النمر المخملي

الفصل الاول
الفصل الأول جاءت المكالمة الهاتفية في الساعة العاشرة والربع من صباح الجمعة ، ومضت ثوانٍ قبل ان تستوعب ليزا هزة الفرح التي تملكتها لسماعها صوت كين ومضت عدة ثوانٍ أخرى قبل ان تتذكر انها كانت قد قررت ان تنهي علاقتها معه بشكل أبدي لا رجوع فيه . لم يكن ذلك لأن كين ماريوت كان سيئاً تماماً ، على العكس ، فقد كانت له صفات كثيرة حسنة ، كان وسيماً للغاية وذا جاذبية خطرة نسفت كل القيم التي عاشت ليزا لها قبل ان تعرفه ، فمع كين بدا لها كل منطق وتعقل لا صلة له بالواقع ، ولكن هذا لم يكن هو لب المشكلة ، وانما هي الطريقة التي كان يعاملها بها . وأسوأ مافي ذلك هو لا مبالاته بما تفكر أو طريقة تفكيرها وبشكل يوحي بالإزدراء تقريباً ، وكذلك لطريقة تصرفها وكل مايعني لها شيئاً ، كان يفعل مايريد حينما يريد ، اما ما تريد هي فلم يكن له أي اعتبار ، فإذا لم تتفق رغباتها مع رغباته فهناك سوء حظها . لقد منحت كين ماريوت سنة من عمرها ، وهذا اكثر مما يستوجب تقريرهما مصير حبهما هذا ، والأسوأ من ذلك هو ان بقاءها معه قد حرمها من فرصة التعرف الى شخص أفضل وإنشاء علاقة أسعد تعترف بوجود ناحيتين منها . ثلاثة أسابيع من الصمت كانت بمثابة القشة الأخيرة التي قصمت ظهر البعير ، كما يقال ، ثلاثة أسابيع طويلة بطيئة مملة مردت دون ان يفكر كين فيها أو يرغب في قضاء عدة دقائق في حديث شخصي معها ، وهذا عيّن يالضبط ماهو موقعها من نفسه وفي حياته ، وكانت هي تدرك سبب كل هذا ، فما دامت لا تمنحه ما يريد ، فهي لا تستحق ، بالنسبة إليه ، ان ينفق وقته عليها . كل يوم كان يمر دون كلمة من كين ، كان يثبت من عزمها على إنهاء علاقتها به ، حتى الآن عندما تذكر وجودها ، إذا به يتصل بها في أوقات العمل والذي يمنع الحديث بينهما على المستوى الشخصي . وهذا لا يعني ان كين كان من عادته ان ينغمس في أحاديث شخصية طويلة ، واذا كان سيحدث مثل هذا ، فإن ليزا تعلم جيداً انه لن يكون في الهاتف . ورغم هذا كله فمجرد سماعها صوته هز قرارها هذا ، فكل المنطق الذي في العالم لم يستطع ان يلغي حقيقة ان كين قد جعلها تشعر بنفسها وانسانة غير عادية كما لم يفعل ذلك رجل من قبل ، وبينما كان ذهنها يتخبط بين الأسباب التي تجعلها تطلب منه ان يغرب عن وجهها ولو إلى الجحيم ، إذا بكل عصب في جسدها يتوتر ، منتظراً أن تراه مرة أخرى . وكان هو يقول :" اعتقد ان كل شيء سينتهي هنا عصر هذا اليوم ، يا ليزا." وكان التعب يبدو في صوته ، ثم تابع يقول :" ان بإمكاننا ان نمضي طوال العطلة الاسبوعية معاً ، انني غير واثق بعد من موعد الطائرة التي سأستقلها من ملبورن ، ولهذا اظن من الأفضل ان نجتمع في شقتي ." وفكرت ليزا متهكمة ان هذا بطبيعة الحال ، سيوفر الوقت بالنسبة ليه ، لما يريده هو ، اما