مزرعة الدموع

مزرعة الدموع
1-كوخ في تكساس
حدقت ستاسي من النافذة في حركة المرور السريعة بين المباني البنية والرمادية الكئيبة العالية وكان لونها يعكس الانقباض الذي أثقل كاهل الفتاة ,وأفلتت منها تنهيدة خافتة وهي تترك الستارة لتستقر مكانها , وتستدير لمواجهة الرجل المسن الجالس خلف المكتب : " سيد ميلز , كنت صديقا لأبي وتستطيع أن تفهم أكثر من أي شخص آخر , لماذا ينبغي علي الرحيل وحدي لإعادة ترتيب أموري .ما الفرق بين أن يتم هذا في شقة في نيويورك أو كوخ في تكساس؟" "سبب رغبتي في أن تعيدي التفكير في رحيلك هو كوني محامي والدك وأقرب أصدقائه" "أنا لا أحاول الهروب , ولكني أحتاج لبعض الوقت لأري إلي أين أنتمي ". " اسمعي ياستاسي , أية فتاة مكانك كانت ستذهب إلي أوربا أو الجزر . أنت فتاة ثرية الآن , أستطيع أن أفهم أنك غير سعيدة بطريقة حصولك علي المال , ولكن وفاة شخص عزيز تتطلب من الإنسان التكيف علي الرغم من صعوبة ذلك . كنت دائما مستقلة إلي درجة العناد , ولذلك لا أري سببا لا إصرارك علي دفن نفسك في الريف ". نظرت ستاسي آدامز في تردد إلي كارتر ميلز الأب وهي تتساءل كيف تجعله يفهم سبب اضطرارها للذهاب . لقد احترم أبوها هذا الرجل ووثق به كما لم يثق بأحد في حياته. أبوها ...وقفت الكلمة في حلقها , ونظرت إلي ثوبها الأزرق ويديها المعقودتين بشدة في حجرها . توفيت والدتها بعد مولدها بفترة قصيرة , تاركة لزوجها الرحالة مهمة تربية طفلتهما بكل ما في هذه المهمة من غرابة ومشقة . أما جوشو آ دامز فقد رفض عروض الأصدقاء الكريمة بالعناية بستاسي وملأ حقيبة بلوازم الأطفال , واخذ طفلته ذات العام الواحد في مهمته التالية في الخارج , وكانت الحياة بالنسبة إلي الأب والابنة , عبارة عن رحلة طويلة حول العالم , تتخللها فترات راحة قصيرة في نيويورك لالتقاط الأنفاس قيل السفر مرة آخري , إلي حيث يبني الأب شهرته كمصور يعمل لحسابه. ومرت الذكريات الحبيبة نابضة في ذهن ستاسي ... عيد ميلادها السابع عشر منذ ثلاث سنوات , عندما هرب والدها جروا في أحد فنادق نيو أورليانز الفاخرة وأطلق علي الجرو اسم كاجون تكريما لمكان مولده في جزر الهند الغربية .ونما الجرو الشقي , بسرعة حتى أصبح كلبا من نوع الراعي الألماني , وتعلق بسيدته تعلقا شديدا , وتنبأ أبوها بأن كاجون سيحميها كالملاك الحارس. تري هل كان يعلم أنه على حق , لأن كاجون هو الذي سحب ستاسي وهي في غيبوبة, من حطام الطائرة المستأجرة قبل أن تشتعل فيها النيران . أما أبوها والطيار فلم يتمكنا من الخروج. حاولت أن تمنع دموعها المنهمرة , ورفعت عينيها لتلتقي بنظرة المحامي الحانية . وغامت عيناها البنيتان من الدموع الموشكة علي السقوط والتوت شفتاها في ابتسامة متألمة : "إني أسحب كلامي يا ستاسي , ربما عاونك الرحيل علي مواجهة مشاكلك". ثم وقف كارتر ميلز واتجه إلي ستاسي قائلا: " ولكن تذكري أنك مازلت شابة صغيرة في العشرين, وأمامك الدنيا كلها . لم يكن ليرضي والدك أن يفوتك منها أي شي خيرا كان أو شرا". أمسكت ستاسي بيديه الممدودتين ,ووقفت وثوبها الأنيق يظهر رشاقتها قائلة "كنت أعلم أنك ستفهم سبب إقدامي على هذا " "هناك على الأقل شاب أعرفه لا يسره رحيلك ولا يمكن أن تلومي ابني لرغبته في اصطحابك للأندية الراقية و لن تقولي أنك لا تنتمين إلي هذه الأماكن بعد الإرث الذي ورثته عن والدك" " اخشي أنني لم أتقبل بعد كوني ثرية . فمن قبل كنت سعيدة لمجرد وجودي مع أبي , نسافر إلي حيث تأخذنا الرياح .ربما ورثت حبه للسفر . هناك مع كاجون وديابلو وأميال من الفضاء الشاسع أستطيع أن أحدد مستقبلي" "هل ستأخذين هذا الحصان المجنون أيضا ؟ كنت أرجو أن تبيعيه منذ مدة .انك ترتبكين خطأ جسيما باصطحابه". "ديابلو ليس شريرا وجامحا كما تعتقد . انه شديد الحساسية فقط وأنت تعلم أنني فارسة ممتازة , وما كان أبي ليسمح لي باقتنائه , لولا اعتقاده أنني أستطيع قيادته " " أعرف هذا , ولكنني واثق أنه لم يخطر بباله أبدا أنك ستأخذين هذا الحصان معك إلي البراري " "لا أنا متأكدة أن والدي كان يأمل أن أستقر , وآخذ مكاني في المجتمع كما يقال , ولكني لست مستعدة لهذا بعد , وربما لا أستعد لهذا أبدا . من يدري ! والآن ينبغي لي أن أذهب" "ماذا ستفعلين بالشقة أثناء غيابك ؟" "قررت أن أحتفظ بها معلقة , بدلا من أن أتنازل عنها " "نحن دائما نرحب بك في بيتنا كما تعلمين, وإذا احتجت لأي شي لا تترددي دقيقة واحدة في طلبه" " لن أتردد. وسيصطحبني ابنك كارتر غدا للعشاء كآخر اتصال لي بالمدينة . فهو يعتقد أنني ذاهبة الي مجاهل إفريقيا المعتمة" وابتسمت ستاسي وقد أثر فيها اهتمام المحامي وأضافت : "أشكرك علي كل ما فعلته من أجلي يا سيد ميلز". استقلت ستاسي المصعد, ولاستغراقها في خططها للمستقبل لم تلحظ نظرات الاهتمام في عيون ركاب المصعد الآخرين . كانت تبدو لأول وهلة متوسطة الجمال , ولكن النظرة المتأنية , تلحظ شعرها البني اللامع ,يحيط بوجهها البيضاوي , وعينيها البنيتين الداكنتين بأهدابهما الكثيفة , ولو أن الحزن كان يضللها هذه اللحظة , مما يضفي علي مظهرها هالة مشرقة نظرة . وصلت ستاسي للمبني الذي تقطنه ,واستقلت المصعد للطابق الخامس ,وغمرتها الكآبة وهي تفتح الباب . استقبلها كلبها بفرحة غامرة , فقالت بابتسامة حزينة وهي تنظر لعيني الكلب المليئتين بالحب: "كاجون أيها الوحش ... هل افتقدتني ؟ ماذا عساي أن افعل لو لم تكن هنا؟ " أخرجها جرس التليفون من أفكارها فأجابت: "نعم !" وجاء صوت الرجل علي الطرف الآخر: " ستاسي! أنا كارتر قال أبي أنك خرجت قبل وصولي مباشرة" " لقد تركت المكتب حوالي الرابعة". "كيف تسير أمورك كلها؟" "بخير , كنت علي وشك الانتهاء من حزم حقائبي لولا بعض الأشياء الصغيرة ". وأضافت ضاحكة : " وضعت بعض الفساتين إلي جانب ملابس الركوب . فأنا أنوي الحياة كما ينبغي في مدينة لرعاة البقر". قال ساخرا: " لن أعترض . طالما أنك لن تلتقي بشاب اسمر طويل من رعاة البقر، ثم تنطلقا علي حصانه ألامين" "لا تقلق، لم يعد رعاة البقر كسابق عهدهم، ففي أخر رحلة لنا في الغرب لم أصادف إلا رجالا في منتصف العمر، لوحتهم الشمس ولهم اسر يعولونه" هل ستقودين سيارتك إلي هناك" "سأذهب أنا وكاجون،أما دايبلو فسيأخذ القطار حتى بيكوس وهناك أخذه ونواصل الرحلة إلي ماكلاود، وبما أن الكوخ علي بعد ثلاثين ميلا من هناك، فلن أكون بعيدة جدا عن المدينة". "يسعدني أنني لن أذهب إلي هناك , فالعزلة تضايقني ولا أفهم كيف تستطيعين البقاء هناك لأكثر من أسبوع . ما الفرق بين جبل وآخر ؟" "ربما كنت علي حق , ولكن علي أن أكتشف هذا بنفسي ". "لن أستطيع أن أثنيك عن عزمك , أليس كذالك ؟ اسمعي , إن لدي عملا الليلة فلن أستطيع أن آتي إليك, ولكن موعدنا غدا مساء في السابعة تماما . موافقة ؟" "موافقة". " إذا . سأراك غدا ". "إلي اللقاء ياكارتر". شعرت ستاسي بالفراغ والوحدة بعد المكالمة , ولكنها لم تستسلم لأحزانها , وراحت تكمل حزم حقائبها. في الليلة التالية كانت ستاسي تثبت قلادتها المرصعة بالعقيق , عندما رن جرس الباب. ونظرت للمرة الأخيرة إلي المرآة . كان ثوبها بلون الخوخ مفتوحا عند الرقبة علي هيئة الرقم 7 , مما يبرز لون بشرتها البرونزية التي لوحتها الشمس , وجمال شعرها بأطرافه الذهبية والمصفف علي الطريقة الإغريقية . طلت شفتيها بطلاء لامع بلون الخوخ وارتسمت علي وجهها ابتسامة راضية. عندما فتحت الباب لكارتر كانت عيناها تؤمضان غبطة .وقالت : " هل جعلتك تنتظر طويلا؟" أمسك الشاب الأشقر الطويل بيديها وعيناه الزرقاوان تحييانها ببريقهما الخاص: "هل أقول لك ما تعرفينه بالفعل ؟ما كنت لأعترض علي الانتظار أكثر من هذا , لو علمت بالمنظر الذي سأراه". ثم وضع شالها علي كتفيها قائلا : "هل نذهب ؟ حجزت مائدة في الساعة الثامنة بنادي ميدو وود الريفي". "رائع!" أخذا يتحدثان طوال الطريق إلي سيارته حتى ركبا فصمتا لانشغال كارتر بالطريق ,نظرت ستاسي إليه ... كان شابا وسيما بشعره البني الفاتح وعينيه الزرقاوين الصافيتين . كان يكبرها بست سنوات وبدأ عمله كمحام بمكتب والده. إن كثيرين من معارفها يعتبرون كارتر عريسا مثاليا , ولكن لم تكن بينهما أية تصريحات بالحب , أو أية وعود . كانت ستاسي تبعث لكارتر بطاقات بريدية طريفة عندما كانت تصاحب والدها في أسفاره , وتتصل به عند عودتها , وكارتر يلتقي بفتيات أخريات في غيابها , ولكن ليس بانتظام كما كان يفعل مع ستاسي . وسعدت أسرتاهما بهذها لعلاقة النامية , أملا في أن تؤدي إلي الزواج. ابتسمت ستاسي وهي تراقب يديه الماهرتين وهو يوقف السيارة في مكان الانتظار . لم تكن علاقتهما علاقة أخ بأخته , ولكنهما لم تكن أيضا علاقة عاطفية يدق لها قلباهما ,كانا يستمتعان بوجودهما معا في انتظار أن يأتي الحب يوما ما , فيتزوجها كما كانت تعتقد , وبما أنهما متفقان فسيكون زواجا سعيدا , ولكن ليس الآن . وفكرت ستاسي : ثم إنني مازلت ساذجة , لدرجة أني أتمني حبا يحلق بي فوق الأرض حتى وإن كان هذا لا يحدث إلا في الأساطير. قال كارتر ضاحكا وهو يمسك بباب السيارة المفتوح حتى تخرج: "أيتها الحالمة . ألن تخرجي من السيارة ؟ " " آسفة لقد كنت في عالم آخر". قال مبتسما وهما يدخلان النادي : " إذا عودي منه , إن الليلة ليلتي , وأنوي أن أستغل هذه الفرصة إلي أقصي مدى". أحاط خصرها بخفة , وهو يفتح لها باب النادي المزخرف . وطلب كارتر المشروبات . بينما أخذت ستاسي تنظر إلي الأثاث الفريد، حيث زينت الجدران بجلود الفهد والحمار الوحشي مما يوحي بجو الغابة. ونظرت ستاسي إلي كارتر، فوجدت الكآبة بادية على وجهه، فعاتبته قائلة: "لم هذه الكآبة؟ كنت أظن أننا نحتفل الليل" "أسف، كنت أفكر في الإجازة التي ستقومين بها. إن أبي ليس مسرورا بشأنها، ولا أنا أيضا. وإذا حدث لك شي في ذلك الكوخ المنعزل فستمر أسابيع قبل أن يكتشف هذا أحد" " أرجوك لا داعي لهذا الكلام الليلة لقد قررت الذهاب، وهذا كل ما يمكن أن يقال. يبدو أ، كل الناس يعرفون مصلحتي أفضل مني" " الم يخطر ببالك أنهم علي حق هذه المرة؟ تظنين أن باستطاعتك التغلب علي اية مشكلة لأنك سافرت حول العالم، ولكنك لا تملكين من الخبرة أكثر من أي فتاة ريفية، كل ما أراك والدك هو الدنيا من الجانب ألأمين كما تراه عدسة المصور، وليست لديك أية فكرة عن الحياة بمفردك". " لقد رأيت الحرب والمجاعة من وجهة نظره , أيقلل هذا من تلك الحقائق ! إنني أعرف معني الحياة , وأعرف مالذي سأفعله بحياتي , ولست بحاجة لمزيد من المناقشة". " ألن تكفي عن عنادك وتستمعي لصوت العقل؟" "قلت لك إن الموضوع منته" قال بخشونة بينما الفرقة الموسيقية تشرع في العزف: "إذا فلنرقص" أخذ يرقصان وهما واجمان .ولكن ستاسي ضحكت قائلة : "كارتر ... إنني آسفة . لم أكن أقصد أن أفقد أعصابي , أرجوك لندع الجدل جانبا الليلة". ابتسم وقال: " حسنا . سنعتبر الموضوع منتهيا ونستمتع بأمسيتنا معا ". قدم لهما العشاء , وبعد أن فرغا منه قالت ستاسي : "كانت وجبة لذيذة". ولكن الصحبة أكثر لذة ". أشكرك ياسيدي العزيز". "أتودين البقاء هنا لنرقص أم نذهب لمكان آخر؟" " أفضل البقاء هنا , فالجو الهادئ يروقني". "وأنا أيضا , لأني أريد أن أحدثك في بعض الأمور". " أرجوك لا تلق علي محاضرة أخرى عن رحلتي . لقد وعدتني بألا تناقش ذهابي إلي تكساس". "وأنا أنوي أن أفي بوعدي . إن هذا الموضوع مختلف تماما. لنذهب الآن للرقص". أخذا يرقصان علي نغمات الموسيقي البطيئة , ونظر إليها كارتر بابتسامة رقيقة قائلا: "هل تذكرين ما قاله لك والدي بعد جنازة والدك , أنك واحدة من عائلتنا؟" قالت ستاسي وهي تبادله نظرته الجادة: "نعم". "وأنا أريد أن يكون هذا رسميا ,أريدك أن تصبحي زوجتي , لن أحاول منعك عن رحلتك , ولكن عندما تفكرين في المستقبل دعي تفكيرك يشملني ... ستاسي ... أنا أهتم بك... أحبك وأريد أن أرعاك بقية عمري . لم نتكلم عن مستقبلنا من قبل وقد آن الأوان لهذا .كنا صغيرين . كان أمامي أن أنتهي من دراسة القانون ,وكان أمامك أن تكبري وقد تم هذا لآن , فلنبدأ في التخطيط لبقية عمرنا". "كارتر ... لا أدري ماذا أقول , ولا أدري إذا كنت علي استعداد للاستقرار ,لا أدري!" "لا تقولي شيئا. أعلم أن كلامي يأتي بعد وفاة والدك بفترة وجيزة، ولا شك انك مضطربة، فلن أطلب منك ردا الآن .عندما أري أنك مستعدة سأعيد طلبي بالطريقة اللائقة، وحتى ذلك الحين أطلب منك فقط وأنت في جبال تكساس أن تتذكري حبي لك ورغبتي في أن أتزوجك" . فكرت ستاسي في هذا العرض، كان يجب أن لا يدهشها، ولكنها دهشت علي الرغم من سابق تفكيرها في هذا الموضوع. واستمرا في الرقص حتى انتهاء الأغنية وعادا لمائدتهما. قال كارتر: " لقد ذكرت أنك ستشحنين دايبلو إلي تكساس. ألا تأخذين حصاني الرمادي؟ انه أكثر هدوءا من شيطانك الأحمر". قالت باسمة: " أشكرك على هذا العرض ولكني لا أتوقع أن، يسبب لي دايبلو مشاكل كثيرة. ثم إنه في الطريق إلى بيكوس الآن ولذا سألتزم بترتيباتي الأولى". سألها: "في أي وقت تزعمين الرحيل غدا؟" " آمل أن أرحل ظهراً" ""إن الوقت الآن متأخر، ولا أريد أن أحرمك من راحتك. سيكون أمامك الكثير من التفكير الليلة. أو هكذا أتمني". لم يتحدثا كثيرا في الطريق لبيتها، وعندما وصلا نظر إليها كارتر قائلا: "لن أتمكن من المجئ غدا لوداعك، وأتمنى لك حظا سعيدا الآن. سأتركك هنا يا ستاسي، عودي لبيتك سريعا". نظرت ستاسي للشاب النحيل القوي وهو يذهب وشعرت بفراغ وبرودة في قلبها.اتجهت للمصعد ثم دخلت شقتها بهدوء وهي تتساءل عن صحة قرارها بترك البيت و ألأصدقاء الوحيدين لها. بعد ساعة غلبها النعاس وهي مصممة مرة أخري علي المضي في خطتها بالرحيل إلي تكساس.
2-جفاء اللقاء الأول
قرأت ستاسي علامة الطريق التي كتب عليها : ماكلاود _ 10 أميال ,ثم أحنت ظهرها , وفردت عضلاتها المتقلصة , فقد أثرت فيها قيادة السيارة لمدة يومين ونصف .ولكنها كادت أن تصل , نظرت في مرآة السيارة...لم يظهر الإجهاد إلا في عينيها , وكانت ثيابها المكونة من بنطلون زيتوني وقميص أصفر ليموني محتفضة برونقها . فيما سترتها المكملة للبنطلون في المقعد الخلفي إلي جوار كلبها النائم. كان حصانها هادئا في مقطورة خاصة ملحقة بالسيارة بعد أن أثار ضجة عندما شحنته في بيكوس. أبطأت ستاسي من سرعتها وهي تقترب من المدينة وتستوعب معالم المنطقة , ووقفت عند محطة بنزين علي مشارف المدينة . أشارت لكلبها أن يتبعها . أعجبت ستاسي بنظافة المكان علي رغم من قدم المبني . وجاءها فتي من المكتب وفي عينيه نظرة إعجاب لم تلحظها وسأل : "هل أملأها ياآنسة؟" أجابت مبتسمة للهجته الجنوبية الرقيقة: "نعم من فضلك , وافحص تحت غطاء السيارة ". تركت ستاسي الكلب يلهو إلي جوار المحطة , ودخلت المكتب هربا من لظى الشمس فوجدت رجلين بالداخل, أحداهما وهو الأكبر سنا , يرتدي ثياب العمال . أما الآخر فكان ظهره إليها , وكان يرتدي بنطلونا أزرق وقميصا ذا مربعات . كان شعره داكنا من السواد تحت قبعته البنية التي بقعها العرق . وحجبت قامته الطويلة وعضلاته القوية ستاسي عن نظر العامل , إلي أن مشت جانبا إلي الطاولة حيث وضعت بعض الحلوى . وقال العامل: " عن إذنك يا كورد . هل يمكنني معاونتك ياآنسة ؟" " نعم , أريد قطعة من هذا الشوكولا تة ". "بالتأكيد .لا تظنيني متطفلا ياآنستي , ولكن لكنتك تنم عن أنك لست من هذه المنطقة ؟" ضحكت ستاسي وقالت: " لم أكن أعرف أن لدي لكنة خاصة , ولكن هذه مسألة نسبية . إنني من نيويورك وساقضي الصيف هنا ,هل يمكنك أن تدلني علي عائلة تدعي نولان .فقد استأجرت كوخ الصيد الخاص بهم". في هذه اللحضة استدار الرجل الثاني إلي ستاسي , ودهشت لنظرة العداء البادية في عينيه , وشعرت بالحيرة, وسمعته يودع العامل ويخرج إلي سيارته الجيب . ماذا فعلت لتستحق تعبير العداء في عينيه؟ حاولت التخلص من التفكير في نظرته , واستدارت للعامل الذي كان يخاطبها قائلة: "آسفة . ماذا قلت ؟" " قلت إن آل نولان يديرون دكان البقالة في المدينة ". ثم وصف لها كيف تصل للدكان وشكرته. دخل الفتى الذي تركت له سيارتها وقال : "لقد وضعت أيضا بعض الزيت . يالها من سيارة . أراهن أنها تترك باقي السيارات خلفها في الطريق". قال الرجل الكبير : " كفي يا بيللي لا شك أن الآنسة تقدر إعجابك بذوقها في السيارات". دفعت ستاسي حسابها وضحكت قائلة: "يجب أن أتصل فورا بآل نولن وإلا سيحل ال؟لم قبل وصولي لمنزلي الجديد". " اتبعي توجيهاتي ولن تضلي . إا موللي نولن تكون هناكدائما بعد الظهر , وهي تعلم مكان زوجها". صفرت ستاسي لكاجون وأشارت مودعة العاملين , وبدا لها أن أهل المنطقة ودودون ,أوعلي الأقل اثنين منهم , لكنها لن تدع العداء الظاهر لرجل غريب يفسد أول زيارة لها للمدينة. ولو لم يكن كريها لاعتبرته رجلا وسيما , فشعره داكن وعيناه بنيتان وقامته طويلة ,ولكنه تصرف كما لو كانت تحمل عدوى الطاعون . حقا لم يكن هناك أي داع للتفكير في نظرته هذه , فربما لا تراه مرة آخري . وشعرت ستاسي من ملامحه الواضحة , وخطوط فكيه , وذقنه المستقيم أنه رجل لا يستسلم أبدا. وصلت ستاسي إلي دكان البقالة . أوقفت سيارتها . كان الطريق العام جذابا , وكانت فيه صيدلية عند المنعطف يليها دكان البقالة , ثم مكتب البريد ثم متجر للملابس ومقهى ,وفكرت ستاسي : إنها ليست مدينة كبيرة ولكنها تكفي احتياجات مجتمع المزارع حولها. دخلت الدكان فوجدت سيدة صغيرة الحجم ,يبدو علي ملامحها حنان الأمومة , في حوالي الأربعين من عمرها, تجلس خلف طاولة . كان شعرها رماديا ويغطي قوامها البدين ثوب منزلي بسيط مما ذكر ستاسي بمطبخ يمتلئ برائحة الفطائر الطازجة . قالت لها ستاسي: " معذرة , هل أنت سيدة نولان؟" "نعم ,أيمكنني مساعدتك؟" "أنا ستاسي آدامز , وقد استأجرت كوخكم لهذا الصيف". "طبعا يا طفلتي ! كان يجب أن أعرفك في الحال , فليس لدينا زوار كثيرون , لقد قلت فعلا أنك ستصلين في أوائل شهر مايو ولكني نسيت , أعتقد أنك حريصة علي الوصول للكوخ قبل حلول الظلام". "نعم , فأنا أنوي قضاء الليلة هناك يا سيدة نولان ". "يا إلهي . ناديني بموللي وإلا ظننتك تخاطبين إنسانة أخرى . سيصل زوجي فورا ليصحبك . نظفنا الكوخ ولكنه ما زال قاحلا . فالرجال لا يهتمون كما تعلمين . فإذا وجدوا مكانا للجلوس , وآخر لاعداد الطعام لا يهمهم وجود ستائر علي النوافذ , أو مفرش علي المائدة". أجابت ستاسي وقد أدركت أن السيدة لاحظت ثيابها الأنيقة وظنت أنها تتوقع مسكنا فاخرا: "أنا واثقة أن الكوخ مناسب لي . وأرجو أل تكوني قد أجهدت نفسك من أجلي". قال صوت خلف ستاسي: "معذرة ..." استدارت فوجدت نفسها وجها لوجه مع الغريب الذي قابلته في محطة البنزين , وبدون أن تقصد رفعت عينيها لتلتقي بعينيه ولكنه لم يبدأنه عرفها . قالت موللي نولان وهي تمد له يدها مبتسمة : " إنني سعيدة لمجيئك يا كورد , أريدك أن تقابل آنسة ستاسي آدامز , لقد استأجرت كوخ الصيد عند التل الملاصق لسلسلة الجبال الشرقية. ستاسي هذا هو كورد هاريس مالك الكوخ الرسمي , وتبعد مزرعته حوال عشرة أميال عن الكوخ". دهشت ستاسي للقاء الغريب مرة ثانية , وأجابت بأدب ثم رفعت عينيها فوجدت نفس نظرة العداء والسخرية في عينيه , وراح ينظر إلي وجهها ثم إلي بلوزتها الصفراء والبنطلون المكوي , والحذاء الأنيق ثم عاد ينظر في سخرية إلي وجهها .شعرت ستاسي أن أناقة ثيابها أكثر من أن ترتدي في هذه البلاد الخشنة . أحست بالاحراج , وقد التهبت وجنتاها وأغضبها أن هذا الـ كورد هاريس استطاع أن يشعرها بأنهامتصنعة بشكل رخيص , فدفعت ذقنها إلي الأمام في تحد . وقال الرجل ورنة السخرية في صوته : " أرجو ألا تجدي بلادنا قفرة ومنعزلة بالنسبة لك ". "أنا واثقة من أنني سأستمع بوجودي هنا , لقد أشعرني معظم الناس أنني في بلدي". قالت السيدة نولان: "فعلا . إننا لا نري الكثير من الشابات الجميلات مثلك هنا ,وبمجرد أن يعرفوا أنك في الكوخ هذا الصيف سيدق شبابنا طريقا لبابك". ابتسمت ستاسي قائلة : " أشك في هذا , ولكن مجاملتك لي لطيفة "" وتدخل كورد قائلا : " ألا تخشين الحياة وحدك في كوخ مهجور؟ بعد عدة ليال من الوحدة ربما تهربين بصحبة احد شبابنا ". أجابت ستاسي وقد أغضبها استخفافه بها : " هذا ممكن , ولكنه مستبعد , جئت إلي هنا لأكون وحدي . إني أنوي يا سيد هاريس أن يكون لي أصدقاء ولكن لا أنوي الانخراط في المجتمع". " أنوي! قلتها بلباقة , إنها تعطيك حرية أن تفعلي ما تشائين . لا يبدو عليك أنك تستطيعين الحياة في عزلة مدة كبيرة ". حاولت موللي أن تمنع الصدام بينهما فقالت: " كورد , لا أعتقد أن هذا مجال الحكم علي آنسة آدامز وخططها . والآن اعتذر عن سوء أدبك". لمس قبعته بسخرية وقال : "أعتذر إذا كان كلامي بلا أساس , أرجو أن تستمتعي بإقامتك هنا مهما طالت يا آنسة آدامز ". أومأ المزارع المتجرف مودعا السيدة نولان وأخذ مشترياته وخرج قبل أن ترد عليه ستاسي ,وقد بلغ بها الغضب حدا جعل الكلمات تخذلها . أنها لم تلتق أبدا بمثل هذا الرجل الوقح المتعجرف الساخر . واستدارت للمرأة المندهشة قائلة: "من يظن نفسه هذا الرجل ؟" " لا تهتمي لكورد , إنه صريح في التعبير عن رأيه , ولكنه حقا جذاب بالرغم من كل هذا الصخب". " أتمني لو أنه يعيش علي بعد عشرة ألاف ميل وليس عشرة فقط, ماذا فعلت لأستحق هذا الهجوم؟" "لا شئ يا عزيزتي بالطبع . ربما ذكرته بشخص آخر . أعتقد أنك تودين شراء بعض الحاجيات , سيكون زوجي هنا في أي وقت". دأت ستاسي في انتقاء حاجياتها وعادت لموللي فوجدتها تتحدث مع رجل أصلع نحيل , فخمنت أنه السيد نولان .سألتها موللي: "حسنا يا عزيزتي هل وجدت كل ما تحتاجين ؟" ثم استدارت للرجل الواقف إلي جوارها قائلة : "هذه آنسة آدامز يا هاري , وهذا زوجي وسيصحبك إلي الكوخ". مدت ستاسي يدها إلي الرجل وهي تقول: "يسعدني لقاءك يا سيد نولان". وسلم عليها بحماسة قائلا : " قالت موللي أنك شابة جميلة ولكن لم تقل إلي هذا الحد . بالتأكيد ستضيئين مدينة رعاة البقر هذه , وأرجو أن يناسبك الكوخ فهو ليس أنيقا". " أنا واثقة أنه سيناسبني , فقد اعتدت الحياة الخشنة مع والدي". سألتها مولي : " هل سيلحق بك والدك ؟" "لا ... لقد قتل في حادثة طائرة منذ شهر". وبدات موللي تتكلم : "إنني جد آسفة . لم أقصد..." وقاطعتها ستاسي: " ما كنت لتعلمين ". ثم سألها نولان : "ماذا عن والدتك؟ هل توافق علي سفرك وحدك ؟" " لقد توفيت والدتي بعد ولادتي بمدة قصيرة , فأنا الآن وحيدة . ولكن لا تقلقوا علي لوجودي وحدي , فمعي كلبي الراعي الألماني , وأنا واثقة أنه يستطيع التغلب علي أي حيوان من ذوات الأربع يضايقني , والصنف ذي القدمين أيضا". وضحكت ستاسي وهي تفكر في كورد هاريس . " إن هذا النوع من الكلاب طيب , وسيرعاك حقا ". ودفعت حسابها وهي تقول : " أرجو ألا يضطر إلي هذا . حسنا يا سيد نولان إنني مستعدة للذهاب إذا كنت أنت مستعدا". "أين أوقفت سيارتك ؟" " أمام الصيدلية ". " سألقاك بعد خمس دقائق بسيارتي الجيب , وتستطيعين أن تتبعيني". ثم خرج فقالت موللي: " إذا احتجت لأي شيء ,أو شعرت بالوحدة , ما عليك إلا الحضور للمدينة , فأنا وزوجي يسعدنا وجودك معنا في أي وقت ". أثر فيها حنان المرأة واهتمامها فقالت : "سأتذكر كلامك ولكني أريد أن أستمتع بالهدوء فترة". " الناس هنا ودودون ويسعدهم معاونتك . فلا تترددي في طلب المساعدة , إذا صافتك أية مشكلة . إن الهدوء شيء جميل ولكن لا تنعزلي تماما عن الناس , تذكري أننا نرحب بك دائما ولا تخجلي من طلب المساعدة". " لن أخجل . أشكرك مرة أخري وسوف نلتقي ثانية". وصلت إلي سيارتها ووضعت مشترياتها في الخلف ثم هدأت من روع كلبها وبحثت عن سيد نولان . بدأ ديابلو يحدث جلبة في الشاحنة , فدخلت إليه وأدار الحصان رأسه لها ونفخ في وجهها , وأخذت تحدثه برقة لتهدئة وهو يحرك أذنيه لالتقاط كلماتها , ولكن عينيه ظلتا تتدحرجان في ضجر . ونظرت لأعلي فوجدت سيد نولان في سيارته , وخرجت من الشاحنة بينما خرج هو من سيارته لملاقاتها وسألها : " هل أنت مستعدة للذهاب؟" " نعم , كنت أتأكد من أن كل شيء علي ما يرام في المقطورة ,أخشي أن يكون حصاني سيئا في السفر". " هذا حصان براق للغائة . ماهي سلالته ؟" "غالبا عربية ". "أنا لا أميل لها فهي متقلبة , وأفضل حصانا مستقرا في أي وقت . حسنا من الأفضل أن نذهب وسيكون من السهل أن تتبعيني , فالطريق ليس في حالة سيئة ". لم يكن من الصعب أن تتبعه . مرا ببعض المنازل ثم أتخذا طريقا مرصوفا بالحصي يتجه شمال المدينة , وبعد فترة دخلا طريقا وسط التلال ثم الجبال , ثم مضيا في طريق جانبي صغير بعد حوال عشرين ميلا . وخافت ستاسي من التفكير فيما يمكن أن يحدث لسيارتها , داعية ألا تسقط في أحدي الحفر وهي تركز تفكيرها علي مؤخرة السيارة الجيب المتأرجحة أمامها , ونظرت للمقطورة في المرآة وهي قلقة , سيكون حصانها عصبيا لأقصى درجة عند وصولهم الكوخ. كانت غابات الصنوبر من الكثافة بحيث تحجب الرؤية علي الجانبين، وأشعة الشمس قادمة تمر من خلال فتحات في الأشجار. وقلت كثافة الأشجار عندما هبطت السيارة الجيب تلا صغيرا. وعند وصولها لقمة التل رأت ستاسي مرجا يانعا يهدر خلاله جدولا, ورأت علي يسارها كوخا صغيرا يحتضنه حائط أخدود جبلي ,وإلي جانبه حظيرة ومبني ملحق , وعندما نظرت إلي يمينها رأت المروج تنحدر من الجبال إلي النهيرات . كان الوادي رائعا أكثر من أية صورة رأتها في حياتها . وعندما وصلت ستاسي كان هاري نولان واقفا إلي جوار شرفة الكوخ الخشبية. وهتفت وهي تنظر للجبال : "يا للجمال !" "نعم . سأريك دأخل الكوخ". ابتسمت ستاسي وتبعت الرجل المتغضن إلي الكوخ. كانت في الغرفة الرئيسية مدفأة مملؤة حطبا فوقها رأس غزال محنط , وإلي جوراها كمية كبيرة من الحطب , وضمت الغرفة أريكة واحدة وكرسيا هزازا. أما المطبخ فكان مكونا من بعض الخزائن المعدنية فوق حوض من الصيني , له حنفية بمضخة , ولحسن الحظ وجدت ستاسي موقد غاز . وفي وسط المطبخ كانت هناك مائدة وكرسيان . ورأت لمسة موللي نولان في المفرش والستائر الحمراء , وربما كانت المرأة الحنونة مسؤولة عن وجود الوسائد علي الأريكة والبطانية المصنوعة من شعر الخيل . وشرح لها هاري نولان كيفية إضاءة مصابيح الغاز , ثم أراها غرفة النوم وقد ملأ الغرفة الصغيرة سرير كبير ذو أربعة أعمدة عليه لحاف بألوان مختلفة , وخمنت ستاسي أنه من عند آل نولان , وكان في الغرفة أيضا خزانة صغيرة ومكان لتعليق ثيابها خلف الباب . ابتسمت ستاسي في بهجة قائلة: "إن هذا رائع . لا أستطيع التفكير في شيء ينقصه". لمعت عينا هاري لحماستها وقال: "يسعدني أنه يلائمك وستسعد زوجتي أيضا لهذا , والآن سأساعدك في إدخال حصانك للحظيرة إن شئت". قبلت ستاسي معونته , وقادت سيارتها بحيث جعلت ظهر المقطورة نحو باب الحظيرة الذي فتحه نولان . ثم نزلت من السيارة ودخلت الحظيرة الخالية إلي جانب الشاحنة حيث كان حصانها المتبرم . أخذ الحصان يسحب الحبل الذي يمسك به في قلق بدون أن، يعطي ستاسي فرصة لتخليصه , وحاولت أن تهدئه ولكن ثورته ازدادت حتي فك عقدة الحبل . وبمجرد أن وجد نفسه حرا شب للخلف جاذبا الفتاة معه إلي خارج الشاحنة . وومض بياض عينيه , متوعدا وهو يرقص حتى بلغ أرض الحظيرة . وتركته ستاسي بسرعة ليركض حول الحظيرة. أخذ الحصان العربي يدور حول الحظيرة في حذر وعرفه الأصفر وذيله يشقان الريح . ثم أنتبه لوجود الرجل الغريب , فهاجمه إلا أن الرجل قفز من أمامه برشاقة مدهشة , وقال هاري: " هل يفعل هذا كثيرا؟" قالت معتذرة : " لحسن الحظ لا . إنه يثور مرة كل حين بدون استفزاز ظاهر". نظر هاري إلي قوامها النحيل وقال : " كيف تسيطرين عليه؟ إنه يستطيع أن يمشي فوقك كما لو كنت هواء". " يبدو أن بيننا نوعا من التفاهم , ولو أني أحيانا أعتقد أنه لا يكاد يحتملني". ثم غيرت الموضوع وسألت: "هل توجد طرق كثيرة أصلها علي صهوة الحصان" " كثيرة جدا . فمعظم الطرق تؤدي إلي أعماق الجبال أو الوادي, وبعضها يتفرع للدائرة". قال ذلك وهو يشير للغرب . فردت وهي تظلل عينيها من الشمس: "أين تقع الدائرة بالتحديد ؟" سألت لأنها كانت تنوي تجنب هذا المكان بالذات. " هذا الكوخ يقع علي أرض كورد , ونحن نستأجره ونستخدمه للصيد . أما بيت المزرعة فيقع علي بعد تسعة أو عشرة أميال من هنا .أرضه شاسعة ويديرها بيد من حديد , ولكن رجاله لا يعترضون لأنهم يعرفون موقعهم منه . إنه يدفع رواتب جيدة ويتوقع عملا جيدا في المقابل". كان هذا مطابقا لفكرة ستاسي عنه . ربما كان يتفقد العمل وفي يده سوط. قال الرجل المسن: " قالت موللي إنك التقيت به في المحل , بالطبع تعلمين أنه أعزب": لم تجب ستاسي بل نظرت لحصانها وهو يأكل ,وفكرت : أية امرأة تستطيع تحمله ؟ استرسل في كلامه متجاهلا نظرة الضجر في عيني الفتاة : " منذ حوال ست سنوات ظننا أنه وقع , ولكن الفتاة فضلت أحد رجال البترول . لم يكن يحب تلك الفتاة فقد كانت تظن نفسها أفضل من أهل المنطقة. إنه أحسن حالا بدونها ". أعجبت ستاسي في قرار نفسها بالفتاة التي استطاعت أن ترد راعي البقر المتعجرف علي عقبيه. " أصلح بيت جدته من أجلها , وأنفق عليه مبلغا كبيرا من المال , وهو يعيش هناك الآن وحده مع مديرة منزله". دخل هاري سيارته وقال : "علي الإسراع حتى أصل بيتي قبل حلول الظلام , وإذا احتجت أي شيء بلغينا ". "سأفعل يا سيد نولان . أشكرك علي كل ما فعلته من أجلي وأقدر معونتك". وشدت علي يده بمودة . وقفت أمام كوخها , ترقب رحيل سيارة الجيب حتى اختفت وغلفتها الوحدة وجاء كلبها من ورائها , ودفع أنفه في يديها فركعت إلي جانبه تداعب شعره بخشونة وابتسمت قائلة: " لست وحدي ... أليس كذالك ؟ طالما أنك معي , هيا نعد بعض الطعام لنأكله".
