غضب العاشق

الفصل الأول
دعوة لم تتم
سيداتي آنساتي سادتي
دار الأزياء مارينا يسعدها ان تستقبلكم في أول عرض لها في مدينة اكابولكو . الجو الساحر يحيط بنا اوحي الينا بتسمية موضوع المجموعة ب " الاناقة تحت الشمس " . وان عدداً كبيرا من الناس بينكم ربما يتسائلون ما اذا كانت هذه الاناقة ضرورية , فيما يتعلق باللباس الخاص لشاطئ البحر . دار مارينا تؤمن بحزم أن المرأة تهتم بأناقتها وأنوثتها , على الشاطئ كما في النوادي الليلية أو السهرات العائلية .". توقفت لورا ترانت لحظة و راحت تحدّق في الجمهور الجالس وراء الطاولات من السياح الأميريكيين الذين يعتبرون هذا الحدث نوعاً من التسلية الاضافيه في وسط العديد من مختلف الموارد و الثروات التي تشتهر بها محطة الحمامات المشهورة . لا يوجد إلا عدد قليل من الشباب , رجالا أم فتيات . ان معظمهم من الازواج في منتصف العمر . وبرغم الهواء المكيف , كان العرق يتصبب من كل فرد و الرجال يمسحون وجوههم العارية باستمرار . والنساء تخلصن من حدّة الشمس التي تحرق بشرتهن و يتمتعن الآن في الظل بينما يشاركن في حضور عرض الازياء . ولفت انتباه لورا امراة و رجل . الرجل لم يتوقف لحظة عن التفرس فيها مطولاً . ظاهرياً لم يكن أمريكياً . إذ عيناه السوداوان وأنفة المعقوف و فمه المتعجرف وبشرته السمراء الداكنه , كلها تشير الى انه من اصل اسباني . وكذلك المراة التي ترافقه . انها سمراء ذات عينين سوداوين وشعر داكن , ترتدي فستاناً أسود بأكمام طويلة يغطي قامتها الناضجة . التفتت لورا من جديد نحو الرجل الذي كان يحدق فيها ثم نظرت الى الاوراق المطبوعة على ركبتيها وأضافت تقول للجمهور : "والان ماريلا ستفتتح العرض في زي السباحة وسترة الشاطئ المصنوعة من القماش نفسه ". وظهرت على المنصة فتاة طويلة القامة , سمراء , شديدة النحافة وحدها لورا بعينيها الزرقاوين المدربتين ,يمكنها ان تكشف توتر هذه العارضة المبتدئة . لكن مع الوقت سوف تكتسب هذه الفتاه المكسيكية خبرة تجعلها عارضة أزياء من الطراز الاول ... وكانت لورا تشرح للجمهور التفاصيل التي تجعل من هذا الموديل الاناقة و الخفة معاً لكنها استغربت عندما رات ان الفتاه تفقد هدوئها وتضطرب وهي تقترب من المكان الذي يجلس فيه الزوجان المكسيكيان , و بينما كانت عارضة الازياء تعود الى حيث بدأت متوترة , ألقت لورا نظرة سريعه مرتبكة ومترددة الى الزوجين ... الرجل قطب حاجبيه في استهجان واضح ... وبدا انه لا يستحسن رؤية واحدة من بنات بلده تعرض أمام الرجال أزياء السباحة . ورددت لورا لنفسها وهي تهز كتفيها النحيلتين : " هؤلاء اللاتينيين لم يتحرروا بعد . ثم عادت لتكمل تعليقها حول الموضة و تشرح بوضوح فوائد كل زي ترتدية عارضة الازياء التي تمر من امامها . في الاجمال . كانت سعيدة من النتائج بعد أسابيع قليلة من التمارين . ومتى اصبح الموظفون المحليون المكسيكيون العاملون في المحل الجديد قادرين على ان يعتمدوا على انفسهم . حينئذ يمكن للورا ان تعود الى لوس انجلوس .... وبالتالي تلتحق بخطيبها برانت . لكن لا داعي للاسترسال في الافكار خلال عرض الازياء . وعندما انتهى العرض , سرت النساء الامريكيات بالموديلات التي بدت شديدة الاناقة على اجسام عارضات الازياء اللواتي لوحت الشمس اجسامهن . وبدان يطلبن منها بالكميات ... ايلينا , الفتاه المكلفة بادارة الفرع بعد ذهاب لورا ساعدتهن في التوجه الي المحل الواقع في الفندق نفسه . ولما عادت لورا الى الكواليس .. راحت تهنئ عارضات الازياء الاربع بحرارة لهذا العرض الافتتاحي .. وحدها ماريلا لم تكن راضية عن نفسها و لم ترد على ابتسامتها .. فاذا بلورا تقترب منها و تسالها بعدما اسندت ظهرها الى الحائط و كتفت يديها :" ماريلا... ماذا بك ؟". بدت الفتاه المكسيكية بشعرها الاسود اللامع المرفوع بكعكة الى اعلى راسها ايه في الجمال . لكنها ظلت صامتة فأكملت لورا الكلام وقالت :" كل شئ كان رائعاً الى ان وصلتِ الى نهاية المنصة . ماذا حدث حينئذٍ ". اجابت الفتاه بعد تردد ظاهر : " السينيور راميريز , انه لا يحب رؤية امراة ترتدي زي السباحة , الا اذا كانت تسبح او تتشمس على الشاطئ ". فقالت لورا باستغراب وبلهجة لاذعة :" في هذه الحال , لماذا جاء يحضر العرض , يا لهذه السخافة المضحكة !! ومن يكون السينيور .....السينيور راميريز ؟؟ هل هو قريب لك ؟". اجابت ماريلا في نوع من الاحترام : " اه ! لا !! ان السينيور دييغو راميريز هو أحد أهم شخصيات المكسيك . إنه من عائلة عريقة وقديمة لها تأثير كبير في بلادنا . إن السينيور دييغو هو ......." قاطعتها لورا غاضبة أن ترى النساء اللواتي يعشن في القرن العشرين لا يزلن يخضعن للتقاليد البالية ... " ليس هذا امتيازاً يعطيه الحق في ان يقرر أين ومتى يمكن للمرأة ان ترتد زي السباحة .المرأة التي ترافقه لا شك في انها مضطرة إلى أن تخضع لرغباته لكن لا شأن له معكِ . ما بالك . لا حق له عليكِ , اليس كذلك ؟؟". وخلال عرض الأزياء فوجئت لورا مرّات عديدة بالمرأة المكسيكية التي ترافقه وهي تعرب له عن إعجابها ببعض ازياء البحر , لكنه كان يرد عليها بهز رأسه بنفاذ صبر . قالت ماريلا :" آه .. مسكينة سينيورا راميريز .. برغم شبابها ... لاقت الكثير من العذاب "!! اجابت لورا في اقتناع وهي تتذكر نظرة الرجل المكسيكي الملحة :" إني أصدق ما تقولينه ". بعدما ابتعدت ماريلا , اقترب نائب رئيس الفندق من لورا و سألها ما إذا كان الموظفون مستعدين للبدء بتحضير القاعه للحفلة الراقصة . وبعدما وافقت لورا على ذلك , راحت تدقق بسرعة بالفساتين وأزياء السباحة الموضوعة في الخزائن . ثم غادرت الغرفة متوجهة الى القاعة الكبرى التي تطل بابوابها العريضة الزجاجية على البهو الشاسع ..... الاشجار و الشجيرات المزروعة في احواض كبيرة تضفي على المكان جو المشاتل .. ومن بين المشاتل الزنبقية لمحت لورا الرجل الذي أربك منذ لحظات عارضة الازياء المكسيكية ..ماريلا . "انسة ترانت , هل في امكاني ان احدثك قليلاً "؟. كانت لغه الانجليزية كاملة .لاشك في أنه تعلم في احسن المعاهد الاوروبية أو الامريكية بالنسبة الى السياح الذين يهملون اناقتهم , كان يرتدي بذلة بيضاء وربطة عنق مضلعة تظهر اناقته الفاحشة ...كان طويل القامه .. أطول مما كانت تتصوره عندما كان جالساً . ولورا هي أيضاً ممشوقة القوام , ومع ذلك فكان عليها أن ترفع رأسها حى تراه . وعن قرب تبين لها أن عينيه السوداوين هما في الحقيقة بلون المخمل البني الغامق .. أجابته ببرود : " لا أرى مبرراً لأي حديث , يا سينيور راميريز إلا أذا كنت ترغب في الإعتذار لإزعاجك إحدى عارضات الأزياء خلال العرض ". أجاب ببعض السخرية : " لا , لم تكن هذه نيتي يا انسة " . " إذاً , لا يوجد مبرر لتبادل الاحاديث بيننا سينيور راميريز ....." كانت لورا تهم بمتابعة سيرها , لكنه تمسك بذراعها في سطوة وقال مبتسماً :" أرى انكِ تعرفين هويتي , يا انسة .. هذا يتيح لي المجال ان اعبر لكِ عن نواياي , على ما أظن ". قالت لورا في توتر وهي تخلص من قبضته :" نواياك !!؟ لا أعتقد أن ما عندك يهمني حقاً . "" إذاً أنتِ تعتقدين أن دعوة الى العشاء هي نوع من الاقتراح ". "دعوة الى العشاء ؟؟!! ". قال وهو يسخر بلطف :" حتى ملكات الجمال بحاجه الى تناول بعض الاكل , ما هو الغلط برغبتي في تناول العشاء برفقتك ؟ ". "إنك تهينني يا سينيور ". " أنا اهينك يا انسة ؟؟!! لا أفهم .... كيف يمكن لإمرأة جميلة ان تشعر بالإهانة إذا دعاها رجل انيق إلى العشاء ؟؟!!"". ابتعدت لورا بسرعه بعدما رمقته بنظرات غاضبة و قالت : "لماذا لا تسأل السينيورا راميريز ""؟؟!!.. توجهت إلى المحل غاضبة . كيف يمكن لهذا الرجل , المتزوج , ان يتجرأ على إعتبار أن كل النساء طرائد يسهل الحصول عليها "؟! ولم يتغير رأي لورا في السينيور دييغو راميريز عندما جاء في اليوم التالي لحضور العرض الثاني والاخير لأزياء الصيف . وفي هذه المرة كان وحده . واعتذرت ماريلا عن العمل بحجة انها مريضة .وبما أن لورا تتمتع بالمقاييس نفسها , فقد حلّت محلها بلا استعداد, واعطت الميكروفون الى الينيا . ارتدت لورا بذلة السباحة المصنوعة من قماش القطن الأسود وفوقها سترة طويلة مقلّمة سوداء و بيضاء , من قماش الحرير الشفاف تغلّف جسمها النحيف . وأظهر الجمهور اعجابه بالبذلة و راحت النساء تصفقن بحماس بينما الرجال يمسحون جباههم المتصببة عرقاً . إن مهنتها جعلتها تعرف كيف تجابه نظرات الاعجاب في عيون المشاهدين , لكن لورا كادت ترتبك , كما سبق لماريلا ان فعلت , عندما لمحت عيني السينيور دييغو راميريز تشعان غضباً واحتقاراً . قالت ايلينا وهي تملق لورا بنظرة ساخرة وهي توضب الثياب بعد العرض :" من الغريب ان يحضر السينيور راميريز حفلة العرض من دون أن تكون السينيورا معه . ألأ تعتقدين أن هناك سبباً اخر دعاه إلى المجئ !؟". اجابت لورا بجفاف : " مهما كان السبب , فهذا لا يعني لي شيئاً ". لكن عندما رأت نظرات ايلينا المذهولة ,أضافت بلطف :" في بلادي يا الينا الرجال متحفظون في طريقة التعبير عن اعجابهم بالنساء , وخاصة متى كانوا متزوجين !." فقالت ايلينا بذهول : " لكن السينيور راميريز هو ........" فقاطعتها مرت سكرتيرة المحل حين قالت للآنسة ترانت : " المعذرة , آنسة ترانت . مطلوبة على الهاتف . مكالمة من لوس أنجلوس ". " شكراً مرتا . إني آتية للحال ". وبتصميم طردت دييغو راميريز من أفكارها وأسرعت الى المحل , لاشك ان المتصل هو تيم كالديرة المسؤول عن دار الازياء مارينا في لوس انجلوس , ويريد ان يعرف ما هي ردّة فعل الجمهور على أزياء الصيف الجديدة . فالدار تفتتح في الاكابولكو فرعها الأول . ولكن , كل ما كانت تنوي أن تسرده عن هذا الانتصار الذي حققته الدار انمحى عن شفتيها عندما عرفت صوت الرجل الذي يكلمها . "آه برانت ! كنت اتصور أن المتصل هو تيم كالديرة . ويريد الاخبار الاخيرة حول المعرض ". فاجاب برانت بسخرية :" هل انتِ آسفة لسماع صوت خطيبك ؟!". تذكرت لورا في الحال صورة رجل جميل جذاب وبشوش واجابت وهي ما زالت تلهث :" كلا بالطبع , في الواقع , إني ......إني أفضل لو كنت هنا , معي !" ضحك ثم قال :" أحب ما تقولينه . يسرني أن أكون قادراً على الطيران إليكِ , لكن قضية مرسون باتت ذات اهمية اكبر مما كنت أتصوره ومعقدة أكثر أيضاً ". برانت محام طموح وخو يعمل في قضية ذات أهميه , من شانها أن تحقق له الشهرة التي يطمح إليها . ولورا التي كانت تفضل أن تسمعه يهمس لها بكلمات حنونة , اضطرت الى سماعه يشرح لها بالتفصيل موقفه امام المحكمة . وسرعان ما خفّ انتباهها , لماذا لا تكفّ عن التفكير بهذاالمكسيكي الغاضب الذي كان يبدو قادراً على اعتلاءالمنصة و انتشالها من بين العارضات الى مكان ما في اعماق الغابة ؟ لا شك في أن أسلافه الغزاه كانوا يتصرفون هكذا , لو أن السينيور دييغو راميريز هو المتصل بها , هل كان يزعجها بالتفاصيل القضائية التي لا تفهمها , أو يهمس لها بكلمات الحب في صوت مرتجف ؟ وفجأة قالت لورا عندما استعادت وعيها ! " ماذ ... ماذا قلت ...؟؟ هل طرح برانت عليها سؤالاً ..... نعم , لكن ماذا ؟ أجاب مازحاً " لم تصغي الى كلمة واحدة مما قلته ". " بلى بلى .... لكن .... أنا أيضاً مرهقة في عملي ,, واعتقد أن الحرارة تزعجني ".. " هنا المطر يتساقط منذ ثلاثة أيام . إذاً لا تتذمري من الحر ". وفي كآبة مريرة حدّقت لورا في الملف الجديد الموضوع أمامها على المكتب . لم يسألها أي شئ عن اعمالها . فقط " لا تتذمري من الحر ......" " لورا " ؟؟. تنهدت وأجابت : " نعم " . " ألست واقعة في غرام مكسيكي ذي عينين متقدتين ؟". اجابت وقد أغضبتها وقاحته : " في الحقيقة , حتى الآن , لم يتقدم سوى رجل واحد .. إنه جميل المظهر , غني , ودعاني إلى تناول طعام العشاء معه مساء أمس ". فسألها بسرعه :" وهل لبيت الدعوة ؟". أخيراً بدأيهتم بها ..... " لا . إني خطيبتك , يا برانت . إذا كنت ما تزال تتذكر هذا جيداً ". "لا أسمح لكِ أن تنسي ذلك !". "لا تخف .لا خطر من ههذه الناحية . لكن , يا برانت , متى سنحدد موعد زواجنا ؟ لماذا الانتظار ؟ ويمكنني أن أظل أعمل بعد الزواج , و ..... " "إن زوجتي تبقى في المنزل وتهتتم بزوجها وبأولادها , لكن لن نناقش هذا الموضوع الآن , على الهاتف .إن هذه المكالمة تكلفني كثيراً , أريد فقط أن اشرح لكِ لماذا لم يتسن لي الوقت كي أكتب إليكِ . فأنا أعمل ليل نهار في هذه القضية , متى تعتقدين أنكِ ستعودين ؟". " لا اعرف بعد ". انخفض صوته وقال : " أنا مشتاق إليك كثيراً يا حبيبتي ". وبعدما وضعت لورا السماعه , ظلت جالسة مطولاً أمام المكتب , منغمسة في أفكارها . أطلقت زفرة عميقة ثم نهض وخرجت من المحل الفارغ وأقفلت الباب وراءها . الشقة الصغيرة المريحة التي تسكن فيها لورا خلال إقامتها في أكابولكو تقع في الطابق الرابع من فندق بانوراما , حث يقع المحل الجديد أيضاً . تطل الشقة على خليج صغير . ولا مرة سئمت لورا هذا المنظر المطل على البحر الذي يبدو في النهار وكأنه يعكس بريق الحجارة النادرة . وفي الليل تحت سماء مخملية حافلة بالنجوم . ومن الشرفة كانت تشاهد الرياضيين يمارسون هواية الهبوط بالمظلات فوق المياه الزرقاء , وفي الليل كانت تصغي الى الموسيقى التي يعزفها المكسيكيون على القيثارة والتي يتخللها رقصة الفولادور حيث الرجال يتعلقون بالحبال على عمود متين موضوع في وسط القاعه ويحومون حوله في دوائر تعلو مع ايقاع الموسيقى الصاخبة . ومن وقت الى وقت يعلو نصفيق حماسي من القاعه إعجاباً وتشجيعاً . وبلا وعي عمدت لورا الى إغلاق باب الشرفة والنافذة , فصوت الابواق بدأ يزعجها . لماذا هذه الموسيقى الشعبية البدائية تخلق فيها هذا الشعور بالوحدة الكئيبة ؟ ولماذا تذكرها خاصة بالسينيور دييغو راميريز . هذا المكسيكي المتعجرف الزاثق من نفسه ؟ وبعد أن ألقت نظرة سريعة على محتوى برادها في المطبخ الصغير , قررت لورا أن تتوجه الة مطعم الفندق لتتناول طعام العشاء , فاخذت حماماً سريعاً ثم ارتدت فستاناً طويلاً معرفاً بالاخضر الذي يشبه لون عينيها . ثم وضعت القليل من مساحيق الزينة على وجهها , الكحل الاخضر على الجفن و أحمر الشفاه بلون المرجان ومسحة بودرة على انفها الصغير و جبينها الناعم . ولما ظهرت في بهو المطعم , راح بعض السياح يصفرون . وشقت لورا طريقها وسط هؤلاء السياح عندما شعرت بيد قاسية تتأبط ذراعها وصوت عرفته في الحال يهمس في أذنيها . " كنت في إتظارك . اتريدين تناول العشاء هنا ,أو تفضلين مكاناً حميماً ؟". وبينما هو يتكلم أبعدها عن المعجبين فقالت بصوت بارد وهي تتخلص من قبضته : " لا تقلق عليّ سينيور راميريز ,إني قادرة على ان اتولى أموري بنفسي ". " هل انتِ على موعد مع احد ما ؟". بدأت لورا تتكلم وهي تخفض رموشها الطويلة : " كلا , كنت ... كنت أتوجه الى فندق المطعم لتناول العشاء . فالجميع تعودوا رؤيتي وحيدة ". قدّم لها ذراعه في لياقة , مما جعلها تتأبطه بعد لحظة تردد . استقبلهما مدير التشريفات في الفندق وقال بعدما عرف باستغراب رفيقة السينيور : " آه سينيوريتا ترانت ! ". ثم أضاف باحترام كبير : " مساء الخير , سينيور راميريز !". " كيف حالك , يا توماس ؟". " حسناً , شكراً سأقدم لكما طاولة جيدة ". قال السينيور وعلى وجهه امارات الأسف : " لا يمكنني أن أتناول طعام العشاء مع السينيورا هذا المساء , إني مدعو ولا يمكنني أن أرفض هذه الدعوة بالذات ". أجابت لورا في مرح : " لا داعي للاعتذار , سينيور راميريز . أريد تناول العشاء وحيدة ". بريق غريب ظهر في الوجه الاسمر والتفت دييغو راميريز نحو مدير التشريفات وتحدث اليه باللغة الاسبانية . وادركت لورا أنها فهمت انه يتكلم عن السينيورا راميريز وعيد ميلادها . وبعدما اجلسها أمام طاولة تطل على منظر رائع , علىالخليج المضاء , شرح لها توماس أن هذا العيد سيتم الاحتفال به في غرفة الطعام التابعه للفندق . فقالت لتوماس الذي بدا عليه الانهماك و العجلة : " كنت أفضل ان اجلس أمام طاولتي العادية ". اجابها من دون إخفاء شعوره الفضولي : " إن السينيور راميريز يصرّ على أن اخصص لكِ هذه المائدة , من الآن فصاعداً . لا شك أنه سوف يتناول معكِ العشاء في معظم الاوقات ".!! فردّت لورا في لهجة لا يمكن مناقشتها : " طبعاً لا .. هل بإمكاني الحصول على قائمة الطعام من فضلك ؟". كلمته في هدوء تام , لكنها كانت تغلي في الداخل , وبينما كانت ترمق مدير التشريفات بنظرة عندما كان يعطي اوامره الى الخادم , فهمت من دون صعوبة ماذا كان يقول : " ان السينيورا الجالسة وراء الطاولة رقم 14 هي الرفيقة الجديدة للسينيور راميريز , اهتم بها جيداً ". كانت لورا تود من كل قلبها أن ترفض العشاء وتعود الى شقتها , لكنها كانت تخشى إثارة مشاكل جديدة , فاكتفت بان تختار الوجبة البسيطة . لكنها صرخت عندما رات الخادم يجلب لها المشروب المثلج في زجاجة على رأسها وردة حمراء : "لكن انا لم أطلب ذلك المشروب !!". " انها اوامر السينيور راميريز ". " لا أريد أن أشرب شيئاً . أعدها من فضلك ! ". كانت طاولة السينيور راميريز التي تحتل وسط غرفة الطعام تضم أفراد المجتمع المكسيكي الرفيع . وكان يترأس الطاولة دييغو راميريز وزوجته التي كانت تشع جمالاً في فستانها المطرز المصنوع من القطن الأبيض وكانت تبدو سعيدة لأن تكون هدف نظرات الإعجاب كلها . وعندما رفع دييغو كأسه ليشرب في صحة السينيورا وهو ينظر اليها في حنان , وضعت لورا منشفتها وخرجت بسرعه من المطعم . كيف يمكن لرجل يحب زوجته لهذه الدرجة ان يمهد لإقامة علاقة مع امراة اخرى . ليس في الكون رجل يشبه الرجل اللا تيني الذي يفرض على زوجته القيود . ويطلق لنفسه العنان في اقامة اية علاقه يريد مع النساء !.