ما تريده هي فهذا غير موضوع في حسابه , كان لدى كين الأولوية الحقيقية لشيء واحد في حياته ، هو نجاح شركته الهندسية ، ولا شيء غير ذلك يشكل حافزاً في حياته ، كما ان لا شيء يردعه أو يقف في طريقه في توجهه الى هذا الهدف وهكذا كانت ليزا ترى وبوضوح تام ، اين موقعها هي من اهتماماته في الحياة . وكانت ازمة نشبت في بناء كان يشيده في فيكتوريا قد دعته الى الذهاب ، ولا شك ان ضرورة أخرى من ضرورات العمل تدفعه الآن الى العودة ، وهذا منحه عطلة اسبوعية يمكنه بها ان يفكر في ليزا . ذلك ان وظيفة المرأة وأهميتها الوحيدة عنده ، هي في توفير الراحة والإستجمام له من عناء العمل وضغطه ، والآن وهو يعود الى سيدني ، يتفقد ليزا بهذا الهاتف ليضمن ذلك هذه الليلة . لم يدخل هذا الشعور البهجة الى نفسها ، وإنما العكس ، لقد اخمد الحرارة التي اندفعت الى شرايينها لمجرد سماعها صوته ، ذلك ان كين ماريوت لا يستحق كل هذه اللهفة منها ، كما غضبت لهذه المشاعر التي أثارها في نفسها واحتقرتها ، كيف يمكن ان يكون له مثل هذا التأثير على نفسها بينما تعلم تماماً انه لا يهتم بها ؟ قالت له : " هل خطر في بالك مرة ان تطلب مني مثل هذا الأمر بكل لطف؟" ساد الصمت في الناحية الأخرى من الخط . وتصورته ليزا يصرف بأسنانه انزعاجاً وفروغ صبر ولكنها لم تهتم . وأخيراً قال بجفاء :" ولكنني طلبت منك ذلك بلطف ." " كلا ، انك لم تفعل ." فتنهد بضجر . حسناً فلنبدأ مرة أخرى ." كان صوته اكثر تعباً الآن وان خالطه شيء من الضيق . " انني اطلب منك بل لطف ان تقابليني بعد رحلة الطائرة في شقتي ." " أجابت بايجاز :" كلا ، لن اقابلك هناك ، يا كين ." فسألها بحدة :" لماذا لا ؟" " لأنني مشغولة ." كان الصمت الذي تلا هذا مرة اخرى في الطرف الأخر من الخط ، كان اطول هذه المرة وتساءلت عما اذا كان صمته هذا نتيجة صدمة ، أو لهفة . وإذا به يسألها وقد ساور صوته شك عنيف :" مشغولة مع رجل آخر ؟" فتملكها الغضب ، ان كين طبعاً ، لن يحمل نفسه أي ذنب ، وتساءلت عما اذا كان لشكوكه هذه اصل في سلوكه هو ، اذ عندما يكون في رحلة عمل ، هل هناك امرأة اخرى يمضي معها اوقات فراغه ؟ وهل هذا هو السبب في انه لا يتصل بها هاتفياً على الاطلاق ، ما عدا عندما يبلغها بموعد حضوره من السفر ؟ ولم تكن ليزا واثقة على الاطلاق من انها الوحيدة في حياة كين. قالت وكرامتها المجروحة تغذي شكوكها المدمرة هذه : " ربما ." وحدثت نفسها بأن هذه بداية النهاية ، سمعته يشتم بصوت خافت ، ثم ينفجر قائلا : " أية لعبة تقومين بها ، يا ليزا ؟ حذار من الدلال ، فليس لي صبر عليه ." قالت بمرارة :" كلا ، فأنا واثقة من عدم صبرك ، يا كين ، ولكن حان الوقت الذي لن ينفع فيه منك أي مجاملات أو لطف ." فقال غاضباً :" ليس لدي وقت لمثل هذا الهراء اللعين ، ومهما تكن اللعبة التي تفكرين فيها ، أريدك ان تصرفيها من ذهنك ، فإذا لم تكوني تريدين ان تكوني معي ، فقط قولي ذلك ، يا ليزا ." هكذا اذن وانقبض قلبها ، لقد دنت اللحظة الفاصلة ، فمن ناحيته لم يكن هناك نقاش ، ولا اعتذار ولا ( امنحيني فرصة أخرى وسترينني شخصاً مختلفاً ، يا ليزا ) مثلاً فمثل هذه الكلمات لا يمكن ان تنطلق ابداً من شفتي كين ، ذلك ان ليس لديه سوى هذه المعادلة ( قولي لي هل تريدينني أم لا؟) ماعدا انها كانت تريد من كين ماريوت أكثر كثيراً مما كان مستعداً ان يعطيه . وفكرت بمرارة في ماقاله عن لعبة تقوم بها ، انه هو الذي يضع القوانين ، وهو المرجع في كل امر ، وهو الذي يطلق صفارة الابتداء ، ولم يكن هناك مراجعة لأي قرار يتخذه ، كيف استطاعت ان تحب شخصاً مثله ، وهو الذي لا يهتم بشعورها مقدار ذرة ؟ " انها ليست لعبة ، يا كين ، انني اسميها النهاية ، ان علاقتنا انتهت ." لقد نطقت بهذه الكلمات ، أخيراً ولم تكن تنوي ان تقولها الآن ، وفي هذا المكان ، لقد تدفقت من بين شفتيها تحت ضغط المشاعر ، كانت نهاية ارتجالية بدت خطأً بالغاً للغاية ومع انها كانت قررت انهاء علاقتهما ، فقد كانت تنوي ان ترى كين مرة اخرى لكي تخبره بذلك وجهاً لوجه . قال لها بلهجة خلت الآن من الخشونة ، وحل مكانها عدم الفهم :" ليزا ؟ لا اظنك جادة في كلامك ." ما الفائدة من إلغاء ما لابد منه ؟ وشعرت بالمرض ، ان عليها ان تقوم بذلك ، وقالت ببلادة : " بل أنا جادة في كلامي ." تلا ذلك شيء من التردد منه ، ثم لم يلبث ان قال بحدة :" لا يمكنك ان تعني ذلك حقاً ." قالت بحزم :" أنا آسفة ، ولكنني اعنيه حقاً ." كانت آسفة فعلاً آسفة من كل قلبها وهي تشعر بفراغ هائل يدخل حياتها ، وتساءلت عما تراها فعلت ، وأخذت تكرر وقد دخل الشك قرارها :" أنا آسفة ." فقال بمرارة :" انت آسفة ! هذا رائع ، وتباً لها من روعة ، لقد احرق اعصابي يوماً بعد يوم بينما أنت ... تباً لك ، اذهبي الى الجحيم ..." شتمها بذلك وهو يقفل الهاتف في وجهها ، ورأت في الصوت المكتوم الذي صدر عن وضع السماعة مكانها ، مايمثل آخر خفقة لقلب يموت ، ان عقلها يقول انها قامت بالعمل الصواب ، ولكن ماتقوله مشاعرها يخالف ذلك تماماً ، وضعت سماعتها ثم اخذت تنظر الى يديها ، كانت اصابعها الطويلة الرشيقة ترتجف تبعاً لافكارها المضطربة . كان تصرف كين حسب المتعارف عليه ، فهو قد شتمها غاضباً لقرارها المفاجئ غير المتوقع هذا ، ولكن الشعور بالخسارة والذي سرى في كيانها كان لا يحتمل . كانت تحبه ، وتريده ولكن حبها ورغبتها فيه قد صدمهما معاملته تلك لها ، انها ليست العوبة بين يديه ، يتناولها متى شاء ، ويلقي بها جانباً حين يريد ، ولكنها انسانة والطريقة التي اخذ يعاملها بها كانت تنقص من احترامها لنفسها ان عليها ان تنهي