3- لا ... لن نتفاهم
مضى يومان منذ وصولها , قضت اليوم الأول في إخراج حاجياتها من الحقائب وترتيبها . وكان عليها أيضا أن تنظف السيارة والمقطورة . وفي المساء ركبت حصانها للتريض في المرج حتى تعوده علي المناخ الجديد . أما اليوم الثاني فقضته في استكشاف الجبال الشرقية. وقد خلبت المناظر الطبيعية لبها . لم تقطع هذه المسافة أبدا من قبل, بدون أن تلتقي بأية علامة للمدينة ,فيما عدا بعض قطعان الماشية في الوادي . ومن العجب أن الأمسيات مرت بسرعة بالنسبة للفتاة . فهي تجلس في الشرفة حتى يختفي الضوء , بعد أن تعد طعامها وتطعم الحصان والكلب. ولأول مرة منذ أسابيع تشعر ستاسي بالسكينة بين الطبيعة الصافية في الوادي حتى اختفي قلقها وحزنها . لم يعد هناك شيء يهم إلا أن تحيا ... كانت علي صواب عندما عزلت نفسها عن بقية الناس . ولكن جزءا منها لم يكن يريد الذهاب بالرغم من انه كان عليها أن تفعل ذلك. وفي الليلة السابقة كانت قد كتبت رسالة إلي كارتر تخبره أنها وصلت بسلام وبدأت في الاستقرار . وفي هذا الصباح كانت تنوي أن تركب حصانها بحثا عن صندوق بريد في إحدى المزارع , حتى لا تضطر إلي الذهاب للمدينة لإرسال الرسالة . ولم تلحظ أية صناديق بريد عند مجيئها , ربما بسبب تركيزها علي الطريق. دخلت الحظيرة وأخذت اللجام ثم اقتربت من الحصان الأحمر الذي بدأ يتراجع أمامها ز وتجاهلت علامات الغضب البادية عليه , وقالت وهي تقترب منه: " حسنا يا ديابلو و لا تكن صعب المنال , الصباح أجمل من أن أضيعه في السيطرة عليك". وقف الحصان متضايقا وهي تكلمه برقة .مدت يدها له ومد هو أنفه إليها بتردد, ثم نفخ برقة في يدها واستسلم لها وهي تلجمه وتسرجه . كان رد فعله للسرج يختلف في كل مرة , فتارة يقبله بهدوء , وتارة يتصرف كحصان صغير لم ير سرجا من قبل . وصفرت لكاجون , ليتبعها وركبت الحصان في اتجاه الطريق العمومي . كانت أشعة الشمس تسقط علي ظهر الحصان النحاسي وتبرز بياض رداء الراكبة . وأخذ كاجون في فحص علامات الطريق , بينما انطلقت ستاسي علي الحصان في اتجاه المدينة ز وعندما أبطأت من سرعة الحصان لم يعجبه هذا فحاول التخلص من اللجام . وصارعت للسيطرة عليه حتى فاتها النظر إلي المناظر الطبيعية حولها . بيما الحصان يشب للخلف لاحظت أن السرج ينزلق من علي ظهره. أوقفت الحصان , ونزلت . ولكن الحصان هاج وأخذ يضرب برجليه مانعا ستاسي من الاقتراب منه , وبينما كانت منهمكة في كبحه لم تلحظ اقتراب سيارة منها , فالتفتت ولكن الحصان مر بجانبها فأسرعت تشد اللجام. أثارت ضجة السيارة ثائرة الحصان أكثر حتى استاحلت السيطرة عليه . حاولت ستاسي منع ديابلو من الانفلات وكانت تعلم أنها لن تستطيع الإمساك به أبدا إذا هرب في هذا الفضاء الواسع أمامها. ونظرت ستاسي بطرف عينها فعرفت الرجل الأسمر , ذا القوام الفارع الذي خرج من السيارة واتجه إليها , أنه كورد هاريس من بين كل الناس وآخر شخص تود رؤيته الآن. قال بصوت خفيض: "يبدو أنك تواجهين بعض المشاكل يا آنسة آدامز؟" قالت ستاسي في تهكم وهي تتنفس بصعوبة بسبب مجهود الإمساك بالحصان: "يا لها من ملاحظة ذكية!" أخذ الرجل منها اللجام وأشار لها أن تتراجع للخلف . جدد ديابلو معركته من أجل الحرية عندما رأي الرحل الغريب , ولكنه لم يستطيع مقاومة كورد الذي أمسك اللجام بقوة حتى استقر الحصانعلي أرجله الأربع , وبدأ يهدأ. نظرت ستاسي لكتفي الرجل العريضتين بعضلاتهما القوية تحت سترته , وراقبته وهو يمر بيده علي عنق الحصان . لم تكن تتصور أن هناك من يستطيع أن ينتصر في صراع مع هذا الرجل القوى . في هذه اللحظة استدار لها كورد , والتقت عيناهما . وعلي الرغم من محاولتها لم تستطع منع نفسها من النظر في عينيه الداكنتين اللتين تشعان نار عميقة وغريبة. وكسر هو حدة الصمت قائلا: " أنصحك بشراء حصان آخر . فمن الصعب علي فتاة صغيرة مثلك السيطرة علي مثل هذا الحصان " " أشكرك ولكني لم أطلب نصيحتك ولا معاونتك". "لم يبد لي أنك تقومين بمهمتك بمهارة , ولكن ربما كنت مخطئا ". قالت وهي تشير إلي سيارته الأنيقة ذات اللون الذهبي والبني : " كنت علي وشك السيطرة عليه , لولا مجيئك في هذا الشيء المزعج الذي زاد من ثورته". "لم أكن أدري أنني يجب أن أستأذنك عندما أسوق سيارتي في طريق عام. إذا كان حصانك يخاف السيارات لا تركبيه حيث يتحتم أن يلتقي بها ". وشعرت أنه أدي لها صنيعا , ولم تتصرف بلباقة فقالت بمرارة: " آسفة . كان يجب ألا أقول هذا , إنه عصبي المزاج في بعض الأحيان مثل هذه المرة". " أرجو ألا يحدث هذا كثيرا , وإلا وجدت جثتك في مكان ما بين الجبال , عندما يلقي بك ثانية". " إنه لم يلق بي ,أنا التي نزلت لأصلح وضع السرج ". نظر إلي السرج في عبوس قائلا: " أعتذر لمهارتك كفارسة , ظنت انك افترقت عنه بطريقة أكثر مأساوية". ضحكت وقالت: " لا , ولو أن هذا حدث مرة أو مرتين". أخذت تلاطف الحصان بينما راح كورد يصلح السرج , ثم استدار لمواجهة ستاسي وشعرت بنظرته واستدارت لتلتقي بها , ولكنه أدار بسرعة قبل أن تري تعبير عينيه . وعندما نظر إليها مرة آخري لم ينم وجهه عن أفكاره فأشاحت بوجهها فسألها: "هل كنت تتجهين لمكان معين ؟" " كنت أبحث عن صندوق بريد". "صندوق بريد ! وأين ظننت أنك تجدين هذا الصندوق؟" وعادت إليها كراهيتها لهذا الرجل المتعجرف فدافعت عن نفسها قائلة: " كنت أقصد صندوق بريد خاص بأحدي المزارع , حيث يسلم رجل البريد الرسائل ويأخذها". " آسف لتخليصك من وهمك يا آنسة آدامز , ولكن لا يوجد صندوق بريد من هنا إلي المدينة . لقد نسيت أن هذه البلاد ينقصها الكماليات التي يعتبرها أهل المدن ضروريات". قالت بعصبية : "لم أكن أعرف ذلك . ثم إني لا أعتقد أنه لطيف منك أن تحط من شأن إنسان بسبب جهله بأمر ما". وواجه غضبها وتحديها بهدوء قائلا: إنني لا أحط من شأنك , بل أريد أن أنصحك بأنك سترتاحين أكثر إذا عدت إلي حيث تنتمين". "سيد هاريس ,لا أظن أن انتمائي من شأنك , والأفضل لك أن تبتعد عن طريقي حتى أنال شرف وداعك". رمقها بغضب وأوشك أن يتكلم , ولكنه أغلق فمه . أما ستاسي فأصرت علي تحديها بالرغم من شعورها بالندم علي كلماتها المتسرعة . وقفا يرمقان بعضهما وفجأة أخذها المزارع بين ذراعيه .أمسك بها بقوة قائلا بشراسة : " اسمحي لي أن أعاونك في طريقك". وأذهلها تصرفه حتى أنها لم تحاول أن تقاومه ,بينما أخذ قلبها ينبض بشدة , وأدركت انها تلعب بالنار بتحديها لهذا الرجل. ووضعها بلا مجهود علي سرج الحصان ورمي لها حبل اللجام . فامسكت به , ونظرت إلأي عينيه المتوهجتين. وقال باستهزاء : " هذا ما أردت . أليس كذلك ؟" ردت عليه بعد أن استعادت هدوءها: "كما قلت من قبل يا سيد هاريس , أنا لم أطلب مساعدتك". "إن الناس هنا لا يطلبون أي شيء . إنهم إذا أرادوا شيئا يفعلونه ". أحس ديابلو بالتوتر بينهما وأخذ يتراقص . لم تجب ستاسي لاعتقادها بأن أي شيء تقوله سيزيد من حدة الموقف . ولم تشأ أن تثير غضبه مرة آخري لخشيتها من العواقب . واستجمعت رباطة جأشها بقدر الامكان وأدارت الحصان حول قوامه المهيب , وشعرت بعينيه تنظران لها وهي تعود بالحصان من حيث أتت . لقد كواها شعورها بالمذلة ,ولكن كبرياءها منعتها من الإسراع في انسحابها. منعت نفسها بصعوبة من النظر ألي الخلف، ثم سمعت باب السيارة يقفل والمحرك يدار فأسرعت بدون توقف حتى وصلت إلي الكوخ. وتحول شعورها بالهوان إلي غضب جارف. بأي حق يعاملها هكذا؟ كان يتصرف كما لو كان من حقه أن يملي عليها ما تفعل, وأزاحت سرج حصانها بإهمال غير معهود, ثم جلست في الشرفة وهي ممتعضة. وأقشعر بدنها عندما تذكرت ما حدث. لو أنها قاومته, أو حتى شدت شعره الداكن أو خدشت وجهه! إنها لن تسمح لنفسها أن تضعف أمامه مرة أخري, وأقسمت أنه تقول له رأيها فيه بصراحة عندما يلتقيا مرة أخري لم تهدأ كبرياؤها الجريحة, علي الرغم من جمال الطبيعة حولها. كان الوقت ظهرا ولكنها فقدت شهيتها للطعام فأخذت ثوب البحر وذهبت للجدول القريب من الكوخ . غطست في الماء وكاجون ينتظرها ويحرسها في ظل شجرة قريبة . وبعد حوال ساعة خرجت من الماء وجلست مسترخية إلي جوار كلبها . هدأت أعصابها بعد مجهود السباحة , ولكن كراهيتها للمزارع المتعجرف بقيت كما هي . وفكرت في العودة لنيويورك ولكنها تذكرت نصيحة كورد هاريس بالعودة فلم تشأ أن تعطيهما أراد ووقفت قائلة: "سوف نبقي يا كاجون . وأكثر من ذلك سوف نستمتع ,لن نتجنب مزرعة سيد هاريس حتى لولم يعجبه هذا , وغدا سأذهب إلي المدينة لأرسل الرسالة قبل أن يبعث كارتر بفرقة للبحث عنا". عادت للكوخ وقد ارتفعت روحها المعنوية , وعلت وجهها إمارات الرضي . كانت متأكدة من أنها لن تدع كورد هاريس يتغلب عليها في أية مواجهة مقبلة بينهما. وفي الصباح التالي تأخرت ستاسي في نومها فأيقظها كاجون. ارتدت ثيابها واعدت قهوتها. وأسرعت بإطعام الكلب و الحصان , وأمرت الكلب بالبقاء في الكوخ. ثم أستقلت الجاكوار إلي الطريق العام. أسرعت في طريقها للمدينة، ولكن هذه المرة استطاعت أن تتأمل المناظر حولها. بدت الجبال الحجرية العالية, كما لو كانت تحاول الوصول من البراري إلي السماء،بينما تغير لون قممها إلي الرمادي الداكن، مبرزة ألوان السهول الخضراء إلي أسفل. كان المنظر يسلب الألباب، بينما وزعت الأشجار بين الفينة و الفينة كما لو كانت علامات تعجب في الأفق. مرت ستاسي بالمكان الذي التقت فيه بكورد هاريس بالأمس، فأسرعت لرغبتها في نسيان ذلك الحدث. ولكن روحها المعنوية هبطت فتجاهلت المناظر الطبيعية، وركزت علي الطريق. كان من الصعب أن تنسي نظرة عينيه القاهرة تنفذ أليها بإمعان وهي علي ظهر الحصان. بعد نصف ساعة وصلت ستاسي إلي مدينة ماكلاود. كانت الشوارع هادئة من المارة.فأوقفت السيارة أمام مكتب البريد ثم دخلت , وحيت الموظف . وضعت رسالتها في صندوق البريد , وأوشكت أن تخرج لكنها عادت للموظف قائلة: "معذرة , هل هناك أية رسائل لستاسي آدامز ؟" "أنت الآنسة التي استأجرت كوخ نولان ؟ نعم كان لك رسالة ولكني أعطيتها لكورد ليوصلها لك , الم تقابليه ؟ قال انه يعرفك ,وانك جارته". دهشت ستاسي وقالت : "أعطيته رسالتي ؟ كان يعلم أنني سآتي للمدينة". قال الرجل المسن : "ربما نسي , وربما احضرها لك اليوم , فالناس هنا جيران طيبون". حاولت التغلب علي غضبها وقالت : "من فضلك احتفظ ببريدي مستقبلا حتى أتي لأخذه بنفسي". قال وهو ينظر إليها بتساؤل : "اجل يا آنستي ". شكرته بهدوء وخرجت ووقفت وترددت , إذ كان من الذوق أن تذهب للسيدة نولان وتشكرها علي مجهودها الزائد لأعداد الكوخ , دخلت محل البقالة فوجدت موللي تتحدث مع شابة حمراء الشعر معها طفلان نشيطان يجران ذيل ثوبها .ابتسمت لها السيدة نولان ابتسامة عريضة . والتفتت إليها الشابة مبتسمة ابتسامة مرحبة مثل موللي التي قالت وهي تمسك بيدي ستاسي : " ستاسي .كنت أتسال عن أحوالك ؟ قال كورد أمس انه التقي بك ويعتقد انك بخير". عضت شفتها حتى لا تعلق تعليقا لاذعا عنك ورد وقالت: "نعم ,أنني بخير وأحب الكوخ ,قال لي السيد نولان عن مجهودك لوضع اللمسة الأنثوية في الكوخ , وأريد أن أشكرك". " لا تشكريني فقط اشكري ابنتي أيضا ". وأشارت موللي للشابة الواقفة بجوارها وأكملت حديثها: " يسعدني انك جئت لأنني كنت أتطلع للقائكما . ماري هذه هي ستاسي آدامز .وهذه هي ابنتي ماري بوكانان". ابتسمت الشابة ومدت يدها لستاسي قائلة: "إنني جد مسرورة للقائك أخيرا . لم يكن هناك حديث لامي إلا عن هذه الشابة الجميلة التي تسكن وحدها في الكوخ , ولكنها لم تعطك حقك". "أشكرك ,لقد أشعرتني والدتك إنني في بيتي ". ابتسمت ماري لامها مداعبة وقالت: "ستظل أمي دائما كالدجاجة الأم التي ترعي الصغار , سواء كانوا كتاكيتها أم كتاكيت غيرها . لابد انك حزرت أن هذين الهنديين طفلاي . هذا جيف وهذا دوغال". ركعت ستاسي لتسلم علي الصبيين: قال جيف وهو يتأمل شعرها البني المتساقط حول وجهها البيضاوي الباسم: "انك جميلة جدا , تكادين تكوني أجمل من أمي". وضحكت ستاسي وشكرته , ونظرت ماري إلي ابنها الأكبر بغمز وابتسمت قائلة: " لقد أسرته , أن ذوقه جميل مثل والده". قالت موللي : " بالطبع ,ولا تنسي هذا أبدا". قالت ماري : " أمي دائما تذكرني بتوفيقي في زواجي كأنه من الممكن إن انسي ذلك . هل أنت في عجلة من أمرك ؟ ألا تأتين لمنزلي لتناول القهوة". استجابت ستاسي لصداقة السيدة الجذابة : "سيكون هذا رائعا . إن سيارتي واقفة أمام ..." "هذا حسن , سرنا إلي هنا والآن سنعود راكبين . أننا نسكن قريبا من هنا ". قالت موللي: " أسرعا كلاكما إذا , حتى استطيع أن أعود إلي عملي . اعتني بالولدين ولا تدعيهما يأكلان كل ألحلوي التي أعطيتها لهما". أخذت ماري ستاسي إلي منزلها الجميل المبني علي طراز بيوت المزارع . وخرج الولدان رغما عنهما من السيارة , وفتحت ماري باب المنزل وانتظرت إن تسبقها ستاسي ثم قالت ماري : " لقد أثارهما ركوب سيارتك وسيتذكران هذا لمدة طويلة". تبعتها ستاسي إلي المطبخ الكبير قائلة: " إنا أيضا استمتعت , فانا أحب الأطفال ". " لن أقول لك انتظري حتى يكون لك أطفال لأني أحب الأطفال ولا أبدلهما بالدنيا وما فيها . أكاد اجن من الأمهات اللواتي يتذمرن من أولادهن". جلست ستاسي الي المائدة قائلة: " أنني افهم قصدك ولو أنني قليلة الخبرة بالأطفال ". " قولي لي هل هناك من ينتظرك في بلدتك؟" تذكرت ستاسي كارتر ميلز فقالت : "تقريبا". قالت ماري : " تقريبا ! هل تقصدين انه لم يعرض الزاج بعد , وقد جئت لتشعريه بأنه يفتقدك؟" ثم أحضرت القهوة وجلست إلي المائدة وسالت : " بحليب أم بسكر؟" أجابت ستاسي: " لا . بل أريد قهوة سادة . لقد عرض علي الزواج قبل رحيلي ولكني لست واثقة من إني أريد الزواج ألان". " هل تحبينه؟" " اعتقد هذا . إنا لم اخرج مع شاب سواه , ونحن نعرف بعضنا بعضا جيدا لدرجة..." " افهم قصدك . لم تريدي إن تتسرعي في قرارك خاصة بعد فقد والدك". تنهدت ستاسي وقالت : " ربما يكون ذلك من الأسباب". شعرت ماري إن ستاسي في حيرة فقالت: " ربما عاونك بعدك عنه إن تعرفي إلي أي حد تهتمين به . لحسن الحظ لم يكن لدي أي شك في شعوري نحو بيل . انه طبي المدينة وقد شعرت لحظة إن جاء إلي المدينة وتسلم عيادة الدكتور جيبون , انه الرجل الذي أريد إن أتزوجه.كنت في الثانية والعشرين من العمر , وكنت اعرف العديد من الشبان". " إني أتساءل أذا كانت هذه هي مشكلتي . فقد كنت أسافر مع أبي في مهامه ,فلم ابق في مكان واحد مدة تسمح لي بمقابلة شبان في مثل سني , وعند عودتي كان كارتر دائما هناك . اعرف إنني افتتنت بأحد الصحافيين الذين عملوا مع والدي". ضحكت ماري قائلة: " اعتقد إن كل فتاة تمر بهذا . كان لي مثل هذا الشعور لكورد هاريس , كنت أطارده في كل مكان". " كورد هاريس؟" " نعم . لقد وقعت كل فتاة في المنطقة تحت تأثير سحره , في وقت من الأوقات". وعلقت ستاسي : " هذا الرجل عدو المرأة , لا أتصور إن يكون مهذبا مع أي شخص". " أواكد لك انه ليس عدو للمرأة . انه يشعر بالمرارة بعد تصرف ليديا مارشال السخيف معه , ولكنها مسألة وقت حتى تأتي فتاة ما , وتحطم الدرع الذي وضعه حول نفسه , وستفهمين عن أي شيء أتكلم عندما يطلق العنان لجاذبيته , فأنه لا يقاوم ". " انك تنظرين إلي فتاة تستطيع مقاومة سحره . انه بلا شك أكثر عجرفة وحقارة من أي شخص قابلته". اخفت ماري ابتسامتها بصعوبة وقالت: "أري انه ترك فيك تأثيرا واضحا . اعتقد انك تسرعت في الحكم عليه .حتى أذا تجاهلت وسامته الشديدة , وقوامه الفارع ستجدين فيه كل متطلبات الزوج والأب الفاضل . وإذا لم يكفك هذا فهو يملك اكبر مزرعة هنا ويكسب منها كثيرا ". " هذا حسن , ولكني ارثي للمرأة التي ستتزوجه . لقد تسرع في حكمه علي وإنا لن أتسامح وأدير خدي الآخر ليلطمه". قالت ماري وهي متحيرة : " لا بد إن الشرر يتطاير من عينيك عندما تلتقيان , وهذا غريب , لقد ظننت إنكما ستتفاهمان..." " لا إننا لن نتفاهم". ولكن ستاسي لم تستطع إن تقص علي الفتاة المتفهمة حادث الأمس . فقد كان شعورها بالهوان أقوي من ان تتكلم عنه. ودعت الأسرة الصديقة بعد الظهيرة , ووعدت بزيارتهم عندما تأتي للمدينة. وصلت ستاسي للكوخ في اقل من ساعة حيث حياها كاجون , وهو يهز ذيله بشدة ودخلا معا للكوخ وهما سعيدان . وبينما تعد ستاسي العشاء لاحظت وجود رسالة علي المائدة التقطتها , ووجدت مظروفا تحتها . وقرأت الرسالة : " آسف لأنني لم أجدك . تجرأت وأحضرت لك بريدك. ك . ه ." فمزقت الرسالة وألقت بها في المدفأة , وهي تقول بصوت عال : " يا لأعصاب الرجل . آسف لأنني لم أجدك . أما أنا فلست آسفة ". وبعد تناول طعامها أخذت قهوتها إلي الشرفة وقرأت رسالة كارتر والضوء يخبو
4- رجل لكل الفصول
ظهر خيال الحصان والراكبة وسط شمس بعد الظهيرة , وقفز الحصان عندا مرت في طريقه سحلية , ولكنه استجاب لكلمات راكبته الهادئة . واندفع الكلب كاجون من النهر عائدا إلي سيدته. نادت ستاسي الكلب مسرعة بالحصان وعلي شفتيها ابتسامة , وفي رأيها أنه لم يكن هناك ما هو أجمل من هذه الأرض القفر, وأسعدها أنها تعدت أخيرا حدود الدائرة هـ وكانت المناظر عجيبة بجمالها البدائي . فأوقفت الحصان بجوار بعض الأشجار ونزلت لتتأمل المنظر أمامها. خلعت قبعتها ونفضت الغبار عن بلوزتها البيضاء . وكانت تستكشف المكان منذ الصباح , ولكنها كانت مبتهجة بروعة المنطقة بالرغم من عضلاتها المرهقة . نظرت إلي ساعتها فعرفت أن عليها العودة للكوخ مباشرة حتى تصل قبل الغروب . فربما ضلت الطريق أذا حل الظلام. وتذكرت رسالة كارتر التي تسلمتها بالأمس . كانت تعلم أنه ما كان ليتعجل عودتها لو كان معها يستمتع بكل هذا الجمال . ولكن يجب عليها أن تعود فلا تستطيع أن تنعزل عن العالم إلي الأبد لقد أوحي لها جمال الطبيعة الخشن بهذا . فقررت أن تعود بعد أسبوعين أو ثلاثة , ستكون هذه إجازتها . وكانت واثقة أن هذه رغبة أبيها . وسوف تحصل علي عمل ما ربما في مكتب سفريات. والزواج؟ لم تكن مستعدة له . إن كارتر يهمها كثيرا ولا يرضيها أن تتمسك بفرصة الهرب التي قدمها لها . كانت ستاسي تريد أن تهب كل قلبها لزوجها وأسرتها , إذا هي تزوجت . وتمنت أن يفهم كارتر أنها تريد أن تستجمع شتاتها قبل أن يكونا حياتهما معا . انتعش الحصان من فترة الراحة في المروج فانطلق, وخففت ستاسي من قبضتها علي العنان , وتبعهما كاجون . نظرت ستاسي نظرة أخيرة للوراء. وفي تلك اللحظة سمعت صوت حية ذات أجراس وسط الشجيرات . وقبل أن تلتفت صرخ ديابلو وشب عاليا في الهواء . وفاق رعبه كل حدود , واستدار وألقي بالراكبة من علي ظهره بينما فر هاربا. سقطت ستاسي علي كتفيها , واصطدم رأسها بصخرة . شل الألم جسدها ولكنها حاولت مقاومة الإغماء بشجاعة .فاستندت إلي كوعها ورأت ديابلو يركض وسط المروج. ثم تبينت كاجون وهو يعدو إليها قبل أن تستسلم لظلمة الأغماء . تجهمت ستاسي وهي تستدير نحو مصدر الصوت , ووجدت نفسها في غرفة غريبة فقالت وهي خائفة: " أين أنا ؟ أبي أهو !" ثم أغمضت عينيها وقالت : " إني أتذكر الآن . لقد وقعت..." حذرها الطبيب قائلا: " لا تحاولي الكلام . كانت سقطة سيئة , ولكنك ستكونين بخير . أنا دكتور بوكانان زوج ماري". "هل ماري هنا ؟" " لا .إنك في الدائرة هـ . لقد وجدك كورد هاريس وأحضرك لمزرعته .إنك مدينة له بالكثير". هتفت ستاسي وهي تحاول ترك السرير: "لا . لا أستطيع البقاء هنا . لا أستطيع". أوقف الطبيب حركتها برقة قائلا: "اسمعي يا آنسة . إنك تحتاجين للراحة , وأنسب مكان لك هو هذا السرير". نظرت إليه بتوسل , ورجته أن يغير رأيه والدموع في عينيها . أما هو فأصر علي بقاءها . نظرت إلي الباب فوجدت كورد يسده. لم تدري منذ متى كان واقفا ينظر إليهما بشراسة. وشهقت قائلة : " لماذا... لماذا وجدتني أنت بالذات؟" جاء رده لاذعا : " أوكد لك أنني لم أكن أبحث عنك . لقد وجدت حصانك يجري وحده فعدت في الطريق الذي جاء منه". وقاطعه الطبيب قائلا: يكفي هذا القدر من الكلام ويحسن أن تستريحي". لم يكن لديها القوة لتقاوم الطبيب , أو مضيفها غير المرغوب فيه . فأشاحت بوجهها عنهما واستسلمت لآلامها وشعورها بالإحباط . التقت نظرتا الرجلين . نظرة المزارع متحدية وصامدة , ونظرة الطبيب باحثة متسائلة. وأخذ الطبيب معداته قائلا : "أعتقد أننا يجب أن نتركها ترتاح في هدوء". استيقضت ستاسي في المساء , وأخذت تتأمل الغرفة باهتمام , وهي راقدة في السرير . كانت غرفة النوم بأثاثها الأسباني الثقيل , وألوانها الجريئة المحددة تنم عن ذوق رجل, كان عليها نفس طابع شخصية كورد هاريس الصارمة. وأبرزت ألواح الخشب المصفوفة علي السقف , بياض طلاء الغرفة بينما زادت ألوان الستائر وغطاء السرير الحمراء و البرتقالية من خشونة طابع المكان. وجلست ستاسي في السرير وهي تقاوم الدوار الذي صاحب حركتها , ونظرت لثيابها فصدمت عندما رأت أنها ترتدي قميص نوم . كيف ومتى بدلت ثيابها ؟ من الذي عاونها في هذا؟ واحمر وجهها خشية أن يكون المزارع قد قام بالمهمة . هذا القميص يخصها , كيف حصل عليه ؟ هل بعث بمن يحضر أشياءها, ولكنه لن يجرؤ إلي ذلك! جاءها صوت خفيف من الباب: " حسنا . لقد عدت إلينا , ظننت أنك ستنامين طوال الليل ". رفعت عينيها لوجه الزائر غير المتوقع , والحمرة تعلو وجنتيها وتلعثمت قائلة: " كم الساعة الآن ؟" جلس إلي جانب السرير وهو ينظر إليها بتمعن : " بعد الثانية !" وسألها بدون أن يحمل صوته أي أثر لسخريته المعهودة : " كيف تشعرين ؟" " أفضل .أريد أن أشكرك علي كل ما فعلت. إنني..." "لا داعي للشكر . أعتبر نفسي محظوظا إذ رأيت حصانك . أكره أن أفكر كم من الوقت كان يمكن أن ينقضي قبل أن يجدك أحد دعيني أعدل من وضع الوسائد". كان صوته رقيقا خفيضا فأثر في قلبها تأثيرا غريبا. سمحت له ستاسي وهي خجلة أن يضيف وسادة وراء رأسها. شعرت بقربه فنظرت إلي وجهه بملامحه المحددة، وفمه الحازم، ولكنها رفضت أن تنظر إلي عينيه العميقتين. وشمت رائحة عطره الذي كانت تتذكره منذ لقائهما في الطريق. كان من الصعب أن تتجاهله. وكانت تخشي أن يسمع دقات قلبها، ولعنت تأثيره عليها. جلس وابتسم كما لو كان يدرك حرجها منه الذي يظهر عن حمرة وجنتيها، وعينيها المطرقتين. قال وصوته يغير نبرته الرقيقة إلي نبرة موضوعية: "ربما كان علينا أن نبدأ بداية جديدة يا ستاسي . لقد بدأنا بداية سيئة . الطبيب يرى أنه من الأفضل أن تبقي هنا حتى تشفي . وبما أن هذا وضع مؤقت فسيكون من السهل علينا تجاهل مشاعرنا الشخصية". أدهشها إقراره الصريح بالعداء فنظرت إليه , وهو يتأملها , وقالت : " حسنا هل نحن صديقان ؟" مدت له يدها بتردد , فاحتواها في راحته الكبيرة , وشعرت أنه أطال بقاءها في يده أكثر من اللزوم , ومع ذلك ضايقها تركه لها فجأة وقد قطب وجه كعادته ... وقف ونظر إليها فقهرها طول قامته وتفوقه عليها. وقال وهو يتحرك إلي طرف السرير : " أعتقد أنك تفضلين تناول الطعام علي سماع حديثي . سأبعث لك بماريا ومعها الحساء والشاي . علي فكرة كلبك بالخارج , وحصانك في أحدي حظائرنا.لقد تجرأت وأحضرت بعض أشيائك من الكوخ . أرجو ألا تمانعي." قالت وقد أدهشها الوداعة البادية في صوته : "لا". قال وعيناه تومضان : حسنا . ربما هذا يشغل بالك . إن ماريا هي التي أعدتك للسرير". استبد بها الغضب وهو يترك الغرفة , وفكرت : إنه لا يحتمل بالمرة . كيف خدعها برقته؟ وتصورت وهي غاضبة أنه يهزأ بها طوال الوقت . ولكنه كان علي حق في نقطة واحدة . كان عليها أن تهادنه مؤقتا حتى تشفي , وأجبرها نبض الألم في رأسها علي التفكير في أمور أكثر هدوءا. جاءت مدبرة المنزل ماريا وقد استعادت ستاسي هدوءها . ابتسمت المكسيكية المرحة وهي تضع الصينية وعليها الحساء الساخن علي حجر ستاسي: "هل الصغيرة تشعر بتحسن أم لا؟ الرأس يؤلمك كثيرا؟" أجابت ستاسي وهي تشم رائحة الحساء فقد كانت جائعة: " يؤلمني قليلا . رائحة الحساء طيبة" خرجت المكسيكية تاركة ستاسي تأكل , ثم عادت لتأخذ الصينية بعد أن انتهت ستاسي من شرب الشاي. ابتسمت ستاسي وهي تناولها الصينية: " كانت وجبة لذيذة يا ماريا ". ضحكت المرأة البدينة قائلة : " شكرا , إني طاهية ماهرة . سيد كورد يقول إنني أمهر طاهية في تكساس". ضحكت ستاسي قائلة : " ربما كان يبالغ قليلا , ولكن الطعام جيد جدا ". ساعدتها ماريا علي الرقاد وغطتها قائلة : " نامي الآن . ستشفين في وقت قصير , والطبيب يقول عليك أن ترتاحي وتظلي دافئة ولكن السرير كبير جدا" سألتها ستاسي إن كانت هذه الغرفة هي لكورد هاريس . أجابت المرأة : "نعم, فضل أن تنامي هنا وينام هو في المكتب". خشيت ستاسي ألا تستطيع النوم ولكن يتعين عليها النعاس بمجرد خروج المرأة من الغرفة . تراقصت أشعة الشمس إلي جانب سرير ستاسي . وجاءتها ماريا بإفطارها وساعدتها حتى اغتسلت . وربطت ستاسي شعرها بشريط يناسب لون سترة نومها حتى لا تمشط شعرها حول الجرح . شعرت يتحسن في صحتها وتجاهلت الألم في رأسها , وصعوبة التنفس من أنفها . كانت تتأمل زخرفة باب الغرفة الغربية , عندما فتح الباب ودخل كورد هاريس مبتسما: "صباح الخير. قالت لي ماريا أنك استيقظت. هل ترحبين بزائر؟" حاولت أن تخمن منذ الذي أتي لزيارتها: "زائر؟" قال كورد: "أدخل يا صاحبي" وفتح الباب لكاجون. قفز الكلب إليها ويهز ذيله فهتفت في سعادة: "كاجون!" صعد الكلب للسرير واخذ يلعقها فأنبته قائلة: "كف عن هذا يا غبي". قال كورد وهو مازال واقفا بلباب: "أنه سعيد لرؤيتك.لقد رفض الطعام هذا الصباح، ورفض أن يترك باب البيت. فقررت أن احضره إليك". دفعت ستاسي كلبها من فوق السرير, وهو ينظر إليها بشغف ثم قالت: "أرجو ألا يكون قد أزعجك, إن كلانا متعلق جدا بل أخر". "لدي عمل في المزرعة, لذا سأتركك في صحبة القلب. كلفت ماريا بإحضار بعض الكتب من المكتبة. اعرف أن بيتنا ليس بل أناقة التي اعتدتها. ولكن إذا رغبت في أي شيء, اطلبيه وسنحاول توفيره". "أشكرك. كل شيء علي ما يرام, وسأحاول ألا اسبب لكم أي مشاكل". " لن يحدث هذا. علي الأقل لن تسببي مشاكل لا استطيع معالجتها". وعادت إلي وجهه ابتسامته الساخرة وهو يغلق الباب خلفه سالت ستاسي كلبها: " هل عالج أحد الأمور معك من قبل؟" ترى ما الذي جعل كورد يتخذ منها هذا الموقف السلبي وفكرت: اعتقد أنه يستطيع أن يعالج أي شيء يصادفه. وبد بضع دقائق جاءت ماريا تحمل بعض الروايات والمجلات, ولاحظت ستاسي وجود بعض كتبها المفضلة فأخذت تقرأها. ومر النهار سريعا وهي تتوقع دخول المزارع عند أي دقة علي الباب وعندما ماريا لتأخذ صينية العشاء, أيقنت أن كورد لن يأتي.ومن الغريب أنها شعرت بخيبة الأمل لذلك،ولكنه عزت إحساسها هذا إلي شعورها بالوحدة ورغبتها في صحبة أي شخص مهما كان متعجرفا........
