الفخ

الفصل الاول
هل هناك أصعب من انتظار شخص معين يهف له القلب , فأذا بشخص آخر يظهر مكانه.... وأي شخص! ظل الطائرة ينزلق فوق رؤوس الأشجار وداخل غابة الصنوبر حيث تلمع زرقة بحيرة مينيسوتا .... حدقت آلانا باول بشوق من النافذة وخفق قلبها لحظة لاح لها برج المراقبة في المطار. كان شعرها الداكن المائل الى الأصفرار يبرز جمالها الفتان وأستدارة وجهها تعكس ثقتها نفسها ,ولامست عجلات الطائرة الأرض بعد أرتجاف خفيف ثم أنزلقت على المدرج فشدت آلانا على شفتيها للتأكد من رطوبة أحمر الشفاه. جمعت حقائبها ونزلت السلم ثم راحت تفتش عبثا علها تلمح كورت , في تلك اللحظة كانت رؤيته أحب شيء الى قلبها , وملأتها غصة.... ماذا لو لم يكن كورت هنا لملاقاتها؟ وبحركة سريعة أبعدت آلانا هذه الفكرة عن خيالها , لقد أتصلت به بالأمس وأخبرته بأنها قادمة الى المطار من مينيابوليس فوافق على أستقبالها دون تردد , حتى أنه لم ينتظر كي تشرح له عن رغبتها بمفاجأة أهلها. وقالت لنفسها أن قلقها هذا هو حماقة فعلا , وبالرغم من ذلك كان ألتواء فمها يعبّر عن تأثير الحب فيها , فهي لم تر كورت منذ أنقضاء عيد الفصح أي منذ شهرين تقريبا حين أعلن لها بصراحة أنه معجب بها , لكن الكثير يمكن أن يدث خلال تلك الفترة . جرت الطائرة نحو الموقف في نهاية مطار شيزهولم-هيييغ.وحلّت ألانا حزامها ونهضت للأنضمام الى صف المسافرين وهم يغادرون المطار , وبينما هي خارجة مررت يدها المضطربة من خصرها حتى أسفل تنورتها , وبحركة عفوية من أصابعها تأكدت من أن الأزرار السفلية مشدودة جيدا ما عدا الزرين الآخيرين فوق الركبة لأرخاء ثنية التنورة. لا شيء يشير الى وجود كورت بين جموع المنتظرين , ألتفتت الى ساعتها فتأكدت من أن الطائرة وصلت في الوقت المحدد وقالت في نفسها: " ربما حدث ما أخّره ! ثم أبطأت خطاها وهي تمعن النظر حولها , أبصرت وجها رجوليا أليفا ينحني فوق نافورة مياه الشرب , فقفز قلبها بأرتياح وفرح وغابت كل مخاوفها لحظة عرفت صاحب الوجه. هتفت ضاحكة: " كورت!". وركضت نحوه مسرعة وهي تقول: " كدت أعتقد أنك نسيتني!". وهمّت بألقاء نفسها بين ذراعيه بسعادة ظاهرة لكن على بعد نصف قدم أدركت أنها على خطأ فتراجعت صارخة: " أنت!". وأمتزج الغضب والأندهاش في شهقة واحدة حتى ألتفت ذراعا الرجل حول خصرها وأوقفتاها عن التراجع. " لا تتوقفي الآن". وتحولت القساوة الخفيفة على شفتيه الى أبتسامة ساخرة: " لقد حضرت بدلا عن أخي , فأستحق أيضا القبلة التي كانت له". " لا!". وقطع هذا الرفض المخنوق أنفاسها. لكن يدا قوية كانت قد أنزلقت الى أعلى عمودها الفقري وألتفت الأصابع في شعرها وشدت الخصلات الناعمة فأعادت الرأس الجميل الى الوراء. عبثا حاولت يدها الآن أن تعيد المسافة بينهما الى حالها الطبيعية , فهو رجل بالغ القوة والقسوة في وقت واحد ,ولا طاقة لها على ردعه بسهولة كما تتمنى من أعماق قلبها , وكما لا تستطيع أن تفعل مع الأسف . لحظا وتحررت من يديه , فتلألأت عيناها الزرقاوان فوق خديها المتوردين من شدة الخجل , وعصفت موجة غضب يداخلها ورغبة جامحة للقتال , صرخت بعنف بينما عيناه نصف المغمضتين