الفصل الثاني
كذبة بيضاء .. اسودت
مرّ اسبوع بكامله , لم تتبادل لورا خلاله الحديث مع دييغو رايمريز , ومع ذلك , فقد ظلت تعي وجوده في قربها , وعندما كانت تهتم بزبائنها , غالباً ما كانت تلاحظ شبح السينيور الممشوق يقف امام الواجهه . وكلما ذهبت لتبتاع لنفسها شيئاً من المحلات , تراه هناك , على بعد أمتار قليلة منها . حتى في الكنيسة حيث تذهب من وقت الى اخر لتبحث عن الهدوء , والصفاء اللذين شعرت بهما خلال السنوات التي عاشتها في دير الراهبات في لوس انجلوس , حيث امضت كل سنواتها الدراسية , كانت تلمحه من بعيد مستنداً الى احد عواميد البناء . وكلما راته تشعر بتوتر مفاجئ , الى درجة انها بدأت تبحث عنه بنظراتها في أي مكان كانت تذهب اليه . واذا لم تره صدفة , كانت تشعر بقلق غريب , كالاحساس بالفراغ . " يا لحماقتها "! كانت توبخ نفسها وهي ممدة على الشاطئ الرملي المحرق , امام الفندق . لن تذهب بعيداً الى الشعور بالقلق تجاه الاهتمام الودي الذي يظهره لها لاتيني يكرس حياته لامراة اخرى مرتبط بها وهي زوجته . تربيتها الصارمة تفرض عليها الابتعاد عن رجل متزوج , مهما كان جذاباً وانيقاً وصاحب نفوذ . والسينيور دييغو راميريز هو كذلك حقاً ! إن رؤيته وحدها تكفي لإثارة لورا وتشويش أفكارها . على بعد منها , على الشاطئ , كان يجلس شاب مكسيكي , يرتدي زي السباحة يظهر اسمرار جسمه النحيف , وقد نجح في جذب سائحة امريكية في سن متقدمة ... وهي من تلك النساء الوحيدات , الثريات ,اللواتي جئن الى الريفيرا المكسيكية للبحث عن اللهو و كسر روتين حياتهن الرزينة . ومنذ ان وصلت لورا الى الاكابولكو وهي ترى مثل هذا المشهد يتكرر يومياًَ , مما يزعجها و يجرح إحساسها التقليدي . الشمس القوية ارغمتها على إغماض عينيها . فهي لا تخاف هؤلاء الرجال . إنهم يعرفون أنها ليست غنية ولا تبحث عن مغامرة عاطفية , لذلك لا يضيّعون وقتهم في ملاحقتها بحضورهم المتواصل . ووراء جفنيها المغمضين , شعرت بظلٍ ينعكس على وجهها . فتحت عينيها قليلاً , وفوجئت بنظرات دييغو راميريز الحارة تحدّق فيها . كان يرتدي زي سباحة أبيض . ولثوان عديدة تبادلا النظرات . كأنهما يلتقيان للمرة الأولى . قالت لورا بعد جهد : " ماذا تفعل هنا " ؟. "اني هنا مثلما انتِ هنا , للسبب نفسه ... كي أستحم , هذا مسموح , اليس كذلك ؟".!! همست لورا بسخرية وهي تجلس : " لا تريد إقناعي بانك لا تمتلك شاطئاً خاصاً بك ". جلس دييغو قرب لورا التي تناولت نظارتيها من حقيبة يدها ووضعتها على عينيها بسرعة . " ليس في المكسيك شواطئ خاصة . اني املك فيلا في الجنوب على بعد بضعة كيلومترات من هنا و لحسن الحظ أن السياح يفضلون اكابولكو ولا يذهبون بعيداً حتى هناك ". قالت لورا بسخرية وهي تدع الرمل ينزلق بين أصابعها : " ما اروع ان يملك المرء مالاً كثيراً يتيح له أن يتمتع بحياته الخاصة ". فأجاب معترفاً : " هذه حسنات المال , لكن ينبغي ألا تنسي ما يفرضه من أعباء ومسؤوليات ". تردد عندما لفظ الكلمة الاخيرة , فنظرت اليه لورا في حيرة وارتباك . ذكرتها كلمة المسؤوليات بزوجته التي احتفل بعيد ميلادها بطريقة ودية في الاسبوع الماضي .. سالته ... " هل لديك اولاد ؟!". " كلا لسوء الحظ , لكن ذلك وارد ضمن مشاريعي المستقبلية ". وبينما كانت لورا تتأمل السباحين يغطسون في البحر , ارتسسمت على وجهها ابتسامة ساخرة وقالت : " أعتقد بان هدف الرجل اللاتيني , عندما يتزوج , هو أن يظهر رجولته ويفرض على زوجته انت نجب له ولداً بعد أقل من سنة ". سكتت لحظة وتسائلت في نفسها , هل هو حقاً الحديث الذي يجب ان اتبادله مع انسان مجهول ؟ قال في مرح وهو يحدّق في عينيها : "لا تنسي يا عزيزتي ان النساء اللاتينيات لا يعترضن على ذلك ". ثم سالها فجاة : " هل لديكِ صديق ؟". " ماذ تعني ؟". " غريب حقاً أن تجلس امراة جميلة على شاطئ البحر بدون شخص يحميها من نظرات الرجال الذين بيحثون عن طريدة جميلة مثلك ؟". وبحركة من يده أشار ليس فقط الى الرجال المكسيكيين , بل الى السيّاح الامريكيين الذين لم يكفوا منذ أن وصلت الى الشاطئ , عن التحديق فيها . قالت : " سبق لي وقلت انني في سن ناضجة تسمح لي بالاتكال على نفسي . اما الجواب عن سؤالك فهو نعم . لدي صديق وهو خطيبي , لكنه حالياً في لوس انجلوس ". اطلق صفيراً مصحوباً بالدهشة , فقالت لورا لنفسها في غيظ .. كل الرجال وقحون ... لا يتورعون عن سجن زوجاتهم ويعتبرون عدم اخلاص المراة للزوج او الخطيب شتيمة أو عار .. قال في سخرية : " لكنك لا تضعين خاتم الخطبة ". " انني اضعه باستمرار , لكنني خلعته لانني أخاف ان يسقط مني في الماء أ, في ......" "واظن انكِ تخشين ايضاً ان تفقديه خلال العمل ". رمقته لورا بنظرة ساخطة و قالت : "" اثناء عرض الازياء لا تضع العارضة سوى المجوهرات التابعه للمؤسسة التي تعمل فيها . والآن يا سينيور , أرجو أن تعذرني لانني مضطرة الى الذهاب لأدعك تستمتع بالسباحة ". قال ويهز كتفيه : " هذا غير مهم في