5- لقاء الماء والنار
تنهدت ستاسي وهي تسند رأسها إلي الوسادة , وتربت بحنان علي الكلب الراقد بجانها , بينما انسلت موجات شعرها البني في إهمال حول عنقها ملامسة حافة ردائها بلونيه الأصفر والبرتقالي . وبقليل من المساحيق , أخفت ستاسي احمرار أنفها , أخر علامات نوبة البرد التي هزت كيانها بالحمى في الأسبوع الماضي , ولكنها شفيت سريعا نظرا لجهود دكتور بوكانان الذي عالجها فور ظهور علامات المرض. كانت ستاسي مشغولة بالمناظر المحيطة بها خارج المنزل , حتى أنها لم تسمع وقع الخطوات الوئيدة علي أرض الشرفة الحجرية حين اقتربت منها وفي الحال تعرفت عليها , ألم تنصت لسماعها خارج غرفتها طوال الأسبوع الماضي ؟ إنها خطوات كورد هاريس. ونظرت إليه فإذا به ينظر إليها. جالت عيناها بقميصه الأزرق ذي الرقبة العالية الذي يبرز عرض منكبيه إلي وسطه النحيل. كان يرتدي بنطلونا اسود وحذاء عاليا. فأدهشتها أناقته غير المعهودة، وهي اعتادت رؤيته بثياب المزرعة. وكانت تعلم أن معظم الرجال الذين يعملون في الهواء الطلق، لا يستريحون إلا في ثيابهم العادية. كما لاحظت عدم وجود أثر للفح الشمس عند نهاية خط القبعة، أو بداية كم القميص مما يدل علي انه يسبح كثيرا في مياه الغدير. واحمر وجهها لإحساسها بأنها كانت تتفحصه , بينما مد لها يده بكوب من الشراب المثلج . فأخذته بخجل وهي تلمح ابتسامته الحائرة , ولكن كورد لم يعلق علي نظراتها بل جذب كرسيا وجلس بجانبها . وقال برقة : "تبدين بصحة جيدة . أرجو أن يروقك الشراب". " أشكرك , إنه طيب" شعرت بقربه منها , وشمت رائحة عطر الحلاقة الذي يستخدمه وهو يقول: " شعور جميل أن يخرج الإنسان بعد طول بقاء داخل البيت ". قالت ستاسي بعصبية وهي تشعر بحاجتها للاستمرار في الحديث: " نعم . أن لديك منظرا جميلا هنا . لا بد أنك فخور بمنزلك ". " ألا يضايقك قدمه ؟" صاحت وعيناها تتسعان : " لا . إنه جميل , لا بد أنك قمت بالكثير من التجديدات" قال مبتسما : " نعم . كان البيت الأول يشمل هذا الجزء . وكان يستخدم لرد هجمات الأعداء . وقد ألغيت الجناحين الجنوبي والغربي . وحتى ألان أعتقد أنه أوسع من احتياجات رجل عازب" نظرت ستاسي لجدران الطوب النيئ البيضاء قائلة: " ولكنه سيكون بيتا مثاليا عندما تتزوج وتنجب". قال ببرود وتباعد وقد ركز انتباهه علي الجبل البعيد : " بلا شك ". تلعثمت قائلة : " كنت أعني أن حجمه ..." " أفهم ما تقصدين يا آنسة آ دامز , ولكني لا أتوقع تحقيق هذا في المستقبل القريب". بالطبع كان يشير إلي سوء حظه في حبه للفتاة التي حدثتها عنها ماري . فقالت ستاسي بتفاؤل : " لا تعلم . ربما كانت هناك الكثير من الفتيات اللواتي يحرصن علي تغيير رأيك ". رفع حاجبيه قائلا : " هل أنت إحداهن ؟" قالت بشيء من الغضب : " لم أكن أشير إلي نفسي". " أن الزواج من رجل يملك هذه الأرض الشاسعة, يبدو شيئا رومانسيا ولكن الحقيقة شيء مختلف تماما . فهذه الأرض شاقة تتطلب الكثير حتى في عصرنا المتقدم . فساعات العمل طوال ولا يمكن التنبؤ بالنتأيج . وعلي الزوجة أن تبقي بمفردها وقت طويلا . ولا يوجد نوع من التسلية إلا في مناسبات اجتماعية قليلة . ولا توجد المتاجر الضخمة التي تعودت عليها . فإذا أردنا التسوق ذهبنا لإلي سان أنطوان أو الباسو . صعوبة هذه الحياة أكثر من أن تتحملها فتيات المدينة". وقفت وقد احمر وجهها وأجابت : " لم أتقدم لشغل هذه الوظيفة يا سيد هاريس ". وقف وأخذ بيدها في اتجاه البركة , وعيناها تلمعان ثم قال: " نادني باسم كورد فقط , تعالي هنا . أريد أن أريك شيئا". قالت بصبر نافذ : "ما هو؟" أنبها بسخرية قائلا: " حقا يا آنسة آدمز , كنت أظن أنك تعلمت أن تتقبلي شيئا من المزاح". " قابلت رجالا أنانيين يصور لهم غرورهم أن كل النساء سيقعن عند إقدامهم". " وأنا قابلت نساء يشعرن أنهن استجابة دعاء كل رجل وأن عليه أن يستسلم لسحرهن ". وصلا للجانب الآخر من البركة , ووقفا وجها لوجه في تحد . وتكهرب الجو بهذا التحدي الصامت . وقال بصوت خفيض وهو ينظر للأفق : " لن يجدي الاستمرار في هذا الموضوع . لكل منا رأيه الخاص". " بالضبط . والآن أرني ما أردت أن تريني إياه حتى أعود لغرفتي". " لن تهتمي ". سألت في فضول بالرغم من ضيقها به وبعجرفته : "ماهو؟" أجاب بسخرية وهو يدير لها ظهره: " مجرد مقبرة العائلة. أنا واثق من أنها لن تعجب ذوقك الرفيع". " أود أن أراها". أجاب كما لو كانت ستاسي تعتذر: " ليس ضروريا ". " سيد هاريس . إن آخر ما أريد هو أن أتذلل لك . قلت عاينا أن تنسي عداءنا ونصبح صديقين , ولكن غرورك الجريح لا يفهم إلا الوفاء الأبدي . والآن أريد أن أري المقبرة , فإذا لم تشأ اصطحابي صف لي مكانها لأذهب وحدي". كان صوتها لاذعا , فاستدار إليها كورد ليتأكد من صدق رغبتها في الذهاب وقال: " إنها قريبة من هنا , ولكنها علي مرتفع ولا أريدك أن تجهدي نفسك في أول مرة تخرجين فيها, ربما ينبغي أن نؤجلها". وأضاف عندما رأي اعتراضها : " ولكن إذا كنت واثقة أنك تريدين الذهاب سأصحبك ". " إني واثقة". " حسنا " رفضت أن يأخذ بيدها في المسير إلي حيث أشار وهو يتبعها , لهثت ستاسي بالرغم من الارتفاع البسيط , ولكنها تجاهلت لمعة السخرية في عيني كورد واتجهت نحو الباب الحديدي . تضاءلت الصلبان وأحجار المقابر إلي جانب النصب الكبير في الوسط. وكان المكان معتني به بالرغم من قدم معظم المقابر . فقد طليت التركيبات الحديدية حديثا بطلاء أسود , ولم تترك لتصدأ . وكست الحشائش الخضراء المقابر برقة . وفتح كورد الباب فدخلت ستاسي وقفا قرب الوسط كانت معظم التواريخ في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . وأشارت أربعة صلبان صغيرة إلي مقابر أطفال . وكان تاريخ أحدث المقابر منذ ثماني سنوات وكتب عليه , ستيفان هاريس الأب . سألت ستاسي بهدوء وكلمة الأب تكسو صوتها بالحزن : " أهذا قبر والدك؟" "نعم " " لم ألحظ وجود قبر والدتك . أهي مدفونة هنا؟" " إنها مدفونة مع عائلتها . لم تتحمل حياة المزرعة ومتطلباتها , وعادت لعائلتها بعد ولادتي بسنين قليلة ". كان صوته سريعا وعيناه جامدتين. سألت ستاسي وقد رق قلبها للرجل المتوفى , وابنه المهجور : " تركتكما ؟" قال وعيناه ترفضان عطفها: " لم يعطها والدي أي خيار , أشك أنك ستفهمين, هذه أرض صعبة ويجب علي المرء أن يأخذ ماله ويحارب للحفاظ عليه .كانت أمي طفلة مدللة معتادة وجود من يخدمها , ولم يكن المستقبل المأمول يعني لها شيئا , كانت تريد كل وسائل الترف التي اعتادتها , فلم تكف عن مطالبتها لأبي للحصول علي اهتمامه وماله . ولم يكن هناك ما يكفيها من أيهما". همست ستاسي بذكاء : "كانت الأولية للمزرعة !" سألها كورد وهو يشير للنصب المركزي : " أترين هذا الشاهد ؟ إلينا تيريزا هاريس جدتي . كانت نبيلة أسبانية , أحبت جدي الذي كان مزارعا مكافحا في تلك الآونة , وكانت أملاكه كثيرة . أما هي فكانت امرأة بحق . م يكن لديه ما يقدمه لها سوي منزل حجر قديم من ثلاث غرف . وبعض رؤوس الماشية , وأرض شاسعة وجافة في معظم الأوقات ولكنها لم تنزعج لهذا ". كان صوته يفيض احتراما وإعجابا وهو يتحدث . ثم خطأ للأمام في تلك اللحظة . وفتح الباب لستاسي ثم تبعها للخارج . وقبلت أن يأخذ بيدها لانهماكها في الحديث وهما يسيران إلي حافة الهضبة المطلة علي فناء البيت . وأشار كورد بيده الأخرى إلي الجبال الغريبة وقد كساها الشفق باللون البنفسجي : " كان هنود اآباتش من قبيلة ماسكاليرو يستخدمون هذا الجبال كحصن يغيرون منه كما يشاءون علي المستوطنين وصغار المزارعين . ويقع أثر حرب الكومسانشي قريبا من هنا أيضا . وقد انتهي تهديد الهنود عند بداية هذا القرن , وامتلأت هذه المنطقة من الغرب بمربيي الماشية طلبا لهذه المراعي الغنية بالحشائش . ولكن معظم المستوطنين جاؤا بماشية أكثر من احتمال الأرض .أي رعتها الماشية أكثر مما يجب ولذا انتشرت الصحاري في هذه البلاد ". لفعت ستاسي وجهها باهتمام قائلة : " ألا يمكن إعادة زراعتها ثم تترك لتنمو ثانية ؟" " فات أوان الاستصلاح , فإما أن تحمل الريح التقاوي بعيدا عن هنا أو لا ياتي المطر عندما نحتاجه , أو يجرف التقاوي قبل أن تعمق جذورها . إن الجهل والطمع أكثر ضررا علي المستقبل من ضررهما علي الحاضر. ولكن أبي وجدي فهما هذا وعلي أن أشكرهما لما لدي الآن لأكثر من سبب". ابتسمت ستاسي قائلة : " لا بد أنك فخور جدا بهما . لقد تغيرت أمور كثيرة منذ أيام جدك ". قال كورد وهو يضحك ضحكة خافتة : " لقد كان مربي بقر وسيتقلب في قبره أذا رأي الغنم ترعي في أرضه" "غنم ؟ هل تربي غنما ؟" " نعم , إن لي عدة مئات من الرؤوس المسجلة في المراعي العالية". " ألا تربيها مع الأبقار ؟" " أحيانا . عادة في الصيف , عندما ننقل الأبقار للتلال . ولدينا أيضا ماعز الأنجوراه , ولكنها في طور التجربة في مزرعتنا . هناك عدد كبير من المزارعين الذين نجحوا في تربيتها . وهناك أيضا الجياد , لدينا مجموعتين فريدتين ونأمل في إنتاج كبير فقد ضاعفت عدد الإناث , وفي كل ربيع نقيم مزادا لبيع الصغار , في سن عام أو عامين , التي نستغني عنها والكبار التي نود استبدالها بدم جديد ". قالت ستاسي بتأمل وقد راعها حجم عمليات المزرعة : " لم أكن أعرف أن لك كل هذه المشاريع المختلفة . أعتقد أن هنا آبار بترول أيضا في المزرعة" ضحك كورد بهدوء للانبهار الذي بدا علي وجهها وقال: "لا تكتمل مزرعة متحضرة في تكساس دونها , أن لدين أربعة علي الحدود الشرقية , اثنان منها فقط لا تزالان تنتجان . ومعظم أرض المزرعة تقع خارج المنطقة المنتجة للبترول ". " بدأت افهم معني لفظ بارون الأبقار ". حذرها قائلا : " لا تظني من كبر حجم المشاريع أن الحياة هنا سهلة , فكلما تفرعت مشاريع المزرعة كلما ازدادت عبء العمل , وازدادت صعوبة السيطرة عليها ". وتجهمت ستاسي لكلماته . كان من الصعب عليها أن تتصور هذا الرجل القوي فاقدا سيطرته علي المزرعة . كان واثقا مما يريد لدرجة أنه يمنع أي شيء م الوقوف في طريقه . وقال كورد وقد رأي سيارة تقف خلف المنزل بعيدا عنهما : "يبدو أن سيارة الدكتور بوكانان قد وصلت , ويحسن بنا أن نعود كما أن ماريا ستجهز العشاء بعد وقت قصير" "وأومأت ستاسي بالإيجاب وتبعته عبر المنحدر . وعندما بلغا شرفة المنزل وجدا وجه الطبيب الشاب باسما تحية لهما . وكانت مفأجاة سارة لستاسي عندما وجدت أن ماري زوجة الطبيب قد رافقته. خطت إليها المرأة السعيدة ذات الشعر الأحمر وذراعاها ممدودتان . صلحت ماري وهي تشد علي يدي ستاسي بحرارة: " تبدين رائعة". ثم أضافت مداعبة في صوت خفيض : " قولي لي يا ستاسي هل أنتما علي وفاق ؟إني لا أري أثر لجراح المعركة ..." أجابت ستاسي ضاحكة : " لقد تصالحنا , كورد وأنا . أليس كذالك؟" ثم أضافت وهي تنظر لكورد الواقف إلي جانب الطبيب : " لقد وجدنا بعض الأشياء المشتركة بيننا ". كان المزارع هو الشخص الوحيد الذي فهم إشارتها لحديثهما السابق عن رأي كل منهما في الآخر. قابلت عينيه الداكنتين ببرود وهي تمنع شفتيها من الابتسام بصعوبة. ولكن ماري استنتجت اشياء مختلفا تماما، وفي ذهنها احتمال أقدامهما عل الزواج. علق بيل بوكنان: "هذه أخبار جديدة. لقد كنت في اشد العجلة للرحيل في آخر مرة جئت فيها هنا" و أضاف قائلا لكورد وعلي وجهه الصبياني ابتسامة: "ربما كانت مريضتي تعاني من نكسة" وأجاب كورد مبتسما: "اعتقد أنها بدأت تحس بوجود بعض الأشياء الجذابة هنا. ففي وجود فتاة جميلة مثل ستاسي ينبغي لي أن أقوم بدور المرشد، لمنع الشبان من الوقوع تحت تأثير سحرها". لاحظت ستاسي كيف شدد كورد علي اسمها حين نطقه. وقد فهمت انه لاحظ استعمالها لاسمه الأول، وتعمدت أن تقابل نظرته المتهكمة وكلماته اللاذعة. لم تستطع ستاسي أن تفسر لنفسها سبب اشارتها للكلمات الغاضبة التي جرت بينهما من قبل. لقد استمتعت بصحبته عل التل وبالحديث الغني بالمعلومات. لماذا إثارته بكلماتها؟ هل تشعر أكثر بل أمان مع كلماته المتهكمة وابتسامته الساخرة؟ وتعمدت أن تغير موضوع الحديث إلي الحديث عن طفلي ماري . وأحست عدة مرات بعيني كورد تتأملان وجهها ولكنها تجنبت النظر إليه . حاولت ستاسي أن تخفي اضطرابها لقرب كورد منها, فقالت بصوت خفيض: "اخشي إن نكون مضيفين سيئين ياكورد. فحن لم نقدم للدكتور ماري أي مشروب". وبلا أي سبب ارتفعت يدها لتمسك زراعه رماها كورد بنظرة دهشة ولكنه كتم تلك النظرة سريعا بابتسامه لضيفيه بينما أبعدت ستاسي يدها بخجل. "سأطلب من ماريا ان تحضر لنا شياء. أهناك شيء خاص تفضله يابيل وأنت ياماري " ضحك بيل قائلا: " لا. أي شيء بارد في كوب كبير". تركهم كورد لإحضار المشروبات. واثنا غيابه جلست ماري وزوجها علي كرسيين من كراسي الحديقة، بينما جلست ستاسي علي اريكة ذات وسائد، وعاد كورد بعد بضع دقائق تتبعه المكسيكية البدينة وهي تحمل صينية المرطبات، واغتاظت ستاسي عندما جلس كورد علي الأريكة إلي جانبها.ولكن الضيفان لم يلحظا غيظها في غمرة توزيع المرطبات بينما ظهرت من ابتسامة كورد انه لاحظ ضيقها. اتخذ الحديث طابعا خفيفا مما أراح ستاسي, ولكنها أحست عدة مرات بعدم ارتياح لإدراكها إن العينين البنيتان تراقبانها, وضايقها قربه منها , واحتكرت ماري الحديث بشخصيتها الحيوية, وأخذت تروي النوادر عن طفليها, ولكن الحديث عاد مرة أخري لموضوع ستاسي و الحادثة. فقالت ماري وهي تثرثر: "عندما اخبرني بيل عن حادثتك صممت إن تأتي إلينا في المدينة. ولكنه أكد لي إن بقائك هنا أفضل حتى تكون لديك فرصة كافية." قال الطبيب بابتسامة: "في الواقع قصدت الهدوء والراحة وهذان الشرطان من الصعب تحقيقهما في بيتنا " فسرت ماري كلامه قائلة: " انه دائم الشكوة من الصبيين ولكنه يحبهما بقدر حبي انا لهما.في أي حال أري انه علي حق فأنت تبدين صورة حية لصحة، وبالطبع منذ الذي يستطيع البقاء في الفراش وسط كل هذا الجمال الطبيعي؟" نظرت ماري لكورد نظرة جانبية وعيناها تومضان . وتكلمت ستاسي حتى لاتعطي الفرصة لمزيد من التلميح: "هذه المزرعة جميلة , وكل الأرض حولها ساحرة . تذكر المرء بأنها كانت حدودا منذ وقت غير بعيد" وامن الطبيب علي كلامها قائلا: "إن تاريخ تكساس حقا مثير ." ووجهت ماري سؤالها لكورد: " " هل كنتما في المدافن عندما حضرنا ؟" ثم أضافت بدون أن تنتظر جوابا: " ليتك قابلت جدته يا ستاسي , كانت عجوزا رائعة , ولكن أبدا لم تشعر بأنها عجوز , كانت مليئة بالنشاط والحيوية . كنت في التاسعة أو العاشرة عند وفاتها , ولكني أذكرها جيدا ." قالت ستاسي : " لقد حدثني كورد عنها قليلا ." واستمرت ماري في حديثهما : " كانت رائعة . لقد ورثت عن أحد جدودها الاسبان روحا رائدة لا تعرف الكلل . ولكن كان لها طريقة في رفع رأسها , ونظرة ثاقبة للأنسان تذكر الناس بدمها الأزرق . كانت أمي دائما تقول أن دونا الينا هي الوحيدة القادرة علي السيطرة علي كورد." وأضافت محدثة ستاسي في لهجة المتامرين : " لقد كان مرعبا وهو طفل . عصبي المزاج للغاية." ضحك كورد لهذه الكلمات قائلا: " نسيت أن تذكري مزاج جدتي العصبي . كنت دائما أعتقد أنها تحبني كل هذا الحب لأنني ورثت عصبيتها ." ثم أضاف في لهجة حانية لستاسي : " الحمد لله أنني تعلمت اهز بيل بوكانان رأسه في شك وابتسم قائلا: "أخشي أن تكون قد جعلتها تشك في كلامك كثيرا . ولكن لا تخطئي فهمي يا ستاسي , أنا واثق أن المرأة المناسبة تستطيع التعامل معه , ولكني أكره أن أتلقي عصبيته عندما يفقد السيطرة علي نفسه." شعرت ستاسي بحرج لمحاولات الزوجين التوفيق بينهما بخبث , فأجابت إجابة مبهمة , ولحسن الحظ قاطعتها ماريا معلنة أن العشاء قد أعد. "سأل كورد : " سنتعشي سويا ... أليس كذلك ؟" وبدات ماري في الأعتذار ولكن كورد قاطعها قائلا: " لن أقبل منكما اعتذارا . فمن النادر أن يأتينا ضيوف , ولن نترككما هكذا سريعا . أليس كذلك ستاسي ؟" ومد لها يده فلم تستطع رفضها حتى لا تلفت الأنظار . وانشغل بالها فلم تتنبه للزوجين , وهما يقبلان الدعوة بدعابة خفيفة , ولم تشعر بنفسها إلا وهي تدخل غرفة الطعام خلفهما , والمزارع وراءها . توترت عضلاتها وهي تكتم رغبتها في انتزاع نفسها من أمامه بعنف. لقد أمدته بالطعم في أول الأمر بحديثها عن خلافهما السابق, ثم تصرفت كمضيفة بينما هي نفسها ضيفة عليه , كانت هذه اللعبة تسلية لستاسي في البداية , لأنها استمتعت برؤية الدهشة في عيني كورد , ولكنها أحست الآن بأنه يهزأ بها . لقد استطاع أن يقلب الوضع بأن يجعلها هي الأضحوكة , ولم يكن ذلك ليعجبها بأي حال. همس لها كورد عندما أجلسها إلي المائدة كما لو كان قد قرأ أفكارها: "كان عليك أن تتأكدي من قواعد اللعبة ". نظرت إليه بقلق ولكنها لم تجد ما ترد به عليه . كان تعبير وجه وهو جالس أمامها لطيفا , غير أن عينيه تجمدتا عندما راقب حمرة خديها وهي تستدير لترد علي سؤال لماري . واضطررت أن تنظر بعيدا عن نظرته الغامضة مرتين خلال العشاء . وبدا كما لو كان العشاء سيستمر إلي الأبد , وقد بلغ بها التوتر مبلغا أحست معه أنها تجلس علي برميل بارود سينفجر في أي لحظة . ولكن الحديث ظل في مواضيع غير شخصية حتى جاءت ماريا بالقهوة والحلوى , شعرت بالارتياح لقرب انتهاء هذا الموقف. وداعبتها ماري وهي تهز يدها أملم ستاسي : " " هاي ... عودي إلينا . ألم تسمعي ما قلت ؟" " آسفة يا ماري , أخشي أن أكون قد سرحت في أحلام اليقظة" " كنت أتساءل عما أذا كانت الحادثة قد تسببت في تغير نيتك في البقاء؟" أجابت ستاسي وهي تتجنب نظرة الاهتمام في عيني كورد : "لا . سأبقي أسبوعين آخرين قبل العودة." قال كورد بابتسامة: " أخشي أن تكون بلادنا قاسية عليها . فأنا وأنت قد نشأنا هنا , واعتدنا في هذه الحياة , أما ستاسي فمن الشرق وأعتقد أن هذا المكان ممل بالنسبة لها." وأجابت ستاسي بصبر نافذ : " هذا ليس صحيحا بأي حال من الأحوال " وداعبت شفتا كورد ابتسامة ساخرة وهو يقول : "كل ما في الأمر أنه ليس أمامك مستقبل في هذه البلاد . أليس كذلك ؟" تلعثمت ستاسي وهي تشعر أنه يهاجمها خفية: " نعم ... أعني لا." وبدأت ماري تقول: "الآن يا كورد." فقاطعها قائلا : " لا بد أنك تفهمين أن حداثة المغامرة قد ولت بالنسبة لها. فالجبال كلها متشابهة... أناس كثيرون يأتون إلي الغرب بأفكار عظيمة , ثم يعودوا عندما يجدون العزلة والمضايقات فوق احتمالهم" وأنكرت ستاسي كلامه قائلة: " لا يهمني كل ذالك فأنا أحب هذه البلاد". ونمد كورد أن يتجاهلها , فوجه كلامه لماري الجالسة عن يمينه: " أتعلمين يا ماري أن بناء مستقبل في هذه الأرض يحتاج مقدرة كبيرة علي التحمل ؟ إن الرفاهية تصبح في غاية الأهمية عندما يحرم الإنسان منها بعد طول اعتياد عليها ". وفكرت ستاسي بغضب إنه يقارنني بوالدته. ثم قالت وهي تطوي فوطة السفرة : " إنك لا تعلم عم تتحدث." وأجاب ساخرا: " بالطبع ... يالغبائي . كان علي أن افهم أن المظاهر تخدع . كان يجب أن أفهم أن وراء الثياب الأنيقة والسيارة السبور الثمينة , والحصان الأصيل , ينبض قلب فتاة ريفية لم تفسدها حياة التدليل". امتلأ جو الغرفة بالتوتر, بينما تفرس كورد وستاسي كل منهما في الآخر . تمنت ستاسي أن تهاجمه غير أنها كانت تعلم أنه سيستغل هذا لصالحه. وشعرت بانزعاج الزوجين فاغتصبت ضحكة ضعيفة وقالت: " يبدو أنك قد فهمتني . إنني مجرد فتاة ريفية بسيطة." مر علي وجه الأسمر تعبير إعجاب سرعان ما استبدله بنظرة تهكم وأجاب: " إن كلمة بسيطة مناسبة للغاية , إذ أنها تشير إلي قلة العقل . لقد أظهرت قلة عقلك عندما جئت إلي هما وحدك حيث لا يوجد لك معارف , وعشت وحدك في كوخ منعزل بدون أية حماية , ثم ركبت حصانا لا تستطعين السيطرة عليه وذهبت إلي أماكن لا تعرفينها. إنها ضربة حظ كونك لم تصبحي جثة هامدة". أجابت ستاسي وهي تدفع كرسيها بعيدا عن المائدة : " لا أظن أن رائك في شخصي وفي تصرفاتي يهم ضيوفك." ولحقت بها ماري في غرفة الطعام وسألتها : " ما الذي يجري بينكما ؟" أجابت ستاسي ويداها معقودتان : "إننا لا نتفق , هذا كل ما في الأمر." ونظرت خلفها بعصبية إلي الغرفة الآخري . واستمرت ماري في الحديث : " لقد بدا لي إنكما صديقان عندما جئنا, حتى إنني وللحق تمنيت أن تتزوجا ." صاحت ستاسي بغضب واشمئزاز : "هذا مستحيل . اننا نستطيع ان نتحدث حديثا مهذبا بين حين وآخر, ولكننا ننتهي دائما وكل منا يمسك بخناق الآخر . ليس هناك أية فائدة في أن تدعي أن كلا منا يتحمل الآخر . إنه ساخر وأناني , إلي درجة يعتقد أن علي الجميع أن يركعوا عند قدميه , وهو لا يجدني خاضعة كما يريد." ما أن نطقت ستاسي بهذه الكلمات حتى شعرت بوجود كورد في الغرفة , استدارت في تحد لتواجه نظرته الغاضبة . وبدا كما لو كان يملأ الغرفة بطوله الفارع وكتفيه العريضتين مصغرا كل ما عداه تكلم كورد أخيرا قائلا " إن ضيفينا سيرحلان ... هل توصلينهما للباب؟" لم تجبه ستاسي بل استدارت لتمشي مع ماري التي أخذت حقيبتها واتجهت للباب الخارجي. شعرت ستاسي بظهرها يوخذها إنذارا بالشر لعلمها أن المزارع يمشي خلفها مباشرة . واعتذرت ستاسي لماري قبل أن تصل إلي ساحة الدار: " إني آسفة لإقحامك في معركتنا يا ماري . لكم استمتعت بمجيئك هنا." ونصحتها ماري : " لا تدعي هذا يقلقك . انه يحدث لأحسن الناس . وما عليك إلا أن تسرعي بالشفاء." أضاف بيل ويده علي كتف ستاسي : " إنني أؤيد هذا الكلام , وكطبيب أنصحك بالراحة يومين آخرين علي أن تحدي من نشاطك , وبعد ذالك تستطيعين فعل كل ما تريدين ." نظرت ستاسي إلي وجه الطبيب اللطيف بابتسامة وجلة . لقد طغي وجود الرجل الأسمر إلي جانبها علي كل إحساسها بالسعادة لطيبة أصدقائها الجدد . ومشي الزوجان إلي سيارتهما وهما يهتفان بعبارات الوداع المرحة , وأخذت ستاسي تنظر الي السيارة وهي تختفي في ثنية الطريق وقد أحست بالبؤس . واستدارت وهي عازمة علي مواجهة كورد وعينيه الساخرتين فوجدته قد ذهب . ونظرت حولها بسرعة فرات قوامه المألوف يخطو نحو الإصطبلات . وشعرت بالحيرة والارتياح في نفس الوقت ثم مشت إلي البيت.
