع أمرأة راضية سعيدة بأنتظارك قرب المنار لترحب بك بعد أن تنتهيمن تنظيف سلاحك بعد يوم من الصيد.استدار ريكو و هو يرفع حاجبة متسائلا:"ما الخطأ في ذلك؟" حدقت جيسي غير مصدقة ما سمعتة:"ألم تسمع بعد بنظرية النشوء و التطور؟ فالرجل أنتقل الى موضع أخر ريكو" -و لهذا السبب أنت تعيشين الأن في فيلا لا في كهف..... لوح بيدة في أرجاء الغرفة و كأنة يبرهن وجهة نظرة و هو يتابع:".....فلديك منزل جميل و مريح" أنة لم يفهم ما تقصدة! شعرت بالدموع تتشكل في عينيها فغطت وجهها بيديها و قالت:"فقط.....أرحل ريكو!" شعرت بالسرير يتحرك قليلا و هو يجلس بقربها من جديد. أبعد يديها عن وجهها ليجبرها على النظر ألية ثم قال:"مهما كان ما تظنية بي فأنا لا أحب أن أراك غاضبة هكذا. أرى بوضوح أ، هناك سوء تفاهم كبير في علاقتنا لكن يمكننا أن نصلح الأمر" قال بأحساس و أهتمام:"لدينا شخصيتان مختلفتان. و لا أعرف كيف يمكننا أصلاح ذلك" -الأختلاف في شخصتات أمر ضروري. أكد ريكو لها ذلك ثم أبتسم لها و هو يمسح دموعها بأبهامهة و يتابع:"لو أننا نملك السمات ذاتها لكنا سنتشاجر طوال الوقت" زفرت جيسي و قاللت:"نحن نتشاجر الأن" -لا! غير صحيح. كل ما في الأمر أن هناك اختلافا بسيطا في وجهات النظر. لو بيدة كأنة يصرف نظرة عن مثل هذة الامور التافهة ثم تابع:"مهما كان رأيك في ما يحد أريد لزواجنا النجاح" -زواجنا لن ينجح ابدا. -بل سينجح نبرة صوتة المثير جعلت أعصابها تتلوى لكنها قاومت ذلك الأحساس و رفضتة. قالت جيسي بنبرة متعبة و هي تمسك بمنديل ورقي جديد:"كيف؟ فأنا لم أستطع فهمك أبدا ومن الواضح جدا أنك لا تستطيع ان تفهمني ايضا. يبدو كأننا اجتمعنا فقط لأنجاب الأطفال لذا فأن هذا الزواج لن ينجح ابداز الأطفال هم جزؤ من العلاقة و ليسوا السبب الوحيد لها. زواجنا ليس فية أي رومانسية أو مشاركة" نظر ريكو الى مجموعة الكتب المكدسة قرب السرير. ألقى نظرة سريعة على العناوين وعلق:طربما يجب أن تتذكري ان نجاح القصص الرومانسية يعود الى انها قادرة على نقل القارئ الى عالم خيالي" -عالم خيالي؟ لكن العلاقة الجيدة المتينة ليست انر خياليا -ما أريد قولة هو أنك لست بحاجة الى الخيال فالعلاقة المؤسفة على الأحترام و التفاهم هي أكثر نجاحا من تلك المبنية على الأنجذاب الحسي. كانت لدي الكثير من تلك العلاقات و لم تدم طويلا. قال ذلك بثقة من دون ان يلاحظ مدى التأثير السئ لكلماتة عليها. لم تدر ما الذي يزعجها اكثر ذكرة لعلاقاتة السابقة العديدة أم حقيقة أنة لا يشعر بأي أنجذاب نحوها. قالت بصراحة:"لدينا توقعات أهداف مختلفة تماما" رفع ريكو كتفية و كأن ما قالتة ليس بذي أهمية:"اذا سنعمل على فهم بعضنا البعض. أنت تقولين أنك بحاجة الى بعض الرومانسية و أنا متأكد أنني قادر على القيام بذلك لذا يمكنك أن تفرغي حقيبتك" نظر الى ساعتة و نهض على الفور برشاقة بطل رياضي ثم تابع:"و الأن على أن أعود الى العمل فأنا أنتظر مخابرة هاتفية من طوكيو" -اعتقدت أننا نتحدث -تحدثنا و فهمت رسالتك. أنت لا تريدين أطفالا في الوقت الحالي. و على الرغم مما تظنينة بي فأنا أتفعمك. أنت ما زلت شابة و يافعة جدا لذا سننتظر و أنا سأكون أكثر رومانسية. نامي الأن قليلا فلا بد أنك متعبة. عضت جيسي على شفتيها لتمنع نفسها من التفوة بكلمات قاسية بصوت عال. أدركت الأن أن لدية أفكارا ثابتة بشأن دورها كزوجة و أم و هذة الأفكار لا تتوافق مطلقا مع تفكر بة. لكن كيف يمكنها أن بوضوح لة أنها تريدة أن ينظر أليها كأمرأة جذابة تعجبة؟ يبدو بوضوح أن ليس هذا مايبحث عنة في الزوجة. حسنا! على الأقل توقف ريكو عن العمل و أتى الى هنا ليتحدث اليها، هذة يداية جيدة. اليس كذلك؟ تراجعت الى الوراء على الوسائد و هي تشعر بالأرهاف من تلك العواطف المتضاربة. كانت ما تزال متلقية عندما وصلت اليها اول باقة من الزهور النادرة الرائعة. ماريا مدبرة منزل ريكو أحضرتها الى غرفة النوم. ظهرت أبتسامة مشرقة و نظرة دافئة في عينيها و هي تقول:"أنها جميلة. اليس كذلك؟" حدقت جيسي بها فالباقة جميلة جدا ولا بد أن طلبها كان أول عمل قام بة ريكو عند عودتة الى المكتب. بالرغم من تحفظاتها بشأن علاقتهما تأثرت بمبادرتة. -هل هنام بطاقة ما؟ هل اضاف ريكو اليها بعض العبارات العاطفية؟ خفق قلبها قليلا من شدة التوقع لكن ماريا هزت رأسها و قالت:"لا! ليس هناك أي بطاقة" رتبت مدبرة المنزل الباقة في الأناء و وضعتها في وسط الطاولة ثم تابعت:"تبدو جميلة هنا. أليس كذلك؟" -أجل. هل أنت متأكدة أن ليس هناك أو رسالة ما؟ قالت ماريا بحماس و مرح:"الزهور تتكلم بنفسها" أستجمعت جيسي كل ما لديها من جهد كي لا تبدو خائبة الأمل أمام مدبرة المنزل:"أنت على حق!" وصلت باقة ثانية بعد نصف ساعة و منذ ذلك الوقت أخذت باقات الزهور تتوالى اليها كل ساعة حتى حل الظلام. في ذلك الوقت تناولت العشاء بمفردها على الشرفة و قد امتلأت أرجاء الغرفة بالزهور المتفتحة المعطرة. تمتمت جيسي و هي تنظف أسنانها تتوجة الى سريرها: "لحسن الحظ أنني لا أعاني من الحساسية على الزهور" يبدو بوضوح أن ريكو يبذل جهدا لأسعادها و هي تقدر كثير هذة المبادرة. مع أن جزءا أخر ذكرها أن ريكو ليس بالشخص الذي يعبر عن نفسة بالكلمات. هذة الزهور بداية جيدة. على الأقل أنة يحاول و هي ستثبت لة أنها تستطيع المحالة أيضا. اعادت ثيابها الى الخزانة و فكرت أنها شتشكرة بطريقة مناسبة. استلقت على السرير و هي تنتظرة بلهفة و شوق. الليلة كل شئ سيكون مختلفا.....ستكون ليلة مميزة. ********* الفصل السادس إمرأة أخرى أيقظها رنين الهاتف من نومها المتقطع. " كيف وجدت الزهور؟ ". إنه ريكو! بدت نبرة صوته ناعمة وواثقة بشكل لا يقبل الجدل. من نظرة واحدة إلى السرير أدركت جيسي أنها أمضت الليل بمفردها، فهو لم ينم فيه. " أين أمضيت ليلة البارحة؟ ". حاولت أن تطرد النعاس المسيطر عليها. فركت عينيها، وتابعت: " أنت لم تأتّ إلى الغرفة ". " تركتك لترتاحي ". شعرت بإحساس قوي من خيبة الأمل. " لكنني انتظرتك. اعتقدت أن بإمكاننا..". توقفت عن الكلام فجأة. كيف ستتمكن من إخبار زوجها أنها تريده بقربها؟ تمتمت بضعف: " ظننتك ستمضي الليل معي ". " أنتِ لا تريدين أطفالا الآن، وأنا أحاول أن أحترم قرارك ". ثم تابع بسرعة: " يسعدني انك تريدين أن تتعودي على الحياة الزوجية. بالطبع! عندما تشعرين بالرغبة في إنجاب الأطفال، أنا جاهز على الفور لتنفيذ ما تطلبين ". جلست جيسي في السرير، وقالت بغضب: " اتعني أنك لا تريد أن تمضي الليل برفقتي إلا إذا أردنا أن ننجب الأطفال؟" " فرانسيسكا!". " من المفترض أنك خبير بالنساء، لكنك لا تعرف شيئا ". تلقى ريكو تصريحها المنفعل بصمت ثقيل. قال بعد قليل: " انتِ لا تتصرفين بمنطق ". " قلت إنك لست جاهزة لتربية الأطفال بعد، لذا أنا أبقى بعيدا عنك. أنا أتصرف بحكمة ودراية ". بمعنى آخر، هو لا يجدها جذابة. لو أنه يراها كذلك، فمن المؤكد أنه لن يبقى بعيدا عنها! تراجعت جيسي إلى الوراء لترتاح على الوسائد، فهي مشوشة الذهن، ولا رغبة لديها بالشجار. قالت أخيرا، بعد أن قررت أنه يجب عليها الاعتراف بمبادرته: " الزهور رائعة! يبدو أن كل أنواع الزهور أصبحت متوفرة لدي ". " حسنا! أرادت مٌساعدتي أن تعرف ما هي الزهور المفضلة لديك، لكن لا فكرة لدي مطلقا عن ذلك، لذا قررت أن من الأفضل أن تطلب كل الأنواع ". أغمضت جيسي عينيها، متسائلة إن كان يدرك معنى ما قاله للتو. مساعدته! إذا، تلك المبادرة لم تكن منه. تكاد تراه جالسا أمام جهاز الكومبيوتر، يطبع السؤال على الانترنت، فيصله الجواب: " الرومنسية تعني تقديم باقات من الزهور ". " إنها رائعة! ". " اقترحت عليّ أن أسألك عن زهورك المفضلة من أجل المستقبل ". تمتمت جيسي بالرغم عنها: " زهرة ست الحسن المميتة، وهكذا أستطيع أن أدسها في شرابك، واسمم لك ".. " أنت تتمتمين. لا أستطيع أن أسمعك بطريقة جيدة ". قالت بنفاد صبر: " الورود على أنواعها ". " حسنا! ربما تستطيع أن تطعنه بأشواكها ". " سأخبرها بذلك. تستطيعين الآن أن تدركي أنني قادر على القيام بمبادرات رومنسية ". تابع بنبرة صوت عملية جدا: " هناك بعض الأمور التي تحتاج إلى اهتمامي المباشر خلال الأيام القليلة القادمة، لذا غادرت الفيلا البارحة. سأراك عندما أعود " " حسنا! ". فكرت جيسي بضيق، ما الفرق؟ فهي لا تراه كثيرا في مطلق الأحوال. " أعتقد أنه يجدر بك الذهاب للتسوق. تحدثي إلى ماكس. إنه رئيس جهاز الأمن لدي، وهو سينظم كل شيء. لك ملء الحرية في إنفاق أموالي ". على ماذا؟ أرادت أن تساله، لكنها عضت على شفتيها، وقالت: " شكرا لك " " عندما أعود إلى الفيلا، سنتابع حديثنا.؟ " " حسنا! ". أرادت جيسي أن تصرخ به أنها لا تريد أن تنفق ماله أو أن تتحدث معه. ما الجدوى من الحديث، وهما من طرفي نقيض؟ إنها تريد الحب. تريد رجلا يرغب بها بشدة إلى درجة تجعله ينسى اسمه، لا رجلا منشغلا دوما بارتباطات عمله. لكن ريكو لا ينظر إليها بشغف أو بحب. الرومنسية لا تدخل ضمن قاموسه. إنه يراها زوجة فقط! هل ستتمكن من تغيير ذلك يوما؟ قالت: " أين أنت الآن ". " أنا في فلورنسا. سأعود في غضون يومين ". فلورنسا؟ شعرت جيسي بالحسد يتولد في داخلها ويغمرها، وهي تفكر في الكتب التي قرأتها عن فلورنسا، وعن الفنون التي درستها بأدق التفاصيل. " كم أنت محظوظ! أحب أن أرى فلورنسا ". تباعت بنرة مضطرة: " كم ستبقى هناك؟ " " ليس لوقت كاف كي أذهب لرؤية أي مكان. ربما سأحضرك معي في وقت آخر، ويمكننا عندئذ الذهاب للتسوق ". تساءلت جيسي، لماذا يريد أي شخص أن يضيع الوقت بالتسوق عندما يزور فلورنسا؟ كل ما تريده هو التمتع برؤية متاحف الفنون والأبنية الهندسية المذهلة. حاولت ألاّ تظهر خيبة أملها وهي تقول: " أيها المسكين! عليك أن تعمل بجهد كبير ". قالت لنفسها وهي تعيد سماعة الهاتف إلى مكانها، وترمي بنفسها على السرير، إنه على الأقل، يبذل مجهودا لأجلها. ومن الواضح أنه يفكر بها. عندما يعود إلى المنزل ستجد طريقة لإقناعه أن المشاركة في غرفة النوم لا تتم فقط من أجل الإنجاب.شعرت بالجوع فجأة. فقفزت من السرير. استحمت، ثم ارتدت ثيابها، وسارت عبر الفيلا حتى وصلت إلى المطبخ العصري الواسع. وجدت الغرفة فارغة، لكن هناك فنجان قهوة شبه فارغ على الطاولة، أما جهاز التلفزيون فيعمل في زاوية الغرفة من دون أي صوت. مدّت جيسي يدها إلى إبريق القهوة، لكنها ما لبثت أن جمدت مكانها ما إن ظهرت صورة ريكو على الشاشة. من الواضح أنه يغادر ناديا ليليا في فلورنسا، وذراعه ملتفة حول فتاة شقراء، ترتدي تنورة قصيرة بالكاد تغطي ساقيها. لكن تلك ليست لورينا، وهذا يعني أنه مع فتاة جديدة. عندما أخبرها أن لديه عملا صدقته، لكن بدلا من ذلك.. ارتمت على أقرب كرسي، وهي تحاول جاهدة أن تتنفس بعمق. لقد فعلت ذلك مجددا.. صدقته! صدقت أنه يهتم لزواجهما بطريقته الخاصة، وأعطته حق الاستفادة من فترة الشك فيه. مساعدته هي من أرسلت الزهور، اما هو فيسهر برفقة امرأة أخرى، امرأة جميلة جدا، بينما تجلس زوجته في المنزل بانتظار عودته. كيف يمكنها أن تكون بمثل هذا الغباء؟متى بالتحديد نسيت أن ريكو رجل صقلي؟ عندما قال لها إنها قادرة على تأجيل موعد إنجاب الأطفال، افترضت أنه يريد استعمال هذا الوقت ليحسن علاقتهما، لكن يبدو بوضوح أنه خطط لأن تبقى بمفردها، فيما يذهب هو إلى حيث يشاء ليستمتع بوقته، وعندما تصبح مستعدة لإنجاب الاطفال سيعود إليها لتحقيق ذلك. ضغطت على أسنانها بقوة من شدة الضيق والانزعاج. لم يقترح ريكو الذهاب برفقتها إلى أي مكان، ولم يظهر أي رغبة في تمضية الوقت معها. من الواضح أنه يختار امرأة أخرى عندما يريد الاستمتاع بوقته. إنه كوالدها تماما! تزوج والدها من أمها، وطوال حياتهما الزوجية كان يخرج برفقة نساء أخريات. الزواج هو الطريقة الاجتماعية المحترمة لإنجاب الأطفال إلى العالم، بينما الاستمتاع في الحياة يتعلق بجانب مختلف تماما عن الزواج، ويبدو بوضوح أن لدى ريكو الأفكار نفسها. نظرت جيسي إلى نفسها، وحاولت أن ترى نفسها من خلال عينيه، تنورة فضفاضة وقميص واسعة لا تظهران أي شكل تحتهما. ليست غلطته وحده أنه لا يراها جذابة. إن أرادت أن يجدها ريكو جذابة عليها أن تحاول الظهور كذلك. إن أرادت أن ينظر إليها بطريقة مختلفة، عليها أن تبدأ بالظهور كامرأة يرغب بأن يخرج برفقتها، وهي الآن وبدون أي شك لا تصلح لذلك. أعادت تفكيرها إلى الفتاة التي شاهدها على التلفزيون. سجل ذهنها الثياب التي ترتديها: تنورة قصيرة، وحذاء ذا كعبين عاليين، قميصا مكشوفة عند الصدر، وشعرا منسدلا بغنج ودلال. هذه المرأة لا تعاني من مشكلة طول قامتها، فمهما كان حذاؤها عالي الكعبين، يبقى ريكو بقامته الفارعة أطول منها. خرجت جيسي من المطبخ متأثرة بما رأته، وراحت تتجول في الفيلا. " هل كل شيء على ما يرام، سينيورا؟ ". نظر ماكس رئيس الحرس إليها باهتمام، وتابع: " تبدين شاحبة جدا. أترغبين بأن احضر لك كوب ماء؟ " إنها على حافة الاعتراف بأنها ليست بحاجة إلى كوب من الماء، بل بحاجة إلى خزانة بالثياب الجديدة. منعت جيسي نفسها من التفوه بذلك، وفكرت بسرعة، ثم قالت: " أخبرني ريكو أنك قادر على تنظيم رحلة تسوق قبل سفري إلى فلورنسا؟ ". " هل ستلاقينه إلى فلورنسا، سينيورا؟ ". أجابت وهي تبتسم: " في الوقت المحدد لتمضية السهرة في البلدة، ومن المفترض ان أطلب منك الاهتمام بكل الأمور. سألقاه في النادي الليلي المفضل لديه.. اسمه... اسمه...". تظاهرت أنها تحاول تذكر الاسم، فقدم لها ماكس الإجابة المطلوبة على الفور. اتسعت ابتسامتها، وأكملت " صحيح!". " هل تريدين أن أنظم لك رحلة إلى فلورنسا، سينيورا؟ ". " بالطبع، ماكس! لكنني بحاجة إلى زيارة بعض المتاجر الفاخرة. أتصدق أنني لا أملك ثوبا مناسبا لأرتديه في السهرة؟ ". " سأقوم بالترتيبات الضرورية لأجل ذلك ". " وماكس...! ". حاولت أن تبدو هادئة، وهي تتابع بنبرة عادية جدا: "... هل تعرف صالونا لتصفيف الشعر؟" هز رأسه، مقللا من أهمية ما طلبته: " بالطبع! سأهتم بذلك أيضا " من الواضح أن ماكس معتاد على القيام بتلك الترتيبات من أجل صديقات ريكو. ابتسمت جيسي، وقالت: " شكرا لك ". عضت على شفتها، كي لا تندفع وتسأله عن النوع المفضل من النساء لدى ريكو. " سأطلب من ماريا أن ترسل من يجهز حقيبتك، سينيورا ". فتحت جيسي فمها لتقول له حسنا! ثم أقفلت فمها. تذكرت فجأة قول ريكو إنها قادرة على الاستفادة من ثروته، فقالت بنعومة: " لا تقلق بشأن ذلك، ماكس! سأشتري ثيابا جديدة " لا شك أن زوجها قال لها ذلك، لأنه يعلم أن ذوقها لن يصل إلى شراء الثياب الباهضة الثمن. حسنا! ستثبت له أنها ليست قادرة فقط على اختيار أفخر الثياب، بل ستجعله يفهم أن امرأة واحدة يمكنها أن تقوم بعدد كبير من الأدوار، بما في ذلك الزوجة والعشيقة. " أأنتِ متأكدة أن هذه التنورة ليست قصيرة جدا؟ ". بعد مرور أربع ساعات، اخذت جيسي تتأمل انعكاس صورتها في المرآة من كل زاوية، وهي تشعر كأنها ترتدي ثيابها الداخلية فقط. " أتخرج النساء حقا بمثل هذه الثياب؟ ". " لديك جسد تحسدك النساء عليه سينيورا، فلم لا ترتدين ثيابا مميزة تظهر جماله؟ ". تحركت مصممة الأزياء حولها، وضاقت نظرتها وهي تقيم النتيجة النهائية لعملها. بعدئذ تابعت: " قلة من النساء قادرات على ارتداء هذه التنورة بالتحديد، لكنك واحدة منهن. وهذه البلوزة رائعة عليكِ، إنها تؤمن كل ما تحتاجينه لتبدي فائقة الفتنة " هل تبدو فاتنة حقا؟ لم تقتنع جيسي بما سمعته، فحركت رأسها يمينا وشمالا، وهي تنظر إلى القماش الفضي الذي يظهر مفاتنها، علقت: " كان والدي ليغيب عن الوعي لو رآني بهذه الثياب ". " والد كل فتاة سيغيب عن الوعي بسببها ". قالت مصممة الأزياء ذلك وهي تبتسم بمكر، ثم وضعت عدة أساور في معصم جيسي الرقيق، وتابعت: " هذا الثوب ليس مصمما للآباء، إنه مصمم من أجل التأثير بالحبيب " أليس هذا ما تريده بالتحديد؟ من المؤكد أنه من نوع الثياب التي ترتديها صديقات ريكو النحيلات. انشغل بالها بهذه الحقيقة، فتفوهت بالسؤال الذي يقلقها دائما. " هل أبدو سمينة؟ ". بدت مصممة الازياء مندهشة حقا من السؤال، ثم ابتسمت قليلا وقالت: " حسنا! لديك جسم مميز، إن كان هذا ما تعنينه، لكنك بالطبع لست سمينة. مقاييس جسمك مثالية. كوني مستعدة لتلقي الغزل عندما تدخلين إلى النادي الليلي ". قطبت جيسي جبينها، هي لا تريد أن يطوقها المعجبون. إنها تريد فقط أن يلاحظها ريكو. " والآن أريد أن أقص شعري ". اجابت مصممة الأزياء بسرعة: " لا! لن نقصه فقط سنسوي أطرافه. طوله رائع، لكنه بحاجة لأن يقص على طبقات، لإظهار نعومة خاصة في مظهرك ". لم تذهب جيسي يوما من قبل إلى مصفف للشعر، لذا لم تفهم تماما ما الذي تتحدث عنه تلك الفتاة. في النهاية وضعت نفسها بين يدي مزين الشعر وهي تضغط على يديها بقوة، فعمل هذا الأخير على قصه إلى طبقات ناعمة، حتى تهادى حول وجهها وفوق كتفيها كأنه موجات متلاحقة من الحرير. فاجأها مظهرها الجديد. لم تقدر على منع نفسها من النظر إلى المرآة بين الحين والحين. جلست جيسي بثقة وفرح عندما اقتربت منها فتاة لتضع لها مساحيق التجميل على وجهها، ولكي تقلم لها أظافرها وتطليها. إن كانت المرأة تحتاج إلى مثل هذا الوقت لتستعد للذهاب في موعد، فلا عجب إن لم يكن لدى أولئك النسا ء ارتباطات اخرى أو أعمال. لكي تبدو المرأة جميلة هي بحاجة إلى دوام كامل. أخيرا غادرت الصالون، وصعدت إلى سيارة الليموزين التي كانت بانتظارها. ما إن تجولت جيسي في ضواحي فلورنسا، حتى شعرت أن الثقة بالنفس التي اكتسبتها مؤخرا قد غادرتها. ما حدث حتى الآن جيد، فارتداء ثياب مميزة أمر رغبت به حقا، لكن عليها أن تتعلم كيف تتصرف في مثل هذا الثوب، وهي لا تدري إن كانت قادرة على ذلك. حاولت أن تستعيد ثقتها المترنحة، فذكرت نفسها أنها تبدو رائعة. هي لا تستطيع الانتظار حتى ترى وجه ريكو، عندما يدرك أن بإمكان زوجته أن تبدو امرأة مميزة أيضا. قارنت مظهرها الحالي بمظهرها السابق، فوصلت إلى استنتاج مقلق أنها هي المخطئة، لأن ريكو حتى الآن لم ير فيها سوى أما لأطفاله. لكن الأمور ستتغير الآن. مع ذلك، عندما توقفت السيارة أمام النادي الليلي، وأكد لها ماكس أن ريكو معتاد على التردد إلى هذا المكان، شعرت كأنها مريضة من شدة الاضطراب. حاولت أن تسير بهدوء في ذلك الحذاء ذي الكعبين العاليين آملة ألا تسقط وتكسر ساقها. أمسكت حقيبتها، وقالت للسائق: " لا تنتظرني! سأبقى هنا لفترة ". تمايلت وهي تمر أمام الحارس، وسارت بحذر على الدرح الرخامي المؤدي إلى النادي. الأنوار تنبعث من كل زاوية كالوميض، والموسيقى الصاخبة تضج في المكان. للحظة، وقفت مكانها تحدث في ذلك المحيط الجديد عليها، وما إن اعتادت عيناها على الضوء الخافت، حتى لاحظت أن النادي كبير وواسع، وأن هناك فسحة في الوسط للرقص محاطة بمقاعد وثيرة، وفي الزاوية هناك طاولة من الزجاج والكروم. سمعت صوت رجل يهمس قربها: " لا أصدق أن امرأة بجمالك تقف وحدها من دون رفيق، لكنني أكثر من مستعد لأقوم بهذا الدور ". استدارت جيسي لتجد نفسها بقرب رجل إيطالي أسمر وسيم: " آه... لا! أنا لست بمفردي. أنا مع أحدهم ". اقترب الرجل أكثر، وعلق: " وهل تركك بمفردك؟ أهو أحمق؟ " " انا.. إنه...". أعادت جيسي نظرها إلى الحشد الراقص، وشعرت بموجة من الارتياح ما إن رأت ريكو يتحرك ببطء على باحة الرقص. تحول الإحساس بالارتياح إلى خيبة أمل، عندما رأت ان يده تحيط بخصر فتاة شقراء هي غاية في الجمال. أهي الفتاة نفسها التي كان برفقتها ليلة أمس؟ ضاقت نظرة عينيها وهي تحدق بها. إنها الشقراء ذاتها، لكنها في ثوب مختلف. " ها قد رأيته! ". شحن إحساس من الغضب شجاعتها. أمسكت حقيبتها بقوة، وسارت نحو باحة الرقص، حتى وصلت إلى ريكو. لم يرها ريكو تقترب. كان يبتسم لرفيقته الشقراء والدفء في عينيه بارز بوضوح. تجاهلت جيسي الإحساس الذي سيطر علها بأن تهرب وتختفي. تنفست بعمق ومدت يدها. ربتت على كتفه قائلة: " عذرا!" بالكاد سمعت صوتها بسبب الموسيقى الصاخبة، لكنه استدار على الفور، وجمد مكانه. نظرته الغامضة وغير المشجعة أظهرت أنه عرفها. تمكنت من سماع الصدمة وعدم التصديق في نبرة صوته، وهو يقول: " فرانسيسكا؟! ما الذي تفعلينه هنا؟" توقعت أن تتلقى نظرة من الإعجاب الشديد، لكنها رأت شيئا مختلفا تماما، فقالت متلعثمة: " اشتقت إليك ". للحظة لم يجب ريكو. راقبته وهو يتنفس بعمق، وينظر مليا إليها. حدق بشعرها الجميل الناعم قبل ان تجول عيناه على كتفيها ثم على بقية أنحاء جسمها. تحولت الصدمة في عينيه إلى عدم تصديق ثم إلى عدم رضى. أخيرا، عندما وصلت نظرته إلى حذائها، استعاد قدرته على الكلام: " ما الذي فعلته بنفسك؟". لم يكن هذا هو السؤال الذي تتوقعه. " بدلت مظهري ". بدا من تعابير الغضب في عينيه أنه ليس سعيدا على الإطلاق بحضورها. فجأة تلاشت ثقتها بنفسها بشكل درامي. أي جزء من ثيابها ليس مناسبا؟ بلمحة سريعة من ورائه لاحظت أن رفيقته ترتدي ثيابا مماثلة. " ريكو! ". من الواضح أن رفيقته انزعجت من المنافسة في الحصول على اهتمامه. لفت الفتاة أصابعها حول ذراعها، فأبعد ريكو يدها، وعيناه لا تزالات على جيسي. " هذا المكان غير لائق بك ". " لم لا؟ ". حدقت به بتحد، والشرر في عينيها يظهر مدى التوتر الذي تشعر به في أعماقها. كان ريكو على وشك الإجابة، عندما لمح حركة ما فوق كتفها اليسرى، جعلت وجهه ينذر بالشرر والغضب. تساءلت جيسي ماذا هناك ليستحق هذا الغضب منه، فيبدو كأنه بركان على وشك الإنفجار. استدارت، ووجدت الرجل الذي التقت به عند المدخل يقف وراءها تماما. تجاهل الرجل ريكو، وابتسم لها ابتسامة مشجعة. " ما رأيك بهذه الرقصة؟ يبدو أن رفيقك منشغل بفتاة أخرى، لذا يمكنك أن تراقصيني بدلا منه ". فتحت فمها لترفض، ثم أغلقته من جديد. إنها تقف وسط حلبة الرقص، وها هي تجعل من نفسها حمقاء بالفعل من أجل رجل لا يهتم بها. الرقص مع رجل آخر قد يساعدها على الأقل على استعادة كرامتها. قالت: " لم لا؟ " مدّ الرجل يده ليمسك بيدها، لكن جيسي شعرت بأصابع قوية تمسك بكتفها. أدارها ريكو نحوه حتى كادت تسقطع عليه. قال بنبرة باردة كالثلج: " إنها لا ترقص، كما أنها معي " رمت الفتاة الشقراء جيسي بنظرة ملؤها الحقد، وسارت مبتعدة عن حلبة الرقص، لكن ريكو بدا غير مهتم على الإطلاق لتصرفه المشين نحو رفيقته. بدلا من ذلك، أبعد جيسي عنه، ثم نزع سترته. حدق بوجهها الجميل بزينته المتقنة، وقال: " ارتدي هذه الآن ". " لن أفعل ذلك، فهي لا تناسب ما أرتديه، وستغطي ثيابي الجديدة ". تحركت جيسي قليلا، فسقطت السترة عن كتفيها، واستقرت على الأرض قرب قدميها. قال ريكو من بين أسنانه، وهو ينحني ليلتقطها: " هذه غايتي! أريد أن أغطيك، فأنت تقومين باستعراض " " وماذا عن الفتاة التي كانت معك؟ الا تقوم باستعراض هي أيضا؟ ". " هي ليست زوجتي! ". " شكرا لأنك ذكرتني بذلك ". قالت له جيسي ذلك بمنتهى الصراحة، فلمعت عينا ريكو بالغضب. " لن أتحدث بالأمر معك هنا، فنحن سنغادر ". " ولم نغادر؟ ". تراجعت جيسي إلى الوراء مبتعدة عنه. تابعت قائلة: " انا لن أغادر. وصلت للتور، وأنت لم ترقص معي بعد " " لن أرقص معك وأنت ترتدين هذه الثياب، فأنت تجذبين الأنظار بما فيه الكفاية، من دون أن تتحركي وتتمايلي ". " ماذا تقصد بقولك هذا؟ هذا ما تبدو عليه النساء اللواتي ترافقهن، ريكو! أنا ابدو تماما مثل صديقتك، غير أنني املك قامة أطول، وهذا أمر لا سيطرة لي عليه ". مع حذائها ذي الكعبين العاليين تمكنت جيسي من النظر إلى عينيه بصورة مباشرة، وهي تتابع: " أنا لا أفهم سبب هذا الغضب " لمعت عيناه، وهو يقول: " لا يعجبني مظهرك ". على الفور، مات شيء ما في أعماقها. تمتمت وهي تستدير لتنظر إلى الرجل الذي طلب منها أن تراقصه: " حسنا! لا يمكنني أن أفعل شيئا حيال ذلك، كما يبدو لي أن مظهري لا يزعجه " ضغط ريكو على أسنانه، وظهرت نظرة في عينيه تنذر بالخطر، وهو يقول: " يمكنك أن تقولي إنني قديم الطراز، لكنني لا أريد أن تكون زوجتي محط أنظار الرجال " " لا أفهم أين هي المشكلة ". تمتم ريكو ببضع كلمات لم تفهمها، ثم أطبقت يده على رسغها من جديد، وجرها من حلبة الرقص نحو الدرج. هي ليست معتادة على السير وهي تنتعل حذاء ذا كعبين عاليين، فكادت تلوي كاحلها. أمسكت بذراعه كي تنقذ نفسها، وهي تشهق: " سر على مهل! لا أستطيع السير بسرعة وأنا أنتعل هذا الحذاء " رماها بنظرة لا تحمل أي تعاطف، وهو يقول: " إذا، ربما كان عليك أن تنتعلي حذاءا مناسبا أكثر ". " وأي حذاء أفضل لأنتعله إلى ناد ليلي من حذاء ذي كعبين عاليين؟ ". " كان عليك انتعال حذاء مريح مسطح الكعبين ". تمتمت وهي تحاول أن تستعيد توازنها: " أمضيت حياتي وانا أنتعل أحذية مسطحة. لأول مرة أريد أن أرى الحياة من منظار مختلف، ولا أدري لماذا تهتم للأمر، فارتفاع قامتك ميزة تحدد وجودك " تعثرت مرة ثانية وهي تسير، فزفر ريكو بقوة، ثم حملها بين ذراعيه. سار عبر الباب إلى الخارج نحو الرصيف من دون أن يلقي نظرة واحدة نحو الحارس. توهج ضوء في وجهيهما، فشتم ريكو بالإيطالية وهو يسير نحو سيارته الليموزين، التي كانت بانتظاره في الموقف. قال: " هذه الصورة ستتصدر الصحف صباح الغد تحت عنوان أن زوجتي محمولة خارج نادي ليلي " وضعها في المقعد الخلفي، ثم جلس إلى جانبها، وأغلق الباب بقوة وراءهما. هكذا تمكن من الاختفاء برفقتها داخل السيارة، وهو يتابع: " لن يعلموا أنك لا تستطيعين السير بسبب حذائك " " ولماذا تهتم للأمر؟ فأنت لم تهتم يوما لما يقوله الناس عنك، وسمعتك تؤكد ذلك ". " الصور الفاضحة لا تنتهي صلاحيتها. وأنا لا أريد لإبني أن يرى صورا لامه وهي تحمل خارج نادي ليلي ". رمت جيسي برأسها على ظهر المقعد، وهي تقول: " ها أنت تعود ثانية للتحدث عن ابنك؟ ألا تتخلى عن تلك الفكرة؟" قال ببرودة: " من الواضح أنني اتحدث عن المستقبل ". أدارت رأسها لتحدق به قائلة:" بماذا سيفكر ابنك عندما يرى صورك مع صديقاتك؟ هل سيفكر أن هذه هي الطريقة المثلى للحياة أم أنه سيعتقد أن أمه حمقاء لبقائها مع ذلك الوغد؟" زفر ريكو بقوة، ثم حدق بها ببرودة وعدم رضى، وهو يقول: " الكلمات السيئة لا تناسبك، فهي ليست من طبيعتك " " وكيف لك ان تعرف طبيعتي؟ أنت لم تبذل أي جهد لتكتشف ذلك. كل ما تريده هو أن يصبح لديك طفل، وشخصيتي لا اهمية لها بالنسبة إليك، تماما ككل ما يتعلق بزواجنا ". ساد صمت طويل بينهما، وفجأة أدركت جيسي أن التوتر يتزايد في السيارة، فريكو يحدق بها وأنفاسه تتهدج من شدة التوتر. أبعد نظره عنها ودفع سترته نحوها من جديد، وهو يقول: " ارتدي هذه، وهذه المرة لا تجادلي ". " لماذا أضعها؟ نحن لسنا في مكان عام ". أظلمت عيناه، وقال: " لا رغبة لدي بأن يصبح سائقي وحارسي الشخصي معتادين على رؤيتك هكذا " انزلقت نظرته إلى ساقيها النحيلتين الطويلتين، وللحظة بدا كأنه يعاني من إيجاد الكلمات. ضغط على أسنانه وهو يبعد نظره من جديد عنها، ويتابع: " انت لا تبدين كزوجة محترمة ". قطبت جيسي جبينها للحظة وهي تفكر بقوله، زوجة محترمة؟! " حسنا! من الواضح أنني لا أريد أن أبد زوجة محترمة عندما أرتاد ناديا ليليا ". حاولت أن تبقي نبرة صوتها هادئة، وهي تتابع بمنطق: " انا لم أبد جذابة أبدا من قبل، وأنا أريد أن أبدو كذلك ". مرر ريكو يده فوق وجهه. من الواضح أنه يعاني من صعوبة في التركيز على نقاشهما. " لماذا تريدين أن تبدي كذلك؟ ". " أي نوع من الأسئلة هذا؟ لانني أريد أن تراني جذابة! حتى إنني اخترت ثيابا داخلية جديدة ". شعرت بالرضى على الفور عندما رأت شيئا مظلما وخطيرا يلمع في عينيه، قبل ان يتنفس بقوة قائلا: " يا إلهي! ماذا تعتقدين أنك تفعلين؟ " مال إلى الإمام ليضغط على أحد الأزرار بقوة، مقفلا الحاجز بينهما وبين السائق. إنها في الواقع تحاول أن تحصل على ردة فعل منه. رفع نظره إلى وجهها، وعيناه تشتعلان. إن لم تنجح الثياب في التاثير به، فهي سوف تفعل. قررت أن تقدم على عمل متهور، فاقتربت منه بإغواء. حدق بها ريكو وقد جمد مكانه وظهرت الصدمة على وجهه: " فرانسيسكا! لا يمكنك.." توقف عن الكلام ليشتم، ثم مرر أصابعه في شعره، وهو يتابع: " عليك أن تتوقفي عن القيام بذلك. عليك أن تتوقفي الآن " " أتوقف عن القيام بماذا؟ ". حدق ريكو بها، وراح صدره يعلو ويهبط. تمتم كلمات باللغة الإيطالية، ثم تحول إلى اللغة الإنكليزية: " لا يمكنك...لا أعتقد أنه... ". توقف عن الكلام محاولا أن يستجمع في فكره جملة مترابطة، ثم تخلى عن الكلمات، وشدها إليه. عانقها بقوة، وهو يغرز أصابعه في شعرها. استمر في عناقها حتى شعرت بالدوار. نسيت جيسي أنهما في السيارة، فبادلته العناق بقوة وشغف. أخيرا رفعت رأسها، وهي تشعر أنها بحاجة إلى مزيد من الهواء. قالت بنرة مترنحة من العاطفة: " ريكو!" لامست خده بظاهر أصابعها، واقتربت منه من جديد لتضمه إليها. للحظة لم يستجب لها. أبقى عينيه مغمضتين وهو يقول: " يا إلهي! لا أستطيع أن أصدق ما تفعلينه " " ما الخطأ في ذلك؟ ". لماذا هو غاضب؟ بدا غير قادر على مقاومتها وهذا بالتأكيد أمر جيد. هذا يعني أن هناك أملا بنجاح زواجهما. هذا يعني أنه يجدها جذابة، وأن زواجهما لا يهدف فقط لانجاب عائلة. " أنت شديد الحذر، وهذا أمر مثير للدهشة مع سمعتك الشهيرة مع النساء ". شعرت جيسي بالارتباك والضعف، رتبت شعرها قليلا، وسألته: " كيف أبدو؟" " كأنك امرأة في موعد غرامي ". كادت تبتسم، وتشكره على هذا الإطراء، قبل أن تلاحظ الغضب المتصاعد من عينيه. بدا واضحها أن تعليقه ليس له أي علاقة بالمديح أو الإطراء. قالت بصوت مرتجف وهي تبعد شعرها عن عينيها: " أنت من عانقتني بشغف. لا تقل لي إنك غير معجب بمظهري " تنفس ريكو بعمق، وعلق: " انا غير معجب أبدا بمظهرك " تبخرت سعادتها، وتبخر معها الإحساس بالدفء والحنان، كما شتت الأمل كبرياءها. قالت بضيق: " انت منافق، ريكو! هل تتذكر الفتاة التي كنت ترقص معها ليلة البارحة وهذه الليلة، والتي كنت تنظر إليها بإعجاب؟ إنها هي من ألهمتني لأبدل مظهري " نظر إلى البعيد، وقال: " أنت لم تريها سوى الليلة، لذا لا يمكن أن يكون ما تقولينه صحيحا ". " رأيتكما معا في نشرة الأخبار ليلة البارحة. كانت ترتدي تنورة قصيرة وقميصا مكشوفة القبة، وتنتعل حذاء ذا كعبين عاليين. اعتقدت أن هذا ما يعجبك في النساء، إذا بدا أنك كنت سعيدا معها ". ظهر القلق على ملامح وجهه الوسيم. استدار لينظر إليها متسائلا: " هل رأيت تلك الصورة في نشرة الأخبار؟ " " بالطبع! هل نسيت أن لدينا جهاز تلفزيون في صقلية؟ ". ارتفع صوتها ما إن استعادت شجاعتها، فتابعت: " هل اعتقدت أن سرك سيبقى بامان ما ما دام منزلك بعيدا عن العاصمة؟ من طريقة ضمك لها والتفاف ذراعك حول خصرها، لم يبد لي أن طراز ثيابها يزعجك " قطب ريكو جبينه، وأجاب: " إنها ليست زوجتي ". " شكرا لك على تذكر ما هو واضح جدا ". لم تستطع جيسي أن تخفي الألم الظاهر في نبرة صوتها. أدخلت ذراعيها بالسترة التي رماها على حضنها. سعادتها بمظهرها الجديد تبخرت على الفور. تراجعت على المقعد وهي ترتجف. عبس ريكو، وقال: " هل تشعرين بالبرد؟" جلست جيسي صامتة للحظات من دون أن تجيب. ثم أدارت راسها لتنظر إليه، وتقول: " لا، ريكو! لا أشعر بالبرد. أشعر بالإهانة. ألديك أي فكرة عن شعور المرأة عندما ترى زوجها يراقص فتاة جذابة، ولا يسمح لها حتى بالمواجهة والمنافسة؟ " " لست بحاجة إلى المنافسة. فأنت تضعين خاتمي في إصبعك ". " حسنا! هل تريد أن تعلم أمرا ما؟ ". شعرت بالغصة في حلقها تكاد تخنقها، مع ذلك تابعت: " في هذه اللحظة بالذات، أتمنى لو أنني لا أضع خاتمك في إصبعي. لا أريد أن أترك بمفردي في جزيرة نائية في البحر المتوسط، مهما كانت تلك الجزيرة جميلة. اريد أن أخرج للحياة كي أعيش. أصبح الأمر بمنتهى الوضوح لدي. لو كنت عشيقتك لحظيت بوقت مليء بالمرح أكثر مما سأحظى به خلال عمري كله كزوجة لك ". " أنتِ تتفوهين بالحماقات ". " هل تعتقد ذلك؟ فكر بالأمر من وجهة نظري. يحق لعشيقتك أن تخرج برفقتك، وأن ترتدي ما تشاء، وأن ترقص معك في المقاهي الليلية، كما أنني أجرؤ على القول إنك تمضي ساعات من النهار برفقتها أيضا ". قال بغضب: " ليس لدي عشيقة. المراة الوحيدة التي أقيم علاقات غرامية معها منذ زفافنا هي أنت. لكن لدي مجموعة كبيرة من الصديقات، ومعظمهن عرفتهن منذ فترة طويلة. نحن نخرج معا في بعض الأحيان، إن حدث أن كنا في المدينة نفسها وفي وقت مناسب لكلينا. وهذا ما نسميه الحياة الاجتماعية " " حسنا! اغفر لي إن لم أتعرف على هذه الحياة الاجتماعية. المشكلة هي أنه لم تكن لي يوما حياة اجتماعية. كل ما أعرفه هو أن هذه الأمسيات ممتعة ومليئة بالفرح ". راقبها لفترة طويلة. أخيرا قال: " أنت أيضا يمكنك الاستمتاع الحياة. هل يتعلق الأمر بالمال؟ لم نتحدث مرة عن هذا الامر، لكن مهما كان ما تفكرين به، فأنا لا اريد أن أقلص مصروفك. ما دمت زوجتي، فأنت حرة في الإنفاق بقدر ما تشائين ". " من أجل ماذا، بالتحديد؟ ". رمت جيسي السؤال بوجهه على الفور، ثم تابعت: " أنت تحتجزني في جزيرة نائية ريكو، وليس هناك متجر واحد في تلك الجزيرة. حتى لو تمكنت من شراء بعض الثياب الجديدة، فأين سأرتديها؟ هل أجلس على الشرفة بمفردي؟ أنت لا تأخذني إلى أي مكان. لا يتعلق الأمر بالمال، بل بأن اعيش حياتي كما أرغب. لا أريد أن أعيش كالنساك. وأنت لا تسمح لي بالرحيل، ولا تمنحني الطلاق. ألا يحق لي أن أختار بنفسي كيف سأمضي أوقاتي؟ وهل هناك خطأ ما في ما أقوله؟ " " هل تحاولين أن تقولي لي إنك تريدين أن تعيشي حياتك في المقاهي الليلية؟ ". نظر ريكو إليها كأنه لم يرها أبدا من قبل، فضغطت على أسنانها بقوة من شدة إحساسها بالإحباط. " ربما.. لا أعرف! فأنا لم أذهب إلى هناك من قبل الليلة. ما أقوله هو إنني أريد أن أكتشف كل شيء. أريد أن أقوم باشياء لم يكن يسمح لي بالقيام بها من قبل. أشياء يفعلها الآخرون بشكل دائم وتلقائي ". تراجعت على مقعدها، وهي تشعر بالضيق، وكأنها لا ترغب في إضافة اي شيء آخر. لا جدوى من محاولة جعله يفهم ما تشعر به. إنه مثل والدها تماما، وهو يؤمن أن المكان الأمثل للزوجة هو المنزل، وأن دورها الوحيد هو تربية الأطفال. " الزواج بالنسبة لك مثل إرسال شخص ما إلى السجن. لقد أقفلت عليّ في المنزل ورميت المفتاح ". حدق ريكو بوجهها بذهول تام. قال وهو يزفر بضيق: " هل أصبحت فجأة سجانا لأني أرفض أن أصطحب زوجتي إلى ناد ليلي؟ " " أنا احاول فقط أن أخبرك بما أشعر به ". بمجهود قوي تمكنت من التفوه بتلك الكلمات رغم الغصة في حلقها. بدت غاضبة جدا لدرجة أنها لم تلاحظ أن السيارة توقفت، حتى فتح الباب ووضع يده عليها بلطف. " لقد وصلنا ". لم تزعج جيسي نفسها بالنظر إلى ما يحيط بها. تبعته إلى داخل المبنى، وصعدت الدرج حتى دخلت إلى الجناح الملكي. رمت بنفسها على حافة السرير، غافلة عن جمال الغرفة حولها. قالت: " اعتقد أنك ستعود إلى تلك المرأة الآن؟ " رماها ريكو بنظرة غاضبة، ثم دفع الباب بيده كي يغلقه، وهو يقول: " توقفي عن هذا الكلام السخيف ". " لماذا تعتبره كلاما سخيفا؟ لا شك أنك على علاقة بها ". " المراة الوحيدة التي أقمت معها علاقة غرامية منذ عودتك إلى صقلية، هي انت ". أرادت أن تصدقه، لكنها قالت بنبرة ضعيفة من شدة الألم: " أتقول إنك لم تكن على علاقة غرامية معها؟ " سار ريكو نحو النافذة ووقف هناك. مرر يده على عنقه، ثم استدار لينظر إليها، ويقول: " لا! أنا لا أقول ذلك، لكن حدث ذلك منذ زمن بعيد. حتى قبل أن أعرفك " " إذا كنت على علاقة معها؟ ". تردد قليلا، قبل أن يقول: " لن أكذب عليك ". إنها صديقة قديمة، أجل. لكن العلاقة التي تتحدثين عنها أصبحت من الماضي ". " لكنك تجدها جذابة ". " أي نوع من الأسئلة هذا؟ ". " سؤال طبيعي جدا. انا زوجتك، ويبدو أنك لا تجدني جذابة ". زفر ريكو بقوة، ثم قال وهو يشد شعره بقوة: " ليس هذا الحوار الذي أفكر في إجرائه مع زوجتي ". " لم لا، ريكو؟ ألأنني كنت بريئة وساذجة؟ صدقني! أنا أتعلم بسرعة. اصطحبتها إلى ناد ليلي. وما الذي يفترض أن يحدث عندما تنتهي السهرة؟ هل كنت ستوصلها إلى منزلها؟ ". " لا! شخص آخر سيوصلها إلى منزلها، لانها لا تعيش في المنطقة ذاتها. أنا حقا لا أفهم سبب اهتمامك بها. علاقتي بها جزء من الماضي، ومعظم الناس لهم ماض، جيسي ". " أنا لا ماضي لدي، ونظرا لما يحدث معي، لا أعتقد أنه سيكون لي مستقبل محترم أيضا ". " هذا الحوار بمنتهى السخافة ". هز رأسها كأنه يحاول أن يوضح أفكاره ويستوعب ما يحدث معهما، ثم سار نحو الجانب الآخر من الغرفة. وهو يقول: " انت زوجتي، جيسي! ماذا تريدين أكثر من ذلك؟ " " أريد الكثير ". تريده أن يراها جذابة ولا تقاوم! تمتمت جيسي بكلمات تنم عن انزعاجها من نفسها، وسارت عبر باب أملت أن يوصلها إلى غرفة الحمام. عندما عادت أخيرا إلى غرفة النوم، وهي متوردة الوجه من شدة البكاء، وبعد أن غسلته لمرات عدة بمياه باردة، وجدت الغرفة فارغة... جلس ريكو على الشرفة في البالازو، محدقا بالظلام، محاولا أن يخفف من شدة التوتر الذي يشعر به. ما حصل منذ ساعات قليلة جعله يشعر بالاضطراب. إنه بحاجة إلى التنقيب بعمق عن نوع من التفسير لما يحصل. بالرغم من غضبه من تصرف جيسي الطائش، قام بمعانقتها حتى كاد يفقد السيطرة على نفسه، ومن دون اهتمام للمكان الذي كانا فيه. بماذا كان يفكر بحق السماء؟ المشكلة هي أن المرأة التي يتحدث عنها هي زوجته. وهو لم يخطط للحظة لأن يشعر بمثل هذا الشعور نحو زوجته. إنه لا يريد لهذا الإحساس أن يتملكه تجاهها. هو من بين كل الناس يدرك مدى خطورة مثل هذا الشغف. لقد أمضى حياته كلها في تجنبه. أين اخطأ بالتحديد؟ لقد خطط لكل شيء بعناية وحذر، وفجأة راح كل شيء ينزلق من بين يديه. وحقيقة أنها الآن تبكي في الطابق السفلي تزيد من ارتباكه وقلقه. مرر يده على مؤخرة عنقه، وأجبر نفسه على الاعتراف بحقيقة أنه عامل زوجته بطريقة مشينة. في هذه الظروف، لا يستطيع إلقاء اللوم على جيسي لأنها غاضبة. قال لنفسه بحزم: " إنها غلطتها. لقد ارتدت ثيابا غير محتشمة " حاول إقناع نفسه أن اي رجل مكانه كان ليتصرف مثله، بعد ذلك ادرك أنه لا يشعر بالارتياح لذلك التفكير. مجرد التفكير ان أي رجل آخر، سينظر إلى جيسي كما كانت عليه وهي تسير إلى النادي الليلي، كاف ليجعل العرق يتصبب منه. لن يحدث ذلك مطلقا مرة ثانية! لن تخرج زوجته إلى أماكن عامة وهي ترتدي مثل تلك الثياب. في الواقع، إنه لا يريدها أن ترتدي مثل تلك الثياب ولو كانا وحدهما فقط. يريد أن يعود بعلاقتهما إلى ما كانت عليه قبل أن تبدل مظهرها وترتدي تلك الثياب السخيفة. ما زالت الذكرى تثير الكثير من ردات الفعل لديه، ضغط على أسنانه وهو يحاول أن يتصورها في ثيابها القديمة الفضفاضة التي لا تظهر أي شكل مميز لها. من الواضح أنها بحاجة إلى ثياب جديدة، وهذا أمر مناسب له. ربما أخطأ بتركها في الفيلا من دون أمور هامة تشغل بالها عن غيابه. يبدو أنها تشعر بالملل. سيأخذها كي تتسوق، لكنه سيعمل على التدقيق في كل ما ستختاره لملء خزانتها الجديدة. سيعمل جاهدا كي لا تشتري قطعة واحدة غير محتشمة، وسيتأكد أن جسدها مغطى بشكل كامل. عندها قد يستطيع العودة إلى الشعور نحوها بما كان يشعر به من قبل، وقبل أن تدخل إلى ذلك النادي الليلي. حلّ المشكلة كما يرغب تماما، ثم نهض على قدميه. إنه لا يثق بنفسه كي يعود إلى غرفة النوم، ويشاركها السرير. لذا قرر أن يذهب بجولة عبر شوارع فلورنسا. غدا سيذهبان للتسوق. بعد ذلك سيمحو تلك الصور التي تتوالى على أفكاره. وسيضع مكانها صورا مناسبة وغير مقلقة. ********* الفصل السابع فلورنسا... أنا قادمة استيقظت جيسي باكراً، ووجدت نفسها في الغرفة بمفردها. بددا واضحاً أن ريكو لم يمض أي جزء من الليل في السرير معها. سيطر عليها إحساس بخيبة الأمل، وهي تحاول أن تفكر بمنطق لتتمكن من مواجهة الحقائق المستجدة. ما الذي توقعته؟ على الرغم من عناقهما الحار في السيارة ليلة البارحة، من الواضح أن ريكو لا يشعر بالانجذاب إليها، فلماذا يزعج نفسه بمشاركتها السرير؟ هي لا تتوقع منه أن يحبها، لكن حقيقة أنه لا يراها جذابة هي القشة الأخيرة. كيف يمكن لزواجهما أن يستمر تحت هذه الظروف؟ كل منهما يتوقع أموراً مختلفة من الزواج، ومن الواضح أيضاً أنه لن يبدل رأيه بالنسبة إليها. لاشك أن الخطوة التالية التي سيقدم عليها، هي إرسالها إلى صقلية، ليبقيها بعيدة عنه، لكنها لن تغادر بهدوء. ارتدت ثيابها لعادية، وهي عبارة عن سروال فضفاض وقميص قصير الكمين، ثم رفعت ذقنها، وذهبت لتبحث عن رئيس الحرس لدى ريكو. إنها في فلورنسا، وهي ترغب في ابلاستفادة بقدر ما تستطيع من ذلك! حقيقة أن زواجها فاشل، لا يعني أنها لا تستطيع الاستمتاع بما يحيط بها والاستفادة من ذلك حتى الثمالة. من وراء أبواب قاعة الدخول الرخامية المفتوحة رأت باحة واسعةظن فتجولت جيسي في أرجائها، منذهلة بجمال الأقواس والأعمدة. إنها واحة من السلام، مصانة من ضجيج فلورنسا بجدران عالية. في وسط الباحة نافورة ماء جميلة، حيث يتدفق الماء باستمرار،فيعطي يرودة منعشة لهذا الجو الحار. في زوايا الباحة وضعت قدور ضخمة من الطين، زرعت فيها أشجار البرتقال الأنيقة، وهي مثقلة بالفواكه الناضجة. بدا المكان هادئاً مريحاً. فجأة قررت جيسي أنه مكان رائع لتمضية صباح هادئ. وربما تستطيع تأجيل جولتها في لورنسا إلى وقت لاحق. أخرجت من حقيبتها قلم الرصاص ودفترها. اللذين تحملهما دائماً معها، وبدأت الرسم. راحت يدها ترسم خطوطاً واضحة على الصفحة، لتظهر الرسم الهندسي الرائع للباحة. امتدت الدقائق لساعات، ولولا وقع خطوات حازمة أزعجتها، لأمضت النهار كله ضائعة في الرسم. سمعت صوت ريكو غاضباً تماماً كملامح وجهه: " ما الذي تفعلينه هنا في الخارج؟ ألديك أي فكرة عن المشاكل التي سببتها؟ ". " أي مشاكل؟ ". صدمتها رؤيته، فسقط القلم من يدها. انحنت لتلتقطه، وقد تورد وجهها من الغضب، وهي تقول: " كيف يمكن أن أسبب مشكلة وأنا جالسة هنا في الباحة؟ ". أجاب ريكو من بين أسنانه: " لا أحد يعلم أنك جالسة هنا في الحديقة، وكل شخص في البالازو يبحث عنك الآن ". " آه، يا إلهي! ألم يفكر أحدهم بالبحث في الخارج؟ ". " يبدو بوضوح أن لا أحد فكر بذلك ". تنهد بعمق، ثم سحب هاتفه النقال من جيبه. ضغط على زر فيه بأصابعه، وتحدث باللغة الإيطاليةبسرعة، ثم أعاد الهاتف إلى جيبه، وتابع قائلاً: " لقد أخفتنا، تسورو! ". " لماذا؟ ". " لأننا لم نكن نعلم أين أنت؟ ". " هل أنت بحاجة إلى مراقبتي، ريكو؟ ". أغلقت دفترها، وتابعت: " ها أنت تتصرف بتملك من جديد، ألست راضياً باحتجازي، بل أنت بحاجة أيضاً لأن تراقبني في كل دقيقة من النهار؟ ربما من الأفضل أن تضع علي بطاقة الكترونية، وتنتهي من الأمر، أو تربطني بعمود مع سلسلة طويلة ". زفر ريكو بقوة، وقال: لست متملكاً، لكنني أرغب بحمايتك. لا يتعلق الأمر بحجزك أو تعقب تحركاتك. كل ما في الأمر هو الاهتمام بسلامتك ". شعرت بقلبها يضطرب في صدرها. قالت: " ما الذي تقوله؟ ". لمعت عيناه، وقال:آ " أنا رجل ثري، ومن الطبيعي أن تكوني هدفاً لأولئك الذين يريدون الإساءة إلي ". لم تفكر جيسي بذلك للحظة واحدة: " كنت أستمتع بالجلوس في الحديقة ". حدق بها بغموض، وكانه لا يصدق ما يسمعه: " وماذا كنت تفعلين هنا في الخارج؟ ". " لم أكن أفعل شيئاً ". حاولت أن تخفي الدفتر وراءها، لكن ريكو سار نحوها، وهو يمد يده إليها: " دعيني أرى! ". أخرجت الدفتر من وراءها على مضض، وأدارت رأسها، فهي تشعر بالحرج من رسوماتها، ولن تتمكن من تحمل ردة فعله. قالت: " هذا فندق جميل حقاً، لكنه هادئ بشكل مثير للدهشة. لم أر أي ضيف فيه طوال النهار ". " ليس هناك من ضيوف فيه، لأنه ليس فندقاً. هذا منزلي ". حدق ريكو بالصور بتفكير وإمعان، ثم قال: " منذ متى ترسمين، جيسي؟ ". لم الكذب؟ قالت: " طوال حياتي. وقبل أن تقول أي شيء، أدرك تماماً أنني لا أملك موهبة ". ضمت ذراعيها على صدرها تحسباً لأي تعليق مهين، وقالت لنفسها إن رأيه لا يهمها أبداً. " أفعل ذلك لأنني أستمتع بالرسم. إنها مجرد وسيلة للهرب من الواقع المؤلم ". بدت ملامح وجهه متأثرة وهادئة، وهو يقول: " أعتقد أن لديك موهبة نادرة ". تابع بنبرة واثقة: " من الذي جعلك تعتقدين أنك عديمة الموهبة؟ أفترض أنه الشخص نفسه الذي جعلك تعتقدين أنك سمينة وغير جذابة؟ إنه والدك أليس كذلك؟ ". لماذا يتصرف بلطف معها؟ هل يحاول أن يسترضيها بسبب شجارهما ليلة البارحة؟ " أهذا هو العمل الذي تريدينه؟ اتريدين أن ترسمي؟ ". حدقت به بذهول، وتساءلت، أيعقل أنه ذكي لهذه الدرجة؟ قالت: " لماذا فكرت بذلك؟ ". " في حين أنني عديم الإحساس في أمور اخرى، أهذا ما تقصدينه؟ ". حملت نبرة صوته سخرية واضحة، ولمعت عيناه بالمرح وهو يتابع: " إنني ماهر بملاحظة المواهب في الأخرين. شركتي تنمو وتزدهر بسبب قدرتي على اكتشاف المواهب وتنميتها. اجيبيني عن سؤالي. هل طموحك هو أن ترسمي بطريقة مهنية خاصة بك؟ ". رفعت جيسي كتفيها، وهي تقول: " لا أعرف، لا املك مهارات كافية، ولا تجارب سابقة لدي. كل ما أعرفه هو أنني لا أستطيع ان امضي نهاراً بدون أن أرسم، فالرسم جزء مني ". " كان يجدر بك دراسة الفنون في الجامعة ". " لم تتسن لي الفرصة لذلك ". وقفت جيسي، ورفعت رأسها لتنظر إليه، ثم تمنت لو أنها لم تفعل، إذ شعرت باضطرىاب في معدتها بسبب اقترابها منه. ما زال شعره رطباً بعد الاستحمام، كما أنه حلق ذقنه للتو، ورائحة عطر ما بعد الحلاقة تفوح منه. إنه وسيم بشكل مذهل! أبعدت نظرها عنه. وقالت: " هل قلت أن هذا المكان منزلك، وإنك فعلاً تعيش هنا؟ ". حدق ريكو في وجهها باهتمام واضح، وقال: " لدي عدة منازل. اعتقدت أنك تعرفين ذلك ". " لكنني لم أعرف أن لديك منزلاً في فلورنسا ". نظرت حولها، وتابعت: " إنه حقاً مذهل، وكأنه قصر ". " لإنه بالفعل كذلك. بنى في القرن السادس عشر، ثم تنازعت على ملكيته عائلة كبيرة وتركته ينهار. كان مجرد جدران قديمة مهدمة عندما اشتريته منذ عشر سنوات. كلفت فريق عمل كامل لبنائه وإعادة ترميمه، وها قد أصبح رائعا كما ترين ". تنفست جيسي بصوت عالٍ، وأرجعت رأسها إلى الوراء لتنظر إلى ارتفاع الأعمدة في الحديقة: " هل أستطيع التجول فيه قدر ما أشاء؟ ". " في وقت لاحق، عندما نعود من رحلتنا ". " أي رحلة؟ ". أعادت نظرها إليه، وهي تتابع: " ألا تريد أن تعمل اليوم ". قال ريكو بنبرة ناعمة كالحرير: " يبدو أنك كنت منشغلة برسوماتك لدرجة أنك لم تلاحظي أننا تقريباً أصبحنا في فترة ما بعد الظهر. عملت معظم الليل وطوال فترة الصباح، وزوجتي تتذمر لأنني أتجاهلها، لذا أرغب في تصحيح ذلك ". " آه! افترضت أنك ستعيدني إلى صقلية ". تورد وجهها عندما رأت عيناه تلمعان بسخرية، فأكملت: " حسنا! إلى أين ستأخذني؟ ". " للتسوق. إن كنتتريدين شراء ثياب جديدة، فأنا مستعد لشراء خزانة ثياب لك، لكن اخشى القول إنه علي أن أقرر ما هو مناسب لك. لن أسمح لك بشراء ثياب كتلك التي ارتديتها البارحة ". لم تدر جيسي بما تجيبه. هل يحاول أن يقول لها أنه أعجب بمظهرها؟ لا! من الواضح أنه لم يعجب به، ما دام يرغب في شراء ثياب مختلفة تماماً. " لست بحاجة إلى ثياب جديدة. فأنا لا أذهب إلى أي مكان يحتاج إلى ثياب أنيقة ". مررت جيسي أصابعها بخصلات شعرها الذي قصته البارحةن فتساقطت خصل منه على كتفيها بدلال وسحر. ضاقت نظرة ريكو، وقال: قاموا بعمل رائع لشعرك، إذ يبدو جميلاً جداً. كما أنك ستذهبين إلى مكان يحتاج إلى ثياب جديدة، لأنني أرغب في اصطحابك لتناول الغداء ". " لماذا؟ ". التمعت عيناه بالمرح وهو يمد يده ليمسك يدها: " اليوم سنخرج معاً، فهناك بعض الأسئلة التي أريد أجوبة عنها. أسئلة، من المحتمل أنه كان علي طرحها منذ زمن بعيد ". وهناك بعض الأسئلة التي تريد طرحها هي أيضاً، منها: لماذا يزعج نفسه من أجلها؟ لكن ريكو راح يسير بخطى واسعة نحو القصر. حاولت جيسي جاهدة أن تلحق به، وهي تشعر بالارتياح، لأن حذاءها لا يشبه ذلك الذي انتعلته مساء أمس. * * * * * * * أخذها ريكو إلى متجر صغير، يقع في شارع خلفي هادئ بعيداً عن حشود السائحين والزوار، بدا المتجر أنيقاً ومحترماً. ساورها شعور غريب وهي تقلب الثياب على المشاجبز قالت بنبرة خافتة: " ليس هناك أسعار عليها ". ابتسم ريكو، وعلق: " لن تكوني قادرة على الشراء إن عرفت الأسعار عزيزتي! اختاري ما يعجبك ". تمتمت جيسي: " أتقصد ما يعجبك أنت؟ ". اتسعت ابتسامته قبل أن يقول بدون أي أثر للندم: " في الواقع، هذا ما أقصده بالضبط. وما الخطأ بذلك؟ ". حسناً! على الأقل، وافق على أنها بحاجة إلى ثياب، وهذه بداية جيدة، كما أنه سيأخذها إلى مكان ما. " إلى أين ستأخذني؟ ". " سوف نتناول الغداء في مكان ما ". " أهو مكان مميز؟ ". ابتسم ريكو بمرح، وقال: "بالطبع! ". " إذا أنا بحاجة إلى فستان صيفي أنيق ". على الفور لفت انتباهها فستان صيفي من اللون الأحمر عليه بقع بيضاء. قالت: " هذا جميل. أهو محتشم بما فيه الكفاية بالنسبة لك؟ ". لم يبدُ أن سخريتها أزعجته، إذ قال: " جربيه أولاً، ثم سأخبرك برأيي ". رفعه ريكو على المشجب وقدمه إلى الموظفة التي وقفت بقربهما بانتظار ما سيختارانه. بعد مرور خمس دقائق، وقفت جيسي تحدق بصورتها في المرآة. الفستان رائع بل فاتن، والأهم من ذلك، أنه يصل إلى ما دون الركبة وأنه مقفول الصدر قد يناسب راهبة، لذا لا يمكن لريكو أن يعترض عليه. " هل ارتديت الفستان؟ ". سمعت صوت ريكو العميق من خارج الحجرة، فشعرت بتسارع نبضها. لا يمكن ألا يعجبه. أكدت ذلك لنفسها قبل أن تفتح الباب، وتقف أمامه. " ما رأيك؟ ". ضغط على أسنانه، وأظلمت عيناه، قبل أن يقول: " لن تغادري المتجر وانت ترتدينه ". ماذا؟ لم تستطع جيسي التفوه بأي كلمة بسبب شعورها بالارتباك. نظرت إلى صورتها في المرآة، علها ترى ما لم تره من قبل. هل الفستان مكشوف الظهر، أم أنه شفاف يظهر جسدها بوضوح؟ الجواب بالتأكيد لا للسؤالين. استدارت لتنظر إلى ريكو وهي تمتم بغضب: " لا أفهم ماذا تقصد. ما السوء في هذا الثوب؟ ". " إنه يظهر تفاصيل جسدك. هذا هو السوء فيه ". شعرت بالغضب والاحباط يغليان في أعماقهلا. بذلت مجهوداً كبيراً لتحافظ على نبرة صوتها هادئة، وهي تقول: " ريكو! هذا الفستان يبدو عادياً في مدرسة داخلية ". استدار ريكو ليتحدث إلى الموظفة بوجه حازم، أعطاها ملاحظات مختصرة عما يريده: " لا شيء مكشوف الصدر، لاشيء قصير ولا شيء فاضح ". أسرعت المرأة بالرحيل، وعادت بعد قليل وهي تحمل بين ذراعيها مجموعة من الثياب. عملت جيسي على تجربتها كلها. ازداد إحساسها بالغضب لأن ريكو رفضها كلها، باعتبار أنه غير مناسبة لها، وعيناه السوداوان تعكسان الغضب المتنامي في صدره. ما إن غرضت جيسي أمامه الطراز الحادي عشر، وهز رأسه بالرفض كالعادة، حتى شعرت كأنها على وشك الانفجار. قالت: " ريكو! هذا تصرف سخيف. علي أن أرتدي شيئاً ما. وهذه الثياب رائعة. إنها حقاً جميلة وأنيقة. ما الغاية من إحضاري إلى هنا إن كنت لا تريدني أن أشتري أي شيء؟ أنت اقترحت هذا المكان، وأنت من قلت إن الثياب فيه مناسبة جداً لذوقك ". تنهد ريكو بصوت عالٍ، ومرر أصابعه في شعره، وهو يقول: " اعتقدت أنه مناسب، لكنه ليس كذلكن فالثياب هنا فاضحة ". " فاضحة؟! ". أمسكت جيسي بسروالين، كان قد رفضهما، ودفعتهما بقوة إلى تحت أنفه وهي تتابع: " ماذا عن هذين؟ من الصعب وصفهما بتلك الكلمة ". تصلب كتفاه، وقال: " إنها تلتصق بجسدك ". " لا. لا تلتصق بل تحدد جسدي. كلها محتشمة ومصنوعة بدقة وعناية ". قال من دون أن يظهر أي أثر للمرح في نظرته: " هذه ليست المشكلة. المشكلة هي أنني لا أريد أن أعرض جسدك في العلن. كل رجل يراك سينظر إليك ". بدا ريكو اكثر انزعاجاً، أما جيسي فشعرت أنها أفضل حالاً: " إذا، سبب انزعاجك ليس أنك تراني منفرة، بل لأنك لا تريد أن يعجب بي الآخرون ". أعطت السروالين إلى الموظفة التي كانت تحوم حولهما، وتابعت: " هل تشعر بالغيرة؟ هذا أجمل خبر سمعته منذ زمن طويل، ريكو ". " أنا لا أشعر بالغيرة، ولا أدري لماذا تعطين هذين السروالين لها، فأنت لن تحصلي عليهما. أما حقيقة أنني أكاد أخنقك بيدي الاثنتين، فلا أراه خبراً جيداً لكلينا ". ابتسمت له جيسي بدلال، ما استتبع نظرة غاضبة منه. قالت تخفف عنه، وهي تعطي الموظفة فستانين وقميصاً من الدانتيل مع سترتين: " لا تقلق، ريكو! اعتقد أنك بدأت تستوعب حقيقة أن الرجل قادر على النظر إلى زوجته ليس فقط كأم لأولاده او كآلة لإنجاب الأطفال. أنت تجدني جذابة أليس كذلك؟ أنت لا تريد ذلك، لكن هذه هي الحقيقة. كن صادقاً واعترف بالأمر. اعترف بذلك ريكو! ". زفر بقوة وقال: " فرانسيسكا! ". أخفضت صوتها، حتى بالكاد تمكن من سماعه وهي تهمس بأذنه: " عناقنا البارحة في السيارة خير دليل على ذلك ". جمد ريكو مكانه وبدا التوتر واضحاً على وجهه وهو يقول: " لا أصدق أننا نتبادل هذا الحديث في متجر للثياب ". قالت جيسي وهي تشعر فجأة أنها سعيدة: " هذا متجر صغير. توقف عن الإحساس بالضيق، فانا سعيدة لأنك تراني جذابة. هذا ما أريده ". قال: " لكنك رحت تبكين في غرفتك ليلة البارحة بسبب ذلك ". " لا، بل بكيت لأنك غادرت وابتعدت عني، ريكو! والآن ستأخذني إلى متجر للثياب الداخلية النسائية ". " ثياب داخلية نسائية؟! ". تلفظ بالكلمات وكأنها علقت في حلقه، فاتسعت ابتسامة جيسي، وشعرت بالرضى. مرر ريكو إصبعه داخل ياقة قميصه، وتلفظ بشتيمة، ثم قال: " جيسي...!". أحبت جيسي حقيقة أنه فقد القدرة على التفوه بأي كلمة. وقفت على أطراف أصابع قدميها، ثم ابتسمت وهي تهمس في أذنه: " هل ستعطيني محفظتك، أم تفضل أن أبحث عنها بنفسي؟ ". أخرج ريكو بطاقته المالية، وسلمها إلى الموظفة. " لا تفكري بارتداء هذه الثياب خارج البالازو ". قال بنبرة قاسية، لكن جيسي ابتسمت ببساطة وهي تمر أمامه لتلتقط الكومة الصغيرة من الحقائب والأكياس. إنه يجدها جذابة... ريكو فعلاً يجدها جذابة! هو لا يرغب بذلك، بل يرغب في التفكير بأن الزوجة موجودة فقط لإنجاب الأطفال. لكن هذا لا يغير حقيقة أنه يعتقد أنها جميلة بهذ الثياب. بل جميلة جداً. كل ما عليها أن تفعله الآن هو أن تخفف من شدة تزمته، وان تقنعه أن شعوره بالانجذاب نحوها أمر مقبول جداً. " كم يبعد ذلك المطعم؟ ". " إنه فوق التلة، المناظر هناك رائعة ". بعد أن اختارت جيسي مجموعة من الثياب الداخلية، بدلت ثيابها في المتجرن فارتدت الفستان الأحمر المليء بالبقع البيضاء. استبدلا سيارة الليموزين بسيارة رياضية من نوع ماسرتي. عمل ريكو على قيادتها بمهارة فائقة وانطلق بها عبرطريق فرعي بعيداً عن المدينة. جلست جيسي على المقعد بارتياح، ثم ابتسمت وهي تشعر بالرياح تتلاعب بشعرها المتطاير على وجههاز " ما أجمل هذا الشعور! عشت حياتي مقموعة، لكنني أعمل على تخطي ذلك الآن ". قالت ذلك بمرح، ثم حدقت به بدلال وهي تضع يدها على كتفه " لاحظت ذلك ". " هذا أمر رائع جداً، لأنني أستطيع القيام بأمور جديدة ". توترت عضلات كتفه القوية تحت أصابعها وهو يقول: " أي أمور جديدة بالتحديد؟ ". " لا فكرى لدي، فأنا لم أكن حرة يوماً لأفعل ما أحب القيام به ". ذكرها بنبرة قاسية كالفولاذ: " أنت لست حرة لتقومي بما تريدينه الآن، ربما هذا وقت جيد لأذكرك بذلك. مهما كان ما ترغبين في تجربته، فسأكون واقفاً قربك ". أغمضت جيسي عينيها مستمتعة بالإحساس بالحرية، قالت: " هذا يناسبني. لا تقلق! بالمناسبة، أحببت هذه السيارة ". " أنا لا أفهمك أبداً ". لاحظت السخط في نبرة صوته، فابتسمت له بتعاطف: " أشك أن تكون قد فهمت أي امرأة من قبل، لكن هناك دائماً المرة الأولى وانا مليئة بالتفاؤل ". إنها تريده أن يفهمها! ما من أمل بذلك مطلقاً. فكر ريكو بذلك باستياء وهو يقودها نحو شرفة المطعم، فهي كومة من التناقضات. سارت جيسي أمامه، فنسى على الفور ماذا يفترض به أن بفهم، لأنه وجد نفسه منشغلاً بالنظر إليها وهي تتمايل أمامه. إنها تسير برشاقة، كما أنها تجذب الانتباه بشكل يسبب له الألم. احتاج إلى نظرة واحدة ليتاكد أن عيون الرجال في المطعم أصبحت مركزة على زوجته. مررريكو يده على مؤخرة عنقه، وتساءل ما الذي تملكه، وجعله يأخذها للتسوق. كان عليه أن يتركها بتلك الثياب الباهتة الداكنة. التغير الذي طرأ عليها مذهل، والمر لا يتعلق بالثياب فقط. المر هو أنها اكتشفت فجأة ما معنى كلمة الثقة بالنفس. عندما تزوج من جيسي أعجبته طبيعتها الهادئة وجبنها. أما الآن فالحقيقة أنه غير قادر على النظر إليها كما كان يفعل من قبل. بدا له أن الوسيلة الوحيدة للاحتفاظ بصفاء ذهنه هي التركيز على قائمة الطعام أمامه. حاول بشدة أن يستعيد سيطرته المعتادة على نفسه، لكنه فشل بذلك. ما إن جلسا إلى أفضل طاولة في المطعم، حتى شهقت جيسي من الفرح، غير مدركة لحقيقة أنها مركز انتباه الجميع في الغرفة. " أستطيع أن أرى كل فلورنسا من هنا. آه، ريكو... كم هذا رائع! ". فكر ريكو أنها لطيفة جداً. هي لا تختار كلماتها لتؤثر به كأي امرأة أخرى عرفها سابقاً. جيسي تقول فقط ما تفكر به، وهي لا تخفي أي شيء. مجرد التفكير بذلك غمره بعاطفة قوية، أدرك فجأة أن الرجل الجالس إلى الطاولة القريبة منهما يحدق بهما، وقد فتح فمه من شدة إعجابه بجيسي. حدق به ريكو بغضب محذراً، وتساءل إن كان عليه ان يطلي طائرته المروحية ليعيدها إلى صقلية على الفور. قالت جيسي باهتمام: " ما الأمر؟ تبدو متوتراً ". فكر بحزن أنها لم تلاحظ ما يجري، فهي بريئة جداً، لدرجة أنها لا تعرف بماذا يفكر الرجال عندما ينظرون إليها. " أتساءل إن كان علينا المغادرة والذهاب إلى مكان آخر ". بدت متفاجئة وهي تقول: " لماذا؟ هذا مكان رائع، وأنا أحبه ". معظم النساء اللواتي عرفهن يعتبرن أن من غير اللائق إظهار مثل هذه الحماسة. أجبر ريكو نفسه على التحلي بالهدوء ومراقبة تصرفاته. لطالما اعتاد الخروج برفقة نساء يلفتن أنظار رجال آخرين، لذا من الصعب القول أنها تجربة جديدة عليه. لكنه لم يشعر يوماً برغبة قوية في أن بحجز واحدة منهن بعيداً عن كل العيون. قبل هذا اليوم لم يفكر للحظة في حياته أنه متملك بالفعل. لكنها زوجته! قال ذلك لنفسه، وهو يفتح قبضتي يديه. من الطبيعي جداً أن يكون الرجل متملكاً حيال زوجته. وهذا لا يعني أنه يكرر أخطاء الماضي. قال باقتضاب: " حسناً! سنبقى. السمك في هذا المطعم شهي جداً ". أدارت جيسي رأسها صارفة النظر عما يحيط بها، وحدقت به قائلة: " تبدو غاضباً ". " لا، لست غاضباً ". لابأس إن كان يشعر بالانجذاب إليها، ليس هناك أي خطأ بذلك، كما أنه ليس هناك من سبب يدفعه إلى الإحساس بعدم الارتياح والضيق. قطبت جيسي جبينها وهي تحدق به. قالت: " هل أنت قلق لأنك ضيعت يوماً من العمل؟ ". " لا! ليس الأمر كذلك ". علم من خلال نظرة جانبية أن الرجل ما زال يحدق بجيسي. كاد يقف ويتصرف بعنفن وفي تلك اللحظة مالت جيسي إلى الأمامـ ولمست يده بأصابعها.بدت قلقة وهي تقول بنعومة: " أعلم أن ليس هذا ما خططت للقيام به في يومك، لكن شكراً لك ". " علام تشكرينني؟ ". " على إحضاري إلى هنا، وعلى الخروج برفقتي ". ابتسمت بتردد وهي تنظر نحو المدينة الممتدة تحتهما. وتابعت: " إنه مكان رائع. لا يمكن أن تختار مكاناً أفضل لأول مطعم أذهب إليه. لا أستطيع أن اخبرك عن شعوري في هذه اللحظة، وانا جالسة هنا وهذه المناظر ممتدة أمامي، والشمس تلفح وجهي، وأنت معي! ". أثرت به كلماتها لدرجة أنه نسى على الفور الرجل الجالس قربهما. قال: " المطعم الأول الذي تذهبين إليه؟ أتقولين إنك لم تدخلي إلى مطعم من قبل؟ هذا أمر مستحيل ". ابتسمت له قائلة: " ومتى كان ليتسنى لي الذهاب؟ أنت لم تأخذني أبداً ". " لكنني عرفتك منذ تسعة أشهر فقط. ماذا عن حياتك قبل ذلك؟ كما أنك بقيت بمفردك طوال الأشهر الستة الماضية ". حدقت بالطبق أمامها، ثم رفعت نظرها إليه، وقالت: " أعتقد أن ليس هناك من سبب يدفعني كي لا أخبرك بالحقيقة. أقمت في مزرعة قرب نابولي، مع عائلة التقيت بها في السفينة. عرضوا علي عملاً ومكاناً لأقيم فيه. وحتى تلك الليلة التي سافرت فيها إلى صقلية، لم أغادر المزرعة أبداً ". " لهذا السبب فشل فريق الحراسة لدي بإيجادك ". قدم ريكو لها بعض الخبز، وهو يتابع: " وهل كانت تلك العائلة لطيفة؟ ". " بل رائعة، ومختلفةجداً عن عائلتي ". سمع شيئاً من الحسد في نبرة صوتها، وهي تتابع: " الوالدان لديهما ستة أطفال، وهما يعملان على تشجيع كل واحد منهما ليكون مستقلاً. إنهما يهتمان لكل ما يقوله أولادهما، أما الأولاد فيحبون فكرة أنهم مستقلون. احتجت إلي بعض الوقت لأتمكن من الانسجام معهم ". ابتسمت قبل أن تتابع بصوت ناعم:" اعتادوا على طرح الأسئلة علي فيسألون عن رأيي بكل الأمور. جعلوني أفكر بأنني قوية بما فيه الكفاية لأفعل أي شيء. تعلمت معهم أن أعبر عن نفسي". هز ريكو رأسه قائلاً: " يبدو بوضوح أن حياتك في منزل والديك كانت مقيدة جداًز لم تكن لدي فكرة عن ذلك مطلقاً. ألم تخرجي يوماً برفقة والدك ووالدتك إلى مناسبات عائلية، إلى احتفالات ومهرجانات؟ ". وضع النادل أمامهما المقبلات، فأمسكت جيسي شوكتها، وقالت: " والدي كان يعتقد أنه ليس هناك شيء يستحق الاحتفال ". عبرت جيسي عن رأيها بصراحة. راقبها ريكو وهو يتساءل لماذا لم يلاحظ أيا من الإشارات الكثيرة التي كانت واضحة أمامه. " لدي عدة أسئلة عن علاقتك بوالدك ". " هذا الموضوع يسبب لي عسر هضم ". حدقت بالطعام في طبقها، وتابعت: " هل يمكننا التحدث عن أمور أكثر أهمية؟ مثلاً، ما الذي يجعلك تعمل بمثل هذا الجهد؟ ". قطب ريكو جبينه، وقال: " توقفي عن تبديل الموضوع، وأخبريني عن والدك ". " لماذا علي أن اخبرك؟ ". " لأنك تريدينني أن أفهمك ". شعر بالرضى عندما تورد وجهها من الخجل. رفعت جيسي كتفيها قليلاً، وقالت: صحيح. حسناً! ماذا تريد أن تعرف بالتحديد؟ ". " أخبريني أولاً لما لم يأخذك مرة إلى أماكن ترفيهية، ثم لماذا تعتقدين أنك رسامة فاشلة، في حين أنك تملكين موهبة مميزة. أريد معرفة الوسائل المختلفة التي كان يستعملها ليدمر ثقتك بنفسك ". راقبها وهي تشعر بالتردد، ثم وضعت جيسي شوكتها جانباً، وقالت بهدوء، وهي تمد يدها لتمسك بكوب الماء: " لنقل فقط إنني ووالدي لم نكن قريبين. لابد أنك أصبحت تعرف ذلك الآن. لم يكن يرغب في تمضية أي وقت برفقتي، وكانت لديه وجهات نظر حازمة في تربيتي... كان حازماً جداً. بعيداً عن المدرسة وفترة قطف الزيتون، لم يكن يسمح لي بالخروج من المنزل ". تذكر ريكو القليل الذي يعرفه عن برونو ماندوزو، وعلم أن ما قالته منطقي وصحيح. " ماذا عن سنوات المراهقة؟ لابد أنك ذهبت إلى أماكن كثيرة مع أصدقائك ". رفعت جيسي شوكتها وبدأت بتناول الطعام. قالت: " لم يسمح لي بذلك. ذهبت إلى المدرسة فقط، كنت مجتهدة جداً. لكنه لم يهتم للأمر، لأنه يعتقد أن التعليم غير ضروري للمرأة. أراد فقط أن أساعده في قطاف الزيتون وفي أعماله المكتبية، لكن بشكل خفي ". ضاقت نظرته وهو يسألها: " هل تحاولين إقناعي بأنك قبلت بتلك القيود التي فرضها عليك والدك؟ بصراحة، بعد أن رأيت كيف تواجهين الصعاب، أجد من الصعوبة أن أصدق أنك لم تواجهيه ". رفعت جيسي نظرها إليه. بدت عيناها الزرقاوان واسعتين، وقد ظهرت فيهما ظلال من الحزن والغضب وهي تقول: " بل فعلت مرة واحدة فقط، ولم أفعل ذلك ثانية ". سمع شيئاً ما في نبرة صوتها جعله يشعر برجفة في عموده الفقري. سألها وهو يحدق بها بقة: " ما الذي فعله؟ ". نظرت جيسي إلى البعيد، ولم تجب، بل قالت: " بدا لي أنها لم تكن فكرة جيدة، هذا كل شيء. هذا السمك شهي جداً ". أدرك ريكو أن المطعم ليس المكان المناسب للتحدث بأمور عميقة حدثت في طفولتها، لذا قرر التحدث بأمور أخرى. " ما دمت لم تذهبي إلى أي مكان، كيف كنت تمضين أوقاتك؟ ". " كنت أرسم وأقرأ ". نظرت إلى قطعة السمك على شوكتها، ثم ادخلتها إلى فمها، وتابعت: " كنت مهووسة بالقراءة. لم أسافر إلى أي مكان، لكنني زرت كل الماكن في مخيلتي. خذ فلورنسا مثلاً، زرت الرومو والبابتستري، ومشيت فوق جسر بونتي فينشو، ورأيت تمثال دايفيد. أنا ماهرة جداً في تصور الأشياء في مخيلتي ". وجد ريكو نفسه يراقب كل حركة في وجهها. لاحظ تكور فمها والتماع عينيها بالحماس. قال: " هل قرأت عن فلورنسا؟ ". " بأدق التفاصيل. كنت أستلقي في سريري، وأتخيل كيف يمكن للمرء ان يعيش في فلورنسا أثناء عصر النهضة، ثم قرأت عن روما..". خفت صوتها وهي تصف له بانبهار الأشياء والأماكن التي أثارت اهتمامها. فقط عندما توقفت عن الكلام وهي متوردة الوجه، أدرك ريكو أنه نسى تماماً وجود الناس في المطعم، وأنه تناول وجبة الطعام من دون أن يتذوق ما فيها. نظر حوله، واكتشف أن الطاولات حولهما أصبحت فارغة. " تحدثت كثيراً، لكنني أحببت هذا المكان. الجمال في الألوان هنا نادر، على ما أعتقد، وهذا ما يجعله مميزاً. السطوح حمراء والبيوت كلها بيضاء اللون، وكان شخصاً ما وقف هنا، وقرر كيف يحب أن تكون المدينة بشكلها الكامل والنهائي ". تبع ريكو نظراتها، لامحاولاً أن يرى المدينة من خلال عينيها. قال بنعومة: " فلورنسا هي إحدى المدن التي أمكث فيها منذ زمن طويل. ربما لم أعد أراها بالشكل المناسب فعلاً، لكن حان الوقت لأفعل ذلك مجدداً ". نقل نظره إلى النادل الذي هز رأسه بتفهم، وأحضر له الفاتورة. تابع قائلاً: " لنذهب. هناك أشياء أريدك أن تريها ". اصطحبها ريكو في نزهة سيراً على الأقدام إلى تلك الأماكن التي لطالما حلمت أن تزورها. تجولا عبر الشوارع الضيقة، والمظللة بالسقوف المطلة عليها، وكان عليهما في بعض الأحيان القفز تجنباً للارتطام بأولئك الذين ينتقلون مستخدمين ألواح التزحلق، والذين يصدرون أصواتاً متزايدة في المدينة. أمسك بذراعها مشيراً إلى الأعلى، وهو يقول: " انظري هناك!هذا هو الجزء الأقدم في المدينة، وهذا برج حقيقي. في العصور الوسطى كانت هذه الأبراج تؤمن الحماية للسكان، فيتمكنون من الدفاع عن أنفسهم أمام أي هجوم مفاجئ ". " ومن يهاجمهم؟ ". " الجيران في معظم الأحيان. في العصور الوسطى كانت المدن تتصارع مع بعضها ". قال ريكو ذلك باستياء، وشدها إليه بقوة ليبعدها عن متزحلق يتحرك على الرصيفن كاد يصيبها بضربة قاتلة. ضحكت جيسي وعلقت: " الدماء الحارة لم تتغير كثيراً عبر العصور. أليس كذلك؟ ". استمرا في السير، وبدا لجيسي أنها كلما انعطفت نحو زاوية جديدة، حصلت على مناظر مختلفة من القرميد الأحمر والرخام الأبيض الذي يشكل جزءاً من كاتدرائية سانتا ماريا دوبل فيور. تنهدت بتعجب، وهما يسيران اخيراً في بيزا ديل دوموز تجنبت مجموعة من السائحينـ، ووقفت على جانب من الطريق، لتتمكن من الوقوف ورفع رأسها لتعاين بإعجاب الارتفاع الضخم للمبنى. ابتسم ريكو، ولمعت عيناه من إحساسها بالافتنان. قال لها: " أعتقد أن سكان فلورنسا تأثروا أيضاً بهذا البناء. هل تريدين الدخول إليه؟ ". " بالطبع! ". نظرت إليه بحيرة، وتابعت: " إن كان ذلك يناسبك. لا اعتقد أن هذه الزيارة هامة لك، ما دمت تأتي إلى هنا دائماً. هل تشعر بالسأم؟ ". نظر إليها، وظهرت تعابير غريبة على ملامح وجهه الوسيم. أكد لها بنعومة: " لا! لا أشعر بالسأم مطلقاً ". شعرت جيسي بالحرارة تجتاح وجهها، وعلمت أن لا علاقة أبداً للشمس بذلك. قالت لنفسها بحزم، لا! لن تقدم على ارتكاب تلك الغلطة بالاعتقاد أنه يهتم بها. استمتعا بالهدوء داخل الكاتدرائية، ثم سارا عبر الشوارع للوصول إلى مستشفى فوندلنغ. قال لها ريكو وهو يقودها إلى الداخل: " هذا المبنى كان داراً للأيتام في ما مضى. هناك لوحة أريدك أن تريها ". مرا بساحة هادئة، ثم صعدا عدة درجات، ودخلا إلى معرض ضيق يطل على ساحة أخرى. رأت اللوحة المعلقة في نهاية الغرفة، ومع ذلك بدت كأنها تحتل المكان من خلال قوة اللوان فيها. قال ريكو وهو يسير معها نحو اللوحة: " فكرت أنك ستعجبين بها ". " إنها جميلة حقاً! ". أضغت إليه وهو يخبرها عن اللوحة. بعد ذلك تجولا في المعرض، وتوقفت جيسي عند لوحة أصغر حجماً شدت انتباهها. " كيف تعرف هذه المعلومات عن فنون عصر النهضة؟ ". أبعدت نظرها عن اللوحة، وفكرت أن فناني ذلك العصر كانوا ليتمنوا أن يحصلوا على فرصة لرسم الملامح الرجولية التي يتمتع بها ريكو. " هل ذهبت إلى الجامعة؟ ". ابتسم بلطف قبل أن يجيب: " لدي شهادة جامعية من كامبردج وشهادة دكتوراه من هارفرد، لكنني لم ادرس أي نوع من الفنون. طموحي في ذلك الوقت كان يتعلق بجمع ما يكفي من المال لأتمكن من شراء القطع الفنية. لدي مجموعة من اللوحات في البالازو قد تثير اهتمامك، على ما أعتقد ". سمي لها بعض تلك اللوحات، فاتسعت عيناها من الدهشة. " لكن تلك اللوحات هي ضمن مجموعة خاصة، قرأت عنها ". أجاب ونبرة من المرح تظهر بوضوح في صوته: " صحيح. إنها مجموعتي الخاصة ". " آه! ". بقيت جيسي صامتة لعدة لحظات. ثم قالت أخيراً: " لم أفهم من قبل مطلقاً ما الغاية من تجميع الثروات، لكن أن تتمكن من اقتناء أشياء جميلة كهذه، وتتمكن من رؤيتها كل يوم وفي أي ساعة تشاء أمر يستحق العناء. أنت محظوظ بشكل لا يصدق ". ضحك ريكو قبل أن يقول: " هل أحتاج إلى تذكيرك أنك تملكينها أنت أيضاً. لكن لا تلمسيها، وإلا ستأتي شرطة فلورنسا بكاملها إلى القصر لمقاضاتنا ". أردف بعد قليل: " كان يجب أن تذهبي إلى الجامعة، لتدرسي الفنون فيها ". " ذلك يتطلب درجة من الحرية لم أحصل عليها يوماً ". نزلت الدرج لتدخل البيزا، وتجولت قرب النافورة، ثم تابعت: " دخلت إلى مدرسة الراهبات في القرية. كان ذلك آخر حدود صبره وتحمله، مع ذلك كان يعترض على الأمر في بعض الأحيان ". " لا أستطيع أن أصدق أنك عشت حياة مقيدة هكذا ". وضع ذراعه حول خصره، وقادها عبر مجموعة من السائحين، وهو يقول: " ماذا عن أصدقائك؟ ". " لم يكن لدي أصدقاء. كنت طويلة وخرقاء، ذات جسم مختلف عن أجسام الأخريات، كما أنني كنت خجولة بشكل مرعب. من المحتمل أنني لم أكن أثير اهتمام أي فتاة لتصبح صديقتي ". غادرا البيزا، وسارا عبر شارع ضيق. علق ريكو: " أنت صريحة وصادقة، لذا أجد من الصعب تصديق ما تقولينه ". " حسنا! هذه هي الحقيقة. ماذا عنك؟ أخبرني عن طفولتك ". لاحظت على الفور تبدلاً في مزاجه، وأحست بالتوتر الذي سيطر على جسده، كما رأت ملامح وجهه تتغلف بالقسوة وهو يقول: " ليس هناك من شيء يمكن قوله ". " لابد أن هناك أموراً ترغب في التحدث عنها ". توقفت لتمسك ذراعه منزعجة من عدم استجابته لرغبتها في معرفته كما فعلت هي. تابعت قائلة: " حسب ما كتبته الصحف، أحرزت أول مليون دولار عندما كنت في التاسعة عشرة من عمرك ". " بل في السابعة عشرة، وجنيت أربعة ملايين ". رفعت جيسي كتفيها قليلاً، ثم ابتسمت: " لماذا فعلت ذلك؟ ". نظر ريكو إلى وجهها، وضحك ضحكة قصيرة: " أليس هذا أمراً نموذجياً منك؟ كل شخص آخر أعرفه كان يسألني كيف فعلت هذا، محاولاً أن يدرك إم كان يملك المؤهلات لتحقيق ذلك أيضاً. أنت الوحيدة التي تسأل لماذا فعلت ذلك ". علقت جيسي، غير متأثرة بالسخرية في نبرة صوته: " إذاً، لماذا؟ ". " ألا يرغب كل شخص في الدنيا باقتناء المال؟ ". " ما يكفي من المال ليعيش بارتياح، بالطبع! لكن لابد ان هناك سبباً كان يقودك للحصول على المال وأنت في السابعة عشرة من عمرك. أنت ما زلت تعيش بالإحساس ذاته حتى اليوم. أحب أن أعرف وأفهم السبب ". " حسناً! ها قد وضعت إصبعك على أمر هو غاية في الأهمية لإظهار الاختلاف بيننا. أنت تريدين أن أفهمك، أما أنا فلا أرغب أبداً في أن تفهميني ". قالت وهي مقطوعة الأنفاس، لأنها تحاول أن تسير بمحاذاته مع تلك الخطوات الواسعة التي يخطوها: " لكنني أريد أن أفهمك ". رفع ريكو كتفيه بدون أي اهتمام، وقال: " أحب العمل، ولهذا السبب أنا مندفع بقوة نحوه. هذه نهاية القصة ". قطبت جيسي جبينها. تلك ليست نهاية القصة، لكن يبدو بوضوح أن هذا هو كل ما هو مستعد لإخبارها به. حسناً! هناك وقت كافٍ لذلك. فما زالت علاقتهما في بدايتها وربما سيخبرها كل شيء عنه مع الوقت. " لطالما أردت أن أرى دير سان ماركو. هل يمكننا الذهاب إلى هناك؟ ". نظر ريكو إلى ساعته، وقال: " سنذهب غداً. التجول في فلورنسا قد يكون متعباً، كما أنك بحاجة إلى أخذ قسط من الراحة قبل حلول الليل ". " لماذا؟ ما الذي سيحدث الليلة؟ قلت لي إنك لن تاخذني أبداً إلى نادِ ليلي ". " كان ذلك قبل أن اكتشف أنك لم تذهبي إلى هناك من قبل ". حدق بها بغضب، وتابع: " لا داعي لإظهار هذا السرور. فأنت لن ترقصي مع أحد غيري ". " أنا لا أريد غير ذلك ". ضمت جيسي يديها إلى بعضهما، ثم وقفت على أطراف أصابع قدميها لتطبع قبلة على خده، وتتابع: " شكراً لك. هذا أكثر عمل رومنسي قمت به ". " هل اصطحابك إلى نادٍ ليلي عمل رومنسي؟ ". رفع حاجبيه بتعجب، وتابع: " ملت غرفة نومك بالأزهار. ذاك كان عملاً رومنسياً ". قالت بلطف وهي تمرر ذراعها في ذراعه: " لا! مساعدتك ملأت غرفة نومنا بالأزهار، لذا لكم يكن هناك أي رومنسية، أما اصطحابي إلى ملهى ليلي لأنني لم اذهب إلى هناك من قبل، فيما أنت لا تريد أن تفعل ذلك، فهذه هي الرومنسية ". نظر ريكو إليها بتأمل للحظة، ثم ضاقت نظرته وهو يقول: " أنت مليئة بالتناقضات ". " لا! بل أنا صريحة جداً ". ترددت جيسي للحظة، ثم تابعت: " هل تساعدني كي أجد عملاً، ريكو؟ ". شعرت به ينسحب، وهو يقول بحزم: " لست بحاجة إلى أي عمل. لدينا الكثير من المال ". " لا علاقة للمال بالمر، ريكو. أريد أن أخرج إلى الحياة، أريد ان ألتقي بالناس ". " يمكنك أن ترسمي بكل الوسائل المتاحة. قررت أن أحول إحدى الغرف في الطابق العلوي إلى محترف لك. إنها غرفة مواجهة للناحية الشمالية، وهكذا تبقى مضاءة بالنور معظم النهار. ولهذا ليس هناك من سبب يدعوك للعمل ". حاولت جيسي أن تجعله يفهمها: " ما عدا أنني أريد أن أعمل، أريد أن اكون مستقلة ". نظر إليها بغضب متناهٍ، وقال: " الملايين من الناس يحلمون بالحصول على جائزة يناصيب لكي يتوقفوا عن العمل، وها أنت تقولين لي بانك تريدين عملاً، مع أنك أكثر ثراء مما يمكن أن يتخيله المرء ". " هذا صحيح! لا يتعلق الأمر بالمال، بل باستقلاليتي. أريد أن أقبض مالاً من عملي، وأن التقي بالناس ". كلامها البريء ضاعف توتره، تنهد ريكو، ومرر أصابعه بضيق في شعره. " بدأت أفهم كم كانت حياتك مكبلة ومقيدة قبل الآن، وأنا مستعد لجعلك تقومين بالكثير من الأمور. لكن الحصول على عمل ليس واحداً منها. فهناك أشخاص سيئون في الدنيا، وبفضل والدك لم تكن لك تجربة أو احتكاك معهم ". " هل ستبقيني محتجزة لديك؟ ". " لا تتفوهي بمثل هذا الكلام ثانية ". ذكرها متابعاً: " سآخذك الليلة إلى نادٍ ليلي، لذا من الصعب اتهامي بأنني أحتجزك ". " كم عدد الحراس الذي سيذهبون معنا؟ ". " لن يكون هناك أحد غيري، وإن كان هناك من يفكر بالنظر إليك فسيجد نفسه في المستشفى ". قال لها ذلك بحزم، فحدقت جيسي بالخطوط القاسية في وجهه الوسيم، وشعرت بإحساس رائع يدغدغ أعماقها. الفصل الثامن مأساة تتكرر اصطحبها ريكو الي ناد ليلي فاخر ، فرقصت جيسي حتى شعرت بألم في قدميها ، أما رئتاها فكادتا تنفجران. أذهلتها الموسيقى الصاخبة والأضواء الملونة ، واكتشفت أنها تمتلك احساسا بالموسيقى، لم تكن تدرك وجوده. رقصت حتى ترنحت ، مدركة أن ريكو لا يظهر اهتماما بأي امرأة أخرى سواها. راح الرقص يجذبهما الي بعضهما ثم يبعدهما من جديد ، وراحت عيونهما تلتقي بشوق واضح ، تنامي الى مستويات خطيرة. عندما غادرا النادي ، شعرا كأن هناك شيئا ينبض بالحياة بينهما. في اللحظة التي أغلق ريكو فيها باب غرفة النوم ، لم يكن هناك أي شك بما يريده. قال وهو يمسك وجهها بين يديه: " انتظرت هذه اللحظة طوال السهرة. أنا لست متأكدا أن كان الخروج برفقتك أمر جيد لي ، فأنا أكتشفت أن سيطرتي علي نفسي ليست قوية كما كنت أعتقد ". أما جيسي فاكتشفت فجأة أنها لم تعد تبالي بالخروج. كل ما تريده هو أن تبقي برفقته. سرت ارتجافة مخدرة في جسدها وهو يعانقها. ريكو يملك تأثيرا قويا عليها. لمسة واحدة هي كل ما عليه القيام به ، حتى تشعر به ، لأنه استمر في معانقتها وهو يحملها الي السرير. تنفست جيسي وهي تلفظ باسمه:" ريكو!". رفع ريكو رأسه ، وقال بصوت متهدج:" سألتني مرة ان كنت أعتقد أنك جذابة. أظنك حصلت علي جوابك. أنت أكثر النساء جاذبية ممن رأيتهن في حياتي." نزعت السترة عن كتفيه ، وهي تقول:" أعتقدت أنك لا تريد أن تكون زوجتك جذابة ". " كنت مخطئا بذلك." " مخطئ... ريكو؟! لم أظن للحظة أنك قادر علي الاعتراف بالخطأ." علي الرغم من تسارع دقات قلبها ، بقيت قادرة علي ممازحته. ابتسم لها بمكر ، وعلق قائلا: " حسنا! سأحاول التعايش مع هذه الحقيقة ". " يا الهي. كم أنت رائعة!" ما هي لحظات حتى غابا في عالم من السعادة. عالم ملئ بالشغف والمشاعر المحمومة ، ثم استلقيا بسكون مغمورين بالغبطة. رفع ريكو رأسه أخيرا ، ونظر اليها ، لكنه لم يقل شيئا. شعرت جيسي أن الارتباط بينهما حميم وصادق. بعد قليل قال بنبرة خشنة:" آسف! وعدتك بأن نؤجل مسألة الانجاب ، لكنني لم أفكر بالأمر الليلة ." لم تفكر بذلك هي أيضا. أدركت جيسي فجأة أن السبب وراء عدم تفكيرها بذلك هو أنها لا تهتم ، فكل ما تهتم به هو أن تكون معه ، فهي تحبه. احتل هذا الادراك المفاجئ كيانها ، فاستلقت جامدة ، تستوعب فداحة هذا الاكتشاف. " أنت غاضبة مني... أستطيع رؤية ذلك. أنا آسف حقا! مهما كان ما تفكرين به ، فأنا أرغب حقا في حمايتك." حاولت أن تبدو غير مرتبكة ، وهي تقول:" لست منزعجة أو غاضبة." مرر يده بلطف علي ظهرها ، وهو يقول:" هناك أمر ما اذا. أنا متأكد من ذلك ". في الواقع ، اكتشفت للتو أنها مغرمة. هذه هي المسألة. لكن ريكو لا يعترف بالحب. عليها أن تقدم له بعض التفسيرات ، لأنها غير قادرة علي التفوه بالحقيقة. قالت أخيرا:" أفكر بما حدث اليوم. انه يوم رائع... بل أفضل يوم في حياتي. شكرا لك!" رفعت رأسها وعانقته بنعومة. رأته يقطب جبينه ، ويتردد. هل سيقول لها كلاما عاطفيا؟ بقيت جيسي جامدة تنتظر ، لكنه ببساطة ضمها اليه ، وأغمض عينيه. لن تستسلم لخيبة الأمل. قالت ذلك لنفسها وهي تسمع صوت أنفاسه تهدأ ، ما أعلمها أنه غرق في النوم. أثبت لها ريكو أنه يهتم بها ، وهذا ما يهمها بالفعل. بقيا في فلورنسا لشهر آخر ، وخلال تلك الفترة قام ريكو بتقفي أثر أمها. قال لجيسي باستياء وهو يقدم لها ورقة عليها رقم هاتف:" انها في رحلة بحرية تطوف حول العالم. هل أنت متأكدة أنك تريدين الاتصال بها؟ من وجهة نظري ، هي لم تقم بجهد كاف لتخفف من طفولتك الكئيبة." قالت جيسي ، وهي تحدق برقم الهاتف:" قامت بما تستطيع القيام به. لطالما فكرت أنها بقيت مع والدي من أجلي. سوف أتحدث اليها. نحن لسنا مقربتين من بعضنا ، لكنني أشعر أن علي القيام بذلك." وهكذا ، اتصلت جيسي بأمها ، ةتحدثتا معا لفترة قصيرة. يبدو أن أمها مصممة علي الاستمتاع بحريتها التي استعادتها مؤخرا ، وهي تنوي أن تعيش حياة جديدة. تماما كما تستمتع جيسي بحياتها الجديدة أيضا. من فلورنسا ، أخذها ريكو الى روما ، ثم الي سينيا وفينيسيا وفيرونا. مكثا في فنادق أشبه بالقصور ، أما فريق الحراسة الخاص به فظل دوما جاهزا لحمايتهما. كان الحراس يرافقونها اذا ما خرجت للتفرج علي معالم المدينة أثناء انشغاله بعمله ، لأن ريكو رفض أن تتجول في الشوارع بمفردها. بعد ظهر أحد الأيام عادت من زيارة الى بومبي ، وهي تشعر بالمرض. لابد أنها تعرضت للكثير من أشعة الشمس ، هذا ما فكرت به جيسي ، وهي تستقل المصعد لتصل الى الجناح الملكي ، محاولة أن تلطف من الاحساس بالغثيان في معدتها. وجدت ريكو يعمل في غرفة الجلوس ، ناشرا عددا من الأوراق علي الطاولة أمامه ، واضعا الهاتف بين أذنه وكتفه ، وهو يعلق علي ما كتب في التقرير الذي يحمله بين يديه. سمعته يقول بنبرة حازمة ناقدة:" الاعلان غير مناسب. فليعملوا عليه من جديد. ان لم يقدموا عملا أفضل اصرفهم علي الفور ، واحضر شركة اعلانات جديدة لتعمل عليه ". أعاد الهاتف الي مكانه ، ثم لاحظ أنها تقف عند اطار الباب ، فقال:" هل أنت بخير؟ تبدين شاحبة ". " لا شئ يستحق القلق. يبدو انني بالغت في التجول والتعرض لأشعة الشمس." ابتسمت له بخجل ، قبل أن تتابع سيرها نحو غرفة النوم لتستريح قليلا. جذبت انتباهها صورة لشخصين يجلسان في مطعم ، فقالت:" ما هذه؟ ولماذا أنت غاضب علي هذا النحو؟" " لست غاضبا." أكد لها ذلك وهو يمرر يده في خصلات شعره ، ثم يلوح بيده علي الأوراق أمامه متابعا: " بل محبطا. أوكل فريق عملي الحملة الاعلانية عن زيت الزيتون الي ما يفترض أنه أفضل وكالات الاعلان في ايطاليا ، الا أنهم لم يصلوا الى أي عمل مميز. ان طفلا يحمل قلما عاديا قادر علي انجاز فكرة خلاقة أكثر من هذه ". التقطت جيسي الصور الللامعة وهي تقول:" لا أعرف شيئا عن الاعلانات والتسويق. ما يفترض بها أن تكون؟" ابتسم باستياء قائلا:" مجرد مجرد السؤال للاستفسار عن الموضوع ، أكبر دليل علي فشلهم. ما تحملينه بيدك هو الاعلان الذي صمموه لينسر في الصحف والمجلات." حدقت جيسي بالصور. انها تمثل رجلا وامرأة يتناولان الطعام في مطعم فاخر جدا. سألته:" ما الذي تريده؟" قال ريكو بصدق: في الواقع لا فكرة لدي. لهذا السبب تم تعيينهم. عادة ما أترك هذا النوع من الأعمال لمجلس الادارة في فرعي في ايطاليا ، لكنني أخطأت بالتورط شخصيا في مشروع زيت الزيتون. المشكلة هي أنني أعرف ما لا أريده ، وحتي الآن لا أريد أي شئ مما عرضوه علي." قطبت جيسي جبينها وهي تحدق بالصورة قائلة:" من المفترض أنهم يحاولون أن يظهروا أن المنتج نادر بسبب وجود الرجل والمرأة في مطعم مميز ، لكن الصورة لا تدل علي أن المنتج من صقلية. أليس كذلك؟ هذان الزوجان قد يكونان في أي مكان ، وهما يأكلان أي شئ. لا شئ يشير الى علاقتهما بزيت الزيتون لولا الزجاجة المرسومة في الزاوية." بوقفت عن الكلام ، وقد أدركت فجأة أنها تتحدث في موضوع غير مألوف لديها على الاطلاق. ضاقت نظرة ريكو ، وقال:" لا تتوقفي! تابعي!" تورد وجهها قليلا ، وهى تقول:" حسنا! أنا لا أعرف شيئا عن الاعلانات ، لكن يفترض بالصورة أن تخبرنا قصة." تلعثمت وهي تتمنى لو أنها بقيت صامتة ، لكنها تابعت بعد قليل: "هذه الصورة تخبرنا أن هذين الزوجين يستمتعان بوقتهما ، لكنها لا تخبرنا أي شئ عن زيت الزيتون." " ماذا كنت لتقولين عن الزيت؟ وماذا ستضيفين الى الصورة؟" رفعت جيسي كتفيها وقالت:" لا أعرف." مدت يدها الى قلم على الطاولة ، وأخذت ورقة بيضاء ، وهي تتابع:" أعتقد أنني سأحاول أن أربط الصورة بأصول الزيت نفسه: الحرارة والرائحة والاحساس بصقلية. هذه الأسباب تجعل الزيت شهيا. انه أمر ملموس بالفعل. أنا أعرف ذلك لأنني كنت أجمع الزيوت بنفسي.ان أردت ان أرسم الصورة ، فسأضع هذين الزوجين في صقلية." بدأت برسم بعض الخطوط علي الورقة ، وهي تتابع:" كل من ينظر الي الصورة عليه أن يعلم أنهما هناك. يجب أن يرتبط الزيت بروائع صقلية." اختفي صوتها تدريجيا ، وشعرت فجأة بالاحراج ، فقالت:" آسفة! لم أرسم من قبل أي اعلان ، ولا أعلم عما أتحدث." " على العكس ، فما تقولينه منطقي جدا." أخذ الرسم من يدها ، وهز رأسه بتقدير ، وهو يتابع:" انه جيج. يمكنك تقديم أفكارك وهم سيتمكنون من استعمالها." اتسعت عينا جيسي غير مصدقة ما تسمعه:" أنت تمزح! قد لا تعجبهم أبدا." " انها تعجبني ، وهذا مالي ومنتوجي الذي يحاولون افساده." وضع الورقة جانبا على الطاولة ، وشدها اليه لتلتصق بجسده القوي. حاولت ألا تشتت أفكارها ، فقالت:" لا أعرف شيئا عن الاعلانات." " لكنك تعرفين الكثير عن الفنون عامة ، ولديك عين تلتقط الأجمل والأدق في كل الأشياء. كما أنك لست مثقلة من العمل في اعلانات متشابهة لا تحصى. أنت دائما تقولين انك تريدين أن تعملي ، وأنا مستعد الآن لتقديم عمل لك. بامكانك الاشراف على الحملة الاعلانية لزيت الزيتون." وضعت جيسي يدها على صدره لتدفعه بعيدا عنها ، محاولة أن تبعد عنها الاحساس بالسعادة الذي يسيطر عليها عندما تكون بقربه. قالت:" لن يصغوا الي ، فأنا لا أملك أي مؤهلات." " أنت بحاجة الى المزيد من الثقة بقدراتك ومواهبك." قال بنبرة آمرة ، ثم ابتعد عنها ليخرج هاتفه ، وتابع:" ما رسمته في دقيقتين بقلم عادي ، يفوق بأشواط أي شئ قدم لي من وكالات الاعلانات الشهيرة ، التي أدفع لها ثروة صغيرة. لكن الأمر يعود لك ، هل تريدين العمل أم لا؟ نعم أم لا؟" أمسك ريكو الهاتف بيده ، ورفع حاجبه متسائلا ، فشعرت فجأة كأن أنفاسها علقت في صدرها. امتزج الخوف بالحماسة ، فقالت:" نعم... لا...!" لمعت عيناه بالمرح ، وعلق:" من المفترض أن تختاري واحدة من الاجابتين فقط ، لكنني سأعمل على اتخاذ القرار عنك ، وأقبل بجوابك الأول." اتصل بالرقم الذي يريده ، وانتظر. بدت عيناه منشغلتين بالتفكير وهو يراقبها. ثم أصدر أوامر الى من يتحدث معه ، كي ينظم اجتماعا للوكالة في الفندق في اليوم التالي. عندما أنهى ريكو الاتصال ، حاولت جيسي أن تبلع بصعوبة الغصة التي تشكلت في حلقها ، فيما راحت معدتها تتراقص من شدة الاضطراب. " ماذا لو قمت بهذا العمل ، وسار على نحو سئ؟" " عندها سأطردك ، فورا!" قال ريكو هذا وهو يعيد الهاتف الى جيبه ، ويتابع:" لكن لا تقلقي ، سأصالحك في غرفة النوم. مازلت تبدين شاحبة." " انه يوم حار جدا. أفكر في الجلوس على الشرفة ، لأقوم ببعض الرسومات في الظل هذا اليوم. بامكاني أن أضع بعض الرسومات للاعلان." ابتسم لها بمكر ، وعلق:" ربما من الأفضل أن تستلقي عزيزتي. فاعلاني يستطيع الانتظار." استيقظت جيسي صباح اليوم التالي وهي تشعر بالارتياح لأن الاحساس بالمرض فارقها ، لكنها مازالت متوترة بسبب لقائها المرتقب مع وكالة الاعلان. حتى الآن ، رسوماتها كانت من أجلها فقط ، ولم يراها أحد غيرها يوما. شعرت بالتوتر بسبب الانطباع الذي قد تعطيه ، لذا قررت أن ترتدي ثيابها بحذر ، وأن ترفع شعرها. تمنت أن تبدو سيدة أعمال تتحلى بصفات حازمة وجادة. عندما دخل ريكو غرفة الحمام ليأخذ ساعة يده ، قال:" تبدين جذابة جدا ، ارتدي ثوبا آخر." نظرت جيسي الى صورتها في المرآة ، ثم نظرة اليه بغضب ، وقالت:" ريكو! البذلة رمادية اللون وهي تتميز بالوقار." "اذا لا علاقة للبذلة بالأمر. أنت جذابة مهما لبست من ثياب. مرر يده علي مؤخر عنقه، وتابع:" ربما كنت أحمق لسماحي لك بتولي مهام هذه الحملة." تساءلت جيسي لماذا لم يزعجها كلامه المتملك. تنهدت قائلة:" لمجرد أنك تراني جذابة ، لا يعني أن الآخرين يرونني كذلك." " لا تصدقي ذلك. الأمر الجيد هو أنني سأكون معك في الاجتماع." " هل أبدو لائقة؟" ابتسم لها وقال:" تبدين أكثر من لائقة. في الواقع أفكر في طردك من العمل قبل أن تبدأي ، وهكذا أتمكن من ابقائك في غرفة النوم." هي تحب فكرة أنه يجدها جذابة وانه لا يستطيع ابعاد عينيه ويديه عنها. وهي لا تريد المزيد منه ، قالت ذلك لنفسها بحزم وهي تنهي وضع مساحيق التجميل على وجهها ، وتحمل الرسومات التي عملت عليها مساء البارحة. شعرت باضطراب في معدتها ما ان دفعها ريكو برفق الى داخل غرفة الاجتماعات. بدا لها أن هناك عددا كبيرا من الأشخاص يجلسون الى طاولة بيضاوية كبيرة الحجم. توقف الحديث على الفور ما ان جلست على المقعد الفارغ وهي تشعر بثقة في النفس لم تعهدها في ذاتها من قبل. فكرت أن ما يحدث سخيف. لماذا سيصغون الى ما ستقوله؟ لكن ما ان أخرجت الرسومات التي نفذتها ، وحددت الأفكار التي تعبر عنها تلك الصور ، حتى ساد الصمت في الغرفة. أخيرا عندما انتهت من الكلام ، امتلأت الغرفة بالحماس الذي غمر كل شخص حول الطاولة. " انه عمل رائع ، مثير للذكريات والعواطف ، مع ذلك هو مترف ومتحضر. أنت تريدين التعامل بود وانسجام مع منتج نفيس." نظر المدير المسؤول عن الوكالة الى الصور بدقة ، ثم تابع فيما ظهر الاعجاب في عينيه:" هذه فكرة رائعة. هذه الرسومات لا يمكن مقارنتها بما فعلناه سابقا. مع من تعملين؟" قال ريكو على الفور ، وتعابير وجهه باردة وقاسية:" معي. أريد من فريق عملك تنفيذ هذه الفكرة ، لوكا. هل يمكنك القيام بذلك؟" هز الرجل رأسه وقال:" بالطبع! سنعمل على المشروع. سترى رسومات جديدة في نهاية الأسبوع. سأرسل فريقا الى صقلية ليجد مكانا مناسبا للتصوير ، مطعما على الشاطئ أو شيئا من هذا القبيل." اقترحت جيسي:" لم لا تصورون في الفيلا؟" ثم تابعت بسرعة ، ما ان رفع ريكو حاجبه متسائلا:" أنت تريد أن تبرهم أنه انتاج نادر ، وما من مكان أكثر جمالا من فيلا خاصة مع بركة رائعة. على الاعلان أن يعكس أجواء صقلية والأماكن الأكثر جمالا فيها ". علق ريكو بضيق:" لست مرتاحا لعرض ممتلكاتي على شاشات التليفزيون العالمية ". قال لوكا على الفور:" حسنا! سنجد مكانا آخر. المبدأ هو المهم ، الرفاهية والتميز. اترك الأمر لنا ". ما ان غادر الفريق الغرفة ، حتى وضع ريكو ذراعة حول خصرها ، وسار برفقتها نحو المصعد وهو يقول:" حسنا! يبدو أنك حصلت على عمل. أنت رائعة! يجب أن تطلبي نسبة من الأرباح على خدماتك ". ما ان أغلق باب المصعد ، حتى وضعت ذراعيها حول عنقه. ابتسمت له وعلقت:" شعرت بالمرح من جراء ذلك ، وأحببت العمل حقا. سأقوم به من دون مقابل." قال ما ان فتح باب المصعد على جناحيهما:" سنعود الى فلورنسا ، وعندها يمكنك استعمال المحترف الذي خصصته لك لانهاء رسوماتك. الا اذا كنت تفضلين العودة الى صقلية ". سارت نحو النافذة ، وحدقت الى البحر قبل أن تقول:" اذا ما رغبت في العودة الى هناك، سأذهب معك ". " هذا أمر جيد ، فلا رغبة لدي في تركك هنا. حيث أذهب. تذهبين. لاسيما أنك الآن مسؤولة عن الترويج لتجارة زيت الزيتون في شركتي." عادا الى فلورنسا ، وعملت جيسي ليلا ونهارا ولعدة أسابيع ، بينما كانت وكالة الاعلان تحقق أفكارها في الحملة الاعلانية. أحبت العمل كثيرا ، فكانت تمضي النهار على الهاتف ، تتحدث أحيانا مع لوكا ، وأحيانا أخرى مع فريق العمل أو المخرج. معا عملوا على تحسين تلك الرسومات التي أعطتهم اياها ، وحولوا أفكارها الرئيسية الى حملة اعلانية ضخمة. الازعاج الوحيد في كل ما حدث هو أنها وجدت الحملة متعبة بشكل لا يحتمل. شعرت بالاحباط من احساسها بالضعف وعدم الحيوية ، في حين بقى ريكو مليئا بالطاقة والنشاط. لم تتذمر جيسي على الاطلاق ، الا أنها بدأت تأخذ قيلولة بعد ظهر كل يوم لكي تحصل على الطاقة اللازمة لتتمكن من مرافقة ريكو في المناسبات الاجتماعية في المساء. أقلقها الأمر لأنها لم تفهم ما الذي يحصل لها. أخيرا أصبحت حياتها على النحو الذي تريده وتحلم به ، فما المشكلة اذا؟ مرت الأسابيع ، وأخيرا انتهى العمل بالتصوير بنجاح ، وانتهى دورها في تلك الحملة. الآن جاء دور فريق العمل لدى ريكو لينهي تفاصيل التوزيع والتسويق. سافر ريكو الى نيويورك. ومع انه دعاها للذهاب معه ، لكنها رفضت ، فهي متعبه جدا لتتحمل ساعات الطيران الطويلة تلك من أجل فترة قصيرة جدا. قالت لنفسها أنه سيعود بعد يومين ، وفي أثناء ذلك الوقت بامكانها أن ترتاح وتنام. تعبها المتزايد أقلقها ، لذا طلبت موعدا من طبيب محلي ، مصممة على معرفة سبب هذا التعب. عمل الطبيب على فحصها جيدا ، وأخذ بعض عينات من دمها ، ثم طلب منها العودة الى الغرفة ليعطيها النتائج. " أقلت انك كنت تعملين لساعات طوال؟" " أجل. أهذا هو سبب التعب الذي أشعر به." " لا!" أمسك الرجل بنظارتيه ، وابتسم لها متابعا:" أنت متعبة لأنك حامل ، سينيورا ". " هذا مستحيل!" حدقت جيسي به للحظة ، وتابعت:" لا يمكن أن يحدث ذلك ". " حسنا! أجل ، لكن...". توقفت جيسي عن الكلام. انها وريكو يستعملان أساليب وقاية من الحمل ، لكن كان هناك علاقة غرامية بينهما بدون أي وقاية في بداية زواجهما. تمتمت قائلة: " لم تنقطع العادة الشهرية ". رفع الطبيب كتفيه متعاطفا ، وقال:" عندما ترهق المرأة نفسها بالعمل ، من المحتمل أن يحدث نزيف. نتائج الفحص أمامي تظهر أنك حامل. سأرسلك الى صديق لي عيادته في الشارع المقابل. انه طبيب نسائي ناجح جدا ، سيجري لك فحصا دقيقا بعد ظهر هذا اليوم ". انها حامل! عضت جيسي على شفتيها وحاولت أن تركز على ما يقوله. حامل! انتظرت أن تشعر بخيبة الأمل. لكنها بدلا من ذلك شعرت بدفء يتوهج في أعماقها. سيطر عليها احساس من السعادة والرضى لا تستطيع وصفه. طفلها... طفل ريكو... طفلهما! ليس هذا ما خططت له ، لكن الآن ، وبعد أن حدث ذلك ، فهي سعيدة بشكل لا يصدق. فجأة راحت تبتسم ، وتبتسم...