الوقت الحاضر ". نهض و أصر على أن يرافقها الى الفندق , وبرغم انزعاجها فانها لم تستطع أن تتجاهل نظرات النساء تلاحق السينيور في تحركاته . فتح باب الفندق و ابتعد عنه ليدعها تدخل الى البهو المكيف وتبعها حتى المصعد . سألها في لا مبالاة وهو يتكئ على الحائط : " هل تحبين أن تتناولي طعام العشاء معي مساء اليوم . إن اكابولكو ليست المكان المناسب لامراة وحيدة ". "أفضل أن اتتناول طعام العشاء وحدي . على ان اكون مع رجل معروف جداً , فضلاً عن انه متزوج ". صمتت لحظة ثم قالت وهي تشير في اتجاه الباب الزجاجي الذي يطل على الخليج : " على الشاطئ عدد كبير من النساء اللواتي يسرهن قبول دعوتك الى العشاء ". تنهد وهو يبتسم وقال : " أعرف ذلك جيداً , ولكنني أحب أن العب دور الصياد , لا دور الطريدة ". ارتعشت لورا بالرغم منها . ليس من الصعب تصوّر هذا الوع من الرجال , وهم يلاحقون الطريدة و يتمسكون بها الى أن تستسلم . قالت : " لا أرى مانعاً بان تلعب دور الصياد , شرط ألاّ أكون من بين الطرائد ". قال وهو يتبعها بنظراته , وهي تدخل الى المصعد : " انك تطلبين مني الكثير يا لورا . الى اللقاء ". على مدى أسبوع اختفى السينيور دييغو رايميريز من اكابولكو . وقد حاولت لورا اقناع نفسها بانها تشعر بارتياح بغيابه , لكن الحقيقة كانت عكس ذلك , فقد شعرت بشوق كبير اليه . نادتها سكرتيرة المحل للرد على الهاتف . وعندما تعرفت الى صوت دييغو . فقالت له في جفاء : " هل تتكرم بالأ تضايقني بعد الآن ؟ اذا كنت مصراً على ازعاجي , فسأضطر الى الاستعانة بحارس خاص ". لكن هذا التهديد لم يؤثر فيه فقال وهو يطلق ضحكة صغيرة : " استغرب كيف ان امراة في مثل جمالك البارد تتصرف بهذا الغليان والتوتر ! لا أنوي ازعاجك . أريد فقط أن أجدد لكِ دعوتي للعشاء ". " هذا ما اعتبره ازعاجاً للناس يا سينيور . كم مرة ينبغي ان أقول إن دعوتك هذه لا تهمني أبداً ." " لورا , بامكانك ان تؤدي لي خدمة كبيرة . عليّ ان استقبل رجل أعمال وزوجته وهو مثلك امريكي الجنسية , و أفضل ألا اكون وحيداً من دون رفيقة ". " هذا مستحيل يا سينيور , لانني ساتعشى مع خطيبي ". ران صمت قصير قطعه السينيور قائلاً في جفاء : " فهمت . ينبغي أن أبحث عن رفيقة اخرى ". قالت في لهجة ثاقبة قبل ان تضع سماعة الهاتف بخشونة : "سبق وقلت لك , انك لن تجد صعوبة في العثور على رفيقة ". وبعد انتهاء المحادثة بقيت لورا تحدق في الهاتف في امعان وهي تعض على شفتيها بتوتر . ان دييغو راميريز هو الذي سبب كل هذا التوتر . فهي لا تحب الكذب . كما انها ستكون وحيدة هذه الليلة كالعاادة . بينما لو كانت رفقته لأمضت سهرة ممتعة . ليست في حاجه الى مخيلة واسعه لتدرك أنه فارس الاحلام الذي تتمنى كل امراة ان تكون رفيقة سهراته . ولما دخلت الى شقتها , سمت رنين الهاتف , فتسائلت : " يا الهي , ربما هذا دييغو راميريز الذي اكتشف ان خطيبها على بعد الف ميل من هنا . لكنها عندما عرفت الصوت نسيت في الحال الرجلين وصرخت : " ابي ! أين انت ؟ " . ضحك دان ترانت وقال : " إني هنا . في أكابولكو , رجلان استاجرا سفينتي في لوس انجلوس وفكرت بانها الفرصة المناسبة لا اقوم بزيارة قصيرو الى ابنتي الوحيدة ". "وكم من الوقت ستبقى هنا ؟". " آه , أيام قليلة فقط , هذان الرجلان يصران على أن انقلهما الى مكسيكو في اسرع وقت ممكن . من الافضل لهما ان ياخذا الطائرة الى مكسيكو لكنهما يحبان ممارسة هوايتهما المفضلة وهي صيد الاسماك . مع انهما لا يعرفان تماما كيف يحملان قصبة الصيد ". " هذا لا يهم . متى أراك ؟ اني في شوق اليك ". " ساقوم ببعض المشتريات للسفينة ....ايناسبك ان التقيك في الندق بعد ذلك ؟ يجب الاحتفال بهذا اللقاء كما ينبغي , يا صغيرتي . وانتِ تعرفين المطاعم المشهورة , اليس كذلك ؟". أجابت لورا بفرح : " يمكننا الذهاب الى الميرادور , وفي الوقت نفسه يمكننا ان نحضر مشهد الغطس , انه لا يمكن تفويته ". " كما تشائين , هل في امكانك الاهتمام بحجز مكانين ؟". " نعم " . بعد ان اقفلت لورا سماعة الهاتف . طلبت رقم المطعم وحجزت طاولة للساعه الثامنه والنصف . هكذا سيكون امامها الوقت الكافي لتناول العشاء بهدوء قبل حضور مشهد القفز و الغطس من اعلى الشرفات التي تطل على الشاطئ الصغير . وبعد ان اخذت حماما سريعا ارتدت فستانا اسود يتلائ مع شعرها الاشقر بشكل بارز . بعد وفاة زوجته , تخلى دان ترانت عن كل شئ , عمله في السمسرة البحرية , ومنزله وحتى ابنته . اذ بعد شهرين من وفاة والدتها دخلت لورا دير الراهبات واشترى والدها يختا . وعندما كان يشعر بحاجة الى المال كان يؤجر اليخت و يقترح على المستاجرين خدماته كقبطان السفينة . وفي مخيلته ذكريات ساحرة عن العطلات التي كانت تمضيها على متن سفينة والدها التي دعاها بربارا على اسم والدتها . كان ذلك ممتعاً لها ولو لاسابيع قليلة , لتتخلص من اجواء الدير المملة والكئيبة . طرقات متواصلة على الباب جعلتها تدرك ان الطارق هو والدها الذي كثيرا