كل هذا . ولكن ليس بهذه الطريقة ، ليس بمثل هذا الشعور الرهيب بالاكتئاب ، لم تستطع حتى ان تبكي ، فقد عصى دمعها ... ربما هي الصدمة ، وشعرت بالخدر يغزو جسمها ، وانعدام الحياة وكانما لم يبق هناك ما تتطلع اليه . نظرت حولها الى مكتبها الفسيح البديع التأثيث ، كانت وظيفتها بالغة الاعتبار ، فهي سكرتيرة مدير الفرع الاوسترالي " الشركة الدولية المختلطة " وكان راتبها ممتازاً ، كما كانت تقابل اناساً ذو نفوذ وعلى غاية من الأهمية ، ولكن هذا كله لم يكن يهمها بشيء . وازداد الشعور بالفراغ في نفسها اتساعاً وظلاماً ، واخذت تناجي نفسها ، ( انها حالة يأس ، ولكنني سأتغلب عليها في النهاية فأنا مازلت في الرابعة والعشرين من عمري ، وكل ماعليّ عمله هو ان امحو من حياتي هذه السنة التي أمضيتها مع كين ماريوت ، وأبدأ حياتي مرة أخرى ، ويوماً ما ، سيأتي رجل ما ، رجل مختلف جداً عن كين ، رجل يقدرني كانسان وليس كأنني خلقت للإستجابة لرغباته .) " هل كل شيء جاهز لاجتماع مجلس الإدارة عصر هذا اليوم يا ليزا ؟" جعلها هذا السؤال المفاجئ تقفز من مكانها ، ورفعت نظرها الى رئيسها الذي كان يسد الباب الذي يصل بين مكتبيهما بجسمه الضخم ، لفقد كان جاك كونواي قوياً في كل شيء ، فهو رجل كالثور لا يتردد في سحق أي مرؤوس عديم الكفاءة ، وهو لم يصل الى منصب المديرية هذا باستعمال التساهل إزاء أولئك الذين لا يشعرون بسمؤولياتهم . اجابت بإيجاز :" نعم يا سيدي ." وكانت قد اعدت كل ما يلزم لهذا الاجتماع. أومأ راضياً ، وعندما اخذ يقيم مظهرها ، لمعت عيناه بنوع آخر من الرضا، كان شعرها الأسود الفاحم ، كالعادة متموجاً بأناقة بعيداً عن صدغيها ، محيطاً بوجهها البيضاوي وعنقها الطويل لتنسدل خصلاته على كتفيها ، وكانت ترتدي ثوباً بنفسجياً ألقى بريقاً في عينيها الكثيفتي الأهداب، وكانت الأنوثة تتجلى في حاجبيها المنمقين وأنفها البديع واسنانها الصغيرة المنتظمة . منحت رئيسها ابتسامة صغيرة ملتوية ، في بداية التحاقها بالعمل معه ، كانت تشعر بالارتباك البالغ إزاء طريقته في النظر اليها كل يوم ، وكانت قد تركت العمل مع مخدومها السابق بعد ان اخذ يحاول التقرب اليها ، وعلى كل حال فقد كان جاك كونواي لاحظ شكوكها فأسرع في محوها بقوله ، ساخراً وقد لمعت عيناه تهكماً :" يا فتاتي العزيزة إنني في الرابعة والخمسين من عمري وقد اجتزت سين العبث ، وفي هذه الفترة من حياتي أفضل ان احول طاقتي لوجهة اخرى ، فأنت بالنسبة اليّ فتاة مميزة وأنا احب ان يكون لدي فتيات متميزات ." وكانت قد صدقت اعلانه الفظ لها بعدم اهتمامه بها ، وقد اثبتت السنتان اللتان مرتا بها موظفة تحت إمرته صحة كلامه ذاك ، فقد كان جاك كونواي يراها بمثابة تحفة جميلة ، وساور ليزا الاعتقاد بأن هذا السبب هو ما جعله يختارها من