احتضنني اللهب

الفصل الاول
مع كوين .. لا أحد يعرف شيئاً
رأته بيج جاروز , لأول مرة في الحفلة التنكرية الراقصة عشية عيد جمع القديسين كان يستند إلى جدار قاعة الرقص يراقب الشياطين وقططهم السوداء الرشيقة وهي تتقافز حول بعضها في حلقات دوامية في دائرة الرقص المجنونة ، كان ذا مظهر خطير وقوة عضلية رشيقة لافتة , وفجأة مر بخيالها المنهك ما فجر طاقته النائمة عندما رأت فيه صورة أسد يكمن في العشب الطويل ينتظر فريسته المنكوبة .. لكن جاءها ما أيقظها من خيالتها التي سافرت بعيداً .. كان صوت والدتها يقول : "(بيج) , بحق الله , أما زلت في مكانك بعد ؟ لا يمكننا أن نقضي سهرتنا في وقفتنا هذه كأننا نسد مدخل القاعة !!" أجفلت الفتاة ونظرت إلى والدتها و ابتسمت بخفة وهي تقول :" آسفة ولكني أحاول العثور على (آلن) , لا يبدو أني أستطيع حتى أن ... اندفعت والدتها تقول وهي تنظر إلى حلبة الرقص تلك :"من الطبيعي أن لا تستطيعي فهناك ما لا يقل عن دستة من الشبان في زي روميو الليلة و كأنه أخبرهم قبل موته أنهم موفقون لو أنهم ارتدوا ثيابه في كل مرة يذهبون فيها إلى حفلة تنكرية !" وتنهدت الأم المنهكة وهي تزيح خصلة من شعر ابنتها الأشقر عن وجهها , وأضافت : "وطبعاً هناك لا يقل عن دستة ونصف ممن يقمن بدور جولييت الليلة ... ولكن ليس لإحداهن مثل جمال ابنتي" تبسمت (بيج) وقالت:" وطبعا لا يوجد روميو واحد في وسامة خطيبي .. لذا , سيسهل العثور عليه " ولكن لم يحدث ذلك , قطبت جبينها خلف قناعها الفضي الرقيق وعيناها البنفسجيتان تجوب الحجرة المزدحمة في محاولة أخرى للعثور على خطيبها الروميو . ومن حيث تقف رأتهم جميعا متشابهين جدا . ولكن (آلن) كان شيئا خاصاً فهو الرجل الذي خطبت له وستتزوجه ولا بد أن يكون باستطاعتها تمييزه بين كل هذا الجمع . مرة أخرى وقع بصرها على ذلك الرجل الذي رأته قبل لحظات . وكان ينظر من خلال الأبواب الزجاجية المحيطة بالقاعة إلى حدائق الملهى , وعرفته (بيج) رغم أنه كان يعطيها ظهره , لقد عرفت الهيئة الأنيقة لكتفيه تحت بذلة السهرة ومظهر رأسه الشديد الإباء . استدار فجأة ومن خلف قناعه الأسود المحكم التقت العيون المتألقة ببعضها .. القاعة .. الموسيقى.. الراقصون.. الراقصات.. كل شيء تلاشى في دوامات سريعة "(بيج) "قبض والدها على ذراعها وقال "(بيج) اليس هذا (آلن)؟! " مرت لحظة كأنها الدهر قبل أن تستطيع صرف بصرها عن ذاك الرجل وتستدير إلى والدها . سألته : "أين؟! " أومأ والدها باتجاه روميو قريب . قالت وقد اندفعت الدماء إلى وجنتيها : " لا أدري ولكني لست متأكدة . " وفكرت كم هو شيء سخيف ! لقد ظلت تلتقي مع (آلن) ما يقرب من عام. لا بد أن تستطيع التعرف عليه حتى في الملابس التاريخية . نادت في تردد " (آلن) ؟! هل هذا أنت ؟؟ " أحست بارتياح عظيم عندما استدار ذاك الروميو و ابتسم وبادلته الابتسامة وهي تقول في سرها : أخيرا . قال (آلن) وهو يمسك بيدها :" ها أنتِ يا عزيزتي . تبدين رائعة الجمال (بيج) " "أنت ذاتك تبدو شديد الروعة (آلن)" وابتسمت مرة أخرى و أضافت:"هل هي تخيلاتي أم أن كل عيون القاعة ترتكز علينا ؟ " ابتسم (آلن) ابتسامة عريضة وهو يدس يده تحت ذراعه وقال :"ربما " ثم أضاف : "العمة (دوروثي) تسأل عنك منذ دقائق قليلة هل تريدين رؤيتها ؟ " "ليس بعد .. " . قالتها (بيج) بسرعة دفعت الجميع للضحك , نفضت الوالدة ذرة خيالية من النسالة من على ثوب ابنتها وقالت : " تشعر (بيج) بالقلق تجاه مقابلة كل أقربائك دفعة واحدة " غمغمت (بيج):" بل كل ما في الأمر أنني لا أرى أن الظرف مناسبا لذلك فهذه حفلة تنكرية راقصة تعج بكل هذا الزحام وهذه الحركة " تنهدت (جانيت) وقالت:" لا يوجد مجال آخر للاختيار وقد بقيت ثلاثة أيام فقط على الزفاف " غمز (آلن) وقال لخطيبته :"زفافنا" ونظر إلى (بيج) عندما ارتعد جسدها قليلا وقال :"هل تشعرين بالبرد يا محبوبتي؟ " و زلق ذراعه حول كتفيها وسألها مرة أخرى:" هل هذا أفضل؟" أومأت خطيبته وقالت بلهجة باسمة:" كانت مجرد قشعريرة." وعندما استدار (آلن) بوالدها وتبادلا حديثاً في بعض أمور العمل حادثت (بيج) نفسها ثلاثة أيام .. ثلاثة أيام وتصبح السيدة (آلن فولر) .. كان ذلك يبدو مستحيلاً, منذ شهر مضى كانت راضية تلتقي بـ (آلن) مثلما كانت تفعل على مدى الشهور التي سبقت خطبتهما بشكل رسمي لبعضهما , كانت تصد عروضه تلك للزواج التي كثرت حتى أصبح من المتعسر عليها أن تنتبه لها , ولكن في إحدىالأمسيات وضع إصبعه على شفتيها قبل أن تتمكن من الرفض توسل قائلاً : "لا تقولي لا هذه المرة يا (بيج) ما رأيك في شيء مختلف؟ فقط قولي انك ستفكرين في الأمر حتى الغد" قالت : "ألا تذكر أنني لن أكون هنا غدا؟ لن أعود قبل يوم الجمعة القادم " ابتسم (آلن) ابتسامته العريضة وقال:" هذا أفضل .. لدي أسبوع كامل من الأمل بينما سيكون لديك أسبوع كامل تفكرين كي لا تقولي "لا" " وقتها ابتسمت (بيج) و وافقت . برغم كل شيء كانت تكن له الكثير .. كان وسيماً ساحراً وكانت تعرف أن أي فتاة مستعدة لتقديم أي شيء مقابل أخذ مكانها . كانت لقاءتهما تنتهي دائما على أفضل ما يكون , مع تحية مساء رقيقة عند افتراقهما, ولكن من جهة لم يزد رفضها المتكرر له صداقتهما إلا خصوصية وألفة و من جهة أخرى كأنه كان يزيده إصراراً على مطاردتها بعرض الزواج ذاك .. حسناً , ما الضرر في أن تنقضي خمسة أيام قبل أن تقول له "لا" مرة أخرى ؟! ولكن (بيج) عندما عادت في يوم الجمعة التالي من رحلة عملها , عانقتها والدتها وهي قول لها بصوت يخالطه البكاء :" أنا سعيدة لأجلك يا عزيزتي ولكن كان ينبغي أن تخبرينا بنفسك " . وبينما كانت (بيج) لا تزال تحاول أن تفهم ما يحدث برز (آلن) بوسامته المرتبكة متأبطاً ذراع والدها, معترفاً لها في وقت لاحق بأنه قد جرفته الحماسة فذكر ما قالته له قبل سفرها ولكن فقط لوالديها و والديه .. و لـ .. سألته (بيج) في غضب مشتعل أوقد وجنتيها التفاحتين :" ماذا تقصد بأنك ذكرت ما قلته ؟ أنا لم أزد عن موافقتي لك في اقتراحك الصاروخي الرائع !! لقد طلبت مني التريث لأفكر في الأمر لا أن ... لحظتها وافقها (آلن) واعترف بأنه كان يعرف ذلك .. ولكن , فيما كانت ستفكر؟ إنها تستلطفه منذ بداية تعارفهما.. وقد عاشا معا أيام المرح والسعادة.. بالإضافة أنه مولع بها , وهذا ما سيوفر لهما حياة سعيدة معاً .. تمتم :" لا تغضبي مني يا عزيزتي " كانت سيماه تنطق بالاعتذار البالغ لدرجة أن غضبها تحول إلى شفقة خجولة و انفعال مربك . قالت في غيظ و هدوء : "أنا لست غاضبة فقط أنا ... مست أصابعها وجنته برقة و تابعت : "لا بد أن تعلم أنني لا أحبك يا (آلن)..حسناً , أقصد أنني أحبك ولكني لست متيمة بك هل تفهمني. أنت تستحق من زوجتك أكثر مما يمكنني أن أقدمه لك " . فهم (آلن) مقصدها حال أن قالت ذلك .. لقد حدثت بينهما في الماضي العديد من الأمور -إن لم تتطور - ولكنه أفهمها في كل مرة , أن كل شيء على ما يرام بينهما . "أنا أريدك " قالها ببساطة وهو ينظر في عينيها باسماً و أضاف محاولاً استمالتها: "مثل أي شيء أخر سيأتي هذا الأمر في وقته وسترين ذالك " تخضبت وجنتاها ارتباكاً ولكن لم تضطرب مطلقاً وقالت :" و ما الحل إن لم أفعل؟ ما الذي سيحصل إن لم أتمكن من أن أحبك بالمقدار الذي تستحقه ؟ ماذا لو ... أخبرتها نظرته أنه لا يستطيع أن يتخيل ذلك حتى . قال :" سأظل أحبك بالطبع " .. ثم ابتسم ابتسامة صبيانية عريضة وقال : "لا خطر في ذلك لن أخذلك يا (بيج) وسترين " "(آلن) .. قالتها وهي تريد أن تخبره أن ما يشغلها ليس خذلانه لها .. إنما خذلانها له فيما لو لم تستطع مجاراته و التمكن حبه ذلك الحب الذي يدفعها إلى الشغف به . ولكنه أخذها بين ذراعيه متجهاً بها نحو باب الغرفة الذي انفتح أخيرا لتطل منه والدتها . قالت جانيت في اندفاع: "(بيج) نحن سعداء جدا , اقصد أنا و أبوكِ , أرجو أن لا تجدا بأساً في أن أخبر عماتك بهذا الحدث السعيد عزيزتي .." وهكذا انتهى الأمر .. أو بدأ ... وبينما كان (آلن) يقودها إلى دائرة الرقص تذكرت (بيج) كيف حدث كل شيء بعدها بسرعة كبيرة جداً لقد أراد والد (آلن) أن يذهب ابنه لإدارة أعمالهم في أمريكا الجنوبية ومعنى ذلك أن الزفاف الذي حدد له يونيو القادم سيتم تقديمه إلى نوفمبر أما الخطوبة الطويلة التي توقعتها (بيج) فقد أصبحت فترة قياسية جداً .. ثلاثة أيام .. هكذا فكرت مرة أخرى وهو يزلق ذراعه حولها .. ثلاثة أيام .. "هيه أفيقي يا (بيج)" نظرت (بيج) إلى (آلن) وهزت رأسها وقالت :" متأسفة لقد كنت أفكر فقط .. لا أستطيع تصديق أن يوم زفافنا قريب هكذا " تراجع (آلن) وقال لها باسماً : "لقد فات أوان التراجع , ماذا ستظن العمة دوروثي؟" ردت (بيج) مبتسمة:" لا تكن سخيفاً يا(آلن) , لأنها هي من سيقول عني سخيفة لو تخليت عنك في هذا الوقت بالذات" ضحكا معاً وهو يديرها عبر ساحة الرقص ثم قال لها مداعباً:"و أني قد ضيعتُ عليها فرصة حضور حفل العام ... تصوري حبيبتي لقد أمضت هي وأمي نصف صباح اليوم وهما تخططان للزفاف ! " "فقط نصف هذا الصباح؟ كنت أظن أن زفافنا يستحق أكثر من هذا " "فعلاً لقد أمضت العمة باقي الوقت تقدم لي خلاصة خبرتها و أمضت البقية الباقية من النهار في إحصاء أعداد ضيفاتها المسنات ! " ضحكت (بيج) وقالت :" هل هي خبيرة؟" "بطريقة ما" .. وجذبها إليه ثم أضاف: " لقد تزوجت عمتي 3 مرات .. وأيضا ربما ينبغي أن أنصت لنصائح أكثر من أخي الأكبر" ضحكت مرة أخرى وهي تشعر أن قلقها قد بدأ يتلاشى :" لا تقل أنه قد تزوج ثلاث مرات هو الأخر ؟!" ندت عن (آلن) ضحكة خافتة متعجبا :" من ؟ كوين؟! مستحيل , لن تستطيع امرأة أن تمسك به على الإطلاق " "مدهش" . . قالتها (بيج) بإغاظة و أضافت : "و ما هي النصيحة التي يمكنك الحصول عليها من شخص كهذا ؟" "خطبة تبدأ بقوله (لقد جننت لتفعل هذا يا رجل ) أنت تعرفين القول المعتاد الذي يقوله الأخوة الكبار دائما ( أنا أكبر و أعقل و و و ..." سألته (بيج) وهي تجول بعينها في ساحة الرقص : "ومتى سأقابل هذا النموذج ؟" وأمالت رأسها جانبا وابتسمت لخطيبها . "بمجرد أن يصل .. المفروض أن يصل غدا ولكن مع كوين لا أحد يعرف شيئا , إن ..." قاطعه صوت والدها الذي أصبح فجأة قريباً منهما :" (آلن) أنت لا تجد بأساً في أن أرقص مع ابنتي الوحيدة أليس كذلك ؟" رفعت (بيج) بصرها بينما تركها (آلن) بين ذراعي أبيها الذي قال قبل أن يسمع اعتراضه :"اذهب ومتع نفسك بمشروب منعش ولا تنسى أن تجلب لنا كأسين ." غمز (آلن) بعينيه وهو يقول:" بالطبع يا سيدي .. (بيج) سأعود خلال دقائق يا محبوبتي ." تنحنح (اندرو) بينما استقرت ابنته بين ذراعيه وقال دون مقدمات :"إن والدتك قلقة بشأنك لقد أرسلتني لأعرف إن كان كل شيء على ما يرام .." نظرت (بيج) إلى والدها بدهشة و سألته : " ماذا تقصد يا أبي؟" "أنتما تتصرفان كما لو كان بينكما مليون ميل وقلت لنفسي ربما هي عصبية اللحظات الأخيرة ؟". أومأت (بيج) شاردة وقالت : "أظن ذالك ." حدق والدها في وجهها وقال:"إن (آلن) ملائم لك يا (بيج) إنه شاب رائع لقد عرفته خلال سنوات عملي مع والده و .. إنها نفس الخطبة التي يلقيها والدها على مسامعها منذ أن زل لسانها أول مرة وقالت فيها أن (آلن) قد تقدم لخطبتها . قالت في صوت رقيق: " أبي لقد أخذت بنصيحتك أخيراً .. وهاأنا ذا سأتزوجه ." نظر والدها إليها وقال:" كل ما في الأمر إنني أردت الأفضل لنا جميعا" ضحكت (بيج) وقالت :" لنا جميعا؟ إنني أنا التي ستتزوج وليس أنتما" "إنه أسلوب مجازي في الكلام يا طفلتي أنت تعرفين ما أقصد إن سعادتك تعني سعادتي وسعادة والدتك" ثم أضاف ألستِ سعيدة؟" أومأت بسرعة .. بالطبع كانت سعيدة .. إن (آلن) -كما يصر والدها- شاب رائع وقد أحبته بطريقة ما أخيراً .. و إذا كان هذا ما يكفيه فهو إذن يكفيها .. هكذا حادثت نفسها بينما ترقص "الفالس" مع والدها . كانت مولعة باللحن الذي يسميه الجميع لحن الألم العظيم , وقد أدركت طبيعته نظراً للقصة التي يرويها .. كم من المرات التي حاولت فيها أن تنقل احساساتها لـ (آلن) يوم خطبتهما لكنه لم يعطها فرصة , وكان على حق أيضا , ربما استطاع أن يتعلم قلبها كيف يحلق في الفضاء و أن يرقص شعورها مع ملائكة السماء ولكن إحساسها لم يتعلم بعد أن يغني معزوفة الحب العطش .. حسنا سيكفيها هذا الآن ..أما لاحقا فإنها ستحاول أن تتعلم كيف تدير الأمور معه وستحاول أن ..... يا إلهي .. تراقصت قشعريرة على كتفيها .. شخص ما كان يراقبها .. وهي عرفت ذلك دون سؤال تماما مثلما عرفت من هو .. إنه ذلك الرجل الغريب الذي رأته منذ فترة .. لا بد أن يكون هو .. كانت تستطيع أن تشعر بوجوده وتحس بقوته حتى قبل أن يظهر أمامها .. تقدمت (بيج) مقتربة من حضن أبيها الذي ابتسم لها .. ردت ابتسامته , ولكنها مسحت القاعة بعينها . احتبست أنفاسها في حلقها .. نعم .. نعم , كان هناك واقفاً على محيط دائرة الرقص المفتوحة , كانت سترته مفتوحة كاشفة عن قميص أبيض كشكاش وقد التصق بصدره كما لو كان جلداً آخراً .. كان يضع يديه في جيبي سرواله وقد وقف متزناً منفرج الساقين قليلاً.. بينما مال رأسه جانبا و ....كان يراقبها خلف قناع أسود .. و كانت عيناه مثبتتان عليها .. متقدتان .. تُفصل حنايا ثوبها الحريري الطويل ذي الأكمام المتلألئة , تعثرت قدم (بيج) فشدد والدها ذراعيه حولها . سألها فجأة : "(بيج). ماذا بك ؟" قالت بسرعة : "لا شيء .. لا شيء " وانتزعت عيناها بعيدا بالقوة عن الرجل إلى والدها وأضافت : "مجرد أنني .... لا بد أنني متعبة " أومأ والدها وقال : "لقد مررت بأسبوع حافل " ونظر لعينيها وقد تغضنت جبهته و أضاف :"هل تودين الجلوس " حادثت نفسها : "سيأتي إليك لو انك فعلت ذلك , أنت تعرفين أنه سيفعلها ... سرت رجفة خلالها وردت متصنعة الهدوء :"لا .. أنا في الحقيقة أود أن ارقص معك أبي و ... ابتلعت ريقها و أجرت لسانها تبلل شفتيها الجافتين وقالت بهمس لاهث : "هذا الرجل .. تُرى هل تعرف من يكون؟" سألها مندهشاً : "أي رجل؟" قالت بإلحاح : "هذا الذي يقف هناك ." , وأخذت بضع خطوات ليستدير والدها وينظر في الاتجاه الذي كانت تواجهه و أضافت : "الرجل الطويل الواقف بجوار الدائرة " كرر والدها :" أي رجل أي بذله يرتديها ؟ قالت (بيج) "إنه يرتدي بذلة تنكرية ونظرت من فوق كتفيها و تابعت : إنه ..." لم يكون هناك . وطافت عيناها تبحث عنه من جديد ولكنه اختفى كانت دقات قلبها متلاحقة كأنها تجري لا ترقص .. و فجأة بدا من الصعب أن تلتقط أنفاسها .. قبض اندرو على كتفي ابنته بقوة : "ماذا حدث هل تشعرين بدوار ؟" حادث نفسها مرة أخرى: لست أدري ما أشعر به .. إثارة .. بهجة .. روعة ... جذبت (بيج) نفسا عميقاً وقالت : "أظن أنه من الأفضل لو أذهب لإصلاح زينة جولييت يا أبي ". و ابتسمت له ثم انطلقت بسرعة قبل أن يحاصرها بمزيد من الأسئلة , ولكن التعبير الحذر على وجه أبيها أنبأها أن الابتسامة مصطنعة مثلما أحست هي بها . سمعته قبل أن تخرج من الدائرة يقول لها : "دعيني أستدعي والدتك لتذهب معك " "لا" قالتها بصوت حاد قاطع ثم عادت إليه قائله : "لا داعي لإزعاجها سأعود خلال دقائق معدودة . على أية حال أنا أريد أن أبدو في أفضل صورة أمام أقارب (آلن)" "(بيج)" انطلق صوت والدها في أثرها وهي تعبر ساحة الرقص .. و بينما هي تأخذ طريقها خلال القاعة حادثت نفسها .. هذا هو جزاء النوم القليل .. والإفراط في العمل .. كانت تشعر بالدوار . ومن ذا الذي لا يصيبه دوار وهو يمر بيوم كهذا ؟ لقد استيقظت في الفجر الباكر لتتمكن والدتها من عمل بعض اللمسات الأخيرة لفستانها وقناعها الذي صممته ليكون على شكل نصف قمر فضي .. ثم كان الغداء مع زميلاتها في العمل .. ثم تناولت الشاي مع وصيفاتها , ورتبت آخر الترتيبات المتعلقة بزفافها . " عفوا .." قالتها (بيج) وهي تمر بين اثنين يرتديان زي قناعي ماري أنطوانيت وشيطان ضاحك .. واتصلت أفكارها مرة أخرى , سيتفهم (آلن) ذلك إن هي فعلت وطلبت منه توصيلها الى المنزل . ستقابل أقاربه أولاً , ثم العمة دوروثي , ثم إلى المنزل لتحظى بحمام دافئ .. كانت قاعة الرقص قد اكتظت تماماً .. وارتفعت أصوات الموسيقى , وصار الهواء ثقيلاً ساخنا .. ستمشط شعرها وتصلح من زينتها , ثم تعود لتلتقي الأقارب .. و بعد ثلاثة أيام يمكنها أن تستريح . ثلاثة أيام وينتهي كل شيء .. ثلاثة أيام .. أوه .. يااااااااا إلهي .. ثلاثة أيام .. كان هناك طابورا طويلا في حجرة "التواليت" قالت في سرها "أريد فقط أن اصل إلى الحوض .. التقطت نفسا عميقا واستكانت تنتظر دورها بهدوء خلف فتاة ترتدي ثيابا إسلامية , و سيدة ترتدي ثياب قرصان . وصلها صوت إحداهن تقول بحماسة بالغة : "... إن مجرد طلب الزواج يشعرني بمدى أهميتي عنده .. ومدت يدها اليسرى : " أليس جميلاً ؟ " نظرت السيدة الأخرى , ونظر معها الجميع إلى الخاتم الذي يزين إصبع الفتاة و ابتسمن كان الخاتم يحوي ماسة براقة أصغر بقليل من الماسة التي زين بها (آلن) اصبع يدها يوم خطبتهما , لكن (بيج) الآن تسمع دقات قلب الفتاة وهي تتسارع كل ما نظرت إلى خاتمها الماسي البراق .. و تحس بأنفساها التي تتلاحق كلما نظر إليها خطيبها الذي تحبه , لكن هل حدث أن أحست بصعوبة التقاط أنفاسها إذا ما التقت عينا (آلن) بعينيها فتنكشف أسراراً لا تعرفها ؟ لم تشعر (بيج) بهذا الإحساس الذي يربكها لدى نظرة (آلن) لها .. لم تشعر بمثل ذلك في حياتها على الإطلاق .. ولا حتى خلال تلك العلاقة الغرامية الوحيدة والقديمة جداً .. حتى لحظات خلت لم تكن تشعر بشيء .. إلى أن نظر إليها رجل لا تعرف اسمه من خلف قناع أسود ! صمتت الفتاة التي ترتدي ثيابا إسلامية عندما سمعت شهقة مكبوتة تخرج من حلق (بيج) .. قالت "عفوا" وحاولت أن تبتسم .. و لكنها لم تستطع , فقط وجدت شفتيها تنفرجان عن أسنانها في نموذج رديء للابتسامة , بينما استدارت وأخذت طريقها وسط الحواجب المرتفعة والأوجه الفضولية التي استدارت فجأة . أخيرا عادت (بيج) إلى القاعة مرة أخرى .. واستندت إلى باب التواليت وهي تنظر حولها , وخطر (آلن) ببالها وتمنت لو يبدو أمامها غير أن (آلن فولر) لو كان احد هؤلاء القريبين منها و اللذين يرتدون ثياب روميو لما عرفته ولا ما تمكنت من تمييزه أبداً ! بدا صوت الموسيقى أعلى من ذي قبل وبدا الزحام يشتد. كان هناك رجلاً بديناً يدخن سيجاراً ذا رائحة خنقت جوها مما أشعرها بالغثيان .. فكرت بالاندفاع خارجة من القاعة إلى الشارع , حيث يمكنها أن تستوقف إحدى سيارات الأجرة و تعود للمنزل . ولكن لم يكن هناك شارعا خارج ملهى "هانت" بل كانت هناك ساحة انتظار للسيارات فوق جرف "كونكت كت" الذي يشرف على المحيط الأطلنطي .. ولن تستطيع مجرد السير قليلا في الظلام .. إن هذا الأمر لا بد وانه سيزعج والديها و(آلن) , ثم يأتون للبحث عنها .. ماذا ستقول لهم عندما يعثرون عليها؟ هل يمكنها ان تقول: لقد رأيت فتاة في حجرة التواليت كانت سعيدة بخطبتها لدرجة جعلتني أود البكاء؟ هل يمكنها أن تقول مثلاً: لقد رأيت رجلاً لم أره من قبل على الإطلاق .. رجلاً لم أعرف اسمه و أنه قد جعلني أشعر بشيء لم يُشعرني به (آلن) و أنه قد أرعبني لدرجة أن اندفعت أجري مبتعدة ؟ شيئاً فشيئاً .. بدت القاعة كأنها تهتز من حولها وهمست بصوت مسموع : إلــهي العزيز .. و فجأة انزلقت ذراع حول خصرها .. شمت رائحة عطر قوية تخالطها رائحة ثياب جلدية و أحست باحتكاك النسيج الجلدي بوجنتها ..ثم برجل قوي بجوارها . سمعت صوتا عميقا يقول : "ستكونين على ما يرام فقط استندي علي ." قالت وهي تحاول أن ترفع عينيها إليه :" أنا بخير .... فعلاً بخير " ولكنها تركت نفسها تستند على صدره . قال بعد فترة :" سيغمى عليك لو لم تستنشقي بعض الهواء النقي ... خذي نفسا عميقا سيفيدك ذلك " فعلت (بيج) ما أمرها به .. في الحقيقة لم يحدث أن أصابها الإغماء من قبل .. ولكنها رأت أنه قد يكون على حق . تحولت القاعة في ثواني معدودة إلى دوامة سريعة الدوران .. وتداخلت الألوان الزاهية مع الألوان القاتمة , وصارت الموسيقى صاروخ مدوٍ .. أراحت جسدها على جسده و كأنما تختبئ فيه وهو يقودها خارج الزحام .. تراءت أمامها الأبواب المؤدية إلى الحديقة وعرفت أنه سيأخذها إلى هناك .. قالت في صوت ضعيف :" دعنا نذهب إلى الخارج ... لا أكاد أحتمل هذه الضجيج " دفع هو الباب .. هب تيار من الهواء صافح وجهها و زاح من عقلها خيوط العنكبوت التي بدأت تلفه .. حان الوقت لتوقفه وتشكره على مساعدته لها .. ويا حبذا لو تطلب منه ممتنة أن يستدل لها عن مكان خطيبها .. ولكنها لم تفعل .. لأنها رفعت عيناها إلى وجهه وما كان يجب أن تفعل .. لأنها صُدمت تماما في المحيا الذي صفع نظرها .. لأنه كان يجب أن تعرف من البداية أن هذا الرجل الذي يقف بجانبها .. بل الممسك بها .. المحتويها .. ليس سوى ذالك الغريب الذي شاغلتها عيونه طوال السهرة .. بل أن دقات قلبها أكدت لها ما لم يعد بوسعها أن تُنكره .. أنها باتت الآن أمام الرجل الوحيد الذي بدأت تخافه قبل أن تعرفه ويعرفها .. وبقدر ما أن رغبت أن تأتي هذه اللحظة و بقدر ما أملت في ذلك .. عرفت بنفس القدر أن حياتها لن تعود مطلقاً كما كانت قبل أن يضع يده عليها ....