ما خرجها من احلام المراهقة العاطفية بالطرطقة على الباب كانه يدق على الطبل . صرخت لورا وهي تبكي وتضحك في ان واحد معا بينما كان والدها يعانقها بحنان في ذراعيه القويتين : " ابي ! آآه, كم انا سعيدة لرؤيتك !". لم يتسن لها الوقت لتعاين وجه والدها إلا بعدما جلسا مواجهة وراء طاولة المطعم , ما يزال يتمتع بالنظرات الزرقاء نفسها . لكن تجاعيد وجهه بدات بالظهور , وشعره البني الكثيف بدات تتخلله بعض الخصل الرمادية و خاصة حول الاذن . لكنه ما زال رجلا بمظهر حسن وجذاب . وبينما كانت لورا تراقب نظرات بعض النساء المركزة على والدها . تساألت لماذا لم يتزوج دان مرة ثانية . نساء كثيرات كانت تحمن حوله وخاصة الجميلات منهن . لكن ولا واحدة كانت تتمتع باناقة والدتها وجاذبيتها وشعرها الاشقر كسنابل القمح . ولا واحدةكانت قادرة على ان تحل مكانها . قال دان ترانت وهو يبتسم : "لا تلتفتي الى الوراء يا صغيرتي . هناك رجل وراء الطاولةالبعيدة يرمقني بنظرات غاضبة . يبدو حتما انه مكسيكي . هل تعرفين احدا هنا ؟". ومن دون ان تلتفت أدركت لورا ان الرجل الذي يحدق في والدها ليس سوى السينيور دييغو راميريز . لماذا يظهر هذا الشيطان في اي مكان تذهب اليه . وخصوصا هذا المساء بالذات . اذ من المفروض انها تتناول العشاء مع خطيبها !.. أجابت في جفاف : " اني اعرفه من بعيد .. انه واحد من الذين يعتبرون ان كل شئ مسموح . لقد دعاني مرّات عديدة الى العشاء من دون علم زوجته بالطبع ". صرخ دان مستغرباً : " هل هو متزوج ؟ وهذه المراة السمراء الجميلة معه . هل هي زوجته ؟ لكن لماذا ينظر اليّ هكذا ؟". هزت لورا كتفيها : " تجاهله , ا رجوك . هؤلاء المكسيكيين يتصرفون بوقاحة لا مثيل لها ". " اذا حاول ان يعامل ابنتي بهذه الطريقة , بهذه الجراة الفظة ..." قاطعته لورا قائلة : " اني اعرف تماماً كيف اتصرف . لا تقلق عليّ . ولا تنسى أني مخطوبة ". قال وهو ينظر الى خاتم الخطبة في يد ابنته : " نعم صحيح . اني لا انسى ". في لقائهما الاول ظهر بوضوح ان دان وبرانت لم يستلطفا بعضهما العض . فالمحامي الشاب لم يكن راضيا عن طريقة حياة دان البوهيمية , هو الذي يعيش حياة منظمة . ولاحظ دان هذا الشعور وحزن على ابنته . لكنه مع ذلك يحترم اختيارها |. قالت لورا وهي تنحني نحو والدها : " سأغيب لحظة صغيرة . وبعد ان اعود نبحث عن زاوية تطل على الخليج حتى نتمكن من مشاهدة الغطاسين جيدا ." قال وهو يبتسم بحنان : " كما تشائين يا صغيرتي ". فكرت لورا وهي تمر بين الطاولات كيف ان والدها ما زال جذاباً واسفت لانه لم يتزوج بعد وفاة والدتها . الحياة الروتينية التي يعيشها لا شك انها تزعجه . فهو يستحق حياة افضل . وبعدما خرجت من الحمام اسرعت تغسل يدها وتضع على وجهها بعض الزينة والعطور . ثم خرجت الى البهو خافضة الراس وهي تحاول اغلاق حقيبة يدها . ولم تر الشبح الذي يرتدي البذلة السوداء يظهر من وراء شتلات ضخمة ويجابهها بعنف . صرخت مستغربة بعدما شاهدت نظرات دييغو راميريز الشرسة : " انت ! من اين اتيت ؟". اجابها في غيظ لم يعرف انه يكبته جيداً : " كنت اراقبك , لدي ما اقوله لك ". " صحيح ! وماذا تريد ان تقول ؟ اختصر كلامك . لا انوي ان ادع .....رفيقي ينتظر ". فقال في حدة متجاهلا نظرات الفضول التي رمقها بها الحضور : " اريد ان اكلمك عنه ! انه يكبرك سناً في شكل ظاهر ". " من يكبرني سناً ؟ هل تقصد .....؟". اجاب في شراسة : " خطيبك طبعاً . لا شك انه في سن والدك !". كبتت لورا قدر الامكان رغبتها الملحة في الضحك . دييغو يعتبر والدها خطيبها . اذا هو السبب الذي من اجله كان يرمق والدها بنظرات غاضبة . بدات تقول بصوت متردد : " لكنه ..و ......." ثم توقفت لحظة مدركة ان كذبتها انفضحت . ثم تابعت تقول : " ان له قلب شاب " . قال دييغو راميريز في حقد : " صحيح انه يكبرك في السن سنوات عديدة , فكيف ترتبطين به مدى الحياة ؟". وبعدما القى نظرة خاطفة الى السيّاح الذاهبين والاتيين داخل البهو , أمسكها من معصمها و جذبها وراء مجموعة المشاتل الضخمة وعاد يقول: " هل بامكانه أن يوفّر لكِ الحب و الشوق و اللهفة ؟ هل سبق أن عانقكِ ؟" فجأة , جذبها نحوه وشدها الى صدره وراح يعانقها بشغف حتى جعلها تلهث خاضعة وتقول : " دعني ! ارجوك ! ". " ادرك تماماً انه لم يسبق له ان عانقكِ كما يجب !". فقالت في غضب و هي تتخلص من قبضته : " وانت يا سينيور , منذ متى لم تعانق زوجتك هكذا ".؟؟!! عندما عادت الى والدها , كان وجهها ما زال مضطرباً وقدماها ترتجفان. " آآه , ها انتِ قد عدتِ ! اجلسي واحتسي القهوة , مازال أمامنا بعض الوقت قبل ان يبدا مشهد الغطس ". جلست في الكرسي وهي لا تزال متأثرة بالصدمة . وهنا مرّ السينسور في قربها . فخفف من خطواته وحدحّق فيها ثم تابع طريقه . نظر دان الى ابنته في حيرة وارتباك , كانه فهم ما حدث منذ لحظة ,على بعد امتار قليلة منه . فسالها في قلق : " اليس هذا الرجل هو المعجب بكِ ؟". " كيف؟ آآة . نعم ". " لو كان برانت ينظر اليكي كما نظر اليكِ هذا الرجل لكنت سعيداً جداً ". بعد فترة صمت أجابت لورا : "أبي , ان برانت يحبني . وهو ينوي الزواج منى , اليس هذا كافياً ؟". فقال لها وهو يربت على يدها في حنان : " لكن , يا حبيبتي , يجب ألا تخلطي الأمان والاستقرار بالحب و الرغبة . إن برانت شاب لطيف , لن يضربكِ و سيكون زوجاً صالحاً لكِ . وتتمتعين معه بحياة راغدة و ستسكنين في منزل صغير جميل في الضاحية .. وستنجبين ولدين مثل الجميع ... لكن .... لا أعرف جيداً كيف أشرح لكِ .... . لن تعيشي الحياة التي عشتها مع أمك ....كنا زوجين مثاليين وفي الوقت نفسه غير عاديين ...." فقالت لورا في صوت مفاجئ ومبحوح وعينها تدمعان : " اعرف ذلك تماماً . انت وامي كنتما زوجين رائعين واستثنائيين . ومن النادر اليوم ان تجد مثلكما في هذا العالم . ماذا علىّ أن افعل ؟ يجب أن اقتنع بما عندي ....على الاقل ....." " ربما انتِ على حق ... هيا بنا نتفرج على الغطس ". تبعت لورا والدها خارج غرفة الطعام . غير انها لم تستطع ان تقاوم رغبتها في القاء نظرة خاطفة على مائدة دييغو راميريز . كان معه الزوجان الامريكيان اللذان حدّثها عنهما , وامراة شابة سمراء رائعة الجمال , ابتسمت لها المراة . لم يجد دييغو صعوبة في ايجاد رفيقة له . وفي حركة الية رفعت لورا يدها لتلمس شعرها وشاهدت ديغو يحدّق في خاتم الخطبة الذي يلمع في اصبعها . أسرعت باللحاق بوالدها الذي ابتسم لها بحرارة وادخل الى قلبها العزاء و المواساة . استرعى انتباهها الشاطئ الصخري الذي بدا يشع تدريجياً بالاضواء المختلفة الالوان .. شاهدت لورا رجلاً مستعداً لقفز , بشرته تلمع تحت تأثير الاضاءة الكثيفة , كان يقف على نتوء صخري من علو شاهق , احنى راسه وبدا انه يحدق في امعان الى المياه التي تغلي من تحته . سبق للورا ان شاهدت باعجاب كبير مرات عديدة هذا المنظر الذي يحبس الانفاس . فاسرعت تشرح لوالدها الوجه التقني للغطس : " عليهم ان يصمموا قفزتهم بعناية . في الحالة العادية , لا يتجاوز عمق المياه اكثر من مترين ونصف متر بانتظار ان تاتي موجة قوية ترفع الماء الى علو اربعة امتار . وهذا الحد الادنى المنتظر لتحقيق القفزة ". " اريد أن أصدق ذلك . من المفروض اذاً ان يستعد لوثبة قوية ليتحاشى السقوط على الصخرة ". " طبعاً . آه .. انظر انه يقفز ". رفع الغطاس ذراعيه . وحبس المتفرجون انفاسهم وهم يشاهدون هذا النحيف يستعد للقفز ويحلّق مكتفاً ذراعيه مثل عصفور متألق , قبل أن يغطس مثل السهم في الماء التي تتصاعد منها الرغوة البيضاء . التفتت لورا الى والدها الذي كان يمسك بيدها ويبتسم لها في حنان هامساً : " ان هذا المشهد مثير حقاً " . " انتظر رؤية الذين يقفزون من قمة الصخور , من علو ارعين متراً أو أكثر . لقد شاهدت هذا المنظر مئات المرات وما زلت ارتعب كأنها المرة الأولى ". همس دان وهو يبتسم في وجهها المتالق الذي يذكره بزوجته الراحلة : " انني اتساءل ما اذا كان قلبي يتحمل هذا النوع من الانفعال ". قالت لورا ضاحكة وهي تتطلع الى العدد الهائل من الناس المحيطين بهما : " يجب ان تتحمل ذلك , اذ ليست هناك طريقة نستطيع فيها ان نغادر المكان وسط هذا الحشد ". فجأة , ماتت الكلمات على شفتيها , فقد التقت نظراتها بنظرات راميريز التي كانت تشع باانفعال غريب . فوجئ دان بسكوت ابنته فتطلع اليها وقال : " لورا ,ماذا لكِ ؟". " نعم ؟". نفضت لورا جفنيها كانها تستيقظ من حلم , ثم قالت : "انظر يا ابي , شاب اخر سيقفز الآن ". تطلع دان نحو قمة الصخرة حيث راى غطاساً ينتظر في انتباه أن تاتي الامواج على علو ارعين متراً منه . الجمهور الذي شاهد هذا الجسم النحيل الاسمر الملئ بالحيوية يلتطم بالموجة العالية , بدأ يصرخ بحماس ويطلق زفرات الارتياح . وتسائلت لورا , ترى بماذا يفكر الرياضيون لحظة القفز في الفراغ .. ربما الى الابد .....رفعت عينيها الحالمتين , والتقت مرة اخرى بنظرات دييغو القوية , كانه لم يحوّل نظره عنها طوال الوقت , قارئاً كل ما يدور في أفكارها . نهضت لورا تاركة المكان لغيرها من المشاهدين وبعد لحظات كانت مع والدها قد غادرا فندق الميرادوز . وعندما أوصلها دان الى فندق بانوراما رفض ان يتناول اي شراب وقال مبتسماً : " الى مساء غد يا صغيرتي . هل تتناولين العشاء معي على متن السفينة ؟". " بكل سرور ". " أخشى ألاّ اكون قادراً على أن أعِدّ لكِ وليمةً في الوقت الحاضر ". ابتسمت لورا وقالت : " فهمت , ساحضر معي كل ما نحتاج اليه للعشاء . لا تقلق يا ابي , فسأعد لك عشاءً لذيذاً ". "هل يوافقك ان يكون الموعد الساعه السادسة ؟". قالت لورا وهي تقف على رؤوس اصابعا لتقبيل والدها : " اتفقنا ". وعندما اصبحت في شقتها اخذت تذرع ارض الدار ذهاباً واياباً مئات المرات , مقطبة الجبين , قلبها الحزين العامر بالكآبة والقلق . ماذا جرى بينها وبين والدها ؟ خيّل اليها ان احاديث دان الودية تخفي قلقاً غامضاً

تحميـــــل الملــــف مـــن هنــــــا