6- العقاب الجميل
عملت ستاسي في اليومين التاليين على أن تتجنب لقاء كورد هاريس. ونجحت في هذا بمعاونة المزارع نفسه، الذي بدا انه أيضا لا يرغب في صحبتها. حفرت بحذائها في الأرض الرملية , وأخذت تنظر حولها في تردد. جاء أوان الحديث معه ولم تكن تتطلع إلى هذا أبدا. فقد استعادت قواها تماما وأرادت أن ترتب لعودتها للكوخ.كانت قد أتمت حزم حقائبها بعد الغداء، وكان أمامها أن تبحث عن كورد وهي مهمة غير مستساغة لها بالمرة . مشي كلبها الكبير إلى جوارها وهي تخطو أمام باب المكتب المفتوح . وبنظرة إلى الداخل تحققت من شعورها الداخلي بأنه غير موجود. وتنهدت في أسي ومشت إلى الاصطبلات. نظرت عبر المباني وفكرت بتجهم ؛ ربما كان في مكان ما علي الجبال. لمحت حصانا وراكبه يركضان عند الحظائر . ولم تعرف ستاسي الرجل فانتظرته وقد أثارت سرعته فضولها.وسمعت اصواتا تصيح قرب الاصطبلات فاستدارت لترى سبب الضجة.ولكن المباني حجبت عنها الرؤية. وتوقف الراكب عند باب الحظيرة ونزل عن الحصان . " ما الخبر؟" قال راعي البقر بصوت خافت: "معذرة يا آنستي ولكني ذاهب لاستدعاء الطبيب" وبدأ يسرع في طريقه . هتفت ستاسي وفي ذهنها صورة مخيفة لكورد يرقد على الأرض مغشيا عليه : " ماذا حدث ؟ من الذي أصيب ؟" أجاب الرجل وهو يسرع نحو باب المكتب وستاسي تتبعه : " هذا الشيطان الأحمر الذي يسمونه حصانا هرب من الحظيرة عندما دخلها كريس , وحاول الشاب المغفل أن يمسك به وهو يركب حصانه . فجن جنون الحصان وهاجمه . لحين الحظ كان السيد ونحن معه عائدين من الجبال , فرأينا ما حدث . لا اعلم مدى إصابة الشاب فانا ل لا استطيع الاقتراب منه". تأملت الرجل وهو يمد يده للهاتف في غرفة المكتب وشهقت : " ديابلو!" قال الرجل في الهاتف بدون أن يوجه كلامه لستاسي: " إن السيد بلغ به الغضب حد يجعله يقتل ذلك الحصان". وجرت ستاسي خارج المكتب إلى الحصان الواقف بالخارج فقفزت علي ظهره ووجهته إلى حيث سمعت الأصوات . لم تكن أفكارها واضحة وهي تنادي على كلبها أن يتبعها وركضت بالحصان . كانت تعلم فقط أن عليها أن تكون هناك . يقتل ديابلو! رنت الكلمات في إذنيها كجرس الموت . وضربت الحصان بلجام . من فرط اضطرابها وقفزت به حول المباني , ثم توجهت إلى راكبي الجياد. وعندما اقتربت منهم رأت راكبا محشورا تحت حصانه الساقط بينما وقف حصانها الأحمر بينه وبين الراكبين الآخرين. كان هناك حبل مفكوك يتدلى من رقبة ديابلو وهو يفلت من حبال الرجلين. كانت رقبته بيضاء من الزبد وهو مستمر في الهجوم بحوافره الشريرة . صاح كورد عندما رأى ستاسي تترجل عن الحصان : " ماذا تفعلين هنا ؟" والتوى وجهه غضبا وهو يدور بحصانه الكبير ليواجهها قائلا : " عودي إلى المنزل حيث مكانك " وصاحت ستاسي وهي تستدير إلي حصانها الذي اندفع مهاجما الراكب الآخر باسنانه العارية : "انه حصاني " وزار المزارع وهو يقف بحصانه إلى جانبها : " أيتها الأنثى المجنونة . ألا ترين أن هذا الحصان الملعون قد جن ؟" في هذه اللحظة لمحت ستاسي وجود السوط في يد الرجل الغاضب وطرفه في الغبار الذي اثارتة حوافر الحصان 0تطاير الشرر من عينيها وهي ترفعهما لتلتقيا بعينيه الداكنتين . " ماذا تنوي أن تفعل ؟ أن تضربه حتى يستسلم ؟ " " نعم إذا اضطررت إلى ذلك فهذا الفتي قد أصيب!" وأمرته ستاسي " ابتعد عن طريقي " ودفعت حصانه بعيدا عنها ثم مشت لتواجه الحصان الأحمر. صفر ديابلو وهو يخدش الأرض بحوافره ويهز عرفه الأصفر لها . وشب الحصان وحافراه في الهواء وأذناه للخلف.و حاولت ستاسي أن تخترق ذهن الحصان المتهيج فأمرته : " ديابلو, ديابلو إهداء! " وظلت أذناه ملامستين لرأسه بينما اخذ يرفس الكلب من خلفه برجليه, ورأت ستاسي الحصان الساقط يحاول النهوض, إلا انه سقط على جنبه. وحاول حصانها مهاجمتها فنادته وصوتها يعلو بلهجة الأمر . اعتقدت ستاسي أنها رأت أذنيه ترتفعان وهو يقترب منها. عندما كاد أن يصل إليها خطت جانبا فاندفع بجانبها ، ثم استدار وواجها وهو يهز رأسه المحمومة . لمحت ستاسي من طرف عينها الراكبين . احدهما اتجه نحو المصاب بينما اتجه كورد نحو حصانها والسوط على سرجه وفي يده حبل يهزه استعدادا . وتغير صوتها إلى همسة حانية : "ديابلو... إهداء يافتى. إهداء...إن كل شيء علي مايرام ياطفلي . تعال هنا تعال" ولكنه كان ثائرا وقد تذكر الجرح الذي أصابه في عنقه . ولم يستطع الحصان الأحمر أن يكبح جماح الغضب في داخله.واخذ رأسه الرقيق يعلو ويهبط والزبد يسيل على عنقه . لقد عرف الفتاة الواقفة أمامه ولكنه كان يمتلئ بالكراهية والقوة. لمح بطرف عينه الحصان وراكبه يصلان خلفه ، ورقص وهو يستدير لمواجهتهما . ونادته ستاسي وهي تخطو للأمام . ولكنه في هذه المرة استدار بسرعة وجري إليها مكشرا عن أسنانه ورأسه منخفض، وعندما حاولت ستاسي القفز بعيدا عن طريقه انحرف إليها راميا بها إلى الأرض بكتفه الكبيرة . ووقفت مقطوعة النفس ولكنها لم تصب بسوء، ورأت كورد يسرع كالبرق خلف الحصان. زعق في الراكب الأخر فأحاط الحبلان في نفس الوقت برقبة الحصان الأحمر. وصرخ الحصان غاضبا وحاول أن يهاجم الراكب البعيد فأوقفه كورد بحبله . وصاح الراكب الأخر في انتصار بينما اخذ الحصان يقاوم الحبلين بلا جدوى : " لقد أمسكت به ياريس! أمسكت به!" وبعد بضع دقائق أدرك الحصان انه لن يستطيع الانتصار, وبسرعة قاده الراكبان إلى الحظيرة التي هرب منها . ونفضت ستاسي الغبار عنها ورأت الراكب الثالث الذي كان قد ذهب يستدعي الطبيب راكعا إلى جانب الحصان الساقط وراكبه . واتجهت إليهم بسرعة فوصلت في نفس الوقت الذي وصل فيه كورد . كانت نظرته متجهمة وهو راكع بجوار راعي البقر الشاب الذي هزه الألم وقال كورد: " إهداء ياكريس سوف نخرجك بسرعة .الطبيب في الطريق" آن الفارس الشاب وهو يصر على أسنانه من فرط الألم : " كسرت ساقي ، أخرجني من تحت هذا الحصان اللعين " . قال كورد موجها كلامه للفارس الأخر الذي انشغل بتهدئة الحصان الساقط . "إلى أي مدى جرحت ساق هذا الحصان ؟ " وكانت الإجابة الوحيدة هزة رأس بالنفي . وبلا أية كلمة وقف كورد واتجه للحصان ثم اخرج بندقيته من غمدها . ووقفت ستاسي كالمخدرة ترقب تحركاته بدون أن تقدر على الحركة . اصمت أذنيها طلقة البندقية وهي تخمد حياة الحصان المجروح . غلبتها الصدمة و الرعب فلم ترى وصول الطبيب و لا الفتى الذي حمل على نقالة . ولم تستطع رؤية أي شئ إلا الحصان الميت . حتى الدموع تجمعت في عينيها . و أخيرا حجب كورد الرؤية عنها بقوامه المغبرة . وتصلبت وهي ترفع عينيها المليئتين بالدموع إلى وجهه الذي لم تره بوضوح . واغتصبت الكلمات بصعوبة بالغة و همست : " لماذا ؟ " " عندما حاول كريس الإمساك بحصانك هاجمه الحصان ، و أوقع بالحصان و الراكب فكسرت ساق كريس و كذلك ساق حصانه . الطبيب يقول انه سيشفى خلال ستة أسابيع ، ولكنه سيحتاج لعكازين لمدة شهر أو أكثر " . غمغمت ستاسي بغير وضوح : " لا . انه الحصان ! لماذا كان لابد إن تقتله ؟ لم يكن الخطاء خطأه " . وبكت . كانت هذه أول تجربه لها مع ماظنته وحشية ، ولم تستطيع أن تمنع عينيها من الشرود نحو الحصان الميت . وانفجر كورد قائلا : " الحصان ؟ إلا تفهمين انه كان من الممكن أن افقد رجلا ؟ إنسانا ! وكل ما يشغل بالك هو أمر هذا الحصان " . بلغ غضبه حدا جعلها تفيق من صدمتها ، واستدارت لمواجهته مرة أخرى ، فقرات أمارات الاشمئزاز والامتعاض على وجهه . لم يكن يفهمها . لقد حزنت من اجل راكب الحصان ولكنها لم تستطع أن تتقبل قتل الحصان عمدا . وقالت بصوت حاد من الصدمة وقد اقتربت من الهستريا : " ولكنه سيشفى ويصبح على ما يرام . إلا تفهم . سيعود ولكن الحصان قد مات ، وأنت الذي قتلته ! كأنك لم تفعل أي شيء ! " لاشيء ؟ ألا تفهمين إنني أصبحت الآن بلا حصان ولا فارس ؟ أتعتقدين انه من السهل علي أن أجد من يحل محله في هذا الوقت من السنة ؟ " وزار وهو يقبض على ذراعها بقبضة من حديد ثم أضاف : "علي أن أشكرك على كل هذا ، أنت وحصانك هذا!" صاحت بسخرية : " أوه بالتأكيد ، إن الخطأ خطأي ... حسنا لا تقلق سأدفع حساب المستشفى وثمن أي خسارة أو إزعاج سببتهما لك ". وأجاب كورد : " بالطبع ستدفعين ... أنت على حق في هذا " . ثم خفض صوته متوعدا : " ولكن كل أموالك لن تشتري لك مخرجا من هذه الورطة . ستأخذين مكان كريس ، ولأول مرة في حياتك ستعرفين معنى أن تعملي حتى تسددي دينا ". سألته ستاسي وجسدها يرتعش من الغضب : " ماذا تقصد ؟ " أجابها وفي صوته رنة سخرية عميقة : " لقد مثلت دور اليتيمة المسكينة فحصلت على الكثير من العطف . أراهن أن قلبك انكسر حقا عندما توفي والدك وترك لك كل هذا المال ". اخترقت كلماته قلبها كالسكين الحاد ، ولم تقو على الكلام من بشاعة اتهامه لها . وبلا شعور وجدت يدها تصفع خده . وشعرت براحتها تلسعها وهو يركز عليها عينيه بنيرانها العميقة مرة أخرى . ضغط على أسنانه وتمتم : " هكذا تلعب القطة . لقد افلت بفعلتك اليوم ولكن لو كنت مكانك لم حاولت أن افعلها مرة أخرى ". ثم قال في لهجة الأمر : " ستبدئين العمل غدا . وعليك أن ترتدي ثيابا عملية مثل الجينز . إننا لا نقيم عروضا للأزياء على الجبال " تسمرت قدماها على الأرض ، وتساقطت دموع الغضب على خديها وهي ترقب خطوات كورد مبتعدا . وشدت قبضة يدها وهي تحاول أن تجد كلاما تصيح به خلفه ، ولكن فمها رفض أن يفتح ولم تخرج منه الكلمات أبدا . وقفت في مكانها ترتعش من غضب لا تقوى على السيطرة عليه ، ثم استسلمت تدريجيا للتشنج .وكان كورد قد امتطي جواده وانطلق في اتجاه بيت المزرعة قبل ان تتمكن ستاسي من ان تحرك من مكانها . ثم اتجهت ببط في نفس الاتجاه وذهنهامشوش بين افكارالكراهية للمزارع والشفقة علي الشاب المصاب والحصان الميت . توجهت للمنزل في صمت غافلة عن كل ما يحيط بها . دخل تغرفة نومها وجلست علي السرير تنظر لحاجياتها التي كانت جمعتها لترحل. مسحت دموع الغضب من عينيها بيد واحدة , وأخذت تستعيد حديثهمامرة اخري , كان من الخطأ أن تهتم بالحصان أكثرمن الانسان , ولكن مقتل الحصان صدمها بقوة . ربما كان من الخطأ أن تتهم كورد بقتل الحصان بوحشية بدون أن تفكر إذا كان في الامكان معالجة الحصان أم لا ولكن ستاسي لم تستطع أن تلتمس له عذرا في هجومه الظالم عليها بشأن والدها . ثم أنها لم تقل له أبدا أنها يتيمة . صحيح أنها أخبرت آل نولان عن يتمها ولكنها بالطبع لم تحدث أحدا عن المال الذي ورثته ! انطفأالغضب في قلبها وحل محله شعور قاهر بالأس . كيف تأمل أن تقنعه بأن ما قاله غير صحيح ؟ دفعها اضطراب أفكارها للنهوض , واخذت تذرع الغرفة جيئة وذهابا . وراحت تغلي في داخلها من فرط استيائها من كورد هاريس. تري كيف يستطيع أن يجبها علي البقاء رغما عنها ؟ لن يستطيع بالطبع إجبارها علي العمل . ما الذي تعرفه هي بالظبط عن الزراعة ؟ وقفت ستاسي أمام المرأة وفي ذهنها فكرة تختمر , لن يستطيع أن يمنع رحيلها لأنه ليس موجودا . نظرت إلي بسرعة لساعتها ونظرت للخارج بنفس السرعة . لقد مضي وقتا أطول مما تصورت . غابت الشمس ولا بد أن كورد تغيب أكثر من ساعتين . إذا ليس أمامها الكثير من الوقت إذا شاءت أن ترحل قبل عودته . وبسرعة بدأت تجمع أشيلءها وتضعها خارج الغرفة. بالطبع سيتهمها بالهرب لرفصها مواجهة تحديه , ولكن ليفكر كيفما شاء . لسوءالحظ أنها أرغمت علي قبول ضيافته أثناء مرضها , ولكن لم يعد هناك داع لبقائها أكثر من ذالك , يكفي أنها عرضت دفع حساب المستشفي حيث يعالج الفتي , وعرضت دفع ثمن الحصان لكورد , أما إذا كانت غير قادرة ماديا علي الدفع فمعني هذا أن يجدوا طريقة آخري للتغلب علي هذه المشكلة , فهي اعترفت بمسؤوليتها عن حصانها. وما كادت ستاسي تسرع بارتداء سترتها المزركشة , وتأخذ حقيبتها ثم تخرج من الغرفة حتى سمعتالباب الكبير المصنوع من خشب البلوط يقفل . وقفت كالمخدرة إلي جانب حقائبها , وأخذت تحملق في الرجل الطويل الواقف أسفل الدرحج . كانت ملامح كورد مختبئة في الظل , ولكن ستاسي استطاعت أن تتخيل الحاجبين الداكنين معوقودين , والفك الصارم , وفوق كل هذا تخيلت خط الفم المكتئب . وبدت عيناها واسعتين داكنتين من شدة الخوف وسرت القشعريرة في جسدها . لم ينطق أحدهما بكلمة وازدادت حدة التوتر بينهما . وقال بصوت خفيض : " هل أفهم أنك راحلة ؟" وردت عليه ستاسي بتحد رافعة ذقنها : " وماذا إذا كنت راحلة؟" خرج كورد من الظلال ورد عليها ببرود : " إذا أقترح أن تنسي هذا الأمر ". ظهرت علي وجهه خطوط جديدة لم تلحظها ستاسي من قبل , ولكنها لم تكن لتخطىء رنة الخشونة في صوته , والقي نظرة آخري علي الحقائب وعليها ثم قال: "من الأفضل أن تفكي حقائبك ". وانفجرت ستاسي غاضبة : " هل تظن حقا إن باستطاعتك الاحتفاظ بي سجينة هنا؟" نظر إليها نظرة سريعة قبل أن يجيب : " أنت مدينة لي , وأنا أضع شروط الدفع". كان من المستحيل أن تحارب هذا الرجل , وسري اليأس في أوصالها . هزت كتفيها قليلا اعترافا بالهزيمة . وذهب الوهج من عينيها وحل محله اليأس والحيرة . حاولت أن تقاوم للمرة الأخيرة فقالت : " لن أبقي في هذه الغرفة ليلة أخري ". ظهرت في عينيه نظرة من يتسلي قبل أن يشيح بوجهه عنها " كما تريدين . هناك غرفة للضيوف في الدور الأسفل , استعمليها" وتوقف برهة ثم أضاف : " ربما كان يهمك أن تعرفي , سيكون الشاب في المستشفي لبضعة أسابيع , وبعد ذلك سيظل بلا نشاط لمدة شهرين ". شعرت ستاسي بالحرارة تسري في وجنتيها خجلا لعدم اهتمامها بالسؤال عن حالة الفارس المصاب . لماذا كان يستطيع دائما جعلها تبدو في صورة من لا قلب لها ؟ شعرت بالانكسار فجمعت حقائبها وخطت إلي البهو وتوقفت عند أول باب علي يسارها . كانت في حالة من الضيق لم تسمح لها باستيعاب محتويات الغرفة . الغضب يسيطر علي كل أفكارها , ولم يكن في أمكانها التفكير إلا في عيني كورد الداكنتين ووجهه بملامحه المحددة . وضايقها هو أن تجعل من نفسها أضحوكة , وتزيد من اعتقاده بأنها مدللة وأنانية . وكانت ستاسي تعلم أنها لن تلقي منه أية رحمة . كان يتوقع منها أن تحل محل الفارس بغض النظر عن كونها امرأة . وهمست لنفسها : حسنا يا سيد هاريس . أستطيع أن أتقبل أي شيء تدبره لي لن أطلب الرحمة , وفي الصباح التالي ما كادت الشمس تلمس السماء حتى سمعت ستاسي دقة عالية علي بابها . رفعت نفسها علي كوعها وقد غالبها النعاس نظرت من النافذة ثم إلي الساعة الموضوعة علي الخزانة . ومكثت لمدة دقيقة حتى تذكرت أحداث اليوم السابق فقالت: " نعم؟" جاءها صوت كورد من البهو: " حان موعد استيقاظك , هذا أذا كنت تريدين تناول القهوة والإفطار قبل الذهاب إلي العمل". لم ينتظر إجابتها بل مشي بخطوات واسعة بعيدا عن الباب , نزلت ستاسي من السرير وكلها إصرار . ولم تكن في حاجة لأكثر من دقائق قليلة لترتدي بنطلونها وقميصها ثم تجمع شعرها وتربطه خلف عنقها . وداعبت شفتيها الرقيقتين ابتسامة صغيرة وهي تنظر لصورتها في المرآة . يخطئ سيد هاريس إذا ظن أن البنطلون الجينز الأزرق والبلوزة البسيطة سيقللان من أنوثة مظهرها . لم تستطع إخفاء نظرة السرور في عينيها وهي تشاهد رقة قوامها . تأكدت من وجود قفاز الركوب في جيب سترتها الجلدية , ثم أخذت قبعتها ونزلت إلي غرفة الطعام . لسوء الحظ لم تجد كورد. فسألت ماريا التي أجابت بأن سيد هاريسانتهي من تناول إفطاره وخرج ليعطي تعليماته للرجال , كان ارتباك ماريا ظاهرا إزاء التغير الذي حدث في مجريات الأمور , وأخذت ترمق الفتاة بنظرات حائرة . وعندما فرغت ستاسي من تناول الخبز القديد والقهوة أبلغتها ماري أن عليها أن تقابل السيد في الساحة . عندما وصلت ستاسي للساحة وجدت أن أغلب الرجال قد رحلوا بالفعل , وحمدت الله إذ أنه كان محرجا جدا أن تتعرض لأوامر المزارع البغيض في وجود رجاله . وتعرفت عليه من قوامه الفارع وهو يخاطب رجلين . كان ظهره في اتجاهها فلم يرها وهي قادمة , ولكن ستاسي كانت واثقة من أنه أحس بقدومها . حاول الرجلان الواقفان معه تجاهلها . كان أطولهما قامة أكبر من ستاسي بسنوات قليلة , وبدأ عليه الحرج من هذا الموقف . ظل رأسه مطرقا وقبعته تخفي تعبيرات وجهه عن ستاسي . أما الرجل الآخر فكان أكبر بسنوات كثيرة وكان وجهه مليئا بالتجاعيد وأشبه بالجلد من كثرة التعرض للشمس , حتى أن ستاسي لم تستطع أن تحدد سنه . وعندما اقتربت من الرجال , قابلها الرجل المسن بنظرة واضحة , ورأت إمارات الشفقة والتعاطف مكتوبة في عينيه اللتين ظهر فيهما الحول في شمس الصباح . كان عزاء لها أن تجد فيه حليفا. قال كورد بحدة وهو يدير لها ملامحه الشبيهة بملامح النسر: " لقد آن أوان وصولك هنا يا ادامز . أريدك أن تذهبي اليوم مع هانك وجيم لتجمعوا قطيع الأبقار من المراعي الشتوية ". ألقي بأوامره بدون أن ينظر إلي القوام القصير بجواره بأكثر من نظرة عابرة . ثم وجه كلامه للرجل المسن قائلا: " أية أسئلة أخري يا هانك ؟" هز الرجل رأسه بالنفي . " حسنا أركبوا الجياد"ز بدأت ستاسي في إتباع الرجلين وهما يسيران نحو الحياد المسرجة الواقفة في الناحية الأخرى من الحظيرة , ولكن كورد ناداها فاستدارت لتواجهه, وأخرجت قفازها من جيب سترتها وبدأت في ارتدائه محاولة تحاشي شعورها بالتوتر كلما واجهته . قالت وهي تنظر إليه في جرأة , وفي صوتها حدة مماثلة لحدة صوته : " نعم " لم تستطع ملاحظة تعبيرات وجهه. لم يجبها وبعد دقيقة قال : "سيريك هانك كل ما يلزم عمله ". أجابت وقد تضايقت من نظرة عينيه الفاحصة التي بدأت وكأنها تتغلغل إلي أعماقها : " حسنا. أي شيء آخر ؟" " لا حظا سعيدا". كان صوته ينم عن عدم الاكتراث بعكس رقة كلماته. تركته ستاسي بسرعة , ومشت ألي حيث انتظرها الراكبان . ناولها هانك عنان مهر صغير . ركبته في صمت ووجهت حصانها ليتبع رفيقيها . وبعد أن تركوا ساحة بيت المزرعة بوقت قصير سبقها الراكب الشاب تاركا ستاسي وحدها مع راعي البقر المتغضن ... في الظروف العادية كانت تسعد لركوب الخيل في الصبا الباكر , ولكن ظروف اليوم كانت تشعرها بمهانة الوضع الذي وضعت فيه , ومنعتها كبراؤها من النظر إلي الرجل الصامت السائر بجانبها . وفجأة جاءها صوت هانك خشنا متسائلا : " آنسة آدامز ... ليس هذا من شأني وتستطيعين أن تطلبي مني الصمت , ولكن بما أننا سنبقي معا طوال النهار فستغمرنا الوحدة إذا لم نتكلم إلا مع حيادنا . ليس لي أن أناقش أوامر السيد , ولكن لا أنا ولا أي من الشباب نحملك مسؤولية ما حدث للفتي أمس . سيكون اليوم طويلا علينا فوق صهوة الحياد . وبالذات بالنسبة لفتاة مثلك من المدينة . ولكن بالطبع سيمر النهار بسرعة أكثر إذا دارت بيننا الأحاديث". كان انطباع ستاسي واضحا بأن هذا أطول تصريح للرجل . وابتسمت لمراعاته مشاعرها. كان يحاول أن يزيل عنها وعن نفسه الحرج بطريقته البسيطة , " أشكرك يا هانك . إني أقدر لك اهتمامك أكثر مما تتصوره". " حسنا . إني أعمل في هذه الأرض منذ كان السيد يرتدي البنطلون القصير , وقد رأيت أشياء غريبة . ولكني أعترف أن هذه هي المرة الأولي التي أري فيها سيدة ترعي الماشية . وقد قال لنا السيد أن عليك القيام بعملك بنفسك بدون مساعدة ". وهز رأسه مرتبكا . أجابت ستاسي وعلي وجهها نظرة إصرار: " وأنا أنوي هذا أيضا , إنني لا أعلم شيئا عن المزارع أو البقر , ولكني أستطيع أن أتعلم . علي الأقل أستطيع أركب الجياد كما أن صحتي علي ما يرام " " حسنا آنستي , أعتقد أنك تستطيعين ركوب الجياد فعلا . ولكن عليك أن ترخي عضلاتك قليلا . إنك لست في معرض للفروسية لذا يجب ألا تهتمي بمظهرك , ولو كنت مكانك لما قلت بقرا . عليك أن تقولي ماشية , هذا أكثر أمنا هنا". ضحكت ستاسي قائلة: " لقد صححت معلوماتي . قل لي يا هانك , ما الذي سنفعله اليوم بالضبط ؟" " غالبا سنبحث وسط الأشجار عن الماشية الهاربة من القطيع , ثم نعد القطيع للانتقال للمراعي الصيفية . نقل معظم الرجال جيادهم في الشاحنات للطرف البعيد للمرعي , وسيصلون في اتجاهنا ومعهم القطيع الأساسي". " نقلو جيادهم في الشاحنات ؟" " نعم هذا هو الغرب الحديث الذي ستجدينه . إنهم يفضلون شحن جيادهم في عربات النقل أو المقطورات بدلا من أن يضيعوا وقتا طويلا في الوصول إلي مكان القطيع " صاحت ستاسي كما لو كانت تكلم نفسها : "هذه معجزة , إنهم لا يستملون سيارات الجيب في تطويق القطيع " "منذ بضع سنوات عندما كنا نحاول جمع الثيران والماشية الشاردة أمر السيد بإحضار طائرة هليكوبتر للبحث عنها . لقد تغيرت الأمور . أعتقد أن علينا أن نلحق بجيم " وسري الدفء في هواء الصباح البارد مع شروق الشمس . واختفي ندى الصباح سريعا من فوق النباتات حينما اخترقت أشعة الشمس الظلال . ولم يكسر حدة الصمت سوي وقع خطوات الحياد . سار الثلاثة عدة أميال قبل أن يصلوا لأول سور محاط بالأسلاك الشائكة , ثم قطعوا السور حتى وصلوا للبوابة . مكثت ستاسي وهانك فوق جواد يهما بينما ناور جيم بحصانه حتى صار في وضع يسمح له بفتح البوابة لزميليه . وبعد أن مرا خلال البوابة تبعهما جيم ثم أقفل البوابة خلفه . قال هانك وهو يشير للأرض المتسعة أمامهم : " هذا هو المكان الذي سنبدأ فيه عملنا يا آنسة". نظرت ستاسي للمرعي الخالي قائلة: " ولكني لا أري أية ماشية؟" " هكذا يبدو لك . لو كانت الماشية ظاهرة لنا لما توجب علينا كل هذا العمل . ولكن الأبقار تعرف كل شجيرة وكل مخبأ في المنطقة وهي تنوي البقاء مختفية". تساءلت في حيرة واضحة: " ولكني كنت أظن أنكم تربون ماشية أليفة , نوعا من سلالات هيرفورد". " نعم . ولكننا نتركها وحدها , وقد أصبحت تهاب الآدميين تماما مثل الأبقار البرية ذات القرون الطوال التي كانت ترعي قديما في هذه الأرض.إن الفرق الوحيد بين النوعين هو أن النوع الحالي لا يبلغ نصف قبح النوع القديم". ثم أضاف وهو يمر بعينيه عبر الأرض الممتدة: " عادة نفترق في هذه المنطقة ولكن ابقي قريبة مني لفترة يا آنسة". ركض الفرسان الثلاثة وكل واحد يبعد عن زميليه خمسين ياردة لليسار , وبدأوا جميعا في مسح الشجيرات . كان العمل في هذا الجو الحار المغبر شاقا علي الحصان والراعي , ولم تمر فترة طويلة حتى خلعت ستاسي سترتها وربطتها بسرجها . وبدأ حصان ستاسي أيضا يعرق بسبب حرارة الشمس والحركة الدائمة . وجدا رأسين من الماشية وهما في طريقهما . وعندما انتصف الصباح كان أمامهم خمسة عشر رأسا من الماشية يسوقونها . طلب هانك من ستاسي قيادتها . بينما ذهب هو وجيم وراء عدد آخر من الماشية الشاردة. في البداية ظنت أن هانك عهد أليها بالعمل السهل , حتى بدأت تتنفس الغبار الذي أثارته الماشية بأقدامها, لم تستطع حتى أن ترتاح على صهوة الحصان . ففي كل مرة سمحت لانتباهها أن يتحول عن القطيع كانت هذه اللحظة التي يقفز فيها احد الحيوانات الهرب مرة أخري من القطيع.وكان الحصان بغريزته يجري خلفه ويعيده إلى المجموعة . وفي عدة مرات كانت ستاسي واثقة من أن الحصان سيدور بسرعة قاذفا بها لتطير في الاتجاه الأخر. كانت ساقاها متعبتين من طول أمساكهما بجانبي الحصان , وجسدها مغطي بالغبار والقذارة والعرق الي درجة احست بانها لن تستطيع العمل بقية النهار عل هذا المنوال. وفي كل مرة كان هانك يضيف رأسا جديدا للقطيع , كانت ستاسي تمنع تنهيدتها بصعوبة لأنها تعلمت إن كل رأس من القطيع يستلزم أن يقطع حصانها ضعف المسافة التي كان يقطعها من قبل. كان حلقها جافا وبه طعم الحصى , و خشيت أن تأخذ رشفة من الماء فيقرر رأس من القطيع الهرب, كانت ستاسي سعيدة لرؤية هانك يركب بجانبها ولكن ابتسامة الترحيب كانت مجهدة. لم ينظر أليها مباشرة ولكنها رأت شبح ابتسامة علي وجهه. تمتم في الهواء النقي: "انه حقا عمل شاق أن يركب المرء حصانه كل هذه المدة وسط الشجيرات الكثيفة . سنصل إلي صهريج الماء حيث نلتقي بالعربة المطبخ لتناول الغداء. اعتقد انك تحتاجين لقسط من الراحة؟" أجابت ستاسي وهي تشعر بشفتيها تشققان بينما تتكلم : "لا مانع من الاعتراف بهذا يهنك" ثم أضافت وهي تربت بحنان علي رقبة الحصان: " اعتقد انه يحتاج أيضا للراحة " "كاد عمله اليوم أن ينتهي" هتفت ستاسي وقد استرعي انتباهها شيء ما إلي اليسار: "أوه. انظر. أليس هذا جيم قادم , ويبدو أن معه عجلا رضيعا يحمله علي سرجه" التقي بهما جيم ومعه عجلا ابيض الوجه يرقد بالعرض على سرجه وأمه تـتبعه وهي تخور مهدئة صغيرها , هتفت ستاسي : ط لإنه لطيف . كم عمره ؟" أجاب جيم وخجله باد عليه وبدون أن ينظر مباشرة إلي ستاسي برغم فخره باهتمامها لما وجد : " وجدتهما وسط الأشجار . لم يكن في استطاعة العجل اللحاق بنا , ففكرت أن أخذه معي حتى عربة العجول". سألت ستاسي وقد تحول انتباهها عن الوجه الأبيض: " عربة العجول؟ ما هي؟" أجاب هانك وقد سره اهتمام ستاسي بالعجل: " هناك عادة بعض الصغار التي لا تستطيع اللحاق بالقطيع , ولذا نضعها في مقطورة حتى نصل إلي مكان المبيت حيث تنظم لأمهاتها , خذ العجل الصغير يا جيم . سنصل بعد قليل ". سألت ستاسي وهي ترقب جيم الذي يسبقها علي حصانه : "أهذا ما يدعي دوغي أي عجل رضيع؟" أجاب هانك : " لا . أن الدوغي هو عجل بدون أم , ولكن الكثير من الناس يطلقون اسم دوغي علي العجول ". علقت ستاسي وهي مستمتعة بحديث راعي البقر الخبير: " لقد استقرت الماشية كثيرا . لابد أن السبب هو وجودك هنا . قبل ذلك كانت تتجه أحدي الأبقار كل خمس دقائق في اتجاه مختلف" " لا . لست أنا السبب . أنها تشم رائحة الماء . فنحن نسير بالصدفة في الاتجاه الذي تريده" بلغت الماشية والراكبان قمة مطلع في الأرض ثم وصلا إلي هضبة مرتفعة مغطاة بحشائش طويلة وشجيرات , واستطاعت ستاسي أن تري أمامها صهريج الماء وطاحونة الهواء وخلفهما سيارة ستيشن وبعض سيارات البيك أب والمقطورات .عبرت وجهها نظرة دهشة وهي تقول: " أهذه سيارة المطبخ ؟" أفلتت من راعي البقر المسن ضحكة لاذعة: " قلت لك أن الغرب القديم قد ولي . إنهم يحضرون الطعام من بيت المزرعة وينقلونه بالمقطورة إلي مكان الوقوف في الظهيرة". ثم أبتسم متابعا : "أذهبي أنت. لن تذهب الماشية إلي أي مكان غير صهريج الماء . ارتاحي كلما سنحت الفرصة لذلك . سنقضي فترة بعد الظهيرة الطويلة فوق سروج جيادنا". أمسكت ستاسي بعنان جوداها وأدارته حول القطيع , ثم ركضت في اتجاه العربات المنتظرة , متجهة إلي حيث ينتظر أحد رعاة البقر بجانب الشاحنات . كان هناك عدد من الفرسان بجانب السيارة الستيشن . بعضهم يتناول طعامه بينما هم البعض لآخر بإحضار طعامه . ولاحظت ستاسي وجود اثنين من المكسيكيين يقومان بتهدئة بعض الجياد ويستبدلانها بجياد من الشاحنات .ترجلت عن حصانها ببطء , كانت عظامها وعضلاتها تؤلمها لدرجة أنها اضطرت للوقوف دقيقة حتى تستطيع أن تعتاد وجود أرض صلبة تحت قدميها , لم تكن واثقة من قدرتها علي السير . فمشت بضع خطوات حذرة في اتجاه السيارة حتى عرفت أنها تستطيع الاتكال علي نفسها , فانضمت إلي الرجال عند سيارة الستيشن حيث كان يوزع عليهم الطعام . توقف المزاح اللطيف والدمدمة بين الرجال عندما وصلت ستاسي مما أشعرها بعدم الارتياح. كانت مرهقة وجائعة بعد إفطارها البسيط فنسيت وضعها الحرج . وأحمر وجهها وارتعشت يدها وهي تأخذ طبقا من الطعام ومعه شريحة سميكة من الخبز من أحد الطهاة , وكوبا ساخنا من القهوة من طاه آخر . أاستدارت بعصبية لتبحث عن مكان مظلل تستطيع أن تتناول فيه الطعام . كانت كل العيون متجهة إليها وهي تستدير , ونظر البعض بعيدا عنها فجأة بينما أخذ البعض الآخر ينظر إليها في جرأة. جاءها صوت متردد عن يمينها : "آنستي !" التفتت ستاسي فرأت جيم يخاطبها : "تستطيعين الانضمام إلي أذا شئت , فلم يعد هناك الكثير من الأماكن الظليلة". نظرت لأول مرة في عيني راعي البقر الشاب قائلة: " أشكرك يا جيم . أعتقد أن منظري يدل علي أني ضالة". "نعم . يجب ألا تأبهي لهولاء الرجال. إنهم لم يعتادوا روية النساء في المسكر ". نظرت إليه , كان وجهه شبه بالصبية مما يخدع من يريد تقدير سنه الذي كان في منتصف العشرينات. سألته ستاسي أثناء تناول الطعام : " هل تعمل هنا منذ وقت طويل؟" " أعمل هنا من وقت لآخر طوال عمري . لقد انتهيت من الخدمة العسكرية منذ عامين وذهبت إلي الجامعة ولكني أعمل هنا فترة الصيف لأكسب مصاريف تعليمي". " ماذا تدرس؟" " علم الغابات والحفاظ عليها " " هل تنوي أن تصبح حارسا للغابة ؟" أجاب مستمتعا باهتمام ستاسي به: " أرجو ذلك . لقد أقترح سيد هاريس علي العودة للمزرعة , ولكني أفضل ألا أفعل . في البداية كنت سأصبح طبيبا بيطريا ولكني اكتشفت اهتمامي أكثر بالناحية الزراعية والبيئية ". قالت ستاسي وفي صوتها رنة مرارة فيما تمضغ قطعة من اللحم : " لو كنت مكانك لما سمحت لرغبات سيد هاريس أن تتعارض مع ما أريد ". جاء الرد في صوت خافت ساخر : " لا . بالطبع لا". انتفضت رافعة رأسها , وكادت تختنق من قطعة اللحم التي تأكلها وهي تحملق في وجه هاريس . بينما هب جيم واقفا في حرج . قال وهو يشد علي فكه بقوة مدافعا عن ستاسي بطريقته ضد ابتسامة مخدومه الساخرة : "كنا نناقش خططي في الدراسة يا سيدي ". وقفت ستاسي بسرعة حتى تمنع الاستمرار في الحديث نيابة عنها , كان مهينا بما فيه الكفاية أن تضطر للنظر إلي أعلي ... لكورد , ولكن الجلوس تحت قدميه كان لا يحتمل مطلقا , ونقل كورد هاريس بصره من عامل المزرعة الشاب إلي الفتاة الواقفة أمامه بدون قبعة . قابلت نظرته بجرأة وهي تشعر مرة أخري بأن ثيابها ووجهها قد كساهما الغبار. قال كورد وصوته يبين رغبته في إبعاد جيم : " ربما وددت مراقبة الجياد يا كونورز". ألقي راعي البقر بنظرة إلي الفتاة الواقفة بجانبه , ابتسمت له ستاسي بثقة أكثر بكثير مما كانت تشعر . كان نبضها مسرعا سرعة مزعجة . وتركها جيم كونورز رغما عنه واقفين وحدهما بجانب المقطورة. " يبدو أنك استطعت أن تكسبي لنفسك معجبا !" قالت ستاسي بصوت لاذع: "لا تكن مضحكا ! لقد كان مهذبا فقط من الواضح أنه قد تعلم السلوك الحسن ولا أستطيع أن أقول هذا عن أناس آخرين ". قال كورد متجاهلا أهانتها : "أرى أنك في حالة جيدة علي الرغم من العمل طوال الصباح "ز واستند إلي جانب المقطورة لشعل سيكارته . وبلا شعور أمسك بالثقاب حتى برد وهو ينظر طوال الوقت إلي وجه ستاسي المتسخ . " نعم . قمت بعمل جيد بالرغم من الصعوبات . هل أنت مندهش ؟" أجاب: " لا أعتقد أنك تستطيعين عمل أي شيء تقررين عمله . إني فقط أتساءل‘إذا كانت عندك القدرة علي الاستمرار". مشي إليهما هانك وقد جذبت انتباهه مهرة بنية اللون في الناحية البعيدة من المقطورة , وقال: " أهلا يا سيدي , هل هذه المهرة التي اشتريتها في الأسبوع الماضي ؟ إنها بالتأكيد حلوة الشكل". أما المهرة فقد كرهت القيود وأخذت تذرع الأرض في صبر نافد وتجر لجامها . لم تترك عينا كورد وجه ستاسي وقال: " نعم إنها حلوة !" شعرت ستاسي بحمرة الخجل تغمرها ولكنها لم تستطع أن تهرب من العينين المسيطرتين . وسأل هانك : " هل تعتقد أنها تستطيع الاستقرار في حياة المزرعة؟" ثم وجه بقية كلامه لستاسي بدون أن يلاحظ أنها لا تعيره الكثير من انتباها : " لقد دخلت السباق عدة مرات وهي معتادة علي الكثير من الضجة والصخب . تستطيع أن تقول إنها مدللة ". داعبت شفتا كورد ابتسامة هازئة وهو يرقب أمارات الارتباك واضحة علي وجه ستاسي وقال: " من الصعب أن أجزم يا هانك ". استمر راعي البقر الكهل في الكلام وهو يهز رأسه : " بالتأكيد إنها تبدو متعبة . ستحتاج للكثير من الصبر حتى تتغير طريقة تفكيرها". قال كورد ضاحكا : " بالطبع ستحتاج للصبر , ستحتاجه . حسنا يجب ألا أعطلكما أنتما الاثنين عن عملكما أكثر من ذلك . سأراكما فيما بعد ". هز رأسه لستاسي , ثم ربت بود علي ظهر الحصان , ومشي بخطوات واسعة نحو المهرة المربو طة وعلي وجهه تعبير سرور مكتوم . فك لجام الحصان وقفز بسهولة فوق السرج , ولم ينظر في اتجاههما وهو يوجه الحصان نحو مجموعة من الركاب يتحدثون وهم يشربون آخر قدح من القهوة . لم تسمع ستاسي حديثهما ولكنها فهمت أنه يأمرهم بالعمل لأنهم تفرقوا بعد وقت قصير , وساروا إلي حيث ربطت جيادهم . لمحت جيم من طرف عينها يمشي قائدا حصانين وأعطاها لجام حصان كبير ذي أنف روماني . وأحست ستاسي بأن جيم كان محرجا لتركها بين براُن كورد , ولكنها في تلك اللحظة كانت تري الوجه الذي لوحته الشمس واضحا في ذهنها , والضحكة اللذيذة الصادرة من الحلق ترن في أذنيها . وركبا في صمت وانضما إلي هانك ليبدوا عمل بعد الظهيرة.