الفصل الثاني
عديني أن تعودي
ارتعدت (بيج) عندما تأرجحت الأبواب الزجاجية منغلقة خلقها . آخر مرة جاءت فيها إلى هنا كانت بصحبة (آلن) كان الهواء معبقاً بأريج الزهور وكانت رائحة البحر واضحة في الهواء و صوت أمواجه العالية البعيدة مسموعة وهي تضرب رمال الشاطئ القريب بلا شفقة .. وتسللت نفحات الموسيقى خافتة من القاعة المنغلقة لتختلط بأصوات الأمواج .. كان القمر بدراً ينير الشرفة التي يقفون عليها .. ولكن عندما رفعت (بيج) عينيها لوجه الرجل الغريب , اندفعت سحابة كبيرة عبر السماء وأغرقت كل شيء في الظلام . ألحت عليها كل غرائزها أن تسحب نفسها من الذراع المحيط بخصرها و أن تركض عائدة إلى الدفء والضوء داخل الملهى . ولكن بدت قدماها كأن جذورهما قد غاصت في الأرض . أحست أن موقفها يُعد حماقة كبرى , واستدارت لتقول بأنها ستذهب . و لكن سبقها الرجل بالكلام . ''خذي نفسا عميقا '' هزت (بيج) رأسها , وقالت : '' أنا بخير الآن .. أنا .. '' أحست بضغط يده وهو يقول لها بلهجة حاسمة : '' خذي نفساً .. هيا استنشقي .. '' كان أمرا , وليس طلبا أو نصيحة على الأقل , أومأت وفعلت ما قال , وجذبت الهواء البارد إلى رئتيها ''أفضل؟ '' أومأت مرة أخرى , وقالت : '' نعم .. أفضل كثيراً .. في الحقيقة شكراً لك على ... '' قال باهتمام : '' لا تتحدثي .. فقط خذي نفساً آخراً '' أخذت شهيقاً آخراً و أحست أنه لا يوجد ما يدعوها على القلق . كانت على يقين أنها تحولت إلى ورقة شاحبة في تلك القاعة المكتظة . ولقد لاحظ ذلك , وهب لنجدتها. كان مجرد منقذ طيب وماعدا ذلك فهو من نتاج خيال جامح متعب . قالت في ارتباك : '' أنا بخير الآن و أنا شديدة الأسف لكل ما سببته لك من إزعاج '' '' لم يكون هناك إزعاج على الإطلاق '' ودفعها ضغط يده لأن تستدير إليه , و أضاف : '' في الحقيقة يمكنك أن تقولي أنكِ أسديتِ لي معروفاً '' سالت في اندهاش مكتوم : '' أنا ؟ '' هل كانت هناك ابتسامة في صوته ؟ فقط لو تستطيع رؤية وجهه . ضحك برقة , و قال : '' لقد كنتُ دائماً أتمنى أن أنقذ فتاة واقعة في خطب ما يا جولييت '' . ولمست يده وجنتها , وأضاف : '' هذا هو اسمك الليلة , أليس كذلك؟ '' قالت (بيج) بسرعة : '' أنا ؟ .. آه نعم, هذا صحيح .. و في الواقع يجب أن أدخل الآن , إن خطيبي .. '' أطبقت أصابعه على يدها و قال '' أظن أنني رأيتُ شيئاً يتلألأ في إصبعك .. أخبريني يا جولييت .. أين هو ؟ أقصد خطيبك '' '' إنه ... ينتظر في قاعة الرقص .. إنه .. .. .. ماذا تفعل ؟!! '' سألت رغم أن الإجابة كانت واضحة .. لقد تلوى خارجاً من سترة بدلته وبسطها على كتفيها . قال دون اهتمام : '' أنتِ تشعرين بالبرد '' , ورفع شعرها الأشقر المسدول عن كتفيها و أسدله فوق السترة , و أضاف : '' يدك كالثلج '' قالت بسرعة : '' لا أنا بخير .. '' جذب طيتي صدر السترة معاً وهو يقول : '' لا تجادليني رجاءً '' . أحست (بيج) فجأة أنه لا يمكن لأحد أن يجادل هذا الرجل على الإطلاق .. نعم لا يجرؤ أحد على ذلك .. حكت أصابعه جلدها برفق و مر بإصبعي إبهامه في خفه على حلقها و تمهل فوق التجويف الذي يعلو الترقوة . تساءلت في عجب عما إذا كان يشعر باندفاع الدم السريع نابضاً تحت لمسته , وسرت رعشة ببدنها . اغتصبت ضحكة , وقالت : '' ربما أشعر بالبرد قليلاً .. الجو بارد هنا , أليس كذلك ؟ أظن أنه هواء المحيط رغم أننا في الخريف طبعاً '' . تباً .. إنها تثرثر كالمجانين .. أحست أنها تبدو كطالبة مدرسية هلِعة .. أو كأنها مراهقة تخرج مع صبي لأول مرة .. لكن الواقف بجوارها في الظلام رجلاً وليس صبياً , رجل لا تعرف اسمه .. ماذا تفعلين هنا يا (بيج) ؟!! , سألت نفسها بغيظ .. قبض على يدها قائلاً : '' سيري معي ... أرجوك '' ردت : '' لا أستطيع '' ولكنه كان يقودها بالفعل على الممر المحيط بالحديقة .. توسلت له : '' أرجوك '' '' فقط لدقائق قليلة '' أحست كما لو أنها في حلم من أحلامها الوردية القاتمة .. و صلتها الوحيدة بالواقع هي الموسيقى الخافتة المنبعثة من القاعة التي بدأا يبتعدان عنها .. لقد كان الرجل المجاور لها طويلاً .. أطول مما ظنت .. حتى لو ارتدت أعلى كعوب أحذيتها فإنها لن تصل إلا لكتفه فقط .. كانت سترته تنسدل حولها كأنها عباءة .. تهدلت الأكتاف والأكمام وبدت كأنها طفلة تلهو بارتداء الثياب .. كان قد رفع الياقة عندما بسط السترة على كتفيها , ومس الصوف الناعم للياقة بشرتها برفق , أحست بالدفء وكأن النسيج لا يزال يحمل درجة حرارة جسده .. استطاعت أن تشم عطره .. نفس العطر الذي لاحظته من قبل .. وكان ممتزجا بشيء أكثر وضوحاً و إحساساً .. ممزوجاً برائحة رجالية صافية مميزة . أغلقت (بيج) عينيها , وخفق قلبها وهي تستنشق الرائحة التي أحاطت بها مع حرارة جسده .. ثم رفعت أهدابها .. ماذا تفعل ؟ .. تتسكع في الظلام مع رجل لا تعرفه .. متسارعة الخفقات , جافة الحلق , ولم تفكر ولو لمرة واحدة في (آلن) أو في خاتم الخطوبة بإصبعها أو في قسم الزواج الذي ستردده بعد ثلاثة أيام .. اشتدت قبضته على يدها , وقال بتأوه : '' لا تخافي '' اغتصبت ضحكة أخرى , وقالت : '' لا , أنا لستُ خائفة أنا فقط ... توقف و استدار لها قائلاً : '' أنتِ خائفة .. فقط أنتِ خائفة '' و مر بيده على باطن معصمها في خفة , وقال : '' يمكنني الإحساس بتسارع نبضاتك . إن قلبك يدق كقلب أرنب مذعور '' . تراجعت (بيج) في خطوة سريعة , وهمست : '' لابد .. لابد أن أعود الآن . شكراً على سترتك .. دعني .. أحكم قبضته على معصمها , وقال : '' لا تذهبي '' .. كان صوته خافتاً و مبحوحاً . ثقل لسانها في فمها وقالت بسرعة : '' إن خطيبي .. هز رأسه في تبرم , وقال في خشونة : '' الجحيم على خطيبك .. ابقِ هنا معي '' . أحاطت يداه وجهها و أماله لأعلى . كان بإصبعه خاتم .. خاتم عتيق تتوسطه ياقوته . استقطب الحجر ذو اللون الأحمر الدموي ضوء القمر وألهبه بنيران متألقة . أحست بدفء هذا الرجل من قبل أن يمسها حتى .. كان الظلام يلف المكان ويغلف ملامحه .. لكن (بيج) عرفتها من قبل أن تراها حتى .. تماماً مثلما أدركت أنها تعرف هذا