أخيرا ستصبح لديها عائلة خاصة بها ، وستكون عائلة مليئة بالحنان والحب. لن تسمح بأن يعيش أطفالها حياة كتلك التي عاشتها في طفةلتها الوحيدة الحزينة. تخيلت سعادة ريكو عندما تخبره ، فهي تعلم كم يرغب في انجاب ابن. بعد مرور ساعة كانت تستلقي على سرير ، تحدق في الغرفة المليئة بأكثر المعدات تطورا من الناحية التكنولوجية. راقبت الطبيب يدرس الأشكال الظاهرة أمامه على الشاشة. سيشعر ريكو بسعادة لا توصف. أليس هذا ما أراده منذ البداية؟ لاشك أنها أصبحت حاملا منذ الأيام الأولى لزواجهما. لم تتفاجأ عندما أعلمها الطبيب أنها حامل منذ أربعة أشهر. هذا يفسر التعب والمرض اللذين شعرت بهما عندما كانا يمكثان في بومبي. كتب الطبيب بعض الملاحظات على ملفها ، وقال:" ألم ترغبي بالحمل في هذه الفترة؟" " لا ، لكن لا أهمية للأمر الآن." أكدت له بسرعة ، وهي تجلس ةترتب ثيابها:" ريكو يرغب بشدة في أن يصبح لديه ولدا ". " حسنا! عليه أن ينتظر قليلا ليحقق ذلك الطموح." قال الطبيب ذلك وهو يبتسم لها بلطف ، ويقدم لها صورة متابعا:" يبدو بوضوح في هذه الصورة أنك تحملين بفتاة صغيرة. تهانئ!" " فتاة؟!" جلست جيسي تحدق للحظة بالصورة السوداء والبيضاء في يدها. وتابعت:" هل أنت متأكد من ذلك؟" " أجل." قطب جبينه ، وسألها:" هل هذه مشكلة؟" " لا!" قالت جيسي ذلك بسرعة. مدركة أن الطبيب يحدق بها بتعجب. انزلقت عن السرير وانتعلت حذاءها ، وهي تتابع:" لا! ليست هناك أي مشكلة ". ليس بالنسبة لها ، لكن بالنسبة الى ريكو... ما ان غادرت العيادة ، وعادت سيرا على القدمين الى المنزل ، حتى تبخر الحماس والفرح اللذين كانت تشعر بهما ، وامتلأ ذهنها بأفكار مظلمة مقلقة. قالت لنفسها بحزم ان ريكو لن يمانع ، لكن صوتا محذرا ظل يرتفع أكثر فأكثر داخلها مهما حاولت أن تتجاهله. لطالما تحدث ريكو عن انشاء عائلة كبيرة ، قائلا انه يرغب بانجاب عدد من الأبناء ، لكن طوال فترة زواجهما لم يذكر مرة أنه يريد فتاة. لقد فعلت تماما ما فعلته أمها مع أبيها ، أنجبت ابنة في حين أنه كان متشوقا لانجاب صبي. شعرت جيسي بدوار ، فوقفت هادئة للحظة ، منتظرة أن يهدأ الدوار في رأسها قبل أن تستأنف السير الى البالازو. فكرت بيأس ، لن ينجح زواجهما أبدا. كبرت جيسي مع والد اشتاق دوما لأن يكون لديه ابن. لديها تجربة كاملة مع الاحساس بكونها غير مرغوب فيها. كيف يمكنها أن تقدم على هذه المخاطرة مع ريكو؟ لن تسمح أبدا بحدوث ذلك مع طفلتها ، وهذا يعني أنه لم يبق أمامها الا خيار واحد. ********* الفصل التاسع أنت.. من أريد لا شك أن أمرا سيئا حدث أثناء غيابه. تأكد ريكو من ساعة يده للمرة الخامسة عشرة، وهو يتحرك بفقدان صبر في السيارة، أثناءعودته من المطار. حاول جاهدا أن يسطر على إحساسه المتنامي بالإحباط. حصلت مشكلة مفاجئة في أحدى شركاته، ما أجبره على البقاء ليوم إضافي في نيويورك، بدلا من العودة إلى فلورنسا كما خطط. عندما تحدث إلى جيسي عبر الهاتف ليلة البارحة شعر أنها ليست متحمسة وفرحة كعادتها. بدا له أن شيئا ما يشغل بالها. قطب جبينه قليلا وهو يعترف بالقلق المتنامي في أعماقه منذ ذلك الإتصال الهاتفي. تذكر أنها بدت متعبة بشكل دائم في الفترة الأخيرةYellow Rose منتدى ملاذنا وفجأة شعر بأصابع باردة من الرعب تتملكه.أهناك خطب ما بصحتها؟ أهناك شيء ما لم تفكر بإخباره به؟ هي مريضة؟لا! بالطبع لا، فهي لم تفقد أي وزن. وإن أراد قول الحقيقة فجسدها إزداد جمالا. ربما يعود السبب إلى تلك الأمسيات التي كانا يمضيانها في المطاعم. جيسي فتاة قوية، تتمتع بصحة جيدة، وتعبها مرده بدون شك إلى حياتهما الصاخبة معا. هذا يعني أن المشكلة تقع في مكان مختلف تماما عما يفكر به. فكر في الوقائع بين يديه، وأخذ يعدد الخيارات لتلك المشكلة. أخيرا وصل ريكو إلى تفسير محتمل. أيمكن أن جيسي مغرمة به، وهي تخشى أن تخبره بذلك؟ مرر إصبعه داخل ياقة قميصه، منتظرا أجراس الإنذار لتقرع كالعادة. من بين الجمل التي لطالما وضعت حدا لعلاقاته الغرامية، فإن جملة "أنا أحبك" هي الأكثر فعالية.Yellow Rose منتدى ملاذنا لكن أن تقول جيسي له تلك الكلمت سيجعله يشعر بحنان خاص بدلا من رعبه المعتاد. حسنا! لم لا؟ لا مانع إن أغرمت به، فهي زوجته، ومن المفترض أن تحبه. الليلة سيشجعها لتكون صادقة مع مشاعرها. تمنى فجأة لو أنه لم يمكث تلك الليلة الإضافية في نيويورك. كان عليه العودة إلى المنزل، ليصل معهاإلى لب المشكلة. إعترف بحاجة إلى رؤيتها من جديد. وأجبر نفسه على مواجهة الحقيقة المقلقة: إنها المرة الأولى في حياته التي يفتقد فيها إمرأة. إنه مشتاق لجيسي! حسنا! لماذا يفاجأة ذلك، هما يمضيان الكثير من الوقت معا في الفترة الأخيرة، وهي رقيقة مسلية. لديها صفات رائعة كما أنها ليست مفسدة من شدة الدلال والإطراء. Yellow Rose منتدى ملاذنا هذا يميزها عن أولئك النساء اللواتي عرفهن في الماضي. كما أن تفانيها في العمل من أجل حملة إعلان زيت الزيتون أسعده. إتضح له منذ اللحظة الأولى التي أنها لا ترضى بأقل من الكمال. وهي تملك المهارات التي يطلبها في أي موظف يعمل في مؤسسته. الفرق الوحيد هو أنها ليست موضفه لديه، زوجته! ما من موظفة أثرت في ضغط دمه كما تفعل زوجته. لم يحدث معه أبدا من قبل أن يقطع ساعات عمله من أجل إقامة علاقة غرامية حارة. لكنه فعل ذلك مع جيسي، وفي أكثر من مناسبة.في الوقت الذي دخل فيه إلى البلازو بعد عدة ساعات، كان ريكو قد خطط مسبقا لكيفية قضاء أمسيته، لذا تفاجأ عندما راى جيسي تقف على الشرفة. بدت متوترة بشكل لا يمكن توقعه أو وصفه. قطب جبينه، وهو ينزع سترته، وهو يحل ربطة عنقه. تساءل لماذا تراها تشعر بالتوتر؟ هل إعترافها بأنها تحبه أمر بهذه الصعوبه؟ وقفت جيسي على الشرفه تراقب تقدمه نحوها. إنه يبدو رائعا! شعرت بحزن وهي تنظر إلى بذلته الإيطالية شعره الأسود الذي يغطي رأسه المليئ بالكبرياء والتفاخر. بدا أشبه بمحارب حقق إنتصارات في ساحة المعركة. تساءلت، هل ساورت ريكو يوما شكوك من أي نوع.Yellow Rose منتدى ملاذنا هل شعر بعدم الثقة بشأن أي أمر؟ اغمضت عينيها، وتنفست بعمق واضعه يديها وراء ظهرها لتخفي إرتجافهما. قالت لنفسها بحزم، أنها تقوم بالعمل الناسب والوحيد أمامها. سيكون الأمر أسهل بكثيرلوأنها لا تحبه. توقف ريكو عند الباب. للحظة إعتقدت أنها رأت ملامحه البارده التي تحمل السأم في معظم الأحيان، لكنها هذه المرة بدت أكثر رقة، وظهر شيء من اللطف فيها. قالت لنفسها بحزم إنه تفكير مليئ بالتمني. سار عبر الشرفة ليضمها إليه، ويعانقها بشدة. فكرت جيسي أنه أمضى ثلاثة ايام بعيدا عنها، لذا من الطبيعي أن يرحب باي إمرأة الآن، فلا شيء شخصي نحوه. فقاومت الرغبة في أن ترمي بنفسها على صدره، وتتركه يقوم بالباقي. بدلا من ذلك تراجعت خطوة إلى الوراء، ولوحت بيدها إلى الطاولة القريبة منهما: "هل تريد أن تأكل الآن؟".Yellow Rose منتدى ملاذنا أدرك ريكو على الفور محاولتها المتعمدة لتضع مسافة بينهما. نظر إليها من خلال أجفانه شبه المطبقة، ثم رفع يده ونزع ربطة عنقه. نقل نظره إلى الطاولة، وسألها:"هل أنت جائعة؟". بدا من بوضوح أنه متفاجئ أنها لم تتعلق به وتعانقه بلهفة. حسنا! من الصعب عليها أن تلومه. أليس هذا ما توقعه؟ في الواقع تناول الطعام الآن ليس أمر مستحيل بالنسبة لها، قتلت بسرعة:"لا! لست جائعة، لكنني فكرت أنك قد تكون كذلك، فأنت قادم من رحلة بعيدة جدا".Yellow Rose منتدى ملاذنا حدق ريكو بوجهها ونظرة عينيه ثاقبة بشكل مقلق، ثم قال:"أستطيع أن أرى أن هناك ما يزعجك. لم لا تتوقفين عن الضغط على يديك وعض شفتيك، وتخبريني ما الأمر؟ فأنا لم أكن يوما محبا للأجواء الضاغطه".إنه دائما يفاجئها. فكرت بحزن ويأس أنه يظهر مقدره على رؤية الأمور بعمق. _أنا.. تهدج صوتها، فتوقفت عن الكلام، ثم حاولت مجددا:"أنا بحاجة إلى التكلم معك". بإمكانها أن تقول ما تريده بصورة مباشرة، لم لا؟ ما الغاية من الإنتظار" إبتسم لها إبتسامته الواثقة، ثم تابع:"فقط قولي ما يجول بخاطرك، ولا تخفي أي شيء"؟ أكد لها وهو يتقدم نحوها ويمسك بيديها:"أنا أؤمن بالكلام الصريح. فمهما كان ما ستخبريني به، لا بأس لدي. فأنا أصغي إليك". شعرت جيسي بعدتها تثور وتغلي، مع ذلك قالت:"أريد الطلاق!". ساد صمت ثقيل بينهما، ثم ترك ريكو يديها، وتحولن النظرة المشجعة في عينيه إلى عدم التصديق. _هل هذا الكلام نوع من نوع المزاح _لا! أنا لا أمزح. هذا الزواج لا يناسبني. ريكو! أنا حقا أريد الطلاق.Yellow Rose منتدى ملاذنا تراجعت خطوة إلى الوراء، و رفع يديه أمامه بحركة تنم عن عدم التصديق، ثم قل: "نحن منسجمان إلى درجة أننا نقيم علاقات غرامية عدة في اليوم، وفي الأوقات المتبقية نبقى معا أيضا. أي جزء من زواحنا لا يناسبك؟ _لا علاقة للعلاقات الغرامية بالأمر، ركو. الزواج هو أكثر من ذلك. ضاقت نظرته، وهو يقول: "وزواجنا أكثر من ذلك بلا شك، وأن تعرفين ذلك". أنها تعرف بالطبع، لكن تلك المعرفة لن تبدل قرارها. تعلم جيسي أنها تقوم بالأمر المناسب، لكن إخباره بذلك يثبت لها أن المسألة أكثر صعوبة مما توقعت. شعرت بالرضى لأنها أخذت الوقت الكافي لتفكر بإجابتها. قالت:"الأمر لا يتعلق بك ريكو. إنه يتعلق بي وحدي.Yellow Rose منتدى ملاذنا يتعلق بالمرأةالتي أصبحتها. أنا لا أريد أن أبقى متزوجة بعد الآن". بدا وجهه الوسيم وكأنه صنع من الحجارة، وهو يقول:"الزواج ليس بالأمر الذي يمكنك الدخول والخروج منه بهذه بسهولة". _أعلم ذلك. لهذا السبب أنا أريد الإنفصال. أريد الطلاق، وأريده نهائيا. وجدت جيسي صعوبة بالغة في النظر إليه. ساد بينهما صمت مليئ بالتوتر والقلق. بعدئذ قطع ريكو المسافة الطويلة على الشرفة، ووقف قرب الحافة مديرا ظهره لها. سألها: _لماذا؟ من الأسهل أن تقول الكلمات التي رددتها مئات المرات في رأسها نهار البارحة، وهو لا ينظر إليها. _لأول مرة في حياتي أتمكن من القيام بأمر رغبت دوما بالقيام بها، وأنا أحب ذلك، لذا لأريد حريتي. كادت جيسي تختنق وهي تتلفظ بهذه الكلمات. أخيرا عندما إستدار لمواجهتها بدت عيناه باردتين بشدة، لدرجة أنا إرتجفت من الإضطراب. شعرت كأن كل ما تشاركا به إنزلق مبتعدا عنهما، وعلى الفور سيطر عليها إحساس محبط بالخسارة والوحدة. والدفء والحنان بينهما تحولا إلى برودة وعدم تقبل، وكأن موجة من الصقيع هبطت عليها في منتصف فصل الصيف. فات الأوان بالنسبة إليهما! لا يهم ما ستقوله الآن على التعويض عن الخسارة والضرر اللذين أحدثهما.عليها أن تتابع. قالت كأنها تهمس، وهذا أفضل ما قدرت عليه:"هل يفاجئك الأمر؟ إكتشفت الحياة لتوي ريكو، وهناك الكثير من الأمور التي أريد أن أقوم بها، وأنا لا أستطيع القيام بها ما دام متزوجة". إنتظرته كي يتكلم.. كي يصرخ.. كي يفعل أي شيء أو يقول أي كلام، لكنه بقي صامتا بشكل مطلق، أما وجهه الوسيم فتغلف بقناع من ملامح هادئة لا تعبير فيها.Yellow Rose منتدى ملاذنا شعرت جيسي فجأة أنها لنم تعود قادرة على التنفس. أكدت لنفسها برعب أنها لا تسبب له أي ألم، فهو لا يحبها. كيف يمكن لكلماتها أن تسبب له الأذى، إلا إذا أصابت كبرياءه وتفاخره بنفسه. _سأسافر إلى صقلية صباح الغد لأمضي بعض الوقت هناك مع أمي. سأطلب من المحامي الإتصال بك. وقف ريكو للحظة من دون أن يتحرك، ثم تنفس بعمق، وسار مبتعدا عنها من دون أن يتلفظ بكلمة. *** وقف ريكو في مكتبه، فيما غمرته عواطف غير مؤلوفة لديه على الإطلاق. حاولا أن يفهم ما يحدث، لكن وللمرة الأولى في حياته، يبدو أن موهبتهفي حل المشاكل قد خانته. من بين كل الأشياء التي توقع أن تقول جيسي، "أريد الطلاق" لم تكن أبدا واردة. تصريحها غير المتوقع تركه جامدا كالتمثال وغير قادر على التفوه بأي كلمة. أهي حقا تريد الطلاق؟! أليس هذا أول ما تفوهت به منذ أربعة أشهر ونصف عندما قابلها في المطار، وعلى الفور أقدم هو على إنكار ذلك؟ ما الذي تغير؟ لماذا لم يتمكن من التفوه بالإنكار نفسه هذا المساء، عندما نظرت إليه؟ تساءل بسخرية، في أي وقت أصبحت سعادتها أكثر أهمية لديه من سعادته؟ ماذا يعني بالتحديد أنك مستعد لتسمح لشخص ما أن يفعل الأمر الذي يسبب لك الألم؟ لطالما تفاخر ريكو بثقة بقدرته على فهم النساء، لكنه فجأة يرى نفسه تائها. شتم من جديد، وحاول أن يفهم ما حدث. قالت أنها لا تشعر بالرضى والإكتفاء، لكن أيعقل أن يكون هذا هو الوضع بالتحديد؟ قبل مغادرته إلى نيويورك بدت سعيدة جدا. ليس لديه أي شك في ذلك. Yellow Rose منتدى ملاذنا لم تسمعه أي حديث عن حاجتها إلى المزيد من الحرية. لم تتحدث عن الرحيل، ولم تذكر مرة الطلاق بالتأكيد. قطب جبينه وسار ليتمدد على أقرب كرسي، مادا ساقيه أمامه، مركزا على التفكير والتدقيق بالوقائع المعروضه لديه. الوقائع تشير إلى أمرا ما حدث أثناء غيابه. لكن ما هو ذلك الأمر؟ ماذا يمكن أن يحدث ويجعلها تنقلب رأسا على عقب؟ ضغط على أسنانه بشدة، ثم وقف وأمسك بهاتفه. لا فكرة لديه مطلقا عما يجري، لكنه سيكتشف الأمر.Yellow Rose منتدى ملاذنا الفصل العاشر الحب يشفي الجراح عندما دخل ريكو إلى غرفة النوم، وجد جيسي جالسة على السرير. بدت حزينة وهي تفكر بمستقبلها. الشمس أشرقت منذ زمن بعيد، لكن بدا من قميصه المتجعد والظلال السوداء على وجنتيه أنه لم يذهب إلى السرير. شعرت جيسي بشيء ما يتحرك في أعماقها. قاومت بشدة لتسيطر على الحب الكبير الذي تشعر به نحوه. حتى بعد ليلة بدون نوم، يبدو ريكو وسيماً بشكل لا يقاوم. كتفاه عريضتان وقويتان، وهيئته تضج بالأناقة والوسامة، من دون أن يبذل أي مجهود لذلك. إنه من نوع الرجال الذين يجعلون النساء يقدمون على القيام بأمور غبية. لكنها ليست من أولئك النساء! ذكرت جيسي نفسها بذلك بسرعة. هذه المرة ستقوم بالعمل من أجل طفلتها، إن لم يكن من أجلها. تمتمت: " كنت على وشك الدء بحزم حقيبتي ". سار ريكو حتى وقف أمامها مباشرة. علق بنبرة باردة: " لا تزعجي نفسك بذلك، لأنك لن تذهبي إلى أي مكان ". أغمضت جيسي عينيها. هذه الإجابة توقعتها ليلة البارحة، لكنه بقى صامتاً، فلماذا الآن؟ هل أراد الحصول على وقت كافي ليفكر بطلبها؟ " ريكو! ". اقترب منها أكثر، وركز نظراته على وجهها، وهو يقاطعها قائلاً: " أخبريني سورو! إلى متى ترغبين بإخفاء حقيقة حملك عني؟ ". جمدت جيسي مكانها، وقالت: " أنا... ". " هل فقدت القدرة على الكلام جيسي؟ ". بدا الحزن واضحاً على وجهه، وهو يتابع: " أتجدين من الصعب عليك أم تخبريني بأنني سأصبح والداً؟ ". " كيف اكتشفت الأمر؟ ". " هذا ليس بالأمر الهام، المهم هو أن الشخص الذي كان يجب أن أسمع منه الخبر هو أنت، فأنت تعلمين كم أرغب في الحصول على ولد ". تابع بنبرة تضج بالألم: " مع ذلك ومع معرفتك بالأمر أنت مستعدة للرحيل دون أن تخبريني. كما انك تطلبين الطلاق. أخبريني فرانسيسكا! هل فكرة الأمومة كريهة جداً بالنسبة لك، لدرجة تدفعك إلى إبقاء أمر حملك سراً؟ ما الذي كنت تخططين للقيام به؟ الإجهاض؟ ". اتسعت عيناها من الرعب، وارتجفت من الفكرة وهي تقول: " لا! كيف يمكنك أن تفكر بذلك؟ فأنت تعرفني جيداً؟ ". قال ريكو بقسوة: " يبدو أنني لا أعرفك أبداً، فأنت تطلبين الطلاقمن دون أن تخبريني أنك تنتظرين إنجاب طفلنا. كيف لا أصدق أنك قادرة على إجهاض حملك؟ ". وضعت جيسي يدها فوق بطنها، كأنها تحاول أن تحمي طفلتها، وقالت: " لأنني لا يمكن أن أفعل ذلك ". بدت نظرته باردة تماماً كصوته وهو يقول: " لماذا؟ ما الذي يمنعك من القيام بذلك؟ أمضيت الأشهر الأربعة الماضية وأنت تقولين لي كم ترغبين بحريتك، وكم تستمتعين بحياتك الجديدة. حسناً! لابد أن هذا الأمر أفسد مرحك ". أدارت جيسي رأسها، وهي تتمنى لو أنها غادرت ليلة البارحة. قالت: ط ليس الأمر كذلك. أنت لا تفهم ما يجري، لذا عليك أن تدعني أرحل ". قال بنبرة قاسيةكالفولاذ: " لنوضح أمراً هاماً منذ البداية... لن تذهبي إلى أي مكان. حتى اللحظة التي اكتشفت فيها أنك حامل، كنت راضية بالموافقة على الطلاق، لكن هذا أصبح من الماضي. لن يكون هناك أي طلاق بيننا. مع أنني مستعد لتقديم بعض التنازلات نظراً لأنك لست سعيدة أبداً بهذا الوضع. كما أنني مستعد لاستخدام فريق عمل كامل لتحظي بما تشائين من أوقات للراحة والترفيه ". فريق عمل؟ لم تفهم ماذا يعني. قطبت جبينها محاولة أن تفهم ما يقول، ثم انجلت الفكرة أمامها، فقالت: " فريق عمل... أتقصد مربية؟ لا! لا أريد ذلك ريكو. أريد أن أعتني بالمولود بنفسي؟ ". قال وهو يمرر أصابعه في شعره، كأنه يظهر مدى إحباطه وعدم استيعابه لما يسمعه: " أنت تتفوهين بكلام لا أثر للمنطق فيه. من جهة أنت تريدين الطلاق. والآن تخبرينني أنك تريدين الاهتمام بالمولود بنفسك ". حدقت جيسي بالأرض، وقالت: " أنت على حق بقولك إنني لم أكن أريد طفلاً منذ البداية. هذا صحيح! لكنعندما علمت أنني حامل شعرت بالابتهاج من شدة الفرح ". " الابتهاج؟! ". تردد وهو يكرر الكلمة، ثم زفر، وقال: " ما دمت قد شعرت بالابتهاج، فلماذا إذا طلبت مني الطلاق؟ ولماذا ترغبين بالرحيل؟ ". حاولت جيسي جاهدة أن تجيب بصوت هادئ: " لأن هذا هو العمل الصحيح الذي علي القيام به ". مع أنها لا تفهم كيف أن القيام بالعمل الصحيح يجعلها تشعر بمثل هذا السوء والحزن، فهي ممزقة بين حبها لريكو وحبها لطفلتها التي لم تولد بعد. قال ريكو بنبرة قاسية، وعيناه تلمعان من شدة الغضب والتوتر: " كيف يمكن لرحيلك أن يكون عملاً صحيحاً؟ كيف يمكن لك أن تفكري حتى بالرحيل وأنت تحملين في أحشائك ابني؟ ". " لأنني لا أحمل ابنك في أحشائي، ريكو! ". ابتلعت جيسي غصة كادت تخنقها، وأجبرت نفسها على النظر إلى عينيه، وهي تتابع: " أنا أحمل ابنتك ". سقطت الكلمات في الصمت المتوتر، فحدق ريكو بها لفترة. بقى صامتا من دون أن يتفوه بأي كلمة، ثم رأت عينيه تمتلأن بأنواع مختلفة من العواطف التي لم تستطع فهمها أو تفسيرها. " ابنتي؟! ". " أجل! ابنتك ". استدارت جيسي كي لا يظهر على وجهها الإحساس الكبير بخيبة الأمل. لم تستطع إلا أن تبتسمبرغم الدموع التي ظهرت في عينيها، وهي تقول: " والآن أصبحت تفهم لماذا أريد الرحيل ". " أنا لا أفهم شيئاً ". أمسك بذراعها، وأدارها كي تواجهه. حدق بها بقوة وعيناه تلتهبان من حدة مشاعره: " لماذا تُغير حقيقة انك ستنجبين طفلة أي شيء على افطلاق في وضعنا هذا؟ ". " هل أنت حقاً بحاجة لأن تسأل؟ ". كادت تختنق وهي تتلفظ بتلك الكلمات. فنظر ريكو إلى وجهها ملياً. كأنه يحاول ان يجد إجابة عن سؤاله. " هل لوالدك علاقة بذلك؟ ". " لا! لا علاقة له بذلك ". أبعدت ذراعها عن قبضته، وتابعت: " الأمر يتعلق بنا، ريكو. يتعلق بكـ وبما تريده، وما تحتاج إليه ". " يبدو بوضوح أنك لا تعرفين شيئاً معا أريده وما أحتاج إليه ". " أنت رجل صقلي تقليدي، لذ1ا تريد ابناً. أخبرتني بذلك طوال الأشهر الأربعة الماضية ". صرف تفكيره عما قالته بتلويح من يده السمراء بغضب واضح: " بالطبع! لكن هذا لا يعني أنني لست سعيداً لأنني ساصبح أباً لابنة ". " أنت تتحدث دائماً عن الابن، ولم تذكر مرة واحدة كلمة ابنة ". " إنه مجرد تعبير بالكلام ". تنفس ريكو كأنه يحاول جاهداً السيطرة على غضبه، وهو يتابع: " هل اعتقدت حقاً أنني قد أرفض المولود لأنه فتاة؟ ". " لم تعطني أي سبب لأفكر بطريقة مختلفة ". شعر بالغضب يغلي في عروقه: " أمضيت الأشهر الأربعة الأخيرة وأنا أحاول أنأثبت لك أنني لا أشبه والدك مطلقاً. وأنت تعلمين كم أن العائلة هامة لي. أوضحت ذلك لك بشكل دائم ". قالت بهدوء: " لكنني لم أعرف السبب. أنت لن تخبرني يوماً بأي أمر عن نفسك. أنا أتحدث طوال الوقت، أما أنت فلا تفعل. لا أعرف شيئاً عن ماضيك أو من أين أنت. ولا أعرف لماذا تملك هذا الرغبة في إنشاء عائلة. أنا لا أعرف أي شيء عن عائلتك ". قال ريكو بنبرة خالية من أي عاطفة: " هذا لأن لا عائلة لدي ". ثم أدار رأسه، وتابع كأنه يهمس: " ليس هناك ما اخبرك به ". " كيف يمكن ألا تكون لديك عائلة؟ أتعني انك لست على اتصال بهم؟ ". " لا! ليس هذا ما أعنيه ". رفع يده وحف جبهته بأصابعه، كأنه يرغب في تسكين ألم لا يفارقه ثم قال: " هذا موضوع لا أبحث به، فهو غير مهم أبداً في حياتي ". أسقط يده إلى جنبه، ثم سار نحو النافذة، مديراً ظهره لها. نزلت جيسي عن السرير، وتبعته محدقة بكتفيه المتوترتين. قالت: " لا تبتعد عني، ريكو! لا تتخل عن الحوار ". استدار ثم قال: " أتريدين أن تسمعي أموراً عن عائلتي؟ حسناً!سأخبرك. لكنها ليست قصة سعيدة، لذا أتمنى ألا تكوني بمزاج حساس. والدي أطلق النار على أمي. كانت في الخامسة والعشرين من عمرها، وكانت على علاقة مع أحدهم. غضب كثيراً من نفسه لأنه قتل حب حياته، فأدار المسدس إلى رأسه، وقتل نفسه. كنت في الثانية من عمري في ذلك الوقت ". للحظة اصيبت جيسي بالذهول، ولم تستطع أن تتحرك. أخيراً قالت: " ريكو! ". قال يحذرها: " لست بحاجة إلى تعاطفك. أنا مستعد لإعطائك الوقائع لأنك كما يبدو تعتقدين أن معرفتك بماضي أمر ضروري لاستمرار زواجنا، لكن لا رغبة لدي في تحليل عواطفي ". " لكنك كنت صغيراً جداً ". مجرد التفكير بذلك جعل قلبها يلتوي في صدرها. قال ريكو بوضوح: " مازلت حياً. أليس هناك ما يحدث جيسي؟ أنت من بين كل الناس تفهمين ذلك، لأن حياتك لم تكن نزهة حتى الآن. حتى أنني بدأت أتفهم لماذا هربت يوم زفافنا، فالناس يستمرون في الحياة رغم الأزمات، وهم يفعلون ما يجب القيام به، ويعيدون بناء حياتهم بأفضل طريقة ممكنة ". " لكنك كنت في الثانية من عمرك، أخبرني ما حدث معك؟ ". بدت ملامح وجهه قاسية وباردة، وهو يقول: " أأنت مصرة على سماع التفاصيل؟ حسناً! حصلت مجزرة حقيقية. هذا ما حدث. ذهبت إلى الأقارب ثم إلى الأصدقاء، لكن لم يكن أحد منهم يريدني لأنني كنت بالنسبة لهم تذكيراً دائماً بأخطاء أبي ". ضحك ضحكة تخلو من أي مرح، وهو يتابع: " كما أنني كنت ذا طبع شرس، وأعتقد أنهم كانوا يخافون مني ". تفاجأت مما سمعته، وقالت: " لكنك دائماً في سيطرة كاملة على طباعك ". " هذا صحيح! تعلمت أمرين من أبي. الأول هو أن السماح للعواطف بالسيطرة على تصرفاتك هو عمل سيء، والثاني هو عندما يقع المرء بالغرام فهذا يعني أنه سيقدم على تصرف متهور ". ابتسم باستياء، وحدق بها للحظات طويلة، ما جعل معدتها تضطرب من شدة التوتر. " ألهذا كان لديك العديد من العلاقات القصيرة الأمد، مع فتيات لا يصلن إلى مستوى ذكائك، أو يثرن اهتمامك بأكثر من مجرد انجذاب عابرن وتزوجت من فتاة آمنة غير معقدة، بدا أنها مناسبة تماماً من أجل إعطائك العائلة التي تريدها، العائلة التي لم تحصل عليها يوماً؟ ". " أتجيدين التحليل النفسي أيضاً جيسي؟ ". لمعت عيناه بالمرح، وهو يتابع: " ما كنت لأصفك بأنك غير معقدة. لكن، أجل أعتقد بطريقة ما انك على حق. تلك كانت خطتي ". " والعمل بزيت الزيتون؟ لماذا أردته؟ ". " مع أن أعمالي منتشرة في كل أنحاء العالم، لكنني لم أنس أبداً أن جذوري صقلية. أعتقد أن العمل في صناعة زيت الزيتون هو نوع من الإجلال للعائلة التي لم أعرفها أبداً ". " ليتك أخبرتني بذلك منذ زمن بعيد ". " لماذا؟ ". " لا أعلم. لفهمتك اكثر على الأقل. اعتقدت أن بعلاقاتك الكثيرة مع النساء سببها أنك تشبه والدي، لكنني أستطيع أن أرى الآن أن السبب مختلف تماماً ". تنهدت وهي ترمي بنفسها على السرير، وتتابع: " نشأتنا فيها الكثير من الجوبة على ما يحدث معنا. أليس كذلك؟ الجروح التي تتركها لا تبدو ظاهرة، وهذا ما يجعل شفاءها أكثر صعوبة ". " أنا شفيت تماماً. أنت من اصر على اكتشاف أسرار عائلتي، وهذا أمر نموذجي من المرأة. بالنسبة لي، لا داعي لأن يؤثر الماضي على المستقبل مطلقاً ". حدقت جيسي بالأرض للحظة، وهي تفكر إن كان عليها التلفظ بالكلمات التي تدور في رأسها. رفعت رأسها. وابتسمت بخجل قائلة: " تزوجت من الفتاة غير المناسبة. أليس كذلك؟ أردت زوجة آمنة غير معقدة، وهذا ما كان يجب أن تحصل عليه. عندما طلبت منك الطلاق في المرة الأولى، قلت لك حينها إنك لا تعرف شيئاً عني، لكنك رفضت أن تعترف أن علاقتنا منتهية، لكن ليلة البارحة بدا الأمر مختلفاص. أليس كذلك؟ ليلةالبارحة عندما قلت لك أن زواجنا انتهى، لم تناقشني. من الواضح أنك أدركت اخيراً أن علاقتنا لن تنجح ". شعرت باضطراب عواطفه، وهو يقول: " هذا غير صحيح ". " أنت تقول هذا الآن، لأنك اكتشفت أنني حامل". تابعت بنعومة: " لكن الطفل ليس برباط كاف، ريكو. صبي كان أم فتاة، لا يستطيع الطفل الحفاظ على زواج لا يمكنه الصمود بذاته ". علق ريكو بنبرة تتهدج بالعاطفة: " صحيح أنني في البداية أردت زوجة هادئة غير معقدة، تستطيع أن تهبني العديد من الأطفال. لكن ليس هذا ما أريده الآن ". " وما الذي تريده الآن؟ ". شعرت جيسي بالمل يتنامى في صدرها، لكنها على الفور سيطرت عليه بالمخاوف والشكوك. أغمض عينيه للحظة، وتمتم هامساً: " أنت! أريدك أنت، جيسي ". شضعرت بقلبها يقرع كالطبل في صدرها. ضغطت بأظافرها على راحتي يديها، لتمنع نفسها من مد يدها إليه. " أنا لست الفتاة التي كنت تريدها، فأنا لست الفتاة الهادئة غير المعقدة ". قال: " لا أريد فتاة هادئة غير معقدة. أريد المرأة التي هي أنت بالفعل. أنت هي المرأة التي أريدها زوجة لي وأماً لأطفالي ". تردد قليلاً، ثم ابتسم بقلق وتابع: " أنت المرأة التي أحبها ". " ريكو! ". لم تستطع جيسي أن تكمل جملتها. راقبها ريكو للحظات طويلة قبل أن يزفر بضيق: " أعلم أنك لا تحبينني، وأنا لا أستطيع تغيير ذلك. لكنني مستعد لتعويضك عن الماضي، وأؤكد لك أنك تستطيعين عيش الحياة التي رغبت فيها طوال حياتك ". هزت رأسها قليلاً، وهي تتذكر ردة فعلة الباردة ليلة البارحة، ثم قالت: " لكنك ليلة البارحة لم تجادلني. لِم فعلت ذلك ما دمت تحبني؟ ". " لأنني اكتشفت أخيراً أن المرء إن أحب أحدهم بقدر كافٍ. فإنه يريده أن يكون سعيداً، كما أنني اكتشفت أخيراً المعنى الحقيقي لكلمة ضعيف ". نظرت جيسي إليه، ريكو ضعيف! إنه أقوىرجل التقت به في حياتها. " أكنت مستعداً لتدعني أرحل؟ ". " سعادتك تعني كل شيء بالنسبة لي. أما الآن، وبعد أن علمت أنك حامل، علي أن أجد وسيلة أخرى لإسعادك مع إبقائك ضمن عائلتي ". مد ريكو يده، وشدها بلطف لتقف على قدميها، ثم قال: " لا أستطيع أن أتركك ترحلين، ولا أستطيع أن أدعك تأخذين ابنتي ". حاولت جيسي أن تتكلم بهدوء، وهي تقول: " لم يغفر أبي أبداً لأمي لأنها أنجبت له ابنة. كبرت وأنا أعلم أنه يكرهني ". " هناك امر أردت دوماً أن أسألك عنه. أثناء أول غداء لنا في فلورنسا. ذكرت لي أنك وقفت أمام والدك بتحدٍ. أريد أن أعلم ما الذي حدث ". " حدث ذلك منذ زمن بعيد ". " أخبريني! ". " نظمت المدرسة مباراة في الفنون، وأردت أن أشارك فيها ". ارتجف صوتها وهي تتذكر ذلك الحدث: " كنت أرسم طوال الليل، عندما كان يعتقد أنني نائمة ". " وما الذي حدث؟ ". حتى الآن ما زالت تلك الذكرى تؤلمها. قالت: " حطم والدي اللوحة، فشعرت بكره كبير له. عملت كثيراً على تلك اللوحة، وكنت فخورة بها. فقدت أعصابي وبدأت أصرخ. قلت له أنه ظالم ومتنمر، فامتلأ غضباً. لم أره يوماً غاضباً على ذلك النحو ". " هل صرخ بك؟ ". " بل ضربني، ثم حول غضبه نحو أمي، وأخذ يلومها لأنها لم تحسن تربيتي، ملقياً اللوم عليها لأنها لم تنجب له صبياً. بعد تلك الحادثة لم أقف بوجهه أبداً. في البداية وجدت الأمر لا يستحق العناء، ومع الوقت أصبحت معتادة على الصمت وعدم التعبير عن رأيي ". أمسك ريكو وجهها بيديه، وقال بنبرة صادقة: " لو لم يكن ميتاً، لربما كنت سأقتله بنفسي لما فعله بك ". " انتهى ذلك لكه الآن. لكنك الآن تستطيع أن تفهم لماذا لم أرغب في حضور جنازته. عندما التقيت بك في المطار ذلك اليوم، وقلت لي أن امي اختفت، اعتقد في لحظة مرعبة... ". " أنه قتلها؟ ". " ربما. ذلك أمر في منتهى السخافة، فهو رجل مشاكس ونكد، لكنه ليس مجرماً ". " ما حدث أصبح وراءنا الآن. علينا أن نفكر فقط في المستقبل، ومستقبلك هنا. معي ". لامس ريكو شعرها ليبعده عن وجهها، وتابع: " هل توافقين على البقاء معي، مع أنطك لا تحبينني؟ ". " لا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال. إذ لا فكرة لدي ما سيكون عليه شعوري في وضع كهذا ". شعرت جيسي بالسعادة تغمرها، فمدت ذراعيها، ولفتهما حول عنقه قبل أن تقول: " أنا أحبك، رييكو! أدركت ذلك منذ فترة. وعندما علمت أنني حامل فرحت كثيراً، ثم أخبروني أن الجنين فتاة، فأصبن بالرعب. أنا لا أعرفك بما فيه الكفاية لأفهم أفكارك، كما أنني لم أتخيل أبداً أنك تحبني ". " لكنك طلبت مني الطلاق. ما قلته ليلة البارحة بشأن حريتك، والحياة التي ترغبين في عيشها ". " أردت أن أحمي ابنتي، فعلت ذلك من أجلها، لأنني اعتقدت ان الرحيل هو الخيار الوحيد. لم تكن لدي أي فكرة عن شعورك قبل اليوم ". رقت الخطوط القاسية في وجهه، فطبع قبلة على رأسها، وهو يقول: " أنت منذ الآن لبوءة شرسة، وهي لم تولد بعد. لاشك أن ابنتنا فتاة محظوظة ". تمتمت جيسي الكلمات وهي تضمه إليها: " لا! أعتقد أنني أنا الفتاة المحظوظة، لأنك تحبني ". عانقها ريكو بشدة، ثم رفع رأسه، وقد لمعت عيناه بالحب والرغبة، وهو يقول: " لا أستطيع أن أصدق انك تحبينني أيضاً. لن ادعك ترحلين أبداً مرة ثانية. بالنسبة لي زواجنا أبدي، مهما حدث لنا، ومهما كانت التحديات التي سنواجهها. بقاؤنا معاً كفيل بحل كل المشاكل، لأن الزواج عقد يجب أن يدوم إلى الأبد ". قالت جيسي تحذره: " لكنني لست الزوجة البسيطة، الجبانة وغير المعقدة ". ابتسم لها ابتسامة من أجمل ابتساماته وأكثرها سحراً، قبل أن يقول: " أنت الزوجة التي أريدها، تسورو! ".
تمت

تحميل الرواية مكتوبة

تحميل الرواية مصورة