الفصل السابع
لن أطلب الرحمة
ظنت ستاسي أن الصباح طويل ومرهق , ولكن عندما بلغت الساعة السادسة مساء عرفت تماما معني أن يكون الإنسان مرهق حتى العظام . وتاقت نفسها للصياح فرحا عندما رأت طاحونة الهواء التي تشير إلي ارض مبيت الماشية تلك الليلة . نالت ستاسي احترام هانك وجيم لامتناعها عن إلقاء أعباء عملها عليهما . وحاولا أن يعملا بدل منها عدت مرات إلا أنها لم تسمح بذلك . كان من السهل عليها استغلال كونها امرأة , وكانا سيسمحان بذلك علي الرغم من أوامر صاحب العمل. واقترح عليها هانك أن تسبقهما وتحضر قدحا من القهوة لكل منهما , ولكنها رفضت محاولة الضحك بالرغم من شعورها بالإرهاق قائلة أنها سوف تحتاج للمساعدة حتى تنزل عن ظهر حصانها . في تلك اللحظة شعرت أنها فعلا لن تقدر علي ذلك ولم تعتبر ما قالته مزاحا . وبعد ذلك بفترة قصيرة انضم القطيع الصغير الذي جلبوه إلي القطيع الأساسي للمبيت علي بعد حوال مائة ياردة من المعسكر . شعر الفرسان بالسلام م وهم في طريق عودتهم إلي المعسكر الغربي الحديث المكون من شاحنات ذات محركات , حيث امتزجت رائحة البترول والزيت برائحة عرق الجياد والماشية والآدميين . وقبلت ستاسي بلطف معاونة جيم لها للترجل عن الحصان . ولم تشعر بأي حرج وهي تعرج في طريقها إلي سيارة الست يشن حيث انبعثت رائحة القهوة الموعودة. وصل هانك قبلهما وأخذ يتحدث إلي الفرسان الذين تجمعوا حول البوابة الخلفية . نظرت ستاسي إلي عيني راعي البقر الكهل وعلي وجهها ابتسامة ألم ساخر , وقالت وهي تئن : "هانك . أعتقد أنك تنظر إلي أول سيدة مقوسة الساقين تعمل راعية بقر . لن أستطيع المشي بساقين مستقيمين طوال عمري , وبالطبع لن أستطيع الجلوس!" أثار هذا الحديث قدرا كبيرا من التعاطف والضحك من المجموعة , وأهم من ذلك أكسبها تقبلهم لها . ثم قدموا لستاسي قدحا ساخنا من القهوة وسط الدعابات والنكات . وبعد أن استنشقت البخار المتصاعد من القدح أفلتت منها تنهيدة إعجاب مسموعة . وصاحت : " أيها الطاهي . إنك حقا طاه ماهر , ولكن قل لي أين ماء الحمام ؟" قابلتها عاصفة أخري من الضحك , فأضافت : " هل تتعرضون لهذا كل يوم ؟" أجابها أحدهم : " مرتين يوم الأحد ". ثم ضحك من تعبير عدم التصديق الذي تصنعته ستاسي : " لا تقصوا علي التفاصيل وساعدوني في الجلوس!" خطا عدد من الفرسان إلي الأمام بينهم جيم كونورز , وبالغوا في الاهتمام بها وهم يساعدونها للجلوس علي الأرض . بدأت ستاسي تستمتع بوجودها معهم بالرغم من ألأمها وأوجاعها . وابتهج الرجال أيضا لوجودها معهم , فمن النادر أن توجد بينهم امرأة , وبالطبع لم توجد بينهم امرأة تضحك علي نفسها وعلي وضعها. ولمعت عيناها وهي تبدأ في تعليق ساخر جديد فلاحظت أن الرجال قد هدءوا ونظروا خلفها . احتفظت بمرحها واستدارت بابتسامتها المتألقة لتشمل القادم بمرحها . ولكن ظل كورد هاريس كان يسقط علي الجمع . كان تعبير وجهه يدل علي الاهتمام الساخر بالفتاة والرجال المحيطين بها . ولم تستطع ستاسي معرفة كيف ولماذا أتتها قوة الأعصاب لتقول ما قالت : "أوه ... سيدي! أرجو أن تسمح لهذا العامل المتواضع بالجلوس في حضرتكم العظيمة لأنني أقسم أنني لن أستطيع النهوض إذا أمرتني بذلك". أطبق صمت بارد علي الرجال وهم ينتظرون رد رئيسهم , وروعت ستاسي بالكلمات التي نطقتها ولكن فات أوان سحبها . وأمسكت أنفاسها هي والرجال, وجاءت الضحكة الخافتة أخيرا فأراحت الجميع , خصوصا ستاسي . فأمر كورد الطباخ وهو يبتسم قائلا : "تشارلي ... أعطني قدحا من هذا الذي تطبخه بينما أجلس إلي جانب هذه الآنسة". وأعل أحد الرجال نار للمعسكر, وركزت ستاسي انتباها علي النار بدلا من الرجل الجالس بجانبها , وحاولت أن تتجاهل اضطرابها عند سماعها لضحكته اللطيفة . بدأت الشمس في الغروب ملقية بظلالها الملونة علي المناظر الريفية . بينما أخذا يرشفان قهوتهما في صمت . أحضر لها الطاهي طبقا من شرائح اللحم والفول وأعاد ملء أقداح القهوة. سألها كورد عندما شرعا في تناول الطعام: "حسنا . مار أيك في قيادة الماشية ؟ هل هي كما كنت تتوقعين؟" أجابت ستاسي بابتسامة: "لا . أنا لا أقصد أن أشكو ولكن العمل أكثر كشقة مما ظننت". " لقد أحرزت نصرا مؤكدا حتى الآن". " هل تعني أنني لن أستطيع الاستمرار؟" " لا أعني إلا أنك قد أحسنت العمل جدا" لمعت عيناه وهو يضيف: "يجب أن تعالجي عصبيتك هذه .إنك تشعرين بالاهانة بسرعة أكثر من اللازم". أجابت ستاسي ونظرها ما زال مشغولا بوهج النار: "ربما يكون لدي سبب لذلك". ابتسم كورد وعيناه ترمقان وجهها الساكن: "أصبت في قولك. أتصور أن تكوني في غاية الإرهاق بعد عمل اليوم. سيعود الرجال لبيت المزرعة بعد قليل. تستطيعين أن تركبي معهم أو تنتظري قليلا لأوصلك". دهشت ستاسي وقالت: "هل سيعود الجميع ؟ أتعني أنكم تتركون الماشية بدون رعاية لتشرد ؟" ضحك كورد قائلا: " لا سيبقي معظم الرجال ويأخذون ورديات لقيادة القطيع . لقد أحضروا فراشهم الذي يطوى". وأشار إلي حيث كان الرجال يشرعون في إعداد فراشهم. " إذا لماذا أعود أنا لبيت المزرعة ؟" أجاب كورد باقتضاب : " لأنك لست مستعدة للمبيت . وغير مسموح لامرأة بالمبيت هنا , ثم انك قد قمت من فراش المرض منذ أيام قليلة . ومن الحماقة أن تبالغي في إرهاق صحتك" " ولكنني مجرد عاملة في مزرعتك . ألا تذكر؟" قالت ستاسي قولها بسخرية وعيناها تشعان في وهج النار . قال بلهجته الحادة : " أثناء النهار". جاء صوت ستاسي منخفضا ومصمما : "سأقضي الليلة هنا" " ستعودين معي ". " إذا ستضطر إلي حملي بالقوة من هنا , وهذا سينتج عنه منظر مثير . ولكنك لا تمانع من حدوث مثل هذه المناظر . أليس كذلك ؟" وقال كورد : "تنسين أنه لا يوجد لك مكان للنوم . ألم تتعلمي من تجربتك الأخيرة ما الذي يمكن حدوثه من برودة الليل ؟" " أنا واثقة من أنني أستطيع اقتراض بطانية أو أي غطاء من أحد الرجال". أجابها هازئا : " سيرحب الكثيرون بمساعدتك ". صاحت ستاسي : " يا لتفكيرك المنحط!" ثم قفزت واقفة وقد نسيت عضلاتها المنهكة . وصعد الدم ثائرا إلي وجهها وهي تنتظر أن يقف كورد أمامها . ثم أضافت: " لا أعلم أي نوع من النساء يتعاملن معك , ولكني أؤكد لك أنني مختلفة عنهن ". وعلا صوتها وهي تجاهد السيطرة علي نفسها .قائلة: " لست مضطرة لسماع مثل هذه التلميحات من أي رجل!" أمسك كورد بذراعها ليمنعها من الهرب منه . وقفت ستاسي وهي ترتعش بدون أن تحاول الإفلات من قبضته الحديدية أو تدير وجهها لتري عينيه الداكنتين الباردتين . سألها وهو يهمس هازئا : " هل تأملين أن يأتي أحد فرسانك لنجدتك؟" لم تستطع الإجابة ,وقفت بدون حركة , وأخيرا سمعت صوت تنهيدة تفلت من شفتيه في نفس اللحظة التي ترك فيها ذراعها . وقال كورد بهدوء : " أعتقد انه من المناسب أن أعتذر . لذلك أعتذر عن التلميحات التي صدرت مني , وسأرتب لبياتك هنا الليلة" لم تواجهه ستاسي حتى بعد هذا الحديث , فقد امتلأت عيناها بدموع المهانة والألم الساخنة , بينما شعرت بيديه تلمسان كتفيها وهو يديرها لتواجهه. ووضع يده الكبيرة علي ذقنها برقة مدهشة بينما أخفت قبعته الكبيرة تعبيرات وجهه . جاء صوته العميق المألوف" "أعتقد أن كلا منا متعب ومتوتر . عليك الحصول علي نوم مريح". وبهدوء استدار ورحل . شعرت بالفراغ وبرد الليل يلفح وجهها وكتفيها حيث لمستها يداه منذ لحظة , واختف\ي كورد تارك ستاسي تتأمل الظلام خلفه . وعادت وهي متشككة في مشاعرها إلي النار والرجال الصامتين حولها . وجاءها جيم كونورز من وراء احدي الشاحنات , ومعه فراش وبطانية . رمق وجهها بعينيه العسليتين اللامعتين متسائلا , ولكن ستاسي أخذت منه الفراش وهي تشكره بهدوء . ومشت إلي الجانب الآخر من النار . أخذت ترقب بغباء العمال وهم يحملون الجياد في الشحنات و يبدءون في الحركة . وبصورة لا إرادية أخذت تبحث عن كورد بين الرجال الواقفين , وأذناها تنصتان للحديث الهادئ حتى تسمع صوته , ولكن بدون جدوى. وغطت نفسها علي فراشها , وراحت تحدق في السماء الزرقاء الداكنة فوقها ,تنتابها مشاعر متباينة , الألم , الغضب , المهانة , الاستياء . وفوق كل هذا العجب والحيرة لشأن هذا الكورد هاريس الذي لا تستطيع التنبؤ بتصرفاته . وأخيرا شد انتباهها إرهاق عضلاتها واستغرقت في النوم بالرغم من خشونة الأرض وبرودة الهواء. كانت متأكدة من أنها نامت لتوها عندما شعرت بيد تهز كتفها برقة. فتحت عينيها علي السماء المضاءة بالنجوم. كان من الصعب على ستاسي رؤية الشخص الواقف بجانبها في هذا الظلام . ظنته في أول الأمر كورد، ولكنها تعرفت علي قوام جيم كونورز. " لقد حان موعد الاستيقاظ ". تمتمت وقد غلبها صوت النعاس: " مازال الظلام حالكا؟" أجابها راعي البقر الشاب بخفة: " الساعة ألان الرابعة. إننا نستيقظ مبكرا هنا . وطعام الإفطار علي وشك الأعداد. يحسن أن تغتسلي". بعد ذلك بلحظة واحدة ذهب . قامت ستاسي متألمة من فراشها وكل عضلاتها تصرخ فيها ألا تتحرك. كان كل ما استطاعته هو أن تقف. مشت وعضلاتها متصلبة إلى حوض الماء الساخن. حمدت الله وهي ترش وجهها بالماء مستمتعة بإحساس النظافة في جلدها واستيقظت تماما وراحت تنظر حول المعسكر باهتمام شاهدت ستاسي شاحنات الجياد وهي تقترب محملا بحياد جديدة للعمل هذا النهار. كانت ستاسي تأكل إفطارا هائلا احضره لها جيم ، وما أن فرغ جيم من إفطاره حتى عرض عليها أن يحضر لها حصانا . وعاد بعد بضع دقائق يقود حصانا كبيرا وأخر اصغر حجما. وبسرعة أنهت ستاسي أخر كعكاتها , وحملت الطبق والكوب إلى سيارة الست يشن . وعندما عادت إلى راع البقر كان العديد من الركاب قد ذهبوا. وانضم إليهم هانك راكبا حصانه. سألها مبتسما: " هل أنت مستعدة ليوم أخر يا آنسة؟" وأضاف وهو يراقبها وهي ترتدي قبعتها: "إن الراعي البقر الحقيقي يرتدي قبعته بمجرد أن يستيقظ". ضحكت وأخذت اللجام من جيم قائلة : " مازلت أتعلم , ما هي خططنا اليوم" " سنمسح الجانب الشرقي للقطيع الأساسي بحثا عن الماشية الشاردة" أفلتت أنة من شفتي ستاسي وهي تمتطي جوداها كان شعورها مزيجا من الهلع للأوامر و وثورة عضلاتها المتألمة للعودة للسرج. وسألته: "هل سينضم السيد هاريس ألينا اليوم " " أوه" " لقد قضا ليلته هنا أمس وتولي احد الورديات. اعتقد انه يقود القطيع ألان" فمن الغريب أن فكرة وجود كورد في المعسكر طوال الليل قد أقلقتها وهتفت قائلة: " انه لصباح رائع الجمال" واخذ حصانها يرقص كما لو كان يؤكد كلامها . وعلت الشمس في كبد السماء طاردة أخر أثار ظلال الليل . وأجاب راعي البقر جيم وقد تأثر بحيوية ستاسي الجذابة الراكبة إلى جانبه : " إنه الربيع" فضحكت قائلة: " هذه بلاد جميلة وخاصة في الربيع! شيء عظيم مجرد أن يكون المرء حيا!" " هل تحبين الحياة هنا حقا . اعني في تكساس؟" " نعم أحبها. الأرض رحيبة وتشعرك بالحرية. لا احد يزاحمك. من الصعب على أن أصفها " " اعرف ما تقصدين . فلنمض في هذا الاتجاه . أحب أن اريك شياء ". "ما هو؟" قال ناظرا للأمام وهما يغيران اتجاههما إلي اليسار : " سترين . ما الذي أتي بك إلي تكساس؟" أجابت بهدوء: " قتل أبي في حادثة طائرة منذ حوال شهر ونصف . كنا صديقين حميمين , توفيت والدتي بعد ولادتي بعدة أشهر وبقي كل منا للآخر". نظر جيم للفتاة بهدوء بعينيه العسليتين ولكنه لم يقاطعها. " كان والدي مصورا حرا شهيرا في مجاله . ومنذ بدأت أمشي أخذني معه في مهامه . لم أمكث في أي مكان مدة كافية تسمح لي بأن يكون لي أصدقاء" وأضافت ستاسي وفي ذهنها كارتر ميلز: "أوه . هناك أناس تتجدد صداقتي لهم عند العودة ، ولكن الحقيقة لم يكن هناك سوى أنا وأبي . وكان أبي قد استأجر طائرة لتعود بنا إلي واشنطن بعد رحلة في تنيسي. وعندما كنا فوق الجبال حدث عطل في المحرك وسقطت الطائرة". وأطبق الصمت برهة بينما حاولت ستاسي السيطرة علي الغصة في حلقها . واستطردت وهي تنظر أمامها: " كان معي كلبي كاجون الراعي الألماني . كنت في غيبوبة ولكنه تمكن من أن يجرني خارج الطائرة , وبعد ذلك بقليل انفجرت محترقة . وكان أبي بالداخل". قال جيم : " كان أبوك جوشوا آدامز ؟" " نعم . بعد ذلك كنت في حيرة من أمري . لقد عرض علي كثيرون من أصدقاء أبي المساعدة , ولكني لم أكن اعلم ما الذي يستطيعون فعله ". واغتصبت ضحكة وأضافت: " كان يحب الغرب. أعتقد أنني جئت هنا لسببين : أن اكون قريبة منه ، وأن اعرف الهدف الذي اسعي إليه في حياتي" " هل جئت هنا من قبل؟" " ليس هنا بالذات . ولكن كان لأبي مهام في الباسو عدة مرات ، وفي أماكن أخري من أريزونا و نيومكسيكو". ثم أضافت ضاحكة: "حقا لم أكن أتوقع أن أقضي وقتي في مطاردة الماشية!" فهم جيم أنها تحاول التخلص من حزنها الذي أثاره الحديث عن والدها , فضحك مثلها قائلا: " لا . لا أتصور انك كنت تتوقعين هذا . كنت وهانك مع السيد عندما وجدك علي الجبال ذلك الصباح"ز " كنت هناك ؟" " كان السيد في حالة يرثي لها عندما وجد حصانك. كان اول من لمح كلبك ووصل إليك . لم يشاهده احد منافي مثل هذه الحالة من قبل . كان يلقي بالاوامربسرعة ولم يسمح لأحد بالاقتراب منك". ضحكت ستاسي متجاهلة نظرة الفضول في عينيه وقالت: " ربما كان يخشي أن أقاضيه لسماحه للثعبان بالوجود في أرضه". " إنكما لا تتفقان أنتما الاثنان " " ليس ذنبي . اعتقد انه يكره النساء جميعا عام". قال راعي البقر وهو يهز رأسه متشككا: " لا. لاأصدق هذا. بعد خطبته لليديا لم يعد يحكم علي النساء بمظهرهن. لقد نسي معنى كلمة ثقة". "مهما كانت مشكلته فهي ليست مشكلتي". قال جيم موجها حصانه فجاء نحو اليمين في اتجاه تل صغير: " المكان الذي أريدك أن تريه هنا . كنت في محاضرة حيث كان أبوك محاضرا زائرا . أعتقد أنك ستتصورين هذا". بلغ الراكبان قمة مرتفع صغير , مغطي ببحر من الزهور الزرقاء . وقفا برهة علي التل بينما حدقت ستاسي في مهابة لجمال الزهور المتعددة , وهي تتموج متألقة في نسمة الصباح . لقد كست الطبيعة التل بغطاء داكن الزرقة . وعلي بعد سمعا أغاني الطيور التي جعلت الحياة تدب علي التل. صاحت ستاسي أخيرا : " إنها جميلة يا جيم . ما هي ؟" " اسمها القبعة الزرقاء ". وبقيت عيناها علي الزهور وهي تقول : " إن لونها أزرق جميل يكاد يكون بنفسجيا . إنها تخجل زرقة السماء". " هل ننزل من علي التل ؟" لم تجبه ستاسي ولكنها لمست جانب الحصان بكعبها . نزلا من فوق التل أحدهما وراء الآخر , ووقفا وسط الزرقة الغنية . ترجل جيم قبل ستاسي وساعدها في النزول من الحصان . بقيت يده علي ذراعها وهما يسيران وسط الزهور . لم تستطع ستاسي مقاومة رغبتها في جمع باقة صغيرة واستنشاق عبيرها الحلو. واستدارت ستاسي لتواجه راعي البقر قائلة: "كم أنا سعيدة أنك أحضرتني هنا؟" ووضع راعي البقر علي كتفيها وباقة الزهور بينهما , وعندئذ سمعا وقع خطوات حصان يقترب . استدارا في نفس اللحظة لرؤية القادم . لم تحتج ستاسي إلا للحظة لتتعرف علي الراكب الجالس باستقامة فوق السرج , وبدأ الدم يدق في عروقها , وأوقف كورد هاريس حصانه أسفل التل أمام الصديقين . وجاء صوته ملمحا: " هل أقطع عليكما شيئا ؟" لم يعط أحدهما فرصة للإجابة , وأراح ذراعه علي السرج قائلا: "إذا فلنعد إلي العمل ونترك الزهور لما بعد العمل ". ركب جيم وستاسي جواد يهما وهما يشعران باتهام العينين الداكنتين . وعندما انطلقا في طريقهما لكز كورد حصانه بينهما كما لو كان يفرق بين طفلين شقيين . أطبقت ستاسي شفتيها بصرامة . وقد أساءتها طريقة معاملة كورد لهما . لم يأبه لغضبها . وبعد أن تركوا مرج زهور القبعات الزرقاء أدار كورد رأسه قليلا في اتجاه راعي البقر الهادئ الراكب علي يساره , وأمره بلهجة يتحدي أن يرفضها : "أريدك أن تعود للقطيع الأساسي وتساعد جنكز يا كونورز . سأرافق الآنسة آدامز إلي حيث يمسك هانك ببعض الماشية الشاردة". ابتعد راعي البقر الشاب بحصانه عن ستاسي ومخدومه ولكز حصانه وانطلق راكضا . واستدارت ستاسي بغضب إلي الرجل الواقف بجانبها : " لم يكن من حقك أن تنهره . فأنا مخطئة مثله تماما ". أجاب كورد وعلي شفتيه ابتسامة وعيناه تشعان نارا: "يسعدني تفكيرك بهذه الطريقة , ولكن إذا كان الأمر يهمك فقد كنت أبحث عنه لأقول له هذا الكلام قبل أن أجده معك". لهثت ستاسي .لأنها اعتقدت أن كورد يؤدب زميلها بسبب اهتمام جيم بها . وسرت وجنتيها حمرة الحرج. " ولكن , لا يعني هذا أنني أقر أنك تسحري رجالي حتى ينسوا القيام بأعمالهم ". تمتمت ستاسي : " لا أعلم عم تتكلم ". " بالطبع لا تتوقعين أن أصدق أنكما كنتما تبحثان عن الماشية الشاردة في هذا الحقل ؟" أجابت ستاسي ساخطة : " لا , بالطبع ". "إذا ليس هناك شيء آخر يقال . أليس كذلك ؟" صاحت ستاسي : " نعم هناك ما يجب أن يقال , ليس من حقك أن تملي علي من الذي أصادقه أو لا أصادقه "ز قال بصوت غاصب مثل ستاسي : "هناك الكثير الذي أريد أن أقوله . إنك في خدمتي . لذا فأنا مسؤول عن تصرفاتك . وإذا لزم الآمر سأملي عليك من الذي تختلطين به ومن الذي تبتعدين عنه " " هل تقول لي أن أبتعد عن جيم ؟" أقول لك انك لن تنافقي رجالي وتغريهم بالأفكار العاطفية . هل هذا واضح بما فيه الكفاية ؟" أجابت ستاسي وهي تلكز حصانها ليركض: "تماما". لم يذهب الراكبان الصامتان بعيدا حتى شاهدا راعي البقر هانك وهو يسوق نصف دستة من الماشية. لوح له كورد بيده ثم اتجه بحصانه بعيدا عن الحصان ستاسي بجانب راعي البقر. وقال لها : " سنبقي مع القطيع بعد الظهيرة وسنركب في الجانب الأيمن". لمحت جيم عدة مرات بعد الظهيرة ، ولكنه لم يشعر بوجودها إلا مرة واحدة عندما لوح لها بيده. شعرت ستاسي بالذنب، فربما تسببت في مشكلة لراعي البقر الشاب. كانت تأمل ألا يعاديها جيم لهذا . بالطبع لم يكن يستطيع أن يجري إليها بمجرد أن يراها ، فهو يعمل . ووجدت نفسها تبحث عن كورد هاريس مرتين ولكنها لم تره،وبدلا من أن ترتاح لعدم وجود عينيه الغامضتين شعرت بالفراغ. وفي الساعة الرابعة وصل القطيع لمجموعة من أشجار الحور على جانبي مجري نهر ، كان موقع المعسكر الليلي ، وقادو الماشية عبر الماء الضحل ليبيتوا على الجانب الآخر . ونظرت ستاسي بلهفة حزينة للماء الجاري وهي تتبع هانك . يالها من فرصة لغسل الرمل والقذارة. وتجمع كل العمال حول عربة المطبخ حيث القهوة الطازجة. وترجل هانك وستاسي عند الشاحنات وانضما للآخرين . ففي الصباح التالي سيصل القطيع إلى المراعي الصيفية وتنتهي قيادته في الخريف.وقفت ستاسي هادئة ترشف القهوة وتستمع لادعاءات وشكاوى رعاة البقر المخضرمين .كان العشاء علي وشك الإعداد وكانت تود أن تذهب للنهرقبل ذلك . فرغت من قهوتها وأعطت القدح للطاهي . لم ينتبه إليها أحد وهي تمشي نحو أشجار الحور. مشت ستاسي ألهوينا متتبعة مجري النهر , ووقفت علي بعد خمسمائة ياردة من المعسكر في مكان متسع يصلح للاستحمام بعيدا عن مكان عبور الماشية, وبالتالي غير موحل وكانت هناك شجرة مناسبة تدلي أحد فروعها لتعلق عليه ثيابها . فخلعت القبعة البنية في سعادة , وجذبت حلقة المطاط التي تربط شعرها . وتحرر شعرها من سجنه فسقط مسترسلا علي كتفيها وهي جالسة علي حافة الماء تخلع حذاءها . هزت أصابع قدميها في سعادة وهي تنظر إلي الماء . وقفت ستاسي ونظرت مرة أخيرة حولها لتتأكد من عدم وجود ضيوف غير مرغوب فيهم . نزلت في الماء فسرت في أوصالها رعشة خفيفة للبرودة غير المتوقعة . ودندنت في مرح وهي تتراقص وتدور علي نفسها . وأخذها الاستمتاع بالحمام فلم تسمع وقع الحوافر علي الرمال . وقف الحصان وراكبه بجانب فرع شجرة الحور حيث علقت ستاسي ثيابها . ظلت ستاسي تدندن في سعادة وهي تمشي في المياه الضحلة نحو الشاطئ ونظرت إلي الشجرة ووقفت في الماء وقد أذهلها ظهورا لحصان وصاحبه . وحل محل دهشتها شعور بالخجل لردائها فأخفضت جسدها داخل الماء . صاحت وحمرة الخجل تكسو وجهها مخاطبة وجه كورد الساخر : " كان من اللياقة أن تعرفني بوجودك هنا ياسيد هاريس ". تجاهل نقدها له وأجاب بصوته العميق : "افتقدتك في المعسكر وجئت أبحث عنك ". حل الغضب محل الإحراج وقالت: " حسنا . لقد وجدتني فتفضل بالذهاب حتى أرتدي ثيابي ". قال كورد باسما وهو يشير إلي مجموعة من الأشجار تحجب الرؤية عنها : " سأنتظرك هناك ". كان السرور باديا علي وجهه وهو يوجه حصانه ويذهب . صعدت ستاسي إلي الشاطئ بسرعة ولكن غضبها واستياءها عطلاها .حاولت إن ترتدي ثيابها بسرعة برغم جسدها المبتل . التصقت أكمام بلوزتها بذراعيها المبللتين , ولكنها استطاعت أن تزررها وتدخلها في البنطلون . وارتدت حذاءها بسهولة فوق الجورب المبتل . أخذت قبعتها عن الشجرة ثم جرت إلي حيث ينتظرها كورد . وقف كورد صامتا بجانب حصانه وهو يرقب قدومها . كان تسرعها في ارتداء ثيابها وجريها لملاقاته سببا في حمرة خديها , وتألقت عيناها من فرط التوتر والحرج . وقفت ستاسي أمام كورد مترددة . بحثت عيناها في وجهه محاولة أن تقرأ تعبيره في يأس. وقال : " تعالي . سأمشي معك عائدين إلي المعسكر ". لهثت وهي تمشي معه وهو يقود الحصان في اتجاه المعسكر . لم يدر لها وجهه المتجهم مرة واحدة وهما يسيران في صمت .كان التوتر أكثر من احتمال ستاسي . مرت بيدها خلال شعرها المبتل في عصبية . قالت ورنة التحدي في صونها : " كنت أشعر بالحرارة والغبار من الركوب ". علق كورد رافضا أن يأخذ طعم التحدي : " بالطبع كانت المياه مغرية . للأمانة شعرت بإغراء الانضمام إليك ". راقب وجهها وعيناه تنظران إلي جدائل شعرها المبتلة حول جبهتها , ثم إلي أنفها المستقيم وتوقف عند شفتيها المبتلتين . علمت ستاسي أنهما قريبان جدا من المعسكر . وكانت رؤيتها مع كورد تحرجها , ولكنها لم تكن ترى سوي وجه الرجل القوي الواقف إلى جانبها وكتفيه العريضتين . لا بد انه قرأ في نظرتها إمارات الارتباك والحيرة وهي تحاول ان تفهم سبب تغير موقفه منها ، لأنه ترك ذراعها فجأة وبدا مرة أخرى يمشي في اتجاه المعسكر. داعبها كورد قائلا: "لم اعرف امرأة للآن ، لا تنتهز فرصة للاغتسال". لسبب ما لم تستطع الاعتراف به . شعرت بالأمان لعودتها للمزاح الساخر. قالت وقد عادت لمشيتها خفتها: "كيف استطيع أن أغري رجلا إذا كانت رائحتي كالبقرة؟" رافقها كورد وهما يدخلان منطقة المعسكر: "هذه نقطة جيدة . اذهبي وكلي لقمة يا صغيرتي . سأرك فيما بعد ". شعرت ستاسي بيده تلمس كتفها في خفة وهو يتحرك بعيدا عنها في اتجاه شاحنات الجياد . وسري الدفء من لمسته وهي تتخيل وقع يده علي كتفها . فمشت في شرود نحو مجموعة الرجال شاعرة إن كل انتباها مركز علي الرجل الذاهب . وانتظرت بدون وعي قدومه طوال العشاء . وعندما لم يأت شعرت بالاكتئاب . كانت عادة تخشي وجوده وها هي الآن تنتظره . أي نوع من الرجال هذا الذي يستطيع أن يجعلها ترغب في وجودها معه وتكرهه في نفس الوقت؟ أسرع وجود الأشجار حول المسكر في إظلام المكان بعد غروب الشمس مباشرة , فبدت نيران المعسكر أكثر توهجا . كان يبدو علي جيم أنه يبحث عن أحد وهو واقف يراقب العمال . ثم لمح ستاسي واتجه إلي حيث كانت تجلس بعيدا عن الآخرين فقال لها : " مرحبا ,كنت أبحث عنك ". سألت ستاسي : " هل كان العمل شاقا اليوم؟" جلس جيم بجانبها قائلا: " ليس شاقا جدا , آسف لأنني اضطرت للتخلي عنك اليوم هكذا ". ضحكت ستاسي : " لم يمسك أحدنا بخناق الآخر , إذا كان هذا يقلقك . لم أقصد أن أتسبب لك في المشاكل يا جيم ". سألها جيم بهدوء: " إنني معجب بك يا ستاسي , أنت تعلمين هذا أليس كذلك ؟" وعندما لم تجبه أضاف : " هل أنت مخطوبة ؟" تجنبت ستاسي النظر إليه . كان من الممكن أن تسعد بإعجابه ولكنها ندمت علي مجمل الحديث فقالت : " لا . أنا أيضا معجبة بك يا جيم . إنك صديق طيب جدا ". " هذا ما أشعر به . أرجو أن أراك كثيرا" " أرجو ذلك . لم يكن لي أبدا كثيرا من الأصدقاء ". قال بحنان وقد رفع يده الخشنة إلي خدها الناعم : " ستاسي يالك من فتاة . أراهن أنك تستطيعين أن ترفضي رجلا وتجعليه يشعر بالسعادة رغم ذلك .
8- صراع الكبرياء
جاءها صوت آخر بحدة علي بعد بضعة أقدام منهما: " كونورز!" هبا مبتعدين لصرامة لهجة كورد وهو يخطو خارج الظلام وقد أختفي جزء من وجهة , ولكن لم يكن هناك شك في ثورته المكتومة . كان فكه مطبقا وجبينه مقطبا وضاقت عيناه الداكنتين متوعدتين وهو يحدق في راعي البقر الشاب . ولم يعجب ستاسي سلوكه المتحكم فاتهمته بقولها: " لك موهبة فريدة في الظهور حيث لا يتوقع أحد وجودك ". " هذا واضح ". وتنقلت نظرة كورد النفاذة من ستاسي غلي جيم . وسأل : " حسنا؟" أجاب جيم وقد برز ذقنه وهو يقابل العينين الحادتين : " ليس لدي ما أقول يا سيدي". شعرت ستاسي بالاستياء يحرقها إذ كانت الطريقة التي يهين بها كورد جيم أمامها لا تغتفر! كان ينتزع كبرياءه أمام عينيها . فإلي أي مدى يظن كورد أن جيم سيحتمل ؟ ولماذا يهمه كونها تتحدث مع راعي البقر؟ نظر جيم إلي ستاسي في صمت . وأخيرا حياها تحية المساء ومشي بعيدا . استدارت ستاسي لتواجه المزارع الطاغية وهي حانقة وعيناها البنيتان تبرقان وترتعش من الغضب المتزايد الذي يعتمل بداخلها . وصاحت : " من تظن نفسك بالضبط يا سيد هاريس ؟ هل تهتز طربا وأنت تهين رجلا أمام امرأة ؟ أم أنك تحب أن يعرف الجميع أنك السيد الخطير هنا؟" قال كورد وما زال صوته شرسا وهو يسيطر علي انفعاله : "لا أري أن دوافعي تخصك في كثير أو قليل ". " هذا الرد يعكس شخصيتك تماما , أنت تعتبر نفسك القانون ولست مسؤولا أمام أي شخص . حسنا إنك لا شيء! هل تسمعني ... إنك لا شيء ! إن جيم أكثر رجولة مما تستطيع أن تكون . وتكون مخطئا إذا ظننت أنك قد قللت من شأنه في عيني . كنت أعتبره صديقا من قبل , أما الآن فعندما أقارنه بك أجد أنه الرجل الوحيد لي في العالم". أجاب بحدة وعضلة فكه تختلج من فرط غضبه المتصاعد : " أخيرا تعترفين . إذا أنت في حاجة إلي رجل , ولكنني حقا اشك في أنك تستطيعين أن تميزي الرجال إذا قابلت أحدهم". قالت بحدة وهي تعي تماما أنها تثير كورد أكثر من احتماله: " أعرف أنه مهما يكن الأمر فإن الذي أقف أمامه الآن ليس رجلا". لم تعد تأبه لغضبه , فقد كانت تستمتع بالحط من شأن هذا الذي يدعي الكمال. وكانت هذه هي القشة التي قضمت ظهر البعير , فقد أسود وجهه من الغضب وجذب ذراعي ستاسي بخشونة وقربها إليه حتى أنها استطاعت أن تري العروق النابضة علي جانب فكه . وقبض علي كتفيها بقوة وهي تقاومه وهي تقاومه بلا جدوى . كان اقوي منها بكثير . حرك احدي يديه ليحيط بخصرها وامسك بالا خري بشعرها البني الطويل لأويا ذراعها حتى يرغمها على النظر في وجهه ونظرت مرتعدة إلى عينيه اللتين أصبح سوادهما فاحما. وقال كورد بصوت مبحوح: " اقسم لك أنني لن اسمح بأن تتمادي مع رجالي . إذا كنت تبحثين عن مغامرة عاطفية فسأتولى أنا هذا الأمر الآن وفي هذا المكان". وخفض وجهه ببطء إلى مستوي وجهها كما لو كان يستمتع بخوف ستاسي وهي تدرك أنه سيقبلها . حاولت ببسالة أن تقاوم مرة أخري ولكنه منعها بسهولة. وضيق قبضته عليها كما لو كان ينوي أن يقضي علي كل مقاومتها . وضغط بشفتيه علي عنقها بقسوة محاولا آن يعاقبها ويؤلمها ويهينها . ولكن قربه منها أسرع بدقات قلبها، ولابد انه سمع هذه الدقات كما كانت تسمعها. عندما ظنت ستاسي انه لن يتركها أبدا خطا كورد بعيدا عنها . وفقدت توازنها عندما تركها فجأة وسقطت على الأرض مذهولة تحدق في قوامه الفارع. وقال كورد وقد عادت البرودة إلى عينيه: "لا تضيقي الخناق على رجل أبدا قلت لك مرة من قبل أن تتعلمي القواعد قبل أن تلعبي اللعبة". هبت ستاسي واقفة واندفعت إليه قائلة : "إنني احتقرك!" امسك برسغيها بسهولة وحملق بلا انفعال في قطرات الدمع المتساقطة على خديها . حاولت أن تركله وتخشه ولكنه تمكن بسهولة من صد محاولاتها حتى أرهقها المجهود تماما وقاومت الغصة في حلقها فتمتمت أخيرا : " لقد هزمتني . تستطيع دائما أن تجبرني علي فعل ما تريد , ولكنك لن تستطيع أن تجعلني أشعر حيالك بأي شيء إلا الاحتقار". لم تظهر في عيني كورد وهو ينظر إلي ستاسي أية علامة للوم النفس . بل وقف صامتا يبحث في وجهها عن شيء لم تعرفه وهو يترك يديها المحبوستين في يديه , قائلا: " أعلم ذلك تماما . هيا بنا , فمن الأفضل أن ننضم للآخرين ". " أهذا كل ما عندك لتقوله ؟ أل تعتذر ؟ إذا كانت هذه هي الطريقة التي تتعامل بها مع النساء فاستطيع أن أري لماذا هجرتك خطيبتك ". تحجر وجه كورد عندما سمع كلماتها . ونفذت عيناه الداكنتان غلي أعماقها . فأدركت أنها تعدت علي شيء لا يخصها. فوقفت ستاسي في مكانها كالمخدرة , كانت الدموع علي وجهها ومع ذلك وقفت في كبرياء . أجاب بصوت بارد وخشن : " لا أنوي أن أعتذر عن تصرفاتي , ولا اعلم ما الذي سمعته عن ليديا وعني ,ولكن مهما يكن فهو ليس من شأنك . اعتبري ما حدث الليلة درسا كان يجب عليك أن تتعلميه منذ وقت طويل . إنك لست فتاة بلا جاذبية . ومن حسن حظك أنني لم أقع تحت تأثير سحرك وإلا لاختلفت نتيجة ما حدث الليلة , فأنني أعلم لحسن الحظ من أنت بالضبط , وأعرف الحيل الرخيصة التي تستعملها مثيلاتك لإرضاء رغبتهن الأنانية في إثارة الاهتمام والإعجاب". وامتلأ كلامه بالسخرية وهو يقول: " لقد انتهي الموضوع ". لم تستطع ستاسي الكلام . نظرت إلي وجهه وقد أثار الاحتقار المرسوم عليه نفورها. ومن فرط ارتباكها لم تقاومه وهو يأخذ بذراعها ويساعدها علي العودة إلي نار المعسكر . وتعثرت عدة مرات علي الأرض غير المستوية ولكنه لم يتردد في خطواته . ولم ينظر في اتجاها . فلم يكن هناك ما يشير غلي أنه يعترف بوجودها سوى يده الموضوعة علي ذراعها. وعندما وصلا إلي المعسكر تركها واستمر في سيره غلي الدائرة بدونها . وحمدت ستاسي ربها لابتعاده عنها, ودخلت في فراشها راجية ألا يحادثها أحد أو يري في وهج النار أثار البكاء في عينيها . وأخذت تشهق بالبكاء في صمت وهي تزحف تحت الأغطية . ولعنته لرأيه الذي ليس له ما يبرره فيها ثم استقرت داخل بطانيتها بحثا عن الدفء و ولكن ظلت في عقلها وقلبها ذكري ذراعيه القويتين الدافئتين وبصمت أطبق النعاس علي جسدها المنهك . سطعت شمس الصباح متألقة علي ستاسي وهي تركب الحصان الصغير الذي ركبته في اليوم الأول . ولم تجتذبها المناظر الريفية المحيطة بها وهي تسير بجانب القطيع . وفي أحلام الليلة الماضية عاشت مرة أخري أحداث الأمس , وكان الحلم أكثر إثارة من الحقيقة . وبعد ذلك تعلقت به يدفعها يأسها وخوفها من أن يرفضها . وشعرت أنها قد خانت نفسها في هذا الحلم بطريقة أو بآخري . لقد كانت تكره كورد هاريس وكل ما يمثله . كان شعورها بالخجل والذنب للقبلة الوهمية أضعاف شعورها بالمهانة للقبلة الحقيقية . واستيقظت من أفكارها علي وقع خطوات حوافر تقترب منها . نظرت فرأت جيم كونورز يمتطي جوادا راكضا . لوح بيده ووقف بجانب هانك , وتبادلا بضع كلمات فتساءلت ستاسي عما إذا كانت هي موضوع الحديث واحمرت وجنتاها حرجا . لو كان اليوم مثل الأيام الماضية لانضمت إليهما ولكنها خشيت أن تواجههما اليوم فتبدو علي وجهها أحداث الليلة الماضية . وبعد بضع دقائق جاءها هانك وقال: " سنصل غلي المرعي بعد ساعة . قال السيد لجيم هذا الصباح أن عليك أن تعودي لبيت المزرعة بمجرد أن نصل إلي المراعي الصيفية ". وكانت ستاسي تخشي لقاء كورد هاريس مرة أخري فسألت : " لماذا ؟ ألم يذكر السبب؟" أجاب هانك وعلي وجهه نظرة فاحصة : " لا سيكون أحد العمال هناك ومعه سيارة بيك آب وستركبين معه , ويريد السيد منك أن تذهبي إلي مكتبه بمجرد وصولك . لقد حدثت بينك وبين السيد كورد مشادة أخري مساء أمس , أليس كذلك ؟" بدأت ستاسي تنكر ولكنها كانت تعلم أنها لن تستطيع أن تخدع راعي البقر اليقظ فأومأت بلا يجاب . هز رأسه باسما وهو يقول: " إنكما لا تتفقان أبدا . قال جيم أنه فاجأكما مساء أمس". وعلقت ستاسي بمرارة قائلة: "أعتقد أنه قد ثار علي جيم هذا الصباح ؟" ابتسم الرجل المخضرم وهو يرقب وجه ستاسي ليري رد فعلها وقال: " توقع جيم أن يثور عليه السيد ولكنه لم ينطق بكلمة عن الموضوع . بل إنه عهد إلي جيم برئاسة أحدي مجموعات ترقيم الماشية ". ظهرت الدهشة علي وجهها وهي تقول : " هل فعل ذلك ؟" ثم قالت في نفسها ربما كانت هذه طريقته في الاعتذار. " أعتقد أنك تتصورين نني رجل كهل يثرثر , ولكن هل تحبين جيم أو شيئا من هذا القبيل ؟" " لا . إننا صديقان . لقد كان يعرف أبي أو قابله في محاضرة ". " هذا حسن ". قالت بفضول : " حسنا . لماذا ؟" " إنه ليس مناسبا لك . إنك تحتاجين شخصا أقوي منه ليكبح جماحك . إن النار مع النار تصنع وهجا أكبر دائما ". ضحكت قائلة : "لم أكن أعلم أنك تمزج جمع رأسين في الحلال بالفلسفة يا هانك . قل لي هل في ذهنك رجل معين ؟" " نعم ولكن لن أقول . ستعرفين قريبا جدا". لكز حصانه وأضاف رافعا صوته فوق الجلبة : " يستحسن أن نعود إلي العمل". رافقته ستاسي وهي تضحك وقد زالت عنها كآبة الصباح في صحبة راعي البقر الحكيم . وعندما طاردا آخر الماشية الشاردة أشار هانك نحو سيارة بيك آب منتظرة , ففهمت ستاسي أنها ستعود إلي بيت المزرعة فيها . وصلت بحصانها إلي شاحنة الجياد وترجلت . وحاولت تفادي الجياد وراكبيها واتجهت نحو السيارة . ففتح لها السائق الباب وأشار لها بالدخول . تبادلت ستاسي معه بعض النكات ولكن توقعها لقاء كورد بعد حادثة الليلة البارحة جعلها تصمت بالتدريج . وكان هناك في تصورها أسباب متعددة لرغبته في الحديث معها , وكانت تتمني أن يسعدها الحظ فينهي اتفاقهما . عندما وصلا ساحة البيت لاحظت ستاسي وجود سيارة كاديلاك ذهبية لم ترها من قبل هناك . وبالرغم من أنها لم تكن تعرف الجيران إلا أنها كانت واثقة من أنها لم تر أية سيارة كهذه سابقا . وملأها إحساس عجيب بالتوجس عندما توقفت سيارة البيك أب بجانب بوابة المنزل لتخرج منها . كانت ستاسي مرهقة وخائفة . تمشي وفي يدها فراشها الملتف وقبعتها . وفي اليد الأخرى سترتها الجلدية . وتمنت وهي تفتح الباب لو أتيحت لها فرصة أن تغتسل وتبدل ثيابها قبل لقاء كورد هاريس المقيت , ولكنها كانت تعلم أنه ينتظرها فور وصولها . واحترقت من الاستياء وهي تدرك أنه كان يريد أن يلقاها وهي في وضع غير مناسب كيف يمكنها أن تظهر بمظهر هادئ وتسيطر علي نفسها إذا كانت تبدو مثل صبي قذر؟ سمعت اصواتا في الغرفة التي يعمل بها كورد بينما تجتاز مدخل البيت البارد . ووقفت حائرة أمام الباب المغلق, حاولت أن تتعرف علي تلك الأصوات ولكن الباب السميك المصنوع من البلوط منعها من ذلك . ففكرت: ربما كان مشغولا ولا يرغب في رؤيتي ألان. ولكن... لا... من الأفضل أن تنتهي من هذا اللقاء . استسلمت للأمر الواقع ووضعت أشياءها علي أريكة خارج الغرفة ونفضت الغبار عن بنطلونها وبلوزتها ثم رتبت شعرها الطويل, واعتلت ودقت الباب. جاءها الرد خافتا : " ادخل " فتحت ستاسي الباب ودخلت الغرفة بثقة أكثر مما كانت تشعر , وكان كورد واقفا أمامها مباشرة بجانب مكتبه . كانت في وقفته بساطة وعدم اكتراث مما زاد من توترها . قال كورد وهو يلوح بيده امرأ: " ادخلي ياانسة آدامز" مرت عيناه الهازئان علي مظهرها المشعث وأضاف : " أري انك وصلت توا " أجابت ستاسي مدافعة عن نفسها وهي تواجهه بجرأة : "فهمت أنك تريد أن تراني علي الفور , ولكن يمكنني أن أعود بعد فترة إذا كنت مشغولا" قال: "لا ,لن يكون هذا ضروريا". تحولت نظرته منها إلي الكرسي ذي الظهر العالي أمام مكتبه وقال: "لن تمانعي في الانتظار بضع دقائق ... أليس كذلك؟ لأول مرة بحثت عينا ستاسي في الغرفة عن صاحب الصوت الثاني الذي سمعته وهي في الخارج . كانت مشغولة بلقاء كورد حتى أنها نسيت مؤقتا فضولها لمعرفة شخصية صاحب السيارة الكاديلاك. وأثار انتباهها حركة المقعد . لقد أخفي المقعد الجلدي الكبير شاغله إذ كان ظهره لستاسي . أما بعد هذا فقد رأت ستاسي ساقين رشيقتين ترتديان جوربا وحذاء ذا كعب عال . وأظافر مطلية ليد أنثوية . شعرت ستاسي برجفة متوجسة تسري في عروقها . كانت المرأة جميلة بشكل لافت للنظر . وكان شعرها فاحم السواد مرفوعا في تسريحة إلي أعلي مما أظهر عظام خدودها العالية وبشرتها العاجية . استدارت لستاسي فظهرت عيناها السوداوان بلون شعرها تشعان بوهج مكتوم . كانت أطول من ستاسي ببضع بوصات وأعطت الانطباع بأنها تنظر لها إلي أسفل من خلال أنفها الرشيق ز ولمعت العينان السوداوان سرورا عندما رأت المرأة مظهر ستاسي المتسخ . قالت المرأة الغريبة بصوت موسيقي واضح : " ستقدم كلا منا للأخرى ... أليس كذلك يا كورد ؟" وأجاب وعيناه لا تتركان وجه ستاسي الذي احمر خجلا: " بالطبع . ليديا . أود أن تلتقي بالآنسة ستاسي آدامز . كانت تعاونني في المزرعة كما تستطيعين أن تري . آنسة آدامز : هذه هي ليديا مارشال صديقة قديمة جدا لي". تمتمت ستاسي بتحية غير واضحة وأومأت برأسها . فهذه هي ليديا المرأة التي كانت خطيبة كورد ! شعرت بأن وجود الاثنين معا لا بد وأن له معني فنظرت لكورد متسائلة , وبقي علي وجهه نفس التعبير الهازئ الذي ألفته في الأسابيع الماضية . وكان هناك معني آخر للمعة عينيه , عزتها أول الأمر لمظهرها المشعث . ربما عادت المياه لمجاريها بينهما ولكن ماذا عن زوج ليديا ؟ تسابق في ذهنها ألف سؤال وهي تحاول التركيز علي الحديث الجاري بين الاثنين . ولكن الشيء الوحيد الذي بقي محفورا في ذهنها بعد أن تركت ليديا الغرفة هو الصوت الحريري للمرأة ذات الشعر الداكن. حدقت ستاسي في اتجاه الباب المغلق محاولة في يأس أن تطرد مشاعر الخوف البارد التي نمت في داخلها . كرر كورد كلامه في نبرة أعلي من قبل قائلا بصوته العميق: "قلت . هل تحبين أن تجلسي يا آدامز ؟" همهمت ستاسي وقد أحرجها عدم انتباهها : " بالطبع , أنا آسفة ". وخطت إلي مقعد من المقاعد ذات الظهر المستقيم بجانب المكتب وجلست . كان كورد جالسا خلف مكتبه يقلب في أوراقه. " يالها من أمرأة جميلة , تري هل حظر معها زوجها؟" أفلتت من ستاسي هذه العبارة قبل أن تدرك ماذا قالت . قال كورد وفي عينيه شبح ابتسامة , وعلي شفتيه تعبير الرضي والزهو : " لا , يبدو أن السيدة مارشال تطلب الطلاق ". قالت ستاسي بصوت خافت : " أوه ". لماذا ضايقها أن يعود هذان الاثنان لبعضهما كما يبدو ؟ قال بسرعة : " والآن لنبدأ في الحديث عن سبب استدعائي لك . من الواضح أن اتفاقنا السابق لن يعطي نتائجه المرجوة , علي الأقل ليس كما خططت ". جلست متوترة علي طرف المقعد وتطوعت قائلة : " مازلت موافقة علي أن اكتب ك شيك يغطي ثمن أي خسارة تسببت فيها . أنا أفهم تماما أنك تريد التخلص مني وأؤكد لك إنني أبادلك نفس الشعور". قال وهو يرفع حاجبا واحدا : " أخشي انك قد أسأت فهمي . مازلت أعتقد أن عليك أن تعملي حتى تسددي دينك . الأمر الواضح هو أنك لا تستطيعين أن تأخذي مكان رجل أو حتى نصف رجل . ولهذا اقترح أن تتولي أمر عمل أنسب لطبيعة المرأة ". " لا أفهم تماما ما الذي ترمي إليه ". " كما ذكرت لك من قبل , إنني أعقد مزادا كل ربيع أبيع فيه بعض جيادي المسجلة علي طريقة أهل تكساس . وهذا يعني أن أقيم حفل شواء في الهواء الطلق". لمعت عينا كورد وهو يراقب إمارات الفهم علي وجه ستاسي وأضاف : " أنا واثق أنك تستطيعين تنظيم نشاط هذا العام بخبرتك في الأندية الريفية مما يعطيني فرصة التفرغ للاهتمام بالمزرعة ". سألته ستاسي وهي تتجاهل السخرية المقنعة التي نطق بها كلماته: " كم عدد المدعوين إلي هذا الحفل ؟ ومتى سيكون موعده؟" أجاب وهو يراقب وجهها مفكرا : "أعتقد أنه قبل نهاية ذلك اليوم سيكون عدة مئات من الناس قد حضروا . والموعد هو التاسع من يونيو , أي بعد حوال أربعة أسابيع . إذا كنت تظنين أن العمل كثيرا عليك !". قالت ستاسي مدافعة عن نفسها : " إطلاقا . ولكني أعترف بفضولي لمعرفة السبب في أنك لم تطلب من السيدة مارشال أن تقوم بدور المضيفة والمنظمة". فتر صوته لجرأتها وهو يقول: "إن أسباب قراري باستخدامك ليست من شأنك , ولكني قلت من قبل إنني أريدك أن تعملي لتخرجي من ورطتك , وهذا هو البديل الوحيد . إن السيدة مارشال تمر بمرحلة صعبة لإعادة ترتيب حياتها , ولا يتوقع أحد منها الأشراف والأعداد لجمع بهذا الحجم , وخاصة أنها تمر حاليا بضغوط عاطفية. ثم إنه من غير اللائق أن تتولي ليديا هذه المهمة في هذا الوقت . وأشك في أنك ستفهمين هذا ". ردت عليه بحدة وقد آلمتها طريقته البارعة في حماية خطيبته السابقة : "لم أكن أعلم أنك تأبه لأراء الناس الآخرين ". أجاب بصوت بارد كالثلج: " هذا يتوقف كثيرا على هؤلاء الناس. هناك بعض الناس الذين لا أريد أن تتأثر سمعتهم, وهناك بعض الناس الذين لن يمكثوا هنا ولذا فأنا لا اهتم بشأنهم" قالت ستاسي غاضبة: "إذا كنت تشير إلى من طرف خفي , فانا أفضل أن تتكلم بصراحة. لقد كونت فكرة مضحكة عني بأنني أغازل كل رجل أقابله. على الأقل إنني لا أتعرض للضيوف الموجودين في بيتي!" قال كورد بحدة وصوته ينخفض منذرا بالخطر: "كنت أظنك أعقل من أن تثيري هذا الموضوع". واختلجت عضلة فكه منذرة مرة أخرى وأضاف: " من الأفضل أن ننسي الليلة الماضية. معظم النساء لديهن من الكبرياء مايمنعهن من إثارته". أجابت ستاسي بسرعة وهي تقف ثائرة وتقبض بيديها بشدة على ظهر الكرسي: "أنا لست معظم النساء. واضح انك تريدني ان انسي الموضوع في غمضة عين". قال كورد ناظرا إلى قوامها الرشيق: " بصراحة, لا يهمني إذا كنت تنسين أم لا. إلا إذا كنت تريدين أن أعيد الكرة" قالت: " هذا آخر شيء أريده منك!" اخترق وجهها وهي تتذكر استجابتها له في الحلم . قال منهيا الموضوع وموليا اهتمامه إلى مجموعة من الأوراق أمامه: "حسنا. هاهي بعض الترتيبات المعدة للمزاد, وعليك أن تستوعبيها جيدا. تستطيعين استخدام هذه الغرفة كمركز لنشاطك. وبما إنني أقوم بمعظم أعمالي المكتبية في المكتب فلن أزعجك, من المحتمل أن يكون هناك بعض التفاصيل التي تودين أن تراجعيها معي , وتستطيعين ان تتصلي بي في هذه الحالة . اعتقد أن هذا هو كل شيء". تجمدت الكلمات الغاضبة في حلق ستاسي تحت تأثير صوته الفاتر الذي ينم عن رغبته في انصرافها . وقفت برهة إلي جانب المقعد ولكنه لم يرفع عينيه عن الأوراق. فاستدارت علي عقبيها بسرعة وخطت خارج الغرفة وأقفلت الباب بشدة خلفها. ثم جمعت حاجياتها من الردهة وصعدت الدرج إلى غرفتها حيث ألقت بحمولتها علي الأرض وأخذت تنظر إلي وجهها العابس في المرآة . "بعد ذلك بساعة كانت ستاسي تمشي خارجة من الحمام بعد أن اغتسلت وبدلت ثيابها عندما قابلت كورد في البهو. قال كورد بسرعة وعيناه الداكنتين الفاترتان تستوعبان مظهرها المنتعش : " لقد نسيت أن أعطيك مفاتيح سيارتك . ستحتاجين لوسيلة انتقال , لذا أمرت أحد رجالي بإحضار سيارتك من الكوخ . إنها في الكاراج". أجابت ستاسي بسخرية : " كم أنت بعيد النظر !". أضافت وعيناه تضيقان للهجتها : " وضعت لك أيضا آلة كاتبة في الغرفة .أعتقد أن ÷ذا هو كل ما تحتجين ". قالت : " أنا واثقة من أن كل شيء علي ما يرام". بدأت تتخطي الرجل الوسيم ولكن ذراعه القوية أسرعت وسدت الطريق إمامها . برقت عينا ستاسي وهي تنظر إلى وجهه المسود. قال كورد مهددا: " تستطيعين أن تمسحي هذا التعبير عن وجهك . انك تحتاجين إلى علقة ساخنة سيكون لها تأثير السحر على طفلة مدللة مثلك". أجابت بدون أن تجفل أمام نظرته الخارقة : " العنف هو حلك لكل شيء.....أليس كذلك؟ وألان ابتعد عن طريقي ودعني أمر". كان داخلها يرتعد وهي تدفعه بعيدا عن طريقها وتنزل الدرج بسرعة. كانت ليديا مارشال تقف أسفل الدرج بجمالها الأسمر وعينيها السوداةتين الباردتين كالثلج وهي تراقب ستاسي تمر من أمامها. ولكن الثلج اختفي عندما نزل كورد خلف ستاسي. قالت ليديا بصوتها المعسول: " هذا أنت! بدأت أتساءل عما إذا كنت قد نسيتني. لقد أعددت لنا شرابا. أرجو أن أكون قد تذكرت ذوقك في الشراب". رفرف صوت ستاسي كما لو كان رداء احمر مزهوا, ولكنها لم تنتظر لتسمع رد كورد, إذا أسرعت كالعمياء إلى غرفة العمل واستندت إلى الباب المغلق في انتظار أن تعود ركبتاها المرتعشتان وقلبها الذي يدق بعنف إلى حالتها الطبيعية. لماذا سمحت لكورد أن يثيرها هكذا؟ لم يتصرف نفس التصرف حيالها مرتين ؟ مرة كان مداعبا ودودا عندما وجدها عند النهر, ومرة أخري كان عنيفا مهينا عندما قبلها بكل هذه القسوة. واليوم تصرف كالسيد الدكتاتور. في نظر ستاسي كان كورد يستحق ليديا مارشال بجمالها اللاتيني البارد وطريقتها المتزلقة التي تثير الاشمئزاز . أوه كم كانت ستاسي تتمني وجود كارتر ميلز باتزانه. فقد أتعبها كورد بانفعالاته المتقلبة. كانت متعبة واهنة من ركوب الخيل لمدة ثلاث أيام متواصلة, فمشت إلى خلف المكتب, وجلست على المقعد في اكتئاب , وأخذت تدرس مجموعة الأوراق أمامها . عبرت خاطرها صورة اليدين التين لوحتهما الشمس وهي تقلب نفس الأوراق. قلبت الأوراق شاردة حتى ردها إلى انتباهها حجم الحفل بكل تفاصيله. وروعها ما قرأت , فجلس في المقعد الدائر وأخذت تبحث في الأوراق مرة أخري. لو لم يكن ينصبها كل هذا العداء لشرحت له إنها لم تعد حفل عشاء لأكثر من اثني عشر شخصا في حياتها. ما الذي ستفعله ألان؟ مرت في ذاكرتها ابتسامته الساخرة الهازئة وهي تتخيل إنها تشرح له موقفها. فكرت ستاسي كم سيعجبه ذلك . كم سيسعده أن يري فشلي . حسنا لن يحدث هذا. علي أن اعمل أكثر مما ظننت وإذا كنت سعيدة الحظ لن يري أبدا الأخطاء البسيطة التي ستحدث عفوا. وبثقة متجددة أعادت دراسة الأوراق مرة أخري وبدأت تعد خطة العمل.
9- لمساته كالحروق
أطار الحصان الأحمر عرفه الأصفر في الهواء وصهل غاضبا لليد الحازمة التي تحد من سرعته , هدأته ستاسي قائلة: " اهدأ يا ديابلو ". ولكنه استمر في جر شكيمة اللجام. فكرت ستاسي ربما يهدئ من توترها أن انطلقت بالحصان . لقد دفعت ستاسي ضريبة مشاداتها مع كورد بعد ظهر ذلك اليوم من صبرها وأعصابها . مضي أسبوعان منذ عهد إليها كورد بترتيب احتفالات المزاد , وكان إعداد الأنشطة المختلفة عملا مرهقا يستغرق النهار كله . خاصة لمن لم يقم بمثل هذه المهمة من قبل , علي الرغم من المعونة التي تلقتها ستاسي من زوجات العمال الدائمين قي المزرعة . كانت ستاسي راضية عن العمل الذي قامت به حتى تلك اللحظة .ولديها شعور بأن كورد راض أيضا عن عملها . رغم أنها لم تكن تهتم برأيه كما قالت لنفسها . ولكن بعد ظهر ذلك اليوم عندما كانا يستعرضان بعض المراسلات بشان الاعداد للمزاد سألها كورد عن بروفة المطبعة لقائمة المبيعات. لم تكن ستاسي تعلم عنها أي شيء واعترفت بذلك.انها مازالت تذكر تعابير وجهه الثائر وهو يسمع كلماتها.وأثارتها ذكري كلماته اللاذعة. كان في استطاعتها أن تشرح له عدم خبرتها في إعداد مثل هذه الحفلات. ولكن أهانته لها جرحتها في أعماقها مما جعلها تخشي المزيد من الاستهزاء. إذا كان كورد من القسوة بحيث لا يمكن أن يمتلك, ولومن بعيد, ما يشبه القلب! كان كورد يتغيب تقريبا كل يوم منذ لقائهما الذي عهد أليها فيه بترتيبات الحفل,وأحيانا كان يجتمع بها أثناء النهار , ولكن حديثهما كان محددا بموضوع المزاد . ولم تكن ستاسي تعلم ما إذا كان السبب وهو وطأة العمل في المزرعة, أم أنه كان يتجنب قضاء أي وقت معها . مرت ليديا مرورا عابرا عدة مرات بحثا عنه, وفي بعض الأحيان كانت تتنازل وتسأل ستاسي عن مكان كورد موحية لها بأنه يساعدها في إجراءات طلاقها . وكانت عادة تجده في مكان ما لأن ستاسي كانت تراهما معا كثيرا من النافذة ,وكورد يخفض رأسه ليستمع إلي عبارة هامسة من المرأة ذات الشعر الفاحم بينما تضع هي ذراعها علي ذراعه باستئثار . كان من الطبيعي أن تتراجع عن النافذة وهي تشعر بالذنب , ووجهها يحمر خجلا كما لو كانت ضبطت متلبسة بالتصنت علي حديث خاص . وفي أحيان أخري كانت تراقبهما حتى يختفيا عن نظرها قبل أن تعود إلي عملها وهي تعاني من شعور غريب بالانقباض. كانت متأكدة أن غياب كورد في المساء بسبب ليديا . ومن الغريب أن ستاسي وجدت نفسها تارة تفتقده , وتارة أخري تخشي حضوره , ولكنها رفضت أن تخوض في أسباب تقلب عواطفها . انضم إليها جيم كونورز في عدة أمسيات علي الشرفة . وكانا يثرثران وهما يكتشفان اهتمامات كثيرة مشتركة . كانت ستاسي ترتاح لبساطة راعي البقر الشاب بضحكته الحاضرة , وصحبته التي لا تطلب منها شيئا . وكانت علاقتها به تختلف اختلافا شاسعا عن علاقتها العاصفة بكورد هاريس , كانت تشعر بالراحة والطمأنينة مع جيم لم تكن تقلقها كل كلمة صغيرة تتفوه بها وكيف سيفسرها . كان جو صداقتها المريح الذي يحيط بها عندما تكون مع جيم يذكرها بطريقة اعتمادها علي كارتر ميلز. كارتر ... كان يبدو علي بعد أحقاب منها . هل كانت معه حقا منذ مدة قصيرة ؟ كانت قرأت بين السطور تيارا من القلق عليها لم تستطع ستاسي أن تتجاهله . كانت تعلم أنه ينتظر منها ردا, ردا لا تستطيع أن تعطيه . وكان من الصعب عليها حتى أن تتذكر شكل كارتر كل ما تستطيع تذكره هو صورة مشوشة لشعر أصفر قصير وعينين زرقاوين لامعتين . وقد بلغ من عدم وضوح الصورة أنه قد يكون في خيالها صورة جيم وليس كارتر . ربما كان التشابه بين الاثنين هو السبب في انجذابها نحو جيم . ربما كانت أحسن حالا لو أنها لم تأت إلي هنا , ولكن في هذه الحالة ما كانت لتقع في غرام هذه البلاد الخشنة المتوحشة . حتى في هذه الظروف كانت ستاسي تستمتع بقربها من هذه المناظر الطبيعية . لقد غاب الزحام والضباب وضجيج حركة المرور الذي لا ينتهي , وحل محله الفضاء الشاسع والهواء المنعش ونداءات مخلوقات الله الخافتة. ألقت ستاسي نظرة علي الشمس الغاربة ثم امتطت جوادها المستريح مرة أخري واتجهت به إلي بيت المزرعة . وكانت تعلم أن عليها العودة قبل مغيب الشمس تماما . وصلت ستاسي إلي الاصطبلات بسرعة فنزلت وقادت حصانها الطيع خلال بوابة السياج إلي منطقة الاصطبلات , أخذت تدندن فرحة فلم تشعر باقتراب هانك المسن. قال هانك : " إنك بالتأكيد مرحة للغاية ". أجفلت للصوت المفاجئ ثم قالت مؤنبة وهي تضحك ضحكة مهزوزة : "هانك ! يجب ألا تفعل ذلك ! لقد أفزعتني حتى وقف شعري!". ابتسم قائلا : " تبدين سعيدة راضية حتى خيل لي أنه من القسوة إفساد هذه الصورة الجميلة ". لمعت عيناها البنيتان وداعبته قائلة : "كنت أظن أن الأيرلنديين هم الذين قبلوا حجر المداهنة . يبدو أن لكم حجرا مثله هنا ". أجاب هانك : " هراء ليس هناك شيء من الادعاء حين يقول المرء لفتاة جميلة أنها جميلة , لتصدق ما عليها ! أن تنظر إلي المرآة , وتري نفسها". شعرت بالدفء لمحبة الرجل الكهل الواقف بجانبها .ولأشعة الشمس المتألقة الحانية . وغمرتها رغبة ملحة أن تفرد ذراعيها وتحيط بهذه الأرض الخشنة الموحشة التي أسرتها تماما. بدلا من هذا رفعت وجهها للنسيم الرقيق واستنشقت العبير المعطر الذي يحمله وصاحت: " كم أحب هذه الأرض!". ثم تنهدت في ندم : " سأكره أن أترك كل هذا وارحل". علق هانك علي كلامها قائلا: " ظننت أنك لا تحبين هذا المكان؟" وأدار رأسه ليخفي وميض عينيه. " لم أر أي شيء مثل هذا المكان . في بعض الأحيان أجده قاسيا وموحشا, ولكن يبقي فيه جماله . كلا يا هانك أنا لا أحبه فقط , إنني أهيم به ". " إذا كنت تحبين هذا المكان لهذه الدرجة فلماذا تتركينه ؟ لم لا تنتقلين إلي مكان بالقرب من هنا؟" أجابت ستاسي وهي تهز شعرها البني هزة رقيقة : " ليس هذا نفس الشيء" " ما هو السحر الخاص بهذا المكان في أي حال؟" أجابت مفسرة في تردد: " إنه شيء مختلف . الشمس لن تغرب كما تغرب هنا . ولن يكون لون التلال كلونها هنا". نخر كالحصان قائلا: " الشمس تغرب بنفس الطريقة في كل مكان". ثم استدار لوجهها المغتبط بدون أن يحاول إخفاء لمعة عينيه وأضاف: " وماذا عن السيد ؟" سألته ستاسي وهي تتصلب بمجرد ذكر كورد هاريس الغامض: " ماذا تعني ؟" " أليس هو جزءا من كل هذا؟" " بالطبع لا! إنه ..." ابتسم هانك وهو يسرع بالكلام قبل أن تنطق ستاسي بالاعتراض: " إنه السبب الوحيد في رغبتك في البقاء هنا . دعك من خداع نفسك بأن سبب وجودك هنا هو ارتباطك بالعمل تعويضا عما سبب حصانك من خسائر" صاحت ستاسي: " إنه لن يتركني أذهب ". أجاب هانك: " أنت التي لا تتركين نفسك لتذهبي . واجهي الأمر يا فتاة , إن كل ما يملكه ضدك هو قلبك أنت . إنك تحبينه وأنا أعلم هذا منذ مدة طويلة ". استوعبت كلماته الخشنة وقالت بضعف: " لا". " أحسب أنه قد آن أوان المصارحة . إذا كانت لديك أية شجاعة فعليك أن تعترفي بحبك بينك وبين نفسك" وقفت ستاسي صامتة بعد أن ابتعد هانك . تحب كورد هاريس ؟ مستحيل ! كيف ؟ لقد كان أكثر عجرفة ووقاحة وبغضا من أي شخص عرفته . إنها تبغضه ! تدافعت الذكريات في ذهنها , تذكرت سرعة نبضها عندما يدخل الغرفة , العذاب والألم اللذان تعاني منهما عندما يبتسم ابتسامته الساخرة , حرق جلدها كلما لمسها . وكانت ستاسي تئن وهي تتذكر الشعر الأسود بخصلته التي لا تثبت في مكانها بل تتدلي علي جبينه الملوح والعينين الداكنتين اللامعتين اللتين أنذرتاها مرات كثيرة بأنهما ستلتهمانها بنارهما. وعظام الوجنتين المحددتين في رقة وعليهما شبح لحية. استدار الحصان في صبر نافد , فقادته إلي حظيرته كالمخدرة وتعثرت أكثر من مرة وهي في طريقها , وفقدت القدرة علي التركيز في أي شيء إلا صورة كورد هاريس المحفورة في ذهنها . كانت تحبه ! وذلك العذاب الذي يتملكها كلما كان قريبا منها , لم يكن إلا لرغبتها في حبه . وسمحت ستاسي لنفسها بأن يغمرها وعيها بهذا الحب وهي تطلق حصانها في حقله . هل كانت عمياء حتى أنها لم تفهم هذا من قبل؟ وامتلأت نفسها بهجة وهي تسرع إلي بيت المزرعة . احمرت وجنتاها , وأضاءت عيناها . وغمرت وجهها ابتسامة دافئة لهذا الاكتشاف . وأخذ قلبها يشدو . ستاسي آدامز تحب كورد هاريس . كانت تريد أن تصرخ بهذه العبارة للعالم أجمع . ثم فتحت باب المنزل الثقيل , وقد انقطعت أنفاسها وجرت إلي البهو الصامت. أوقفها خلو المكان تماما . فلم يكن هناك . خرج مع ليديا عصرا بعدما تشاجرت ستاسي معه . اجتاحها شعور جارف بالوحشة . كيف استطاعت أن تنسي ليديا بشعرها الفاحم وبشرتها العاجية ؟ لقد عادت السيدة المطلقة بجمالها الأسمر , لكورد , وعادت تقبل حبه الذي كان قد ألقاه مرة من قبل عند قدميها . كان يهتم بها هي وليس بستاسي , لقد نسيت شيئا هاما في غمرة انفعالها بحبها الذي وجدته توا, وهو أن كورد يحتقرها , يحتقر كل ما تمثله ! أنبت نفسها , وتقلص أنفها والنمش الذهبي المنثور عليه خشية أن يبتلعها الإشفاق علي نفسها وقالت: تماسكي يا ستاسي آدامز , لم يرب أبوك فتاة متخاذلة . كورد يعتقد أنك فتاة مستهترة بلا ذرة عقل , لا يهمها أحد سوى نفسها . ولكن عليك أن تعرفيه أنه علي خطأ قبل فوات الأوان . علي الأقل تستطيعين أن تكافحي من أجله . وتستطيعين أن تعطي هذه الساحرة ذات الشعر الفاحم فرصة لسباق معها. أزاحت عنها أفكار الحزن بعزم . الأهم فالمهم . والأهم هو أن تغتسل من الغبار من أثر ركوب الحصان , وبعد ذلك تبدل ثيابها للعشاء , سوف ترتدي الليلة ثوب السهرة المصنوع من قماش ألجرسيه برسوماته الجريئة باللونين الفيروزي والزمردي . كان إحضارها لهذا الثوب مجرد نزوة ولكنها الآن سوف تستخدمه . لمعت عيناها في انتظار الموقعة وهي تخلع ملابسها بسرعة وتقف تحت الدش...كورد ... أخذت تنطق الاسم المحبب . كان له وقع اسم رجل, وقوة سوط يفرقع عاليا . لقد ربت أرض تكساس الخشنة رجلا مناسبا ليقهر أرضها القاسية .وتذكرت قوة يديه وذراعيه الحديديتين وكتفيه العريضتين . لو أنها تستطيع أن تنظر في عينيه وتري فيهما الحب الذي تتمناه لأصبحت الدنيا مكانا مثاليا . عندما خرجت من تحت الدش استعادت سحر عواطفها الذي كانت تشعر به من قبل . عاد هذا السحر بمرونة الشباب بثقة تعتمد علي الإيمان أكثر من اعتمادها علي العقل .وجففت جسدها بسرعة , ثم عادت لغرفتها وهي تتمتم بالغناء في سعادة , وبدأت ترتدي ثيابها باهتمام أكثر من المعتاد. وعندما فرغت من ارتداء ثيابها وقفت أمام المرآة الكبيرة تنظر إلي صورتها بعين نافذة . أبرزت ألوان ثوبها الزرقاء والخضراء اللون الذهبي في ذراعيها البضتين , كما أبرزت الأطراف الذهبية لشعرها ,نظرت نظرة أخيرة لحذائها المصنوع من الساتان وهو يظهر تحت جونلتها الطويلة . غمزت بعينيها إعجابا بصورتها وتركت الغرفة . هبطت ستاسي الدرج كالملكة علي الرغم من خفقان قلبها , وكانت مديرة المنزل المكسيكية البدينة تعد المائدة في غرفة الطعام . فغابت الثقة التي تبدو علي وجهها إلي أعماقها عندما رأت المكان يعد لشخص واحد. كادت أن تسأل ماريا عن موعد عودة كورد للبيت , ولكن كبرياءها أبت عليها أن تنهار لاحتمال عودته في وقت متأخر , وكانت أسئلتها في هذا الشأن في الأمسيات الماضية تقابل برد سلبي , ولم تكن تحتمل أن تسمع مثل هذا الرد الليلة. ثرثرت ماريا بابتسامتها العريضة المعتادة : "إن الآنسة تبدو رائعة الجمال الليلة . ربما كنت علي موعد مع جيم أليس كذلك ؟" ابتسمت ستاسي وهي تقاوم ارتعاد جسدها وقالت : "لا!" وجلست ستاسي بهدوء إلي المائدة الخالية . وحاولت أن تأكل من الطعام الشهي الموضوع أمامها . ولكن انتظارها لكورد لم يترك مكانا في ذهنها للرغبة في الطعام , علي الرغم من محاولتها الشجاعة لتظهر اهتمامها بسلطات الفاكهة واللحوم الباردة , التي بذلت ماريا كل هذا المجهود لإعدادها , وأخيرا , بعد أن تظاهرت بضع دقائق بأكل أحد أطباق الأناناس بدون أن تتذوق أي شيء منه ابتعدت عن المائدة . لم يكن هناك جدوى لبقائها . لقد سرق التوتر والتوجس شهيتها . وكانت منفعلة ألي درجة أفقدتها قدرتها علي الأكل . وقفت بعصبية وبدأت تمشي جيئة وذهابا بجانب المائدة. سألتها المرأة المكسيكية الواقفة في مدخل غرفة الطعام: "هل أنت بخير يا آنسة ؟" لم تشأ ستاسي أن تجرح مشاعرها فقالت معتذرة : "إنها وجبة ممتازة , غير أنه ليست لي أي شهية للطعام". بدا علي ماريا أنها قبلت تفسير ستاسي للأمر , وبدأت تحمل الأطباق من المائدة . وراقبتها ستاسي برهة وهي تحاول استجماع شجاعتها لتسأل ماريا عما إذا كانت تعرف مكان كورد . وسألت ماريا: ربما وددت أن أحضر لك قهوتك بالخارج في الساحة ؟" تمتمت ستاسي في شرود : " نعم سيكون هذا لطيفا ". بدأت تخرج من الغرفة في هدوء ثم وقفت وسألت في صوت غير مبال: " هل تتوقعين عودة سيد هاريس مبكرا هذا المساء؟" أجابتها ماري قبل أن تسرع إلى المطبخ: " أوه.لا.لقد ذهب لعشاء لمربي المواشي, وهو عادة يتأخر في العودة" مشت ستاسي مكتئبة من خلال غرفة الجلوس إلى الأبواب الزجاجية الكبيرة المؤدية إلي الشرفة. واختفت نظرة الأمل من عينيها وهي تفتح الباب وتقف على الأرض الحجرية . وتسللت الوحشة إلى عظامها, واختنق كل الأمل والثقة التي كانت تتحلي بهما. مشت وهي قلقة واستنتجت إلى احد الأعمدة التي تحمل الشرفة إلى اعلي . كافحت في يأسٍ لتدفع الكآبة والتراخي الذين أحاطا بها, وكانت مياه المستنقع تلمع في غموض في الضوء الخافت, ولكن كان في أعماقها ما ينذر بالشؤم. وحملقت في اتجاه المدافن فوق الربوة التي تعلو المنزل وقد أخفتها الجدران الحجرية عن النظر . ثم همست في هدوء متوسلة إلى دونا إلينا جدة كورد , فربما توسط شبح المرأة لها إذا علمت مبلغ حب ستاسي لهذه البلاد ولحفيدها . ولكن لا...لا يحدث هذا إلا في الأحلام . مجرد أن تتمني أن يكون كورد بجوارها لا يكفل حضوره. سمعت ستاسي وقع خطوات علي الشرفة وهي شاردة . ظنت أنها لماريا وهي تحضر القهوة, فظلت مستندة إلى العامود رغبة في ألا ترى المكسيكية دموعها وهي تنذر بالتساقط علي خديها . جاء صوت ستاسي خافتا علي غير العادة وقد اختنق حلقها من الانفعال الذي لم تستطع السيطرة عليه: "ضعي القهوة على المنضدة يا ماريا . ساصبها لنفسي بعد برهة" جاها الرد: "القهوة موجودة على المنضدة . هل تمانعين في أن اصب لنفسي قدحا قبل أن تبرد؟" همست في ضعف: " كورد؟" خشيت لمدة دقيقة أن تخونها ساقاها, وفي تلك ألحظة القصيرة أسرع إلي جانبها . أمسكت يداه بكتفيها بخشونة وقال: " ستاسي . هل أنت بخير" أجابت ستاسي بتهدج : "نعم. نعم انأ بخير , لقد أخفتني" ورفضت أن تنظر في عينيه الغامضتين خشية أن يظهر في عينيها الحب المجرد الذي تشعر به: " ظننت في هذه اللحظة انه سيغمي عليك. أنت شاحبة كالشبح. أواثقة انك على مايرام؟" ظل صوته ينم عن اهتمام ويداه الداكنتان علي ذراعيها . وغمرها قربه منها , كانت واعية تماما لبذلته السوداء الثمينة وبياض قميصه الناصع ووجهه على بوصات قليلة من وجهها حتى أنها لم تستطع النظر إلى أعلى . لم تستطع أن تريه تأثيره عليها . وركزت عينيها على يده أليسري بأصابعها القوية والشعر الداكن المجعد يظهر من كم قميصه. قالت بصوت واهن وهي تخشي أن تميل علي صدره العريض: " أنت تؤلمني". ابتعد كورد عنها فجأة وقال وقد عادت الحدة لصوته: "أنا أسف. لم انتبه" نظرت ستاسي إليه ولكن ظلال الليل اخفت عينيه ولم تستطع أن تحدد رد فعله . هل كان يعتبرها فتاة حمقاء من المدينة تخشي الظلام ؟ تحكمت ستاسي في نفسها بصرامة . إذ يجب ألا تتصرف كتلميذة غرة . الم يكن هذا ما أرادته ؟الفرصة في أن تكون وحدها معه؟ كانت المشكلة أن الحب الذي ملاء قلبها اخرس لسانها. فلم تقوي علي الكلام. أن من السهل أن تقول له ببساطة أنها تحبه. سارت إلي طرف الشرفة بتمهل لتنضم إليه "هل ترغبين في سيجارة ؟" أجابت ستاسي: " نعم. شكرا" راقبت يديه الخشنتين الممسكتين بعلبة السجائر وهو يأخذ منها سيجارة ذات فلتر ويشعلها لها. أضاء وهج الولاعة المفاجئ ملامح وجه كورد الخشنة مبهرا خطوط الإرهاق المحيطة بفمه. سألته وهي تحاول أن تظهر له مدي اهتمامها "لم تتوقع ماريا حضورك مبكرا . قالت لي انك تحضر عشاء لمربي الماشية . هل تناولت طعامك؟" أجاب قائلا بدون تحديد : "نعم" سألته ستاسي في محاولة يائسة للاستمرار في الحديث: "هل تنتهي مثل هذه المناسبات مبكرا مثلما حدث اليوم ؟" " لا . تركتهم مستمرون في الحفلة" كانت إجابته جافة وأعطت ستاسي انطباعا بأنه لا يريد إن يتحدث إليها . وتمنت ستاسي لو زال الألم عن قلبها وقالت مقترحة: " أعتقد أنك مرهق بعض الشيء ربما تفضل أن أذهب حتى تستطيع أن تسترخي ؟" أجاب كورد وهو يرفع حاجبه في تساؤل: " إنك حريصة جدا علي الليلة . نعم أنا مرهق بعض الشيء , ولكن لا داعي لأن تذهبي . إذا كنت تريدين أن تفيدينني تستطيعين أن تصبي لي قدحا من القهوة". سارت ستاسي إلي المنضدة بدون أن تجيب . غمرها الضوء من غرفة الطعام وسمعت صوت كورد المنخفض يقول : " تبدين جذابة جدا في هذا الثوب". تمتمت وهي تحاول أن توقف رعشة يدها : " شكرا لك ". تغيرت لهجته من اللامبالاة إلي لهجته الساخرة المعتادة ". " هل كنت تنتظرين أحدا الليلة ؟" قالت ستاسي بسرعة : " لا. فقط أحسست أنني أريد أن أرتدي ثيابا مختلفة عن المعتاد". وحاولت أن تخفي الحرج الذي سببه لها بكلامه . لو كان يعلم أن الشخص الوحيد الذي تنتظره هو كورد نفسه! مشي كورد إلي دائرة الضوء بالقرب من ستاسي , وأعطته قهوته وهي ترفع عينيها لتلتقيا بعينيه. قال كورد بسرعة وهو يتحرك بعيدا عن الضوء حيث لا تستطيع أن تري تعبير وجهه: "كنت أرجو أن تكوني مستيقظة". قالت ستاسي وهي تلعن صوتها المقطع الأنفاس : " أوه". " كنت أود أن أعتذر عما بدر مني بعد الظهر . إنك تقومين بعمل ممتاز في إعداد حفل الشواء . كنت قاسيا بدون داع". بدا كما لو كان مترددا في انتظار إجابة لكلامه , ولكن لم تنطق شفتاها واستمر في الكلام : "لم يحدث أي ضرر , كان الخطأ خطأي لأني لم أخبرك عن الكاتلوغ ". قالت ستاسي بسرعة : " لا. كان يجب علي أن أدرك ". ضحك كورد وأبهجها بمرحه العميق الدافئ واستطرد قائلا: "فلننه هذا الحديث قبل أن تنشأ جمعية للإعجاب المتبادل". ضحكت ستاسي معه وهي تفكر أن هذا هو ما أريد فعلا أن أفعله . أحست ., بدون أن تري , توتره يهدأ وهو يستدير ليلقي بسيكارته في الظلام . راقبت الجذوة المتوهجة ترسم قوسا في الهواء ثم تستقر في الحديقة . أما هي فقد أطفأت سيكارتها بأصابعها الطويلة في مطفأة قريبة . تحرك كورد إلي العامود الذي كانت تقف ستاسي بجانبه عندما وصل . ومشت ستاسي بضع خطوات إلي الناحية الأخرى منه وهي تحمل كوب القهوة بحنان بيديها الاثنين مستمتعة بملمسه الدافئ علي راحتيها . هتفت وهي تنظر إلي السماء بنجومها المتألقة : " إن النجوم ظاهرة الليلة بكثرة ". قال الصوت الساخر: " لا بد انك رأيت نجوما من قبل ". فسرت له ستاسي كلامها وهي متألقة من فرط الحماسة : " نعم , ولكن عندما كنت انظر من قبل كنت أري نجمة أو نجمتين باهتتين , والآن أري مئات النجوم . كان الجو موحشا في غياب القمر ووجود نجمتين فقط , ولكنه الآن رائع". استند متكاسلا إلي العامود وهو يراقب قوامها الرشيق الواقف بجانبه وقال: " قولي لي شيئا يا ستاسي . هل أنت حقا كما تظهرين ؟ فتارة أنت فتاة ذات عينين نديتين تفتنها زهرة أو قمر أو أي شيء , وتارة أخري تكونين فتاة ايرلندية عصبية المزاج تحارب بأظافرها وأسنانها , ثم تكونين فتاة مجتمع متألقة تمثل دوراكما كنت تبدين قبل ذلك هذه الليلة في ثوبك الأنيق . أي من هذه الشخصيات هي ستاسي الحقيقية ". ضحكت وهي غير راغبة في مواجهة العينين الجادتين وقالت : "هل تتفضل الآنسة ستاسي آدمز الحقيقية بالوقوف؟" ثم أضافت متوخية الصدق بقدر المستطاع : " أعتقد أنني كل هذه الشخصيات". حاولت أن تقرأ تعبيرات وجهه , ولكن كان بين الظلال . وقف هادئا فترة من الوقت حتى أصبح الصمت فوق احتمال ستاسي , فمشت بعصبية ووضعت فنجانها بجوار غلاية القهوة . " ستاسي ؟" نطق كورد بتردد لم تستطع تفسيره . " نعم". " هل تأتين هنا دقيقة واحدة ؟ أريد أن أسألك شيئا إذا لم تمانعي ". لو كانت تعلم ما الذي جعل صوته يتغير هكذا ويبدو مترددا؟ دق قلب ستاسي بشدة وهي تتحرك بجانب الرجل الطويل المستند بإهمال إلي العامود الأبيض . لم يستدر لينظر إليها بل استمر متطلعا إلي الفضاء . " كيف يمكن لرجل أن يسأل امرأة مشاركته حياته , وقد تعودت أن تحصل علي كل الأشياء المادية التي تطلبها , وهي جميلة إلي درجة تثير انتباه أي شخص تريده ؟" كانت حدة صوت كورد تنم عن عاطفة مكبوتة مما قطع نياط قلب ستاسي . تمكنت بصعوبة أن تكتم شهقة خانقة وفكرت : " يا إلهي إنه يسألني عن ليديا . أضاف باستهزاء: " ما الذي أستطيع أن أقدمه لها ؟ حياة في بلاد لا بد أنها تكرهها ؟ حياة رتيبة ؟ من بالضبط الذي يعطي ومن الذي يأخذ في مثل هذا الموقف ؟" تلعثمت ستاسي قائلة: " أنا , أنا أظن أن مجرد أن تعرض عليها حبك يكفي ". واهتز جسدها ألما من النشيج الصامت : لوي رأسه الداكن بحدة ليرمق وجهها الذي أدارته لتنظر في الظلام حتى تخفي الحزن الذي ملأ عينيها . سألها في صوت خافت : " هل يكفيك أنت هذا ؟" ولكنه لم ينتظر منها ردا وأضاف : " وكيف تعرفين رجلك بشعورك ؟" أجابت ستاسي : "سيكفيني أن يسألني الرجل المناسب ". واستقر علي قلبها الهدوء وهي تعلم أنها لن تطلب أبدا أي شيء سوى حبه . استدارت لتواجهه ووجهها يشع صفاء وهي تضيف : " وإذا كان يحبني سيعرف". مد يده السمراء وأمسك برسغها وأدناها منه , تلاحقت أنفاسها وعيناه الداكنتان تنفذان في عينيها . رن صوت كورد بجانب شعرها : " إذا لم يكن متأكدا كيف تقولين له يا ستاسي ؟" شعرت بيده أليسري علي وسطها وملمسها يحرقها , بينما تركت يده اليمني رسغها ولمس عنقها الأبيض تحت أذنها . كانت تعلم أن عليها فقط أن ترفع رأسها قليلا لوجهه ولكنها لم تستطع . بمنتهي الرقة رفع رأسها بإبهامه , ولم تنتقل عينا ستاسي عن فمه... تصلبت ستاسي ... استمرار شغف كورد جعلها تستجيب بانبهار إليه . نعم ولكن ستاسي ؟ ليديا ! أفاقت منتفضة . لم يكن كورد يعانقها . بمثل هذه العاطفة . كان يتخيل أنها ليديا ! نزعت نفسها من بين ذراعيه بسرعة ووقفت مرتعبة أمامه وقد أخجلها ما يمكن أن يخمنه . كان وجهه حانيا أول الأمر وهو ينظر إليها حتى استوعب تعبير وجهها المتألم . في الحال اشتعلت عينا كورد بالنار وهو يستدير فجأة وصدره الضخم يعلو ويهبط بسرعة . أخذ سيكارة من علبته وأشعلها وهو يقول بخشونة : " لقد اندفعنا بسبب حديثنا . واضح أن أفكار كل منا كانت بعيدة جدا". تنفست ستاسي الصعداء بصوت مسموع, وأدركت انه هو أيضا يظن أن تقبلها له بسبب تخيلها هي أيضا انه شخص أخر. أضاف رافضا النظر أن ينظر إليها: " لحسن الحظ أن كلا منا يعرف شعوره نحو الأخر, لذا لا يوجد أي داع للشعور بالحرج". أجابت ستاسي بابتسامة مهزوزة : "لا. الحمد لله. لولا هذا لكان الموقف في غاية الحرج". ابتعدت عنه خطوة واحدة وهي ترتعد من اثر عناقه, ولكن سحر تلك اللحظة تحطم لاعتقادها أنها مجرد بديل لليديا مارشال. قال كورد بهدوء: "اعتقد أن الوقت متأخرا, وعلى كل منا أن يأوي إلى فراشه". أجابت ستاسي ممسكة بالخيط الذي بدأه: "إنني متعبة بعض الشيء , سأرك في الصباح ". مشت من الشرفة إلى غرفة الطعام بكل رباطة جأِش التي استطاعت أن تستجمعها . تبعها كورد فمشي خلفها بضع خطوات ولكن الجرس رن وهو يدخل غرفة الطعام. سمعته ستاسي يرد على الهاتف وهي واقفة في أسفل الدرج. "مزرعة هاريس . كورد يتكلم , نعم ياليديا تركت الاجتماع قبل الموعد المحدد وكنت أنوى الاتصال": وجرت ستاسي صاعدة الدرج وقد غلبها البكاء . لم تكن تحتمل أن تسمعه يكلم ليديا . كانت مواجهته في الغد صعبة بما فيه الكفاية بدون الحاجة إلى المزيد من ألامها الليلة.