الرجل منذُ الأزل .. و أنها قد انتمت له في زمن آخر , وفي خلود آخر .. أغمضت عينيها و أخذت تنتظر أوامر الرجل التالية .. تنتظر .. وتنتظر .. سرى صوت ما في الظلام الصامت .. هل كانت الريح تحف أوراق الشجر أم كانت موجة ترتفع إزاء الشاطئ تحتهما .. لم تكن متأكدة .. ولكن كان الصوت كافياً ليعيدها إلى رشدها .. انتزعت نفسها مبتعدة عنه وهي تقول : '' يجب أن أعود .. أنا ممتنة لمساعدتك .. و .. حقا أنا لا أدري ماذا حدث هناك لكن .... ماتت الكلمات الوحيدة التي دفعتها شجاعتها أن تخرجها من حلقها الذي أصبح جافاً الآن عندما تحرك نحوها .. '' أنتِ تعرفين ما حدث هناك .. كان هناك شيء ما في صوته .. إحساس بالثقة لدرجة أثارتها و أرعبتها في آن واحد , أدركت أنه لم يقصد إحساسها المفاجئ بالدوار .. كان يقصد تلك اللحظات الصامتة من الخلود الذي تقاسماه .. ولم تكن هي للتحدث عن ذلك .. لا في هذا الوقت ولا في أي وقت على الإطلاق .. وبالتأكيد ليس معه .. قالت بسرعة : '' أنت على حق .. لقد أحسست بالإعياء وهذا كل ما في الأمر , كان الجو دافئاً في قاعة الرقص وكانت مزدحمة و .. شهقت عندما تحولت يداه إلى كتفيها ضاغطاً على لحمها البارد وقال : '' لا تكذبي يا جولييت .. لقد كنت أراقبك طوال السهرة .. أحست بوخز خفيف تحت أصابعه , وقالت بصدق : '' عن أي شيء تتحدث ؟!! '' ضحك بتأوه وقال : '' هل سنلعب سوياً ؟ أنتِ تعرفين أني كنتُ أراقبكِ '' أحست بالحرارة تندفع وتغمر وجنتيها . وشكرت الله على هذا الظلام . قالت : '' أنت على خطأ '' اشتدت قبضته على يدها وجذبها إليه ببطء وهو يقول : '' و أنتِ كنتِ تراقبيني أيضاً '' . يا لا جرأتك !! .. فكرت (بيج) بذلك في سرها ولكن إنكارها لما قاله جاء سريعاً .. '' لم أفعل .. أنا لم ألحظك على الإطلاق إلى أن عرضت علي مساعدتك '' . مدهش .. هاهي الآن بدأت تكذب .. يا لهذا الرجل الذي يدفعها للكلام دون تفكير .. رأت بريق أسنانه البيضاء وهو يقول : '' عمن كنتِ تبحثين عندما دخلتِ إلى قاعة الرقص يا جولييت ؟ عن خطيبك ؟ '' قالت بسرعة : '' نعم خطيبي '' تعلقت بالكلمة الأمل .. كأنها ستنقذها من كل ما هو آت مهما كان . و أضافت : '' هذا صحيح و من المحتمل أنه يبحث عني الآن .. لذا .. '' الجحيم كان يجب أن يصحبك طوال السهرة لا أن يتركك برفقة رجل غريب مثلي '' و تحركت يداه على كتفيها , و أضاف : '' كنت سأفعل لو أنكِ تنتمين لي'' . اندفعت تقول بقوة : '' أنا لا أنتمي لأحد .. ولقد كان ينتظرني ..أقصد أنني لم ألحظه من أول وهلة'' ضحك بهدوء و قال '' : ولكنك وجدتني جذابا ً أم أني متوهم ؟ '' و انزلقت يداه من كتفيها حتى وصلت معصميها وقال : '' وعندئذ تزاحم الحشد و افتقدت مكانكِ . هل كان ذلك عندما عثر عليكِ خطيبكِ روميو ؟! '' . أحست الفتاة بجفاف في شفتيها وبحذر أجرت معه طرف لسانها فوقهما وهي تفكر شاردة فيما يحدث لها الآن .. وبعد الآن .. و إلى الأبد .. '' نعم والآن يجب أن أعود له .. أنا .. '' والمرة التالية التي رأيتك فيها , كنتِ ترقصين مع رجل كبير .. '' ورفع يديها بين يديه و أمسك بهما أمام صدره , وقال : '' لم يكن روميو '' . كان مجرد تقرير ولم يكن سؤالاً , ورغماً عنها ابتسمت (بيج) و تذكرت والدها وهي تقول له : '' لا '' .. أومأ قائلاً : '' والدك على ما أظن أو خال أثير ..'' قالت بخضوع : '' والدي ,لقد رأيتك تراقبنا هناك '' كان الاعتراف قد خرج منها قبل أن تتمكن حتى من إيقافه .. تبدى أي أمل لها في أن مر هذه الزلة عندما سمعت ضحكته المنتصرة الهادئة من بين الأمواج .. '' لكنكِ قلتِ أنكِ لم تلحظيني على الإطلاق يا جولييت '' قالت في يأس : هذا ليس اسمي .. إنه مجرد خيال .. '' انزلقت ذراعاه حولها وهمس : هذه الليلة من الخيال .. ويمكن أن يحدث فيها أي شيء '' و ببطء جذبها قريباً منه وقال : '' يمكنك أن تبقي هنا وترقصي معي '' . كانت الموسيقى المتسللة من القاعة قد تحولت إلى نغمات بطيئة حالمة .. فرشت (بيج) يداها على صدره عندما بدأ يتحرك هو على إيقاعها الرتيب , ثم توقفت في تصلب بين ذراعيه .. والتقطت أنفاسها قائلة : '' لا تفعل , أرجوك '' كانت تقاوم رغبتها في أن تذوب بين ذراعيه .. إنها ليلة من الخيال , كما قال , وهذا ما يحدث , أليس كذلك ؟ .. مجرد خيال غير مؤذ . أضغاث أحلام اضطرب فيها قلبها .. همست : '' حسناً .. رقصة واحدة فقط '' .. رد ببساطة : '' رقصة واحدة . ثم نفعل أي شيء تريدينه . '' سنفعل أي شيء تردينه ؟! هل كان هناك تهديد في الكلمات البسيطة ؟! .. لا ليس تهديداً .. كانت (بيج) تحادث نفسها .. عندما بدأا يتحركان عبر المربعات الحجرية التي تغطي الأرض . كانت كلماته تحمل شيئاً أكبر .. هل هي ثقة أم هو اقتناع بأنه قد أدرك أخيرا ما هي تريده رغم أنها لم تعترف به لنفسها بعد ؟ فليفكر هذا الغريب فيما يشاء .. رقصة واحدة معه , هذا كل ما في الأمر , ثم ستعود لـ (آلن) .. وستحكي له عن ذلك خلال أسبوع أو أسبوعين , وستحكي عن ذلك القدر من الضئيل من الحماقة التي تمكنت منها تلك الليلة .. قبل ثلاثة أيام ن زفافهما .. سيضحكان بشأن ذلك مثل ضحكهما بشأن الحفلة التي يخطط أشابين العريس لإقامتها مساء الغد في ملهى عُرف بنادلات حانته القصيرات الثياب .. وذلك احتفالاً بتوديع (آلن) لحياة العزوبية !! '' إنها أحد طقوس الانتقال '' هكذا يسميه (آلن) .. وهذا ينطبق على ما يحدث الليلة .. أليس كذلك ؟ .. هذه الرقصة مع غريب كانت فعلاً آخر مذاق للحرية .. وسيبتسم (آلن) عندما تحكي له ... و .... مهلاً .. من الذي تخدعه ؟! .. لن يمكنها إطلاقاً أن تحكي لـ (آلن) .. لن يمكنها مطلقاً أن تحكي لأي إنسان عن هذا الأمر .. إن هذا جنوناً .. جنوناً خطراً .. لأن هذا الأمر لم يكن ملذة أخيرة .. أو أحد طقوس الانتقال .. قربها الرجل منه أكثر .. وقال : '' هل عيناك فعلاً بلون بنفسج الربيع ؟! '' سرى صوته خلالها , ناعماً مبحوحاً , كأنه حضن مخملي . وفي صمت الليل استطاعت (بيج) أن تسمع دقات قلبها السريعة المضطربة .. سألته و قد كتمت أنفاسها : '' من أنت؟ '' ضحك بتأوه وقال : '' أنتِ تعرفين من أنا يا جولييت . . . ".... أنا الرجل الذي ظل طوال الليل يريد أن يعرفك ويسبر غورك '' ذهب الاعتراف بأنفاسها ... تعثرت أقدامها ... فضمها بقوة إلى جسده القوي .. همست : '' لا تفعل ... '' ولكنها أحست بنفسها كأنها طفله أمامه تذوب .. وتذوب .. و تذوب ... انتشرت يداها على صدره مرة أخرى .. أحست بضربات قلبه المكتومة تحت كفيها .. '' جولييت ... سمعا صوت الباب يصفق فجأة , ارتفعت صرخة ضاحكة .. أصوات أقدام على الممر المفروش بالحصى .. وصوت حفيف ثوب يكاد يقترب من مكانهما .. وبسرعة عادت إلى الواقع .. تكورت يداها إلى قبضتين ودفعته بقوة بهما .. ثم قالت في همس يائس : '' دعني أذهب أرجوك '' أمسك بيدها وقال بصوت خافت : '' تعالي معي '' '' هل أنت مجنون ؟ خطيبي ... '' أنا لا أبالي مقدار ذرة بخطيبك .. وكذلك أنتِ لا تبالِ به , لو كان الأمر يهمه لما كنتِ الآن معي '' أرسلت كلماته رجفة خلالها , وقالت :'' أنت لا تعرف ما تقول , إنه يعني كل شيء لي '' '' إذن ليس لديكِ ما تخشين منه بمجيئكِ معي , أليس كذلك؟ '' , و أدخل أصابعه بين أصابعها و أضاف : '' علاوة على ذلك , فإذا رآنا أحد هنا قد يسيء الظن يا جميلتي '' ودت أن تقول أن (آلن) سيفهم , ولكن كن ذلك مجرد أمل وليس يقيناً . اقترب وقع الأقدام والضحكات .. أحس الرجل بترددها فقبض على يدها بإحكام . جذبها خلفه , وهو يقول : '' سننهي رقصتنا هناك , على الشاطئ ثم , إذا أردتِ سأعيدكِ إلى روميو الخاص بكِ '' كان جنوناً أن تتبعه عبر الممر المفروش بالحصباء والذي يهبط الجرف .. أحست (بيج) بذلك وهي تسير بجانبه .. وكان جنوناً أن تلقي بصندلها عندما لمست قدماها الرمال ثم تخطو إلى ذراعيه المنتظرتين .. ولكن خالجها إحساس رائع في استنادها إلى حضنه و تحركهما على إيقاع الموسيقى الذي أصبح بعيداً نوعاً ما .. مرت اللحظات , وأغلقت عينيها و أراحت رأسها على كتفيه .. وعندما أزاحت يداه شعرها .. بدا واضحاً أن ليس لديها أي اعتراض .. همس '' جولييت .. و امتدت يده الأخرى إلى أعلى ظهرها .. إلى مؤخرة عنقها .. ومضى يجدل شعرها .. و كرر : '' جولييت .. هرب القمر من السحابة التي تلاحقه , وملأت هي عيناها منه .. حدقت في ابتهاج في الملامح التي لم تكن قد ألقت عليها حتى الآن سوى نظرات خاطفة .. كان ذا أنف دقيق وفم محدد .. و ذقن مرتفع يرفع راية التصميم .. و أحلى ما فيه تلك الغمازة التي تزين وجنته اليسرى .. والتي تظهر حتى من غير أن يتكلم .. برقت عيناه خلف القناع النصفي .. زرقاويتان , ظنت ذلك بينما كانت دقات قلبها تصل إلى حلقها في إعصار مدو .. نعم , زرقاويتان أو ربما خضراوتان .. و كأنما كان يقرأ أفكارها , مد يده و نزع البرنس ''القناع النصفي'' الأسود من وجهه .. تسارعت أنفاسها عندما أماط القناع جانباً وحدق فيها .. كانت عيناه بلون الزبرجد النقي . لون بحر الصيف عميقة الغور كثيفة الأهداب .. غمغم قائلاً : '' دورك '' . ارتجفت (بيج) عندما مد يده إليها .. أطبقت أصابعه على القناع الفضي , وكتمت أنفاسها بين ذراعيه التي امتدت نحو وجهها .. كانت نظرة عينيه وهي تتصفح وجهها أكثر دفئاً من أي عناق جربته .. يــا إلـــهي ..ماذا يحدث لها ؟! ابتسم قائلاً:'' كنتُ أعرف أن عيناكِ بلون البنفسج'' . و أضاف بصوت عميق : '' أنتِ جميلة يا جولييت '' .. ترنحت (بيج) بينما أسدلت أهدابها على وجنتيها .. ما فائدة الكذب ؟ إنها تريده أن يأخذها بعيداً .. إلى ذلك الخلود في عينيه .. والحقيقة في صوته .. كانت تعرف ذلك .. وكان هذا لغريب يعرفه .. لقد ظل يشاغلها طوال الليل .. بداية في قاعة الرقص .. ثم في الشرفة , والآن ... الآن سيعانقها .. لا بد أنه سيعانقها .. ولا بد أن تنهي هذا العناق .. وكل شيء .. ستنتهي هذا الخيال و تعود للواقع .. ستضع نهاية لكل هذه الحماقات .. و سوف تعود أدراجها , وتعتذر لتركها الأمور تخرج من يدها و .... مس فمه يدها برفق و خفة , كانت القبلة خفيفة كرذاذ متطاير من المحيط .. همس بينما تلتف ذراعيه حولها : '' زهرة .. أنتِ زهرة رحيقها كمذاق العسل '' .. رباط أخير من الواقع جعلها تقول بإصرار ضعيف : '' شكرا .. والآن دعني أذهب لــ ... '' إلى أين تذهبين ؟ إلى روميو المسكين ؟! '' '' نعم '' وارتعدت عندما ضمها إليه بينما تضيف : '' إنه خطيبي , وليس روميو تاريخي , أرجوك أريد أن أرحل '' قال في رجاء ساخر : '' أنتِ لا تريدين أن ترحلي .. أنتِ تريدين أن تبقي '' ''لا '' حتى هي سمعت صوت الكذب الذي يملأ كلمتها .. وتمنت أن تغفر لنفسها هذا الكذب .. تمنت ألا يسمعها أحد غير المحيط .. ولكن كانت ذراعاه محكمتان حولها .. وبدأت النجوم تدور .. و القمر يرتفع في السماء أكثر .. ملقياً غلالة فضية على صفحة الماء الداكن .. ولمعت ملايين النجوم في السماء .. لقد كانا آخر البشر على الأرض .. وكان الحب بينهما أمراً حتمياً .. سرت رعدة خلالها وهمست : '' أرجوك .. أرجوك '' قال : '' أرجوك ماذا؟ '' .. '' أخبريني بما تريديني أن أفعله يا جولييت '' و فجأة .. ترامى إلى مسامعها صوت تعرفه : '' .... هل أنتِ على الشاطئ ؟ '' ميزت الكلمات رغم اختلاطها بصوت الأمواج المتكسرة على الشاطئ .. وتصلبت (بيج) بين ذراعيه .. '' إنها أمي '' . كانت همستها شديدة الاهتياج .. لم يقل شيئاً .. و ظنت أنه لم يفهمها . ثم سمعت لعناته المكبوتة , و أحست بالتوتر المفاجئ في عضلاته . غمغم إزاء وجنتها : '' ابقِ هنا وستذهب بعيداً .. '' همست هي : '' إنها لن تفعل .. دعني أذهب .. أرجوك '' توهجت عيناه وحدقت في عينيها , وقال : '' بشرط .. عديني أن تعودي لي '' هزت (بيج) رأسها , وقالت : '' لا . لا لا يمكنني أنا .. '' ... هل أنتِ ؟ '' جاءها صوت أمها . قالت في همس يائس وهي تنظر في عيني الغريب : '' ستأتي إلى هنا .. دعني ... أتوسل إليك '' قيدت يداه حركتها وقال بغلظة : '' عديني أن تعودي '' حدقت في وجهه بغباء وقالت : '' لا أستطيع أنا .. بدا شبح أمها عند أعلى الممر الهابط إلى الشاطئ . قالت بأنفاس لاهثة : '' حسناً , حسناً سأعود '' قبضت يداه على كتفها وغاصت في لحمها حتى أجفلت . وهمس في إلحاح : '' عديني بذلك . عديني بذلك و إلا فسآتي معكِ الآن . و سأخبر أمك و روميو وكل العالم بأنك لي الليلة , وكل الليلة .. و إلى الأبد '' '' لا أستطيع .. جذبها إليه حتى لاصق وجهها بوجهه و هو يقول بحدة : '' لا تخدعي نفسكِ يا امرأة , حتى أنا لا أفهم الأمر , و لكنني متأكداً أن شيئاً كالجحيم قد حدث .. وستصيبني اللعنة إذا تركتكِ تخرجين من حياتي قبل أن أفهم ذلك . هل تفهمين '' . انتفض قلب (بيج) بجنون . وهمست '' نعم '' و غمرها إحساس بالسعادة الفياضة . و كررت : ''نعم '' و عندئذ سمعت وقع أقدام أمها على حصباء الطريق .. مست وجنة الرجل .. وخطت سريعاً إلى الممر , ورفعت صوتها : '' أنا هنا يا أمي '' .. تقدمت والدتها خطوة باتجاهها . وقالت : '' بالله عليكِ يا عزيزتي .. أين كنت ؟ لقد أشرفنا على الموت قلقاً عليكِ '' حثت (بيج) خطاها خلال الياردات الباقية حتى وصلت لأمها , وتأبطت ذراعها ثم جذبتها عائدتين باتجاه الحدائق و المبنى الساطع الأضواء . '' كنت .. كنت أسير على الشاطئ يا أمي . أنا آسفة لإزعاجك '' قالت (جانيت) بينما تتقدمان على الطريق المرصوف بالمربعات الحجرية : '' لستُ وحدي يا (بيج) لقد أصابنا القلق جميعاً .. أبوكِ و (آلن) .. ماذا حدث لك ؟ هل كنتِ وحدك ؟'' ألقت (بيج) نظرة من فوق كتفيها .. لم يكن خلفها سوى الظلام .. وقالت : '' نعم , بالطبع أنا آسفة جداً .. مجرد أنني أردتُ الاختلاء بنفسي قليلاً قبل الالتقاء بالعمة (دوروثي) '' تباطئت خطوات الأم قليلاً قبل أن تتوقف , و تقول لها : '' هل أنت متأكدة انك بخير ؟ يبدو عليكِ شيئاً ما هذا المساء '' تجاهلت (بيج) سؤال أمها , :'' أمي أين (آلن) ؟ '' '' يبحث عنك بالطبع .. إنه .. '' اندفعت (بيج) قائلة : '' يجب أن أتحدث معه , يجب أن أخبره أن هذا الـ .. أحاطت (جانيت) خصر أمها وقالت لها تهدئها : إن (آلن) يفهم ذلك بالتأكيد إنه يقول أنه قلق اللحظات الأخيرة و .. '' أمي أرجوك .. دعوني أتكلـ .. '' عزيزتي .. عزيزتي كل العرائس يشعرن بنفس الإحساس ..ستكونين بخير يوم الزفاف .ستتلاشى هذه العصبية وسينجلي هذا الخوف بمجرد أن تشاهدي وصيفاتك و الزهور و ابتسام المدعوين لك فيما ينتظرك (آلن) '' توقفت (بيج) فجأة و همست : '' أسيحدث ذلك ؟'' ابتسمت (جانيت) و قالت : '' بالطبع '' ثم نظرت إلى عيني ابنتها فتحولت ابتسامتها إلى عبوس قلق , وقالت : '' إلا إذا كانت لكِ تحفظات حقيقية يا (بيج) , هل لديكِ شيئا كذا ؟ حبيبتي إن لم تكوني متأكدة من .. عضت (بيج) على شفتها السفلى , وقالت : '' نعم .. لا , يا إلهي .. '' أمي أنا لا أشعر بذلك الإحساس المفروض تجاه (آلن) , هل تفهمين ما أقصد .. أنا لا أشعر تماما بذلك الإحساس ..'' ارتفع حاجبا والدتها , وقالت : '' تقصدين ذلك الإحساس الذي شعرتِ به تجاه ذلك الرجل في نيويورك ؟'' كان صوتها جامداً مستهجناً , وتابعت : '' هل هذا ما تقصدين ؟'' . التقت (بيج) أنفاسها , وقالت : '' أنا لا أقارن بين الموقفين يا أمي .. أنا فقط لا .. '' أتمنى ألا يحدث . لن يؤذيكِ (آلن) يا (بيج) على الإطلاق .. يجب أن تكوني سعيدة لهذا '' فُتح باب القاعة فجأة .. و أحاطت بهما ضجة قاعة الرقص و دفئها المعبق بالدخان . أطلق (آلن) تنهيدة ارتياح عندما خطا إلى الشرفة صوب السيدتان . '' ها أنت هنا . ماذا حدث يا حبيبتي ؟ '' '' أنا خرجت في الهواء قليلا يا (آلن) '' وضع ذراعيه حول كتفيها , وقال : '' هل أنت على ما يرام '' أومأت (بيج) : ''أنا بخير '' '' لقد بحثت عنك في كل مكان .. في التواليت .. في السيارة .. قالت (جانيت) : أنت لم تبحث في الشاطئ حيث كانت يا (آلن) تريح أعصابها بالسير هناك '' تورد خدا (بيج) وقالت : '' أمي , من فضلكِ ! '' ابتسم (آلن) ابتسامته العريضة وهو يقول : '' تذكري أنني من يُفترض أن يكون عصبياً . هذا امتياز مقصور على العريس '' التقطت (بيج) أنفاسها وقالت : '' هل أنت كذلك ؟ '' سدد (آلن) نظرة إلى عينيها وقال بصوت رقيق : '' سنكون سعداء أعدك بذلك '' حدقت الفتاة في خطيبها وحادثت نفسها .. سيكونا سعداء . بالطبع سيكونا كذلك .. إن ما أحست به منذ لحظات قليلة بين ذراعي رجل غريب , لم يكن سعادة .. كانت تعرف مثل غيرها .. ربما كان شيء أفضل .. لن تجده مع (آلن) أو غيره .. شيء لن تجده سوى مع رجل غريب يحيط بوجه قناع نصفي أسود .. رقص معها رقصة الحرية الأخيرة فوق شاطئ "كونكت كت" .. قالت والدتها : '' لقد دعانا السيد والسيدة (فولر) لشرب القهوة في منزليهما يا عزيزتي , سأستدعي والدك و أعود لكما '' ابتسم (آلن) عندما انطلقت والدة (بيج) وقال بلهجة مغيظة : '' ستتناولين القهوة و الكعك مع كل آل (فولر) . تريد العمة أن تقابلك .. و سرب لا نهائي من الأقارب '' و أحنى رأسه وقبل خدها وهو يقول لها : '' أنا سعيد لعثور أمك عليك يا حبيبتي , لا نريد أن نشعرهم بخيبة الأمل أليس كذلك؟'' '' بالطبع .. لا نريد '' ابتسمت له ابتسامه سريعة وهو يقبض على يدها ويقودها خلال الملهى إلى رواق المدخل الأمامي ذي الأعمدة . كم سينتظرها ذلك الرجل على الشاطئ ؟ خمس دقائق ؟ .. عشرة ؟ .. هل سيصاب بخيبة الأمل ؟ .. أم سيغضب ؟ .. أم .. '' ها نحن يا أولاد . لمَ لا تطلب من السائس إحضار السيارة ؟ '' , كان صوت (أندرو) السعيد يرتفع في الهواء معلناً استعدادهم للمغادرة . انتحت (جانيت) بابنتها جانبا , بينما تقدم الواد مع (آلن) تجاه الرصيف . وهمست : '' كفي عن إظهار القلق . إنها مجرد عصبية اللحظات الأخيرة . ثلاثة أيام من الآن وستصبحين السيدة (آلن فلور) , وستضحكين عندما تتذكرين ما أحسستِ به الليلة '' . أومأت (بيج) وتمتمت برد ملائم .. ولكن عندما خطت إلى سيارة خطيبها .. وتركت تعهدات و التزامات حياتها الجديدة تبتلعها.. أدركت أن والدتها كانت على خطأ .. و أنها هي على خطأ .. و أنهم جميعا على خطأ مماثل .. و خطأ كبير جداً .. ستذكر هذه الليلة .. ولكنها لن تضحك على الإطلاق .. ستكون ذكرياتها حلوة جداً .. ومريرة جداً .. ولكن .. هكذا يكون الخيال في الغالب

تحميـــــل الملــــف مـــن هنــــــا