تراقبان وقفتها الحانقة: " كيف تتجرأ!". كان حجاب قاتم من الأهداب يخفي تعبير نظراته وأرتسمت أبتسامة مضطربة على الفم الذي عاملها بلا رحمة , وقال : "أعطيني تذاكر الطلبات , سوف أجلب حقائبك , كما أقترح أن تنتظري وصولنا الى السيارة ثم تفرغين غضبك وتحدثين فضيحة . ثم أشار تنظره الى الجمهور الغفير الذي أحتشد في باحة المطار . أهتز كيانها لسخرية صوته لكنها لم تفعل أي شيء , وبحركة عصبية غاضبة راحت تفتش بتردد في محفظتها عن بطاقات السفر وشيكات الحقائب الملصوقة بها ثم دفعتها اليه بعنف وأشمئزاز. كيف كانت عمياء بحيث لم تفرق بين كورت وأخيه رولت ماثويز! هناك تشابه سطحي بين الأثنين , فهما طويلا القامة وكلاهما أسمر اللون ذو جسد قوي الى حد ما... لكن وحده المجنون لا يفرق بين رولت وكورت. وحدقت بعنف الى أكتاف رولت المشحونة بالكبرياء أذ كان يسير بعيدا عنها ,كان يفوق كورت طولا ببوصة أو أثنتين وخطواته المتباعدة فيها خفة القطط, أن في شعره القاتم ظلالا بلون القهوة وخصلات ذهبية لكنه لا يميل الى البني كما هو شعر كورت , شعره طويل وكثيف على رقبته ويصففه بعيدا عن وجهه. وفي ملامح وجهيهما يظهر فارق آخر , فقسمات وجه رولت الملوحة بالشمس تضفي نوعا من القساوة عليه , والخطوط المرسومة حول فمه تعبر عن السخرية , ويغلب على كل ذلك طابع من الرجولة الوقحة الصارخة المتسلطة , موحيا بالقوة التي يحسب لها حساب. كان رولت ماثويز ينتمي الى العالم الغامض بينما أنتمى كورت الى عالم الوضوح.... أنيق وجذاب بعكس أخيه الأكبر , وقد أستمال آلانا في أول لقاء بينهما منذ خمس سنوات تقريبا عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها. ألا أن كورت لم يرها الا في عطلة الفصح الماضية , يومها تمكنت من أن تطور أعجابها به الى درجة أكبر. أرتجفت شفتاها وشعرت أنها كانت ضعيفة أمام قبلة رولت , لم تعط رولت يوما لحظة من وقتها , وبقدر ما كانت منجذبة نحو كورت كانت تتحاشى رولت , فكلما وقعت نظراته الشديدة الزرقة ذات اللمعان الغامض عليها , شعرت بأرتباك , تلك النظرات الخفية التي تغلفها مسحة من السخرية كانت تبعث قشعريرة في جسمها ويبدو أن رولت أدرك ذلك , لذلك كان يتعمد أن يضايقها؟ لكن لماذا كل هذه الحرارة؟ هل ليضايقها أيضا؟ حين مدت أصابعها الى محفظة نقودها شعرت أن الحديد فيها كان صلبا كما كان وجود رولت القريب منها كالصخرة... كانت قد أبدت أعجابا بكورت في عطلة عيد الفصح , ولم تكن تحتاج لأخفاء ذلك عنه أذ أنه كان يبادلها الشعور نفسه , أما رولت فقد كان يراقبها دون أهتمام كبير فتشعر أن علاقتها بكورت لا تتعدى التسلية الصبيانية. تنهدت آلانا بصعوبة حين خطرت لها كلمة( صبيانية) وقالت في نفسها: " يا ألهي! أن كورت يبلغ التاسعة والعشرين من العمر وهي في العشرين وهما راشدان لا مراهقان يتبادلان حبا أعمى كما يعتقد رولت , ربما لأن هذا يكبر شقيقه بخمس سنوات , يشعر بشيء من التفوق , خصوصا أن شائعات تدور حول علاقاته الكثيرة بالنساء مما يجعله ينظر الى علاقتهم اليافعة نظرة أستعلاء. حين صحت آلانا من شرودها , أبعدت نظرها عن الوجه الرجولي الذي