10- رياح الغيرة
مضت ثلاثة أيام بعد تلك الأمسية المشؤومة مع كورد . كانت هناك هالات باهتة حول عينيها البنيتين , وفمها بارز القسمات إلي الأمام كعلامة علي الليالي الساهرة والأيام المليئة بالتوتر . وكان كورد يتجاهلها مرارا وتكرارا ولم يعد يراجع معها العمل كل يوم كما كان يفعل من قبل . حتى أنه حدث مرتين أن كانت ستاسي تتمشي ورأته عن بعد فغير من اتجاهه مبتعدا عن طريقها . سحقها شعور حاد بالهزيمة وهي تدرك أنه لا يحتمل حتى أن يراها. نهضت ستاسي فجأة من مكتبها وهي ترفض السماح للحزن الكائن بداخلها أن يعطلها عن العمل . بقي أسبوع واحد فقط على المزاد وكان أمامها الكثير من العمل . وحمدت الله أن وقتها سيكون مشغولا بالمزاد حتى لا تفكر كثيرا بمشاكلها الخاصة. سمعت نقرة خفيفة على الباب, فنادت لمن بالخارج أن يدخل,فتح الباب السميك واسعا ودخلت ليديا مارشال . وقالت بسوط جياش: " أرجو ألا أكون قد قطعت عليك العمل. أليس كذلك؟فإذا كنت مشغولة فلن ابقي أكثر من دقيقة". اندهشت ستاسي لهذه الزائرة الغير متوقعة وأجابت بهدوء: "لا. إطلاقا , كيف يمكنني أن أعاونك" " لاشيء حقا. كنت أظن فقط انه ربما كان لديك وقت لتناول القهوة وحديث سريع". وافقتها ستاسي قائلة: "بالطبع" وهي تتعجب متسائلة عما يمكن أن يتحدثا عنه وأضافت: "دقيقة واحدة و اطلب من ماريا أن تحضر القهوة. هل تريدين فطيرة أو شيئا أخر مع القهوة" جاء الرد سريعا : " أرجو ألا يضايقك إنني قد طلبت منها بالفعل!إحضارها خشية إلا يكون لديك بعض الفراغ" وضحكت ضحكة أغاظت ستاسي . فأجابت ستاسي بابتسامة لم تصل إلى عينيها: " هذا تفكير لطيف منك و فنادرا ما يكون لدي الوقت لشرب القهوة, وسيكون ذلك تغيرا لطيفا" قالت ليديا وهي تقف, بينما دخلت المكسيكية حاملة صينية القهوة : "هذا ما ظننت . سآخذ هذا يا ماريا. إنني لم اطلب أية فطائر حلوة. هل كننت تريدين شيئا منها يا ستاسي؟ علي مراعاة قوامي ولذا ارفضها ". وأومأت ستاسي بالرفض فصرفت ليديا المكسيكية بكلمة شكر مقتضبة تضايقت ستاسي من طريقة ليديا المتملكة وأخذت فنجان القهوة منها بصعوبة . ثم صاحت ليديا. وهي تمسك بحقيبتها : "كنت قريبة من المطبعة , وتذكرت أن كورد قد ذكر شيئا عن احتياجه بروفة الكتالوغ فأحضرته . أرجو ألا تتضايقي . لقد ذكر أنك تعملين كثيرا فوفرت عليك رحلة للمدينة ". أخذت ستاسي الكتيب وقالت بفتور: "شكرا , لسوء الحظ علي أن أذهب للمدينة لطلبات أخري . ولكن سيد هاريس سيقدر لك ذلك قطعا ". ابتسمت ليديا وأضافت : " كنت أعلم مبلغ ضيقه من هذا . أرجو ألا يكون قد ضايقك كثيرا فأنني أعلم كم هو عصبي المزاج أحيانا ". كانت شفتا ليديا تنطقان بألفتها لكورد وهي تؤكد لستاسي مدى صداقتها له . واشتعلت ستاسي غضبا ثم قال بثبات : " بالطبع كان متضايقا مثلي , ولكن كل شيء علي ما يرام الآن . كان مجرد سوء فهم ". كانت نظرة ليديا باردة كالثلج وهي تقول: " يسعدني أن أسمع ذلك . وعرضت أن أعاونه ولكن كورد أكد لي أن ذلك غير لائق حاليا . ثم إنه يعتقد أن عملك كاف". توهجت وجنتا ستاسي لتشديدها علي كلمة كاف . آلمتها معرفة أنها كانت موضوعا عابرا لحديث من أحاديثهما . كانت ليديا تغطي كلماتها الباردة بلهجة تشعرها بالاهتمام بها . قالت ستاسي بهدوء وهي تتعجب لقدرتها علي الكلام : " لقد أشار سيد هاريس إلي ظروفك الحالية لا تسمح لك بالقيام بدور فعال في ترتيبات الحفل". ضاقت عينا ليديا وابتسمت قائلة : " إذا لقد شرح كورد بعض مشاكلنا . إن الكل يعلم بشعور كل منا نحو الأخر علي الرغم من غبائي الذي أوقعني في هذه الورطة . إني أتعجب لسذاجتي إذ تركته , فالشمس تطلع هنا كما في الريفييرا , أوكد لك يا ستاسي أنها صدمة قاسية أن تكتشفي أنك لست بالنسبة لزوجك أكثر من أحد ممتلكاته يستعرضها كلوحة لرينوار. لا أعلم كيف احتملت . لولا وعد كورد بانتظاري . أعتقد بأن مستقبلي مضمون بين يدي كورد مرة أخري , والمسألة مسألة وقت وسيكون هذا رسميا ". لم تدر ستاسي إذا كانت تستطيع تحمل المزيد من الحديث , ومنعت نفسها بصعوبة من القفز من مكانها في يأس . لماذا تحدثها ليديا في شؤونها ؟ تمكنت ستاسي من أن تقول لها كم هو رائع أن تسير الأمور كما يريدان. أجابت ليديا ببرود: "نعم . يسعدني أن تفكري هكذا ,فالكثير من الفتيات في مكانك كن سيعجبن بكورد فهو جذاب ". أجابت ستاسي محاولة أن تخفي انفعالها : "نادرا ما نتحدث سيد كورد وأنا في أي شيء غير العمل . ويحتاج الأمر لكثير من الخيال إذا فكرت أن اهتمامه بي يعني غير ذلك". ابتسمت ليديا براحة . ووضعت فنجانها في الصينية وقالت : "تفهمين كم أكره أن أراك تتألمين , بينما أستطيع أن أجنبك ذلك , أعلم أن كورد يشعر نحوك بالمسؤولية ولا أريدك أن تخطئي تفسير هذا الشعور . والآن يجب ألا أعطلك عن عملك , وإذا استطعت أن أعاونك في أي شيء أرجو أن تتصلي بي". قالت ستاسي بابتسامة لتكتم ألمها: " بالطبع ". كانت تعلم أن ليديا هي أخر إنسانة يمكنها أن تلجأ إليها , وأحست إن ليديا تعلم ذلك . تطلعت بكآبة في بروفة الكاتلوغ , وأخذت تقلب صفحاته آليا متذكرة كلمات ليديا كورد يشعر نحوك بالمسؤولية ولا أريدك أن تخطئي تفسير هذا الشعور . ليتها تستطيع ! مسؤولية؟ لقد كان يتصرف دائما كما لو كانت عبئا ثقيلا . . إنها لمعجزة أن يفكر فيها علي الإطلاق. أفاقت من أفكارها وبدأت تقلب أدراج المكتب بحثا عن أصل البروفة. وحيث وجدتها ظلت تراجع قائمة الجياد كل بشجرة عائلته . كان العمل مملا ولكنه يتطلب كل تركيزها . وانتفضت ستاسي إذ وجدت وسط الأوراق رسالة كتب أعلاها : ليندس, بييرس وميلز _ محامون قانونيون . كادت الكلمات أن تقفز من الصفحة . وصدمت فنظرت إلي الإمضاء أسفل الرسالة كارتر ميلز الأب . ما الذي تفعله رسالة من سيد ميلز في مكتب كورد ؟ تعجبت ستاسي لهذا فقرأت . كانت الرسالة موجهة للسيد كورد هاريس مزرعة الدائرة هـ . ماكلاود تكساس وبدأت : عزيزي سيد هاريس . لقد استأجرت الآنسة ستاسي آدامز ابنة أحد عملائنا كوخا علي أرضك. إني أخرج عن نطاق سلطتي عندما أكتب لك لأرجو منك أن تهتم بها بدقة . لقد توفي والدها . وهو صديق حميم , حديثا تاركا آنسة آدامز بلا أقارب أحياء , وقد ترك لها والدها دخلا ضخما يؤمنها ماديا طوال عمرها , ولقد دللت كثيرا للأسف , وعلي الرغم من اعتراضاتي أصرت علي أن تنفي نفسها حتى تتغلب علي حزنها . إنها عنيدة وقوية الإرادة . لقد نشأت متنقلة في بلدان العالم ولم تتعود الحياة القاسية في تكساس وهي مستعدة لمواجهة أخطار حياة الوحدة . " لقد رفضت أن تحدد مدة إقامتها , وسأقدر لك معاونتك إذا تمكنت من إقناعها بالعودة . وإذا لم تستطع أرجو أن تقبل أن تكون مسؤولا عنها , وقد أرفقت برسالتي شيكا ليغطي أي نفقات قد تتكلفها ... المخلص كارتر ميلز الأب حملقت ستاسي في الإمضاء وهمست لا ! جفت دموعها وهي تستوعب الحقيقة البشعة . لقد فسرت هذه الرسالة الكثير . لماذا بدأ كورد معاديا لها في أول يوم ونصحها بالعودة لحياة المدينة التي اعتادتها . لماذا شعر بالمسؤولية عندما سقطت من فوق ديابلو وأصر علي إقامتها في بيته حتى تشفي . ثم أستغل حادثة ديابلو ليبقيها في بيته . ولهذا أيضا أهتم أكثر من اللازم للتقارب بينها وبين أحد عماله . لقد وضح الأمر الآن . كورد لعب دور الحارس لها منذ جاءت وهذا هو كل ما تعنيه له . وتذكرت كلمات ليديا مرة أخري كورد يشعر بالمسؤولية نحوك فكرت ستاسي : يا إلهي لا بد أنه قال لها أيضا. زاد إحساسها بالاهانة . لكم يتمني كورد أن ترحل ! وقفت ستاسي وهي خجلة ومتألمة وتعثرت في المكتب وهي تبحث عن مخرج من تعاستها . ولم تبك وهي تخرج من باب البيت . كان الألم أكبر من أن تداويه . بضع قطرات من الدمع وشعرت بالدوار وهي تنظر كالمخدرة للمباني والجبال المحيطة . ولمست ذراع ستاسي يد سمراء بدينة , وجاء صوت مديرة البيت يحمل سمات الاهتمام: "هل أنت بخير ؟" استدارت ستاسي ببطء وابتسمت في ضعف قائلة : " نعم , أنا بخير يا ماريا , أحتاج فقط لهواء منعش". هزت المكسيكية رأسها وتبعت ستاسي للمنزل قائلة : " لا يبدو وأنك علي ما يرام . ربما تحتاجين للنوم ؟" قالت ستاسي بصبر نافد : " سأكون بخير . إنني بصحة جيدة ولكن الجو خانق في الغرفة ". عادت ستاسي إلي غرفة العمل وقد هدأها كبرياؤها واستسلامها لقضائها لو أنها تستطيع الاحتفاظ بسيطرتها علي انفعالاتها خلال الأسبوع المتبقي ثم تعلن لكورد عن عودتها للشرق بمجرد انتهاء المزاد ؟ عندئذ سوف يتحرر من مسؤوليته نحوها ويبعدها عن حياته للأبد . فأعادت الرسالة إلي مكانها , وبدأت مرة أخري في مراجعة الكاتلوغ. وفي المساء رأت ستاسي كورد يتكلم مع ماريا وهي تنزل الدرج وكان يرتدي ثياب الخروج مما يدل علي نيته في أن يغيب هذه الليلة . فمشت إليه كالمخدرة ثم انتظرت حتى فرغ من حديثه مع ماريا . وجاءها صوته قاسيا : " هل أردت أن تتحدثي إلي ؟" تجاهلت سرعة دقات قلبها وقالت ببرود : " نعم ... إذا كان لديك وقت ". نظر إلي وجهها الشاحب في تساؤل : " ماذا تريدين ؟" أجابت بهدوء وثبات : " أردت أن أحيطك علما بأنني سأعود لنيويورك بمجرد انتهاء المزاد ". رفع حاجبه بحدة وقال: " هذا قرار مفاجئ . أليس كذلك ؟ أفهم من ذلك أنك لا تستأذنني؟" "لا" قال كورد بحدة : " فهمت , ولم أكن أتوقع أن تستمري هذه المدة الطويلة ". وارتعدت ستاسي من لهجته الباردة . استيقظت ستاسي في الصباح التالي متأخرة . كانت قد بكت حتى نامت بثيابها , ولكن النوم أعطاها القوة علي مواجهة الغد . وبدلت ثيابها واغتسلت ونزلت لتناول الإفطار . شعرت بنداء التلال البعيدة وهي تنظر من النافذة , وبما أن اليوم عطلة قررت أن تمضيه علي حصانها بين التلال . ولم تقو علي مواجهة كورد فأرادت أن تتجنبه . وطلبت من ماريا أن تعد لها غداء بارد , وصعدت لغرفتها لترتدي ملابس الركوب. بعد بضع دقائق وصلت للاصطبلات حيث استقبلها ديابلو وهو يرقص . لوحت بيدها محيية هانك الذي كان مشغولا فلم يتوقف ليحدثها , الأمر الذي أراحها فهي تخشي عينيه الحادتين ولم تكن تريد أن تتحدث عن إحساسها بالهزيمة . كان ديابلو نشطا وهي تحاول أن تبطئ من سرعته . كان أربعة أشخاص يمشون عند منعطف الاصطبل , وكان كل انتباه ستاسي مركزا في الإمساك بحصانها والتوجه به إلي البوابة , ولكنها نظرت في اتجاههم نظرة خاطفة . كان اثنان من العمال يمشيان أمام كورد وليديا . وأفلت من كورد سباب مكتوم وهو يدفع العاملين ويجري نحو الفارسة . فخاف الحصان من الحركة المفاجئة فشب وهو يستدير نحو القادم . قبل أن تنطق ستاسي معترضة كان كورد إلي جانبها ينزلها من الحصان بيد ويمسك بلجام الحصان بالأخرى . أنزلها للأرض بخشونة وأمر أحد العمال أن يمسك بالحصان وصاح غاضبا: " ماذا كنت تفعلين علي هذا الحصان ؟" غضبت ستاسي لمعاملته وأجابت : " كنت ذاهبة للنزهة . إذا كان هذا من شأنك !" استشاط كورد غضبا وأمسك برسغها ليقربها منه : " نعم , إنه من شأني . ألم تكفك سقطة واحدة , أم انك تفضلين أن تقتلي في المرة القادمة ؟" لمعت عيناها غضبا : " كانت تلك حادثة . وكانت ستحدث لو كنت علي صهوة أي حصان آخر , إن هذا الحصان ملكي وليس من حقك أن ..." قاطعها كورد ببرود وهو يترك رسغها بحركة ساخرة من يده : " إن لي كل الحق طالما أنني مسؤول عما يحدث لك في هذا المزرعة . ولن تقتربي من هذا الشيطان طالما أنك في هذه المزرعة ". ردت ستاسي بحدة وقد أزال عنها الغضب خوفها من سيطرة كورد: "أحمد الله أنني لن أبقي هنا طويلا . وعليك أن تفكر في طريقة لإبعادي عن الحصان لأنه ملكي وأنوي أن أركبه وقتما أريد !" لمحت ستاسي عيني ليديا تسخران من تصرفها الطفو لي , ولكن ضيقها بدكتاتورية كورد وإحساسه المبالغ فيه بالمسؤولية جعلاها تتجاهل شماتة العينين السوداويين . وأقترب من المجموعة رجل طويل القامة يرتدي ثيابا رياضية زرقاء . وكانت مشيته مألوفة لها ولكن صوت كورد شد انتباها . كان صوته منخفضا في محاولة للحد من غضبه : " سأسجنك في البيت إن اضطررت , ولكنك لن تركبي هذا الحصان . هناك جياد أخري كثيرة يمكنك ركوبها ". قالت ستاسي ساخرة : " لا شكرا ". واتجهت نحو الحصان الراقص . ولكن الأصوات العالية الغاضبة أثارت الحصان الذي جذب الحبل الذي كان يمسكه العامل وشب ثم هبط بسرعة , ولكن كورد كان سريع التصرف فجذب ستاسي بعيدا عن تهديد الحوافر الغاضبة . أمسك بكتفيها وتمتم في أذنها : " إنك أعند امرأة عرفتها في حياتي !" دق قلب ستاسي لقربها المفاجئ من كورد , وتمنت لو أنه يعزو انفعالها لنجاتها من الحصان , وكانت نظرته جادة وهو ينظر إلي وجهها الشاحب . ثم زمجر قائلا : لم ألتق في حياتي بشخص يحتاج لعلقة ساخنة أكثر منك ". ثم تركها واستدار للجماعة المنتظرة . سمع صوت الغريب الضاحك يوافقه قائلا : " اسمعوا. اسمعوا..." وهو يقف بجوار ليديا . بالطبع كان الصوت الخفيض الفرح مألوفا لديها . وقطعت نشيجها وجرت مجتازة كورد إلي الرجل المنتظر . صاحت قائلة : " كارتر . كارتر . كم أنا سعيدة لرؤيتك " وألقت بنفسها بين ذراعي الشاب . وانقطع حديث كورد بسبب هذه التحية غير المتوقعة . دهش كارتر لحرارة ترحيبها وقال وهو يمسح علي رأسها : "أهلا يا عزيزتي . لو أني أعلم أنك سترحبين بي هكذا لجئت منذ وقت طويل " مسحت ستاسي دموعها ونظرت لعينيه الزرقاوين الرقيقتين وقد فقدت سيطرتها علي نفسها بسبب مجيء كارتر المفاجئ بالإضافة إلي انفعالها لمشادتها مع كورد . وفهمت أن كارتر قد فسر ترحيبها به تفسيرا خاطئا, ولكن وجود شخص تستطيع الاعتماد عليه خفف من توترها.كان وجوده بمثابة ملجاء من عاصفة الانفعالات التي هزتها لدرجة الإنهاك. قطعت ليديا الصمت بتعليق لاذع قائلة: "أظن أن كلا منكما يعرف الأخر" شعرت ستاسي بالحرج لترحيبها الحار واحمرت وجنتاها وهي تقدم كارتر للجماعة. تجاهلت ابتسامة ليديا المزهوة وحاجبها المقوس وهي تقدم لها كارتر . مدت له يدها الناعمة بأظافرها المطلية, ونظرت إليه بإمعان بينما خطا كورد للأمام لتعرفه ستاسي بكارتر, كانت عيناه باردتان كالثلج عندما بدأت ستاسي تقدم له كارتر, ولكن الأخير تدخل وهو يشد على يد هاريس اليمني بحماسة : " سيد هاريس. يسعدني أن التقي بك. لم أكن أظن أنني ساري اليوم الذي يرفض فيه احد أن تركب ستاسي هذا الحصان ويمنعها بالفعل . وأريد أن أقدم شكري وشكر أبي للعناية بها" رد كورد ردا لاذعا: "لن أخدعك وأقول إنها كانت مهمة سهلة. إن الآنسة ادامز فتاة قوية الإرادة جدا هل ستبقي طويلا؟" ابتسم كارتر وهو ينظر بحنان لشعرها الكستنائي وقال: "سابقي حتى اقنع ستاسي بالعودة معي. واتمني أن نعود خطيبين".