بين بقية المتقدمات لهذه الوظيفة . كان متملكاً لها بشكل غريب ، ولكن ليس بالمعنى العاطفي أو الأبوي ، وانما كان اقرب الى بسط النفوذ ، فقد كانت امتداداً له ، وكان مركزها كما يسميه ، يرمز الى مكانته ، كما انه يفيد في إلهاء الرجال الآخرين وصرف اذهانهم أثناء اجتماعات العمل ، فقد كان جاك كونواي لا يتورع عن استخدام أي شيء أو أي شخص في سبيل الحصول على ما يريد . قال لها باستحسان :" هذا اللون يناسبك جداً ، عليك ان ترتديه اكثر الأحيان، يا ليزا ." فقالت :" اشكرك ، يا سيدي ." ارتسمت على شفته ابتسامة ذات معنى وهو يستدير عائداً إلى مكتبه . كان جاك كونواي يستعمل كل وسيلة يجدها اثناء مناقشاته العملية ، ولم يكن حضورها تلك الاجتماعات لتلهيه قط ، وذلك بعكس الرجال الآخرين ، وكان احياناً يطلب منها ان ترتدي ثوباً معيناً في بعض الأيام الخاصة ، والتي كانت تتفق دوماً مع المفاوضات الدقيقة التي تتضمن مفاوضات ذات اهمية خاصة ، وعندما فطنت ليزا أخيراً الى غرض جاك كونواي ، لم تعرف ما إذا كان عليها ان تشعر بالتسلية أم بجرح في كرامتها ، وأخيراً قررت ان ليس في هذا أية أهمية في الواقع . وتذكرت بسخرية مرة ان كين ماريوت كان أحد الرجال القلائل الذين لم تمر عليهم هذه الخدعة ، وتذكرت بوضوح اجتماعها الاول به ، الشعور بعينين تلتهمانها ، لقد رفعت نظرها عن عملها على مكتبها فرأته واقفاً عند العتبة جامداً دون حراك ، ومع ذلك كانت تنبعث منه طاقة مغناطيسية ، ثم وببطء متناه ، افترت شفتاه عن ابتسامة بعثت الكهرباء في كل عصب في جسدها . هي التي كان وجوده يلهيها ويصرف ذهنها عن عملها وذلك أثناء اجتماعاته فيما بعد مع جاك كونواي ، ولم يكن ذهن كين يتجول لحظة واحدة عن العمل الذي كان موضع النقاش ورغم أنها كانت تجلس أثناء الاجتماع تسجل ملاحظتها ، لم يحدث مرة انه نظر ناحيتها أو أبدى اي انتباه لوجودها ، فقد كان تركيزه على ما كان يريد إنجازه تاماً إلى ان يفوز بالموافقة على العقد الذي كان يسعى للحصول عليه ، عند ذلك فقط ، كان يدير اهتمامه إلى ليزا ، وكانت عيناه قد ادركتا انها اصبحت رهن مشيئته ، ولقد حدث ذلك بكل السهولة والبساطة . لقد كانت غزوة سهلة بالنسبة إليه ، أما الغريب في الأمر فهو انه لم يحدث لها قط من قبل ان كان لها علاقة من قبل ، وماكانت ستصدق ان هذا سيحدث لها يوماً ما لو أن شخصاً كان قال لها ذلك قبل عام ، ولكن مع كين أصبح الأمر مختلفاً تماماً ، فالحذر منه لم يخطر لها ببال وجاذبيته الطاغية هدمت كل الحواجز . فلا عجب ان يأخذ موافقتها أمراً مسلماً به ، فهي لم ترفض له طلباً قط ، كان عليه فقط أن ينظر اليها بتلك العينين المسيطرتين حتى تفقد كل ماتتحلى به من اتزان . اما فرصتها الوحيدة للتخلص من سيطرته تلك فقد كانت في الابتعاد عنه ، وهكذا ربما كان من الأفضل ان تنهي الأمر في العتف بدلاً من ان تتعذب برؤيته ، ولكن كان عدم رؤيته مرة اخرى بمثابة خنجر يمزق قلبها ، لماذا لم يحبها بقدر ما أحبته ؟ لماذا ...؟ ورن الهاتف مرة اخرى فمدت يدها الى الساعة بحكم العادة وهي تحاول جاهدة تمالك هدوئها ونبرات صوتها السارة :" هنا الشركة الدولية المختلطة . ليزا جيلمور تتكلم ، هل يمكنني مساعدتك ؟" " انا كين ." " آه ..." وجف حلقها في الحال ، مامنعها من النطق بكلمات أخرى ، وهاجمتها الشكوك ، أترى كين يحاول العودة اليها ؟ وهل هو من الرغبة فيها بحيث يحاول الغاء نبذها الماضي له ؟ " ارجوك لا تقفلي الهاتف ." كان هذا أمراً ولكنه على الأقل منحها شرف قوله لها أرجوك . ترواحت افكارها بين الرجاء والتشكك المر، فابتلعت ريقها بصعوبة ثم قالت :" انك انت الذي فعلت ذلك لتوك يا كين ." " آسف ، لقد كنت ... متهوراً." وكان هذا تعبيراً ملطفاً لمزاج أحمق ، وعلى كل حال فالإعتذار من كين كان من الندرة بحيث اخمد نار ليزا . فقالت له :" وهل هذه المخابرة منك ناتجة عن التهور ؟ لأنه اذا كان كذلك..." " كلا ، فأنا اريد التحدث اليك ." " بأي شأن ." " لقد كنت ايضاً متهورة ." " كلا ، لم اكن كذلك ." " ماذا تسمين نسف علاقة استمرت سنة كاملة ، بواسطة الهاتف ؟ هو تهور يا ليزا ؟" أبت عليها كرامتها ان تظهر أي ضعف أو ورقة رغم انه كان يمنحها مجالاً لتغيير رأيها وقبول العودة إليه ، كانت تريده من كل قلبها ، ولكن ليس بذلك الشكل الذي سارت به علاقتهما . " نسميها مودة متقطعة حيث انك تقوم بكل اتصالاتك في فترة الاستراحة، وذلك بطريقتك الأنانية التي لا تطاق ، لا أريد مثل هذه المعاملة ، يا كين وانا لن أدعك تعاملني بهذا الشكل ." فقال ساخراً :" باختصار ، فأنا لم اكن لطيفاً معك بما يكفي ." تصاعد غضب ليزا :" اذا شئت ان تفهم الأمر بهذا الشكل ..." فقال بسرعة :" كلا ، ولا تقفلي الهاتف ، دعينا نتقابل هذه العطلة الأسبوعية لكي نتحدث في هذا الأمر ." كانت تعلم بالدقة أي نوع من الحديث سيجري بينهما ، فقالت بمرارة :" انك لا تريد ان تستمع اليّ ، يا كين ." فقال يقنعها برقة :" امنحي هذه المسألة شيئاً من الصبر ، يا ليزا ، حاولي على الأقل المصالحة ." " لماذا ؟" " لأننا منسجمان معاً ." لم تستطع انكار ذلك . وابتدأ الشوق لرؤيته مرة اخرى ، يمتلكها ، أترى ستتعرف بعده إلى شخص رائع مثله ؟ " اظننا أمضينا وقتاً كافياً معاً ." " امنحي علاقتنا فرصة اخرى ، عدة ايام فقط ، يا ليزا ، فقط للتأكد ." فترددت ، ما أهمية عدة ايام أخرى ؟ واضاف هو قائلاً : " قابليني في الشقة فلدي مفاجأة لك ." قال ذلك بسرعة بعد ان لاحظ ترددها . سألته بارتياب :" ماهي تلك المفاجأة ؟" ضحك برقة :" اذا انا اخبرتك فلن تعود مفاجأة ." نبهتها ضحكته تلك ، فقد رأت فيها ان كين يظن انه اعادها الى قبضته مرة اخرى ، وانها عادت رهن مشيئته فقالت :" كلا لن آتي إلى شقتك يا كين ." " لِمَ لا ؟" " لأنك ستحاول إغوائي ." " ان هذه ليست فكرة سيئة ." قال ذلك بلهجة تفيض حناناً . فصرفت بأسنانها غيظاً :" كلا ." انها لا تريد ان تنخدع بالاعيبه . وبرقة زائدة كانت ليزا تعلم انها زائفة ، اذ كانت تعلم ان كين خالٍ من كل رقة ، قال :" كيف استطيع تغيير رأيك ؟" لم تتمالك سوى الا عجاب بمقدرته على متابعة الالحاح حتى الفوز بما يريد. فأجابت بعناد ، وقد ساءتها هذه الطريقة اللبقة التي يغير بها اتجاه الآمور لكي تناسب مصلحته ، وان كان الآن يقوم بمسعى لمصلحتها ، اجابت تقول :" لا شيء ." فقال :" باستثناء ." " هنالك دوماً استنثاء فكوني حنونة ، يا حلوتي ، و رقيقة ، يا حبيبتي ليزا ، واخبريني ما هو الاستثناء ، فأنا لا استطيع تصور بقية حياتي من دوك ." ان ليزا لم تنخدع ، فهو لا شك يعني قضاء العطلة الاسبوعية من دونها . ان كين ماريوت ليس بحاجة اليها ... ليس اليها شخصياً . فهو ليس بحاجة الى اي شخص ، كين هو رجل ذو اكتفاء ذاتي ، عصامي لا يستجيب لأحد ، وربما كانت هذه الميزة فيه هي سر جاذبيته وإثارته وما يدفع النساء الى تحديه ، وشعاره هو" انني اقدم على اي شيء وغالباً ما افوز بما اريد ، ولا شيء أخسره وأفوز بكل شيء ." هذا هو كين ماريوت ، فهي تعرفه جيداً ، وجيداً جداً ، فهو لن يتغير لأجلها ، ولعلاقة تطول مدى الحياة ، تحتاج ليزا الى حب من غير النوع الذي يقدمه اليها كين ، ولكن بالنسبة لعدة ايام فقط ... كانت ترى ان من الضعف الإذعان لما يقوله حين لن يتغير هذا من الأمر شيئاً بينهما ، وقضاء هذه العطلة الأسبوعية معه تعني الإنغماس في أسوأ انواع الحب ، فهو لا يحبها ولم يحبها قط ولكنها ستراه مرة أخرى فقط ... مرة تودعه فيها وتختزن في ذهنها ، ما امكنها من الذكريات عنه ... الحسن والرديء . ومن ثم تودعه الى الأبد . قالت له :" سأقابلك في المطار ." " ليزا ، انني لا اعرف أية طائرة سأستقل ." فأصرت قائلة :" اتصل بي هاتفياً واخبرني ." لم تكن تريدهخ ان يحصل على كل مايريد وخاصة في آخر عطلة اسبوعية يمضيانها معاً . " ولماذا لا نجتمع في شقتي ؟" " لأنني أريد ان اتحدث اليك اولاً ، واذا لم يكن حديثنا شافياً ، يا كين ، فقد لا اذهب معك الى شقتك ." " لا بأس ، سأكون على طائرة الساعة السادسة ." " ظننتك قلت انك لم تعرف بعد اي طائرة ستستقل ." " لقد قررت لتوي ." فقالت بلهجة لاذعة :" ما اجمل هذا ، وشكراً لتذكيري أي وغد انت عندما تريد ان تحصل على ما تريد ." فقال بلهجة جافة :" ان اللطف والرقة لا يغيران بشيء ." " انني استوعبت الدرس ، يا كين . ويوماً ما ستأسف على ذلك ." قالت ذلك بحدة ثم اقفلت الخط

تحميـــــل الملــــف مـــن هنــــــا