يحمل حقائبها الثقيلة دون أي عناء , وتوقف رولت للحظة وحدق بجرأة في وجهها الذي أدارته نحوه ثم قال: "ان سيارتي في الخارج , هل نذهب؟". أجابت بجفاء: " كلما أسرعنا كان أفضل". فأمال رأسه بسخرية مشيرا اليها بأن تتقدم أمامه. كانت تدرك من وميض عينيه الأزرق أنه يعرف كم تكرهه , وأحبت ذلك , وبحركة متعالية من رأسها , خرجت آلانا من المبنى تنتظر أن يأتي رولت بالسيارة. أوشكت أن تقول له أنها ذاهبة بدونه , ألا أنها شعرت بنوع من الخجل والخوف أمامه. وضع رولت حقائبها في مؤخرة السيارة (مارك ف) سوداء ثم فتح باب الركاب. لم تستطع ألانا أن تتجنب أصابعه القوية التي عانقت كتفها لمساعدتها على الصعود , وأغلق الباب فأبعدته عن ذهنها ما أمكن . صف االحقائب بأحكام ثم جلس وراء المقود . لم تكن آلانا راغبة بكسر الصمت المهيمن , ألا أنها كانت قلقة على كورت وتوقعت أن يبخل رولت بالمعلومات , فتطلعت الى جانب وجهه البارد بطرف عينيها وشعرت بأنفعال سريع وقوي يتأجج في داخلها. بدا لها واثقا جدا من نفسه وغير مبال ألا برغباته الخاصة.... فسألته: "لماذا لم يحضر كورت لملاقاتي؟". رمقها بنظرة سريعة غامضة وغير مبالية ثم أدار المحرك وأخرج السيارة من الموقف وقال: "حدث عطل في المصنع وأضطر للتأخر , أنه عطل طارىء ". كان الجواب واضحا وصريحا ألا أنها أرادت متابعة الحوار : " الحمد لله أن العطل الطارىء لم يكن صعبا لدرجة أن يؤخرك أنت أيضا". تحركت شفتاه وكأنه أراد أن يبتسم لكنه لم يفعل وأكتفى بعدم الرد على تعليقها مركزا أنتباهه على الطريق وسط أزدحام السير , فتابعت آلانا حوارها الغاضب: "لا أعتقد أنه خطر لك مرة أن تنوب عن كورت لأصلاح العطل وتتركه حرا لملاقاتي؟". ثم عضت على شفتيها بغضب مستبقة الجواب: "بل حصل ذلك". نظر اليها ثانية لثوان معدودة , محدقا الى شفتيها اللامعتين بنوع خاص , وأعاد نظره الى الطريق بعد أن أرتسمت على شفتيه تلك الحركة المرحة الباردة والقاسية من جديد وتابع: " كان يجب ألا أحرم نفسي من لقائنا" . " لماذا؟". وتذكرت فجأة قربه فقالت: " لم يكن لقاء شيقا". " ربما لا". ورفع كتفيه العريضتين وكأنه لا يبالي بردة فعلها قائلا: " لكنه لقاء لا ينسى بسهولة ". أضافت بعنف: "ولا يغتفر أبدا!". " وهل تنتظرين أن أعتذر لك ؟". وأدركت من نبرات صوته أنه وجد الفكرة طريفة , فشدت أصابعها على المقعد الجلدي الذهبي اللون وتمنت لو أنها كانت تغرز أصابعها في جلده القاسي بدل جلد السيارة الطري. أجابته بنبرة متعجرفة: " لا أتوقع ذلك من رجل مثلك على كل حال , لأنني أعتقد أنك لا تعرف أصول الأدب". عقد حاجبيه وأجاب: " أصول الآداب , وما علاقة أصول الآداب بهذا؟". تلعثمت آلانا قليلا وشعرت بالغضب أمام عدم مبالاته , أنها صديقة أخيه وتتمنى أن تصبح زوجته لذلك أجابته بقسوة: " أنني صديقة أخيك ولا أعتقد أنه من اللائق أن تعانق فتاة أخيك!". أجاب ونظره الثاقب يخترق قلبها وهو يعرف أنها لن تجيب على سؤاله : " هل أنت فتاته حقا؟ الأمر لا يهم كثيرا , لقد علمت أخي المشاركة دائما!". أجابته على الفور: " صدقني لا يستميلني اليك أي شيء ولا أهتم.......". وأكمل عنها رولت الحديث: " .... بمغازلتك أبدا". وأزداد الشطب قرب فمه عما وهو يرسل أبتسامة ساخرة. فتابعت منفعلة وقد أحمر وجهها من فرط خشونته: " كنت على وشك أن أقول أنني لا أهتم أن أعرتني أي أنتباه! لكن أن أردت مني أن أصارحك أكثر , فأوافق على فكرتك أيضا!". ثم أشاحت بنظراتها التي ينبعث منها اللوم , وحاولت ألا تلتقي بنظره ,وتطلعت الى أسفل فوقع نظره على يديه القويتين المتشبثتين بمقود السيارة فعرفت أن هذه الأنامل الخبيرة بقيادة السيارات لا شك تملك قدرة مميزة في تعقيدات الحب وأن لمساتها الثابتة الجازمة قد تثير فيها النار متى تحسست وداعبت... وحين سرح خيالها الى البعيد, شعرت بالذنب وتطلعت أمامها وأحمرت وجنتاها بسبب الأفكار التي راودتها , أنها تحتقر هذا الرجل فكيف يمكنها أن تفكر بتلك الأمور ؟ هل فقدت فجأة معنى اللياقة والأحترام؟ حين لاحظ كورت أحمرار وجهها سألها: " هل أنت مرتبكة لهذه الدرجة بسبب قبلة؟". وبحركة لا أرادية , رفعت خصلة من شعرها الأشقر الكثيف عن خدها , فلمع في عينيها حنين رومنطيقي أزال بعض أرتباكها , فتابع رولت كلامه: " هل تراني عاملتك بعكس المقصود؟". وخفت صوته وكأنه أراد أن يجعل كلامه مقنعا: " هل يزعجك أن كنت أجدك...". قاطعته آلانا وقد أختارت الصفة بنفسها قائلة: " مسلية!". وألتفت نحوحا رولت وأجاب بنعومة: " هل هذا ما تعتقدين؟". فهزت ذقنها قليلا وقالت: "هذا صحيح , فأنت تعتبرني شيئا مسليا وأنسانة تداعبها بمرحك الساخر , عليك أن تفهم يا رولت أنني لن أكون وسيلة لتسليتك , لذلك يجب أن تجد غيري في مكان آخر!". فقاطعها جازما: " ماذا لو لم يرق لي أن أفتش في مكان آخر؟". ولكي تتجنب سخرية عينيه حدقت آلانا خارج النافذة وأخذت تراقب مقاطعة هيبينغ التجارية , وبعد قليل أجابته بصوت متوتر: " لا تلهو معي يا رولت, فأنا لست مهتمة بك!". " ربما كنت أنا مهتما بك". وقال ذلك بهدوء ورصانة ظاهرتين أثارتا فضول آلانا فتطلعت اليه , لكن ملامح وجهه البرونزي لم تعبّر عن أي شيء بينما أظهر الوميض الخافت في عينيه عكس ما يقول: " هل من الصعب أن تصدقي أنني أجدك جذابة؟". ثم جال بنظره على جسمها معبرا عن أعجابه وراح يدقق بتفاصيلها حتى توقف عند ساقيها فشعرت بالأحراج , لذلك سحبت طرفي تنورتها المفتوحة نحو بعضهما , أهتز الجرح القديم في فمه وأبتسم ساخرا من حركتها تلك , لقد فعل ذلك عن قصد وهو يعلم أنه سوف يثير غضبها , وها هي لم تخيب أمله فقد عضت على شفتها لتمنع نفسها من الصراخ غضبا وخيبة , ثم قالت والعرق يتقطر من جبينها: " غير معقول!". وأشاحت بوجهها الى النافذة من جديد , حتى توقفت السيارة عند الأشارة الحمراء , تابع رولت حديثه المثير وسألها: " أخبريني آلانا , ألم يعرفك رجل؟". فتنهدت بصعوبة وأجابته: " هذا ليس من شأنك". لكن رولت تابع كلامه: " أنت تخرجين مع أخي وأنا فضولي". فأضطربت الفتاة البريئة أكثر فأكثر حتى أنتبهت أنه يراقب أرتفاع وهبوط صدرها وردت عليه بصوت مرتفع: " يمكنك أن تبقى فضوليا كما تشاء". حين لاح اللون الأخضر أستعد رولت للأنطلاق بعد أن أرسل ضحكة ناعمة وقال: " لن أكون فضوليا بعد اليوم , فقد أجبت