11- تصبح علي خير يا كورد
كانت ستاسي ترقب كورد من طرف خفي . وهي تشعر أنها في حماية الشاب الواقف بجانبها , ولكن عيني كورد ألهبتاها بنيراتها عندما سمع ما قاله كارتر . واندفعت ليديا قائلة : " أليس هذا رائعا يا كورد ؟" ورمقت ستاسي بنظرة خبيثة خاطفة , ثم ابتسمت لكورد وأخذت ذراعه وهي تضيف : " يا لها من نهاية رومانسية ". وافقها كورد قائلا : " نعم إنها كذلك!" ولكن صوته كان أجش كما لو كان يسعي للسيطرة علي أعصابه . ولم يهتم أحد بسماع رد ستاسي علي هذا العرض العلني , غير أنها ما كانت لترد في تلك الظروف , ولكنها اغتاظت لأن الجميع كان يسلم بأن ردها هو الإيجاب . وأرادت ستاسي أن تغير الموضوع فسألت : "كارتر . إنني مسؤولة عن تنظيم المزاد السنوي لبيع الجياد الذي يعقده سيد هاريس . وسيكون يوم السبت القادم . هل تستطيع البقاء حتى ذلك الحين ؟" فأسرعت ليديا بالرد قبل أن يستطيع كارتر الكلام : " أوه . ستاسي يجب ألا تدعي شيئا بسيطا كهذا يعطلك . أنا واثقة أن كل شيء سيكون علي ما يرام إذا حللت أنا محلك . إذ أننا أمام أمر طارئ" كانت الجملة الأخيرة موجهة لكورد . وشعرت ستاسي بأن ليديا حريصة علي التخلص منها وبأسرع وقت . وتنفست ستاسي الصعداء عندما سمعت رد كورد الذي أجاب وعيناه الباردتان تتجهان لكارتر كما لو كان يتحداه أن يخالفه: "لقد فات أوان التغير إن موعد المزاد اقترب جدا و وهذا يعني ارتباكا لا داعي له . كما أنني لا أعتقد أن عودة آنسة آدامز الفورية أمر حيوي لهذه الدرجة ". قال كارتر بسرعة : "لا . بالطبع لا . إن أبي أعطاني مهلة أسبوع لأقنع ستاسي بالعودة معي وسنعتبرها فترة استجمام قصيرة ". وتبادل المحامي الشاب ابتسامة من يتآمر مع ستاسي , ثم عاد لكورد قائلا : " هل يوجد فندق بالمدينة أستطيع الإقامة فيه ؟ إنني أريد أن أجد مكانا أستقر فيه ". وبدأت ليديا كلامها قائلة : " لا داعي للبقاء في المدينة ". وقاطعها كورد قائلا : "تستطيع الإقامة هنا ". ولم يعط كارتر فرصة لاعتراضه المهذب بأن لوح بيده قائلا: " إن المنزل واسع . واسمح لي بالانصراف فلدي عمل أقوم به , وأعتقد يا ليديا أنك علي موعد للغداء . أليس كذلك؟" أمسك كورد بذراع ليديا وأبعدها بشدة عن كارتر وستاسي اللذاين صمتا . بينما أخذ كارتر ينظر لستاسي . سألها بصوته الرقيق: "لم تجيبي علي سؤالي ولو أنه لم يكن سؤالا بالضبط أليس كذلك ؟ لا تجيبي الآن فإنني سوف أسأله مرة أخري في ظروف أكثر رومانسية .أما الآن فيمكنك أن تدليني علي غرفتي وتقصي علي حكايات تكساس التي تعلمتها". وضحكت ستاسي بعصبية . وأخذت بيد كارتر واتجها نحو البيت . وقصت عليه ما مر بها من أحداث منذ وصولها , وهي تصبغ الأحداث بصبغة ضاحكة , ودخلا المبني الحجري حيث أرشدته إلي غرفة من غرف الضيوف في الناحية المقابلة لغرفتها . واقترحت عليه أن يلقاها بعد نصف ساعة عند مستنقع الاستحمام. كانت ستاسي تعوم بكسل علي ظهرها عندما صعد كارتر لسطح الماء بعد أن غطس . وأخذ الاثنان يسبحان لمدة ساعة ثم صعدا إلي جانب المستنقع سعيدين ومرهقين . قارنت ستاسي بين قسمات وجه كارتر الناعمة . وبين ملامح كورد الخشنة . وأدركت ستاسي أن كارتر ليس بالشخص الذي لا يقهر كما ظننته من قبل . ولكنهما عادا إلي صداقتهما القديمة بدون أن تستطيع التصريح له بالتغير الذي طرأ عليها . قالت بهدوء : " أعلم بأمر الرسالة التي أرسلها والدك للسيد هاريس قبل أن أتي إلي هنا" ولحظت أن وجه كارتر احمر خجلا , وقال: " تفهمين أن أبي كان قلقا بشأنك . وقد بينت الأحداث أنه كان علي حق , ولم أكن أعلم شيئا عن هذا الموضوع إلا بعد الحادث الذي وقع لك". ثم استدار ليرقب ستاسي وهو يسأل : "ما الذي جعلك تبقين هنا , المزاد ؟" شرحت له ستاسي حادثة ديابلو مع العامل بأقل قدر من التفاصيل , مبينة موقف كورد العدائي منها باختصار . وظهر علي وجه كارتر تعبير السرور بخبث عندما فرغت من كلامها كأنه يشمت لما لحق بها من إهانة . وضحك قائلا : " تصوري أن تخرجي لمطاردة الأبقار ! هذا كثير جدا !" اغتاظت ستاسي لدعابته وأجابت بسرعة : "حسنا لم يكن الأمر مضحكا عندما حدث. ليس لأحد أي خيار عندما يصدر سيد هاريس إنذاره النهائي" قال كارتر في لهجة أكثر جدية ولو أن عينيه ظلتا تلمعان بخبث: "أخذت عنه هذا الانطباع بعد ظهر اليوم, ولا أظن أن الصبر احد خصاله" أجابت ستاسي بجدية: "نادرا , وليس لديه صبر على الإطلاق عندما يتعلق الأمر بي. ومازلت اعتقد انه كان سخفا من والدك أن يكتب هذه الرسالة, خاصة انه لم يخبرني بها. وكلما تذكرت الأشياء البشعة التي تفوهت بها وفعلتها لظني بأن كورد ليس إلا طاغية متعجرف يستمتع بإصدار الأومر للناس" " اتعنين انه ليس كذلك؟" "لا.اعني" تلعثمت وهي تبحث عن الكلمة المناسبة لتفسر بها تغير موقفها بدون أن تبوح بإحساسها الحقيقي ضحك كارتر ووقف قائلا: "لا يهم. لا يهمني من هو وماذا يفعل . لقد استطاع أن يمنعك من ركوب هذا الحصان وحافظ عليك حتى استطيع أن أخذك معي . لا يهمني حتى من يكون من أشقياء تكساس. وألان سأبدل ثيابي قبل أن تحولني شمس تكساس إلى سمكة مشوية!" وفي الليلة التالية , بينما كانت ستاسي تبدل ثيابه للعشاء كانت تخاف مما سيأتي . فقد كانت تأمل أن تبعد كورد عن تفكيرها في وجود كارتر , غير أن كورد بدل هذا الأمل بنجاح.فمنذ حديثها القصير مع كارتر كان كورد دائما معها . فأن لم يشترك في الحديث فهو موجود في الغرفة المجاورة. سر كارتر لدعوة العشاء عندما أبلغته بها ستاسي , ولم تترك لها حماسته فرصة للتراجع . تعجبت لنفسها فهي تعلم أن قرب كورد منها يسبب ألما شديدا . فهل تستمر في عذابها؟ كل يوم يمر كان يقربها من موعد رحيلها . وهكذا تتحول كل لمحة من الرجل الممتلي رجولة إلي ذكري تعتز بها إلي الأبد وهي تحيا وحيدة . وهبطت ستاسي الدرج رقيقة ورشيقة كالحلم إلي حيث انتظر كارتر وكورد في ثياب السهرة . لم ينطق كارتر ولكن عينيه الزرقاوين لمعتا بإعجاب أقوي من الكلمات . ونظرت بتردد لوجه كورد علها تجد فيه ما يؤيد إعجاب كارتر , ولكن لم يبد أي إعجاب بينما رأت اهتزاز عضلة فكه الذي أفسد هدوء وجهه . وندمت ستاسي لبحثها عن إعجابه واتجهت لكارتر متسائلة : " هل نحن مستعدون ؟" ابتسم كارتر ممسكا بيدها وقال: " وراغبون ". كانت السيارة البنية الفاخرة في انتظارهم . جلست ستاسي في المقعد الخلفي وراء السائق , وانتظرت في عصبية أن ينضم كارتر . نظرت في قلق إلي المرآة فالتقت بعيني كورد المحيرتين , وسرعان ما نظرتا بعيدا . ثم صعد المحامي الشاب بجوار ستاسي وانطلق كورد بالسيارة بمهارة . كان الحديث سطحيا في الطريق إلي منزل ليديا وكانت ستاسي لا تغض الطرف عن رأس كورد الجالس أمامها , فلم يكن في استطاعتها إلا أن تتظاهر بالاهتمام بالمناظر الطبيعية . عندما أوقف كورد السيارة ودخل إلي منزل ليديا قال كارتر : " أنك هادئة جدا الليلة . هل هناك ما يضايقك؟" أجابت ستاسي وهي تبتسم امتنانا لاهتمام كارتر بها: " لا . بالطبع لا . كنت أستمتع بالمناظر الطبيعية , خاصة والشمس علي وشك المغيب . إنها تضفي علي كل شيء هدوءا غامضا". تمتم كارتر بهزة ساخرة من رأسه : " يا لها من فتاة ! إنها تجلس بجانب رجل سافر, عبر نصف البلاد ليراها , فإذا بها تعجب بالمناظر الطبيعية" ضحكت ستاسي إذ كانت تشعر بالارتياح لوجوده وقالت : " أوه ... كارتر ! إنك تعلم أنني مسرورة لوجودك هنا ". كان علي وجهه تعبير حزين وجاد , وعيناه الزرقاوان ترمقانها بفطنة وهو يقول: " ولكنني أتسأل عما إذا كنت مسرورة لوجودي أنا بالذات أم لمجرد وجود صديق قديم ". فهمت بالاعتراض ولكنها توقفت لقدوم كورد وليديا تمسك بذراعه , كانت علي وجهه ابتسامة راضية وهو ينظر للمرأة الأنيقة . وشعرت بالألم يعتصر قلبها ولمعت عيناها من الغيرة . وكان شعر ليديا الفاحم مرسلا حول رقبتها العاجية مبرزا فتحة صدر ثوبها البنفسجي . تبادل الجميع الدعابات , ونظرت ليديا ليد ستاسي ثم إلي كارتر في دلال وقالت: " ظننت أننا سنحتفل الليلة . أم أنك نسيت أن تحضر الخاتم حتى تصبح الخطبة رسمية ؟" أجاب كارتر إجابة مرحة , لم تسمعها ستاسي التي ركزت انتباهها علي كورد وهو ينظر إليها في المرآة . وتصاعد الدم إلي وجنتيها أمام نظرته الفضولية الهازئة . فلم تشأأن تشترك في الحديث الجاري بين ليديا وكارتر وحولت انتباهها للنظر من النافذة لتخفي الغيرة والألم عن كورد . ولما وصلوا بهرت ستاسي بالمبني المتناثر المكون من طابقين والقابع في أحضان أشجار الصنوبر الخضراء . ودخلوا إلي منطقة المطعم . نادي الخادم كورد باسمه الأول وأرشد المجموعة بنفسه لمائدة منعزلة . أجلس كارتر ستاسي علي يسار كورد , وهدأت رعشة قلبها المتوتر قليلا لوجوده, وكانت يدها ثابتة وهي تشرب نخب تكساس الذي اقترحه كارتر . وأضافت ليديا وعيناها علي كورد: " ونخب جمع شمل من تفرقوا". شعرت ستاسي بالارتياح عندما انتهوا من العشاء , فهي لن تضطر للحديث في القاعة نظرا لوجود الفرقة الموسيقية , وتركت ستاسي المائدة مع كارتر وتبعا الاثنين الآخرين إلي القاعة . وتسمرت عينا ستاسي على شعر كورد وكما لو كان يدري بنظرتها استدار ونظر إليها في غموض ثم قال : "أرجو ألا تخيب الفرقة الموسيقية آمالك . . إن أغلب أعضائها مكسيكيون , وستجدين للموسيقي طابعا لاتينيا يختلف عن النغمات التي تعودت عليها " وأجفلت ستاسي في قرار نفسها عند سماعها كلمات كورد بما تحمله من نقد خفي . لم تكن هناك جدوى من معارضته فقد كان رأيه فيها سيئا بالفعل . فلم تجبه وتبعتهما في صحبة كارتر إلي المائدة . وبد أن طلبوا مشروباتهم طلب منها كارتر أن تراقصه , فوافقت علي الفور وقد أسعدها أن تبتعد عن صحبة كورد وليديا المقلقة . وعزفت القيثارات الثلاث أغنية قديمة علي إيقاع الطبول الرقيقة , وعادت لستاسي ثقتها وهي تخطو مع خطوات كارتر التي اعتادتها . وسألها كارتر فجأة وعيناه ترقبان وجهها بإمعان : " ماذا بك الليلة ؟ عندي شعور بأنك خائفة أو تخفين شيئا ". أقلقتها صراحته المفاجئة ففاتتها خطوة وصعدت إلي حلقها مئات الاعتراضات ولكن كارتر استمر قبل أن تتكلم: " لا أظن أني أريد منك إجابة . أعتقد أنك ستكذبين أو تخفين بعض الحقائق . وفي أي من الحالتين سيكون الجرح مؤلما ... ستاسي إذا أردت أن تصارحيني سأكون بجانبك مهما كانت الظروف". امتلأت عيناها بدموع البؤس وبدأت تتكلم : " كارتر . إنني ... " همس قائلا : " صه ... لن نتكلم الآن . ربما فيما بعد عندما نكون بمفردنا ". وانتهت الأغنية وعزفت الفرقة موسيقي أكثر سرعة . واستمرا في الرقص وعندما عادا للمائدة كانت ابتسامة ستاسي صادقة لعلمها بتعاطف كارتر ومحبته , ولكن لهجة كورد الهازئة وابتسامته الملتوية جعلتا ستاسي تتوتر وزاد من ألمها بريق الانتصار في عيني ليديا , وازدادت الغصة في حلقها كلما راقبت كورد وهو يرقص مع ذات الشعر الأسود , وقرب نهاية الأمسية طلب كارتر ليديا للرقص تاركا ستاسي وحدها مع كورد . وعلقت ستاسي وهي تحاول ألا تبدي اهتمامها : " إنهما يرقصان رقصا رائعا معا ". نظر إليها كورد بابتسامة لم تستطع ستاسي أن تفسرها وقال: " أتشعرين بالغيرة ؟ إن ليديا امرأة جميلة جدا". أجابت ستاسي وصوتها يرتعد, فقد شعرت بالغيرة ولكن لسبب أخر غير ما ظن كورد : " لا . بالطبع لا." وقف كورد وقال برقة : " هل نرقص ؟" بالطبع سترفض . لماذا تعذب نفسها بالرقص معه وهو يحب امرأة أخري ؟ ما الذي تجنيه سوي تعب القلب ؟ ولكنها لم تعترض بكلمة ووجدت نفسها ترقص معه , لن تستطيع الانسحاب الآن . وتوهج وجهها سعادة ودق قلبها غبطة وهو ينظر إليها. ولم يهمها في تلك اللحظة إن كان يرقص معها من باب الشفقة أم المجاملة . وضغطت بيدها على يده وضمها إليه وعيناه تبتسمان لها في رقة . رقصت ستاسي في صمت وقد تجاهلت الأغنية التي تعزف والراقصين حولها وكل شيء إلا قرب كورد منها . وانتهت الرقصة فاقترح كورد العودة , ووافقت ستاسي وقد مزقتها الانفعالات التي خشيت أن تظهر بسبب قرب كورد وحبها اليائس . وفي طريق العودة كان الجميع صامتين . كان كارتر هادئا علي غير العادة في الماضي . كانا يقضيان الساعات معا بدون أن يتكلما , ولكن هذه المرة كان القلق يشوب صمته كما لو كان يصارع لحل مشكلة عويصة , أما كورد فكانت إجاباته علي أسئلة ليديا قصيرة حتى أنها هي الأخرى صمتت . وتنفست ستاسي الصعداء عندما وصلت السيارة للمزرعة وفرت إلي غرفتها . وفي الصباح التالي عاد كارتر لطبيعته المرحة ودعابته . وتطوع بمعاونة ستاسي في ترتيبات المزاد فأخذ يذهب إلي المدينة لقضاء بعض الحاجات ويراجع قائمة الجياد الصغيرة مع هانك . وعموما كان يتولي عنها الأعمال التي تستغرق وقتا طويلا , أما كورد فقد عاد إلي التغيب عن البيت وكان يتجنب كارتر وستاسي في اليومين الأخيرين .إلا أنه تناول العشاء معهما يوم الاثنين ثم تركهما بعد العشاء مباشرة بدون أن يفصح عن وجهته , غير أن ستاسي لمحت في المساء ضوءا في نافذة المكتب . أما ليديا فلم تأت , مما أدهش ستاسي فقد كانت دائمة التواجد في المزرعة منذ عودتها. نزعت ستاسي الورقة من الآلة الكاتبة وركزت أفكارها علي عملها . وطوال الصباح كانت مشغولة بالرد علي طلبات راغبي المنشور الخاص بالمزاد . وكان هذا آخر المكاتبات . وأضافته إلي بقية الرسائل انتظارا لعودة كارتر من الاصطبل . ربما وجدت الوقت لشرب فنجان من القهوة قبل أن تلتقي بزوجات عمال المزرعة لمراجعة تفاصيل مهامهن أثناء وليمة الشواء. اتجهت ستاسي إلي المطبخ فوجدت ماريا في الطريق تحمل صينية عليها فنجان قهوة ساخن وفطيرة . ابتسمت ستاسي قائلة : " إنك منقذة , كنت على وشك الذهاب للمطبخ لصنع فنجان قهوة ". عبرت ماريا عن سرورها ثم قالت : " هل ستنظم إليك السنيورة ليديا ؟" قالت في حيرة : " ليديا ؟" " نعم . لقد وصلت في سيارتها فظننت أنها ستشرب القهوة أيضا". بدأت ستاسي : " لا أعلم ". وقطع حديثهما صوت الباب الخارجي يفتح ثم يغلق , ودخلت ليديا غرفة الطعام بينما كانت ماريا تغادرها وابتسمت قائلة: " صباح الخير يا ستاسي يسعدني أنك هنا , كنت أرجو أن أتحدث معك اليوم غير أني خشيت أن تكوني مشغولة بمزاد يوم السبت ". لم تكن ستاسي حريصة علي دردشة أخري مع ليديا فقالت: " سأضطر للعودة للعمل بعد بضع دقائق ". وجلست ليديا برشاقة أمام ستاسي وهي تسوي ثيابها الأنيقة ثم قالت : " لا أري خاتم الخطوبة , لا بد أنك وضعت حدا لقلق الشاب المسكين ". اغتاظت ستاسي لتدخل ليديا فيما ليس من شأنها فقالت ببرود: "إذا كنت تقصدين كارتر فقد كنت مشغولة , ولا داعي للعجلة , أليس كذلك ؟" " لو كنت مكانك لما تركته يبتعد عني". " هذا هو وجه الاختلاف , فأنت لست أنا ". وارتجفت عينا ليديا الباردتان منذرتين بالشر عند سماعها كلمات ستاسي واستطردت وهي تبدي اهتمامها قائلة : " هذا صحيح ولكنني أري الموقف بوضوح أكثر منك ". تضايقت ستاسي لاهتمام ليديا المزيف وقالت: " لماذا لا تدخلين في الموضوع ؟ نستطيع أن نتكلم في حلقات مفرغة طوال النهار . ولكن لحسن الحظ لدي أعمال أفضل أقوم بها ". دهشت ليديا لجرأة ستاسي غير المتوقعة , ووقفت ثم استدارت برأسها ذي الجدائل اللامعة نحو ستاسي وقالت في صوت ساخر : " إنك على حق . لا يوجد بيننا حب مفقود فلماذا التظاهر ؟ إن وجهة نظري واضحة حقا وهي ألا تؤجلي الرد على كارتر أملأ في أن يأتي كورد بعرض أفضل لأنه لن يفعل . أتظنين أن كورد أعمي حتى لا يفهم أنك واقعة في غرامه ؟" وقفت ستاسي لتقابل تحدي المرأة الأكبر سنا وأجابت : " هل تخافين من بعض المنافسة , أم أن تأثيرك على كورد ضعيف حتى أنك لا تستطيعين المغامرة ؟" صاحت ليديا : " لا تجعلي من نفسك أضحوكة ! إن المرأة الأكثر نضجا تعرف الفرق بين الحب والشفقة . كنت مكتئبة طوال أمسية الأحد ثم توهجت مثل شجرة عيد الميلاد بمجرد أن رقص معك كورد. ألا تفهمين أنه يشفق عليك ؟ وأن شعوره المبالغ فيه بالمسؤولية يجبره على مثل هذه التصرفات ؟ لا أعلم أين كبرياؤك أو إذا كنت قد تجاوزت مرحلة المراهقة أم لا ؟ ولكن في الحالتين لقد أثر وجودك على خططي أنا وكورد . وعلى الرغم من أن الموضوع يثير السخرية فقد رفض أن يعلن حقيقة مشاعره خوفا من أن يجرحك". ردت ستاسي : " سأقول لك ما قلته لكورد . سأرحل بمجرد انتهاء المزاد . سأعود مع كارتر وأضع حدا لقلقك . وسأخرج من حياتكما إلي الأبد بعد بضعة أيام , وتستطيعين أن تفعلي أنت وكورد ما تريدان . وحتى ذلك الحين أفضل أن تتركي هذا المنزل الآن وتبتعدي عن طريقي مستقبلا". كان صوت ستاسي يرتعش من الغضب المكبوت ولكن صدق كلمات ليديا جرحها عميقا . تركت ليديا الغرفة وهي تدق بكعب حذائها في انتصار , وسمعت ستاسي وهي كالمخدرة لهجة ليديا الراضية وهي تحيي كارتر عند دخوله إلي المنزل , ودخل كارتر ورمق ستاسي ولاحظ أنها قابضة يديها في شدة فقال : " ماذا حدث ؟" كانت تبدو مثل سندريلا عندما وضعت قدمها في الحذاء الزجاجي ووجدت أنه مقاسها تماما . فردت ستاسي بمرارة غير معهودة : " حقا ؟ إن لدي اجتماعا الآن وعلى مكتبي بريد كثير هل يمكنك أن ترسله اليوم؟" وأخذت كراستها وأسرعت خارج الباب . وفي المساء التالي ذهبت ستاسي مع كارتر في نزهة على الجياد . وعند عودتهما تحدثت ستاسي مع كارتر في سعادة , وقد تجدد نشاطها بعد نزهة الغروب . قال كارتر عند وصولهما : " سأذهب لأغسل قذارة تكساس الغالية إذا سمحت . وسألقاك في الشرفة بعد نصف ساعة ". سبقته ستاسي صاعدة إلي غرفتها وهي تبتسم قائلة : " اتفقنا ". وبعد فترة قصيرة التقت به في الشرفة . كان جالسا يداعب كلبها في شرود وهو ينظر في ظلمة الليل . وقفز كاجون في سعادة عندما رأي سيدته بينما وقف كارتر ليلقاها . وأخذت ستاسي يده الممدودة وجلست إلي جانبه . وابتسم قائلا : "لم تستغرقي وقتا طويلا . ظننت أنني أستطيع أن أشرب شيئا آخر قبل حضورك". وأشار إلي صينية تحمل كؤوسا. وداعبت قائلة : "على الأقل تركت لي كأسا. إنها ليلة رائعة . تري أين توجد بقية النجوم؟" " لو كنت عاشقا مثاليا لقلت إنها في عينيك ". ضحكت ستاسي معترضة : " أوه ... كارتر !" وضع يده على ذقنها في حنان, وكان وجهه جادا وهو يرمقها . " ليتني أستطيع أن أقولها وأنا أعلم صدقها ". ثم تركها ووقف فجأة . ووضع يديه في جيبه ومشي إلي العامود وحملق في الفضاء . واضطربت ستاسي وهي تعبث بجيوبها , فقد أعادت كلماته الصادقة شعورها باليأس . كانت في صوته رنة غريبة اتسمت بمرارة لم تعهدها ستاسي وهو يقول : " هل تعلمين كم خططت لهذه الأمسية منذ وصولي ؟ ها نحن بمفردنا بدون أن يضايقنا أحد في إطار مثالي , والليل الحالك يعزلنا عن العالم , ونجمتان تنظران لنا في تشجيع , , وفتاة جميلة تمتلئ عيناها توقعا للكلمات التي ستقال . ولكن عينيك لا تمتلئان توقعا . أليس كذلك ؟" تساقطت الدموع علي وجنتيها وهي تخفض رأسها أمام اتهام عينيه . قال كارتر بصوت رتيب : "كنت انوي أن أقوم بمهمتي كما يليق , أركع وأقول : ستاسي إنني أحبك وأريدك أن تصبحي زوجتي . سخيف ... أليس كذلك ؟ إنني أحبك ولكن لي كبريائي . لا أريد أن أمتلك ما لا يخصني . أعتقد أن هناك من كان سيطلبك للزواج على أمل ألا ترفضي , ولكني لا أطلب ذلك لسبب مختلف تماما , إنني أخشي أن تقبلي ولا أستطيع العيش معك وأنا أعلم أنك تحبين أحد مزارعي تكساس " اهتز كتفا ستاسي خجلا مما سببته لكارتر من ألم ومرارة . وأفاق كارتر من إشفاقه على نفسه , ونظر للفتاة الصامتة الباكية , ومشي إليها واضعا يده على رأسها . اختنق صوته وهو يضمها : " أوه . ستاسي ... لماذا كتب علينا هذا ؟" بكت علي صدره قائلة : "كارتر ... كنت أريد أن أصارحك ولكني لم أستطع . أن أجرحك وأنا أعلم كيف يكون هذا الألم". ابتسم وقد شعر بالارتياح لأنه يخفف من ألمها : " سيكون كل شيء على ما يرام . تعلمين ما يقال إن ألم الجرح يستمر فترة وجيزة ". " ما كنت لأقول نعم ... ما كنت لأفعل هذا بك ..." أبعدها ومسح وجنتيها بيده قائلا : " لا . أعتقد أنني كنت أعلم ذلك , إن معدنك أفضل من هذا ". سألته ستاسي : " سوف تبقي وتعود بي بعد نهاية الأسبوع؟" ابتسم كارتر: " بالطبع . ألا تعلمين يا صغيرتي أنني في خدمتك في أي وقت؟" اعترفت له وهما يمران خلال الباب الزجاجي : " لا أعلم ماذا كنت افعل لولا قدومك في هذا الوقت ". سمعت تنهيدة قلقة بينما خطا كارتر ليفتح الباب. استدارت ستاسي لتنتظره فوجدته وانتباهه مركزا علي ما بعد أمامها , تطلعت إلى حيث ينظر فوجدت كورد واقفا عند يمينها وفي يده كتاب والاخري سيكارة . كانت عيناه ضيقتين وهو ينظر من ستاسي إلى كارتر. ثم أدار رأٍسه فجأة وأطفأ سيكارته بعصبية. قال معاكسا : " إنكما تأويان إلى فراشكما مبكرا ياشباب . أليس كذلك؟" تمتمت ستاسي وهي تتجه للدرج : "كان يوما مفعما بالأحداث " " هل تسير ترتيبات مزاد السبت في سلاسة" بدأت ستاسي تتكلم وقد ضايقها تلميحه بإهمالها للعمل: "بالطبع . إذا أردت أن تراجعها ألان" قاطعها كورد وهو يراقب خطوط وجهها: "لا. لن يكون هذا ضروري سيكون هناك متسع من الوقت في الصباح" كانت لهجته مقتضبة وتؤذن بالانصراف وقال كارتر بشيء من السخرية: "تصبح على خير يا سيد هاريس". وأسرعت ستاسي أمام عيني المزارع وهما ترمقانها بحدة وقالت: " نعم تصبح على خير يا كورد" تبعهما صوته وهما يخرجان من الغرفة قائلا: "تصبحان على خير"
12_عينان من حديد
جاء النداء من التل : " مرحبا " نظرت ستاسي فرأت كارتر يتجه إليها بساقيه الطويلتين . أجابت بابتسامة : " مرحبا بك ". قال كارتر معاتبا : " كان يجب أن أعرف أنني سأجدك هنا . ألا تعرفين كم الساعة الآن ؟ إنك تعملين منذ الثامنة صباحا ". أجابت ستاسي متجاهلة تأنيبه : " الساعة الآن السابعة والنصف فقط, وأمامي بعض الأعمال لإنهائها قبل الغد, وقد قررت لندا وديان إعداد الموائد الليلية بدلا من الغد . وفكرت أن أعاونهما. هل أحضرت الأشياء التي طلبتها سيدة غرايسون من موللي؟" " وأوصلتها لها أيضا ولكنها طردتني قبل أن أتذوق صلصله الشواء الشهيرة . ماذا بقي لأفعله ؟" نظرت ستاسي إلي الموائد بتوتر وأجابت : " لا شيء . سيفضح الغد كل أخطائي ". داعبها كارتر : " أين الفتاة المتحمسة ؟ لقد انقضي النهار , دعينا نعد مشروبا مثلجا". ضحكت ستاسي علي الرغم من توترها . كانت محتاجة للراحة وشعرت بالألم عندما تخيلت ماذا كان سيصبح حالها هذا الأسبوع لو لم يحضر كارتر , ولاحظت الخطوط الجديدة حول شفتيه , ولكن ظاهريا , لم يتغير موقف كارتر منها , ولم يشر لما حدث في أمسية الأربعاء المشئوم. سألها كارتر بهدوء وهو يشد علي ذراعها : تندمين لاقتراب النهاية ؟" تنهدت ستاسي : " لا . سأكون أحسن حالا بعيدا عن هنا ". وأضافت لنفسها : ومعي ذكري كورد . عاد الاثنان إلي الشرفة . وجلست ستاسي بينما دخل كارتر لإحضار المشروبات . نظرت ستاسي حولها في عبوس للمكان الذي كان بيتها في الأسابيع الماضية , ووجدت نفسها تنظر بإمعان للربوة التي تعلو المنزل . وسمعت جرس الهاتف يرن وكارتر يجيبه . فوقفت كالمخدرة ومشت إلي التل والمدفن الذي يعلوه . لم تسمع كارتر يناديها ولم تره وهو يحمل المشروبات في يديه إلي الشرفة . لم تتوقف حتى وصلت إلي الباب الحديدي للمقابر واتجهت مباشرة إلي القبر الذي يحمل الاسم الينا تيريزا هاريس... ركعت أمام المقبرة ومدت يدها تتحسس الكلمات برقة . تساقطت دمعتان على خديها وهي تحاول أن تجد العزاء عند من أحبهم كورد . وتملك الحزن والأسى قلبها وهي تستند إلي الحجر الرمادي الصامت . ورن في أذنها صوت كورد ولكن هذه المرة بدا حقيقيا حتى أنها استدارت لتراه . لابد أن عينيها تخدعانها . فها هو كورد واقف أمامها , لابد أنها تحلم , فقد كان بريق عينيه غريبا . وفجأة شعرت ستاسي بحلول الظلام . نظرت إلي مكان الشمس فوجدت ضوءا قرمزيا يشير إلي أصيلها . لم تكن تحلم ! إذا فكورد فعلا هو الذي يقف أمامها . تغير تعبير وجهها وهي تقف أمامه , فأعاد ذراعه التي كان قد مدها إليها إلي جانبه.سألها كورد وقد بقي شيء من الرقة في صوته وهو يتطلع إلي نظرة الألم علي وجهها: "ماذا تفعلين هنا؟" " جئت لكي ..." كادت أن تنطق بالحقيقة ثم نظرت بعصبية إلي الحجر الذي يعلو قبر دونا الينا ثم إلي الحجر الذي بجانبه , وقالت بلا اقتناع : " مقبرة والدك ! تذكرت والدي وفكرت أن مجيئي هنا سيقربني منه ". لم تعرف ستاسي إذا كان قد قبل تفسيرها . وأمسك بذراعها وقادها خارج المدافن بدون أي تعليق . ونظرت ستاسي في وجهه بقلق . لم ينم وجهه عن أفكاره ولم تحتمل صمته فقالت : "كيف عرفت مكاني ؟" أجاب بسخرية : " رآك صديقك تتجهين إلي هنا ". قالت بضعف: "أوه !" عندما وصلا إلي شرفة بيت المزرعة ترك كورد ذراعها في نفور , وناولها كارتر مشروبها وعيناه تفحصان وجهها الشاحب . سألها كارتر بهدوء : " هل أنت بخير ؟ أين كنت ؟" أومأت ستاسي بالإيجاب ردا علي السؤال الأول قبل أن يقاطعها كورد إذ رشف رشفة من كوبه ثم قال باستهزاء: " كانت تتخذ من مقبرة والدي بديلا عن مقبرة والدها". راقب كارتر ستاسي بإمعان رافضا هذا التفسير , ولكن كورد لم ينته من كلامه واستطرد قائلا: "إن الاستسلام للإشفاق علي النفس يعتبر ترفا لا يسمح به في هذا البلاد , علي الأقل بالنسبة لمن يعيشون فيها" نفذت قسوة عينا كورد إلي قلب ستاسي وتصاعد الدم إلي وجهها , أما كورد فاستدار وسار إلي المنطقة الكائنة شمال الاصطبلات حيث تتم الترتيبات لحفل الشواء . وتبعته ستاسي مع كارتر . لم يتكلم أي منهم . كان كورد يتجاهل وجودها خلفه , ولم ينظر كارتر إليها إلا مرة واحدة . مر ثلاثتهم أمام صف طويل من الموائد إلي حيث أقيمت حفرة طويلة أشعلت فيها النيران . كان هناك رجل يضيف الخشب علي النار . ابتسمت ستاسي عندما عرفت أنه هانك . راقبت ترتيبات الشواء المبتكرة باهتمام , وتغلب فضولها على إحساسها بالتوتر فسألت : " هل هذه أسرة قديمة تلك التي تضعون عليها اللحم؟" أجاب كورد باسما: " إنها أسرة الجيش . إننا نلف أرجل الذبائح بصفائح للاحتفاظ بالحرارة ويتناوب العمال العناية بالنار أثناء الليل وسقي اللحم بالصلصة ". نظرت ستاسي لكميات اللحم الكبيرة وهتفت : " ياللسماء ! إن هذا الطعام كثير جدا ؟" قال هانك : " إن شهيتنا نحن أهل تكساس عارمة. إننا لا نلهو بشطائر صغيرة كأهل الشرق . فإذا جلست هنا وراقبت النار سأنجز إعمالا أخري " ثم أضاف لكارتر: "تعال معي لتعاونني فلم اعد شابا كما كنت" ثم مضي في الظلام . خافت ستاسي إذ فهمت نية هانك في تركها وحدها مع كورد. كانت تعلم أن كارتر ينظر إليها في انتظار أن تقول إنها لا تريده أن يذهب. ولكنها لم تستطع أن تتكلم فذهب خلف هانك. قطع كورد الصمت بقوله : "حسنا. سترحلين بعد يوم. اعتقد انك تتلهفين علي الرحيل" أجابت ستاسي بهدوء وصدق: "حقا لا. لقد استمتعت بوجودي هنا" فكر كورد في ردها ثم قال: " تصورت انك تسعدين بالعودة إلي حيث تنتمين ". تصلبت لكلماته , وعاد لها غضبها لادعائه بمعرفة ما هو أفضل لها . كظمت غيظها وظلت تنظر إلي النار . سألها كورد : " هل حددت وكارتر موعدا للزفاف ؟" أجابت : " لا . ربما حددنا الموعد بعد عودتنا ". فقد أملت عليها كبرياؤها أن تدعه يظن بأنها ستزف إلي كارتر . " سوف ترسلين لي بطاقة دعوة ؟" أجابت : " بالطبع . وهل سترسل لي دعوة لزفافك ؟" سأل كورد وهو يقف ببطء : " زفافي؟" أجابت بخفة : " نسيت أنني يجب ألا أعرف , ولكن لماذا أردت إخفاءه عني ؟ فوجود ليديا المستمر هنا يظهر أن في الأمر أكثر من مجرد الحب القديم ". بدا على وجه كورد تعبير الاهتمام وقال: " فهمت , أعتقد أن ليديا قالت لك ". أجابت : " تقريبا ". وقالت لنفسها : كادت أن تكتب ذلك على الحائط. وأضافت لكورد : " والآن وقد تخلصت من مسؤوليتك عني , تستطيع أن تذهب في طريقك وأنا في طريقي ". استدار لها مندهشا فقالت : " إنني أعلم أيضا بأمر رسالة والد كارتر ". " والد كارتر ؟ وكيف عرفت ؟" " لقد تركت الرسالة في أحد أدراج المكتب . لقد بذلت أقصي جهدك حتى تضعني تحت عينك الحارسة . لسوء الحظ أنك لم تخبرني . إذ لو فعلت ذلك ربما كنا أكثر تفاهما ". بدا كورد مبتهجا مما ضايق ستاسي وقال: " لم يخطر ذلك ببالي . لقد كنت فتاة عنيدة جدا . وإنني أرجو أن ينجح كارتر في محاربة أفكارك المركزة حول ذاتيتك ". قالت في تحد : " إن كارتر يفهمني ". ضحك كورد قائلا : " بالطبع , ولكن لسوء الحظ أنه ليس أكثر سيطرة عليك ". قالت ستاسي وفي صوتها نبرة حزن : " لو كان الأمر كذلك لما جئت إلي هنا , ولما حدث كل هذا ". " هل ... لم يكن ليحدث ". ثم صمت . وأعلن حفيف الأغصان عن عودة هانك وكارتر . سألها كارتر : " هل أنت مستعدة للعودة ؟" قال كورد وهو يقف ويمد يده لستاسي قبل كارتر : " فلنعد . سيكون الغد يوما طويلا ". غصت ساحة بيت المزرعة بسيارات من كل نوع . وكان المزاد قد انتهي منذ ساعتين وبدا رحيل السيارات . لاحظت ستاسي المائدة التي كانت مكدسة بالطعام من قبل . لم يتبق إلا القليل من الكميات الضخمة من اللحم والفاصوليا والبطاطا والخبز , فتنفست الصعداء لدقة حسابهم لشهية الضيوف . وبدأت زوجات العمال في تنظيف الموائد من بقايا الطعام . سألتها موللي وهي تملأ الأكواب بالشاي المثلج : " هل انتهيت من العمل اليوم ؟" فضحكت ستاسي قائلة : " لقد فصلت من عملي الآن وأمرت بالانضمام للهو ". قالت موللي وهي تضع ذراعها في ذراع ستاسي وتبعد بها عن المائدة : " حسنا . لم يبق إلا الجيران الآن . ستشاهدين حفلا جيدا من الطراز القديم ". جاء صوت ضاحك من خلفهما : " هاي . أين تأخذين مضيفتي ؟" وقفت ستاسي وقد شحب وجهها للهجة التملك , وارتجف قلبها عندما وضع يده علي كتفها . صاحت ماري : " كورد ! حان الوقت لتصاحب ضيوفك . لقد قضيت النهار كله مع تلك الجياد ". أجاب باسما لستاسي : " أري أنك أنقذت ستاسي . لقد قمت بعمل رائع يا ستاسي . يؤسفني إنني لم أقل هذا من قبل , ولم أعاونك . غير أنك لم تحتاجي المعاونة ". تلعثمت ستاسي واحمر وجهها لثنائه: " أشكرك , ولكن الجميع ساعدوني , وأنا متأكدة أنهم ستروا الكثير من أخطائي ". قالت موللي : " إنك في غاية التواضع . فالناس يحبونك من قلوبهم لرقتك ويفعلون أي شيء من أجلك ". دمعت عينا ستاسي لهذه الكلمات وأجابت برقة : " لقد أشعرتموني كلكم بأنني بين أهلي ولن أنساكم أبدا ". اشتدت قبضة يد كورد على كتف ستاسي فاستدارت لتنظر إلى وجهه الأسمر,كانت نظراته حائرة متسائلة ثم قال للمرأتين الأخريين بكآبة: " إن الحفل الليلة بمثابة حفل وداع لستاسي .فسترحل في الصباح". وانهالت عليها الاعتراضات واستولي عليها الأسى, ليتهم يعلمون إنها لا ترغب في الرحيل! وسألتها ماري: "لماذا ترحلين هكذا سريعا؟ ظننت انك ستبقين أسبوعا أخر" " أن كارتر مضطر للعودة في أول الأسبوع فقررنا الذهاب معا" وتجاهلت ستاسي البرودة التي سرت في أوصالها عندما رفع كورد يده عن كتفها . ثم أضافت: "نستطيع أن نتقاسم القيادة ولن تطول رحلتنا" سألت موللي وهي تنظر إلى كورد في تجهم : " ستذهبان وحدكما ؟" قال كورد ساخرا: "انك تظهرين كبر سنك يا موللي. تذكري أن هذا الجيل متحرر. وتقاليدنا تعتبر موضة قديمة بالنسبة لهم. عن إذنكم فقد حان الوقت للاندماج مع الضيوف الآخرين" شعرت ستاسي بالمرارة في كلام كورد على الرغم من لهجته المداعبة, ولكنها كانت ثابتة وهي تواجه المرأتين متجاهلة كورد وهو يتحرك وسط الجموع. سألتها ماري بخفة وسط صوت القيثارات والكمان : " هل قررت الزواج من كارتر؟" أجابت بدون تفكير : " لا" تمتمت موللي : " تكلمنا عنه وهاهو ". ثم لامته قائلة : " ستأخذ فتاتنا المفضلة معك غدا ". أحاط ستاسي بذراعه وقال: " كيف أنفرد بها إذا لم افعل ؟ ثم إن تغيير المناظر مفيد ". لم تلحظ ستاسي النظرة المتبادلة بين الأم وابنتها وهي تنظر لعيني كارتر . ابتسم قائلا : " سأرقص مع مضيفتنا إذا لم تمانعا ". ورقصا بضع خطوات قبل أن يتكلم : " ماذا حدث هناك ؟ لقد رأيت كورد يمشي قبل وصولي . ماذا قال مما جعلك تبدين هكذا ؟" قالت في شرود وقد رأت كورد يراقبهما : " ليس بسبب ما قال . إن السبب هو أنني لا أريد أن أرحل , وأعلم أن هذا هو الصواب " " ستاسي . هل أنت متأكدة من أنك تحبينه ؟ لو كانت لي أية فرصة ..." وذهب عنه حذره وأمسك بكتفي ستاسي قائلا: " تزوجيني يا عزيزتي . أستطيع أن أسعدك وأنت تعلمين ذلك ". هزت رأسها وقالت بتردد : " لا يا كارتر " جاء صوت كارتر يائسا وملحا : "إنه يكبرك كثيرا . كيف تعلمين أنك لا تضعينه مكان الأب الذي فقدته ؟ ولو لم أدعك تأتين إلي هنا لكنا زوجين الآن . ألا ترين يا ستاسي أنك تحتاجين مرساة فلأكن أنا المرساة . قولي أنك ستتزوجينني يا ستاسي ... قوليها الآن قبل أن تندمي بقية عمرك ". صاحت ستاسي في محاولة لمقاومة إقناعه : " لا . لا " كررت الرفض بكل تأكيد وتركت ذراعيه ثم استدارت للجموع الراقصة السعيدة أمامهما , وأسرع كارتر قائلا : " فكري يا ستاسي . كيف تتأكدين ؟" سمعا صوت رجل يقول: " هاأنت يا ستاسي . لا تعلمين أنه لا يليق بالمضيفة أن تهرب وسط الحفل ؟" عرفت قوام بيل بوكانان السمين وسط دموعها . وقالت في تأثر : " دكتور!" سأل بيل وعيناه تبرقان في مرح : " ألا تمانع في أن أسرقها منك هذه الرقصة يا كارتر ؟ أنني أكبر من أن أقف في طابور الانتظار وهذا ما سوف يتحتم على فعله عندما يراها الرجال الآخرون ". وأخذها الطبيب إلي حيث امتلأ الجو بالموسيقي المرحة , ورقصت معه ستاسي ولكنها نظرت لبرهة إلي حيث يقف كارتر . وشد انتباهها وجود رجل طويل يقف علي بعد خطوات منه تفصلهما بعض الأشجار , فنسيت زميلها في الرقص وقد تملكها الرعب من أن يكون كورد قد سمع حديثها مع كارتر , مما يفسر الغضب المستطير في عيني كورد . وفجأة اتجه إليها كورد وسط الراقصين , فاستدار ت ستاسي إلي زميلها آملة أن تختفي وسط الراقصين . كان الوقت متأخرا فقد أمسكت يدا كورد بكتفيها بينما اعتذر للدكتور بوكانان . وأرغم ستاسي على السير معه بين الراقصين , وعندما ابتعدا حاولت ستاسي بدون جدوى أن تفلت من قبضته . صاحت يائسة : " دعني!" قال بحدة : " اسكتي . لقد تكلمت بما فيه الكفاية ". ظهرت العصبية في عينيها . " ليس من شأنك ما يحدث بيني وبين كارتر ". " سأقرر أنا ما الذي من شأني ". واختلجت عضلة فكه وهو يوجهها نحو البيت . ارتعد صوتها وهي تقول : " ما الذي تريده مني ؟" قال كورد بحزم : " أريد إجابات صريحة أولا ". سارا نحو الشرفة وغضب كورد عندما رأي بعض الضيوف حول مستنقع الماء . وبدون تردد وجهها نحو الربوة التي تعلو المنزل . نظرت إليه متشككة عندما فهمت أنه يتجه بها نحو المدافن . فسألته وهي تلهث من سرعة سيرهما : " لماذا نحن ذاهبان هناك ؟" " ربما كان المكان الوحيد الذي لا يوجد به أناس في هذه المزرعة اللعينة ". ووصلا للقمة وجرها خلفه حتى ابتعدا عن عيون الناس , ووقفا عند السور الحديدي . فترك ذراعها وأمسك بكتفيها وسأل: " لماذا كذبت على وجعلتني أعتقد أنك ستتزوجين كارتر؟" حاولت أن تتحرر من قبضته وردت في أنين : " ماذا يهم في ذلك ؟" هل تريدين العودة ؟ هل تريدين الرحيل من هنا ؟" لم تجبه فهزها قائلا : "أجيبيني !" بكت قائلة : " لا ! أرجوك يا كورد لا تفعل !" " لماذا لا تريدين الرحيل ؟" تلعثمت قائلة : " لأنني , أوه ... كورد أرجوك دعني ". فجأة أصبح صوته حانيا ومستعطفا : " ستاسي لا أستطيع ... لن أدعك هذه المرة حتى تقولي الحقيقة . يجب أن تقولي الحقيقة هذه المرة ". تساقطت الدموع علي خديها وهي تنظر إليه غير مصدقة . وحاولت في يأس أن تصدق أن لهجة المحبة ليست استهزاء ضمها إليه وهمس: " لا تنظري إلي هكذا حتى تجيبيني . لماذا لا تريدين أن تتركيني ؟" بدأت تتكلم وقد غمرت خديها حمرة دافئة : "لأنني . لأنني أحبك . كورد أنا..." وأسكتها ... فلم تقاوم وهمس لها بكلمات الحب فقالت : " أوه ... كورد ... كورد ... لا أصدق . هل تحبني حقا؟" اختنق صوته العميق انفعالا مثلها : "كنت أحبك منذ الأزل". اتهمته قائلة : " لقد عاملتني بقسوة ". كان صوته مبحوحا وهو يقول : "لقد أحببتك منذ وجدتك فاقدة للوعي في السهول . فقد عرفت عندئذ أن حياتي لن تساوي شيئا إذا حدث لك مكروه . وعندما أفقت وقلت إنك سترحلين بعد بضعة أسابيع عرفت أن علي أن أجد الطريقة لإبقائك ولجعلك تحبين هذه الأرض كما أحبها أنا ". تمتمت ستاسي : " إني أحبها يا كورد ". " أعلم هذا , لم أقل لك كم كنت فخورا بك عندما شاركت الرجال في العمل ". داعبته قائلة : " هل كنت تغار من جيم ؟" اعترف لها : "كنت أغار من كل من يقترب منك , حتى رسائل كارتر ضايقتني ". رفعت وجهها له في جدية وقالت : "كنت تستعرض ليديا وقالت لي إنكما ستتزوجان . وفي تلك الليلة التي كنت فيها معك علي الشرفة ظننت أنك تتظاهر بأنني هي ". لمس خدها وقال: " كم تمنيتك تلك الليلة يا حبيبتي . وعندما نفرت مني " " لم أنفر منك أبدا يا كورد ..." ابتسم قائلا : " كم نعقد أمورنا". " إذا لم تنصت لحديثي مع كارتر وتجبرني على الاعتراف بحبك هل كنت ستدعني أرحل غدا ؟" قال بلوعة : " لم أكن لأظهر لك أية رحمة يا آنسة آدامز ". ابتسمت ستاسي وهي ترفع وجهها له : "ولم أكن لأطلب منك الرحمة ". تمتم كورد : " ولم أكن لأعطيها يا ستاسي . والآن وقد أصبحت لي أخيرا فلن أدعك تذهبين . ولن يكون هناك زفاف أنيق إذ سنتزوج بأقصى سرعة , هل تفهمين ؟" أجابت بحماسة : " نعم يا كورد ... نعم ". تــــــــــــمـــــــــــــت

تحميـــــل الملــــف مـــن هنــــــا