على سؤالي". ثم رمق رفيقته بنظرة خاطفة ساخرة وأضاف: " هل تحفظين نفسك من أجل كورت؟". شعرت أنها لم تعد قادرة على الأحتمال فقد كانت النيران تأكلها أكلا , أجابته بما يشبه الصراخ: " حسنا! على كل حال ليس لك! أبدا!". وبهدوء رجولي جازم أجابها محذرا وفي صوته قهقهة ساخرة: " أنتبهي , كلمة أبدا تعني وقتا طويلا". كانت تريد أن تتابع الجدل معه , لكنها لاحظت أن رولت أجتاز المفرق الذي يقودهم الى منزلها وتابع سيره على الطريق الرئيسي. فنبهته: " لقد أضعت الطريق". أجاب: "لا!". بدا واثقا جدا من جوابه مما جعل آلانا تلتفت ثانية الى الوراء لترى مفترق الطريق وهي شبه متأكدة أنه قد تجاوزه وقالت: " أن أهلي يعيشون هناك عند ذاك المفترق". " أنا لا أقودك الى البيت". فوجئت ألآنا بكلامه وتساءلت أن كان جادا فيما يقول , ولكنها حين نظرت الى وجهه تأكدت أنه لا يمزح , فأزدادت دهشتها وعجزت عن الكلام لفترة ثم سألت: " الى أين.......؟". أجابها ساخرا: " أن كورت في منزلي , وأنت تودين رؤيته ,أليس كذلك؟". أجابت وقد تعبت من ألاعيبه : " هل نذهب حقا الى هناك؟". خفض رولت سرعة السيارة وقال: " طبعا , ألا أذا تودين الذهاب لتوك الى البيت". " أود أن أرى كورت , لكن من المفروض أن يكون منشغلا بالأمر الطارىء الذي حدث". " أعتقد أنه سيتمكن من التفرغ بضع دقائق ليراك ... يمكنني أن أحل محله!". قال ذلك وأطلق ضحكة ساخرة أثارت عصبيتها فأجابت آلانا: " تماما كما حللت مكانه لموافاتي الى المطار". ثم رفعت أناملها الى رأسها الذي كان يخفق بالألم وتمتمت بمرارة : " تماما كما حللت مكان أبي أيضا ,أنني آسفة على تلك الساعة التي باع فيها أبي حصته لشركتكم". " لم يكن والدك يملك الأمكانيات المادية ولا المعرفة لأدارة الشركة , لو لم يبعها لنا عندما فعل , لكان الآن في حالة الأفلاس , هذه هي الحقيقة!". كان صوت رولت قاسيا وذا نبرات جافة وهو يضيف: "والى جانب ذلك , لما كنت ألتقيت بكورت أو بي". لم تعلق آلانا على ملاحظته بل تابعت تحديقها من النافذة , لم تعد الأبنية تتسارع أمامها كما في بداية الرحلة فقد بات المنظر يتألف في أغلبه من الأراضي الزراعية التي تزينها أشجار الصنوبر والبقع الخضراء , كانا يسيران على طريق تاكونيت تريل وسط جبال ميسابي. على قمة هذه البقعة في شمالي بحيرة مينيسوتا كانت أهم مناجم الحديد وهو مورد الدولة الأول ,كانت المنابع في فرميليون , ميسابي وغيرها من السلاسل الجبلية غنية جدا حتى أعتقد أنها ستدوم لألأبد , لكن التطور والحرب أظهرا نقصا في التبصر. وكانت قصة تحويل مناجم الحديد الكبيرة مكتوية على الواجهة لمن يحب قراءتها. هنا عاشت آلانا طفولتها , بين الوديان الملتوية والقمم المتعرجة... فجأة أقتلعتها من أرضها آلات كبيرة لكشف منابع الحديد , ونهبت ثرواتها وغزت المساحات الخضراء عمارات شاهقة شوّهن جمال الجبال وسكون الوديان. أن ميسابي كلمة هندية تعني .... أرض العملاق النائم. وقد أطلق هذا الأسم على سلسلة الجبال لأنها تشبه وجه رجل نائم , في الماضي كانت الغابات العذراء تغطي جميع المنحدرات ويتجول فيها صائدو الفراء بحرية لكن فؤوس قاطعي الأخشاب شرّدت الحيوانات وأقتلعت معدات التنقيب عن الحديد أغصان الشجر , وهكذا أختفت أشجار الصنوبر الشامخة التي عرفتها أوجيبوا والتي بلغ قطرها حوالي عشر أقدام أو أكثر وحلت محلها أشجار يانعة , بينما كان العملاق النائم يرتاح . جال في المنطقة عمالقة آخرون..... أنزلق نظر آلانا الى الرجل اللامبالي الذي يجلس وراء المقود وتأجج الغيظ بداخلها , لقد وصف والدها ذات مرة رولت ماثويز بالعملاق , قاصدا بذلك بنيته كرجل وليس طول قامته , هو طويل ومعضّل وله وجه صارم ,لكن لم تكن تلك ميزته الوحيدة عن غيره أو على الأقل هذا ما قاله والدها. دوربان باول , والد آلانا , كان رجلا حساسا ومثقفا لكنه رغم محاولاته الجادة , لم يكن مرة رجل أعمال ناجحا , فقد ورث عن جده ووالده منجم الحديد وثروة كبيرة... لم يعرف كيف يحافظ عليها فنضب المنبع وأنقطعت موارد العائلة , وفي أعماقها كانت آلانا تعلم أن ما قاله رولت عن والدها صحيح وأن الشركة كانت على وشك الأفلاس لو لم يشترها أهل كورت , لكنها كانت تعلم أيضا أنه حين باع الشركة لم يكن يفكر بالربح المادي لنفسه فقط , يومها كان همه الوحيد أقتصاد المنطقة ومصلحة الأشخاص الذين يعملون عنده. وبعد البيع , أحال نفسه على التقاعد وأكتفى بالعيش من موارد أمواله. وعندما أعترضت آلانا على هذا التصرف وأصرت عليه ليشارك فعليا في أنتقال الشركة وأعمالها في المستقبل , أبتسم وهز رأسه قائلا: " أنه عمل لرجل واحد وهو يحتاج لمن يجهد نفسه ويعمل دون الأهتمام للمشاعر الشخصية , فعندما يمتلك الأنسان تجارة وعمالا يشتغلون عنده ويميل للأشفاق عليهم , لا يمكنه عندئذ أن ينجح في تجارته , لقد مرت علي أيام أنشغلت فيها بمرض عائلة أحد عمالي أكثر من أنشغالي بأنتاجي اليومي ... فلا يمكن لرجل أعمال أن يسمح لأمور شخصية بأزعاجه بل عليه أن يتجنب العمال ومشاكلهم , لا يمكن للشعور الشخصي أن يلعب دورا بالتجارة , على الرجل المسؤول أن يتجنب هذه الأمور ويكون عملاقا ولا يفسح مجالا لأية عقبة أن تعترض طريق نجاحه , وأن رولت ماثويز هو ذاك الرجل. فأجابت آلانا: " أنه بارد وخشن , أهذا ما تعنيه؟". " أعتقد أنه يمكنك وصفه بهذا الشكل , لكنه سوف يتمكن من أنجاح الشركة وأنجاح نفسه , والجميع يستفيدون من هذا التفوق بما في ذلك نحن". بارد وخشن , صفات كانت تناسب رولت تماما , فقد كان يتجنب الجميع ويتعالى عليهم وحسب علم آلانا منذ أن تسلم أدارة الشركة , لم يترافق رولت مع أحد من موظفيها خارج أوقات العمل. كورت وحده خالف هذا المبدأ ورغم ذلك لم تسنح أية فرصة لقاء بينهما , حين وقع نظر آلانا ثانية على اليدين القويتين والحمراوين المتشبثتين بالمقود, تساءلت بسرعة عن النساء اللواتي عرفهن فلم تشك أبدا أن لمسة يديه تمنح السعادة أو الألم , لكنها كانت تتساءل أن كان رولت نفسه قد أحس مرة بأي شعور. أبطأت السيارة وخرجت عن الطريق الرئيسي , فأبصرت آلانا مدخل الشركة حيث وقف الحارس قرب البوابة المقفلة , عندما وصلت السيارة الى البوابة أنحنى الحارس ليرى من بداخلها ثم أومأ بأحترام وفتح لها باب الدخول , وتخيلت آلانا أنها تعرف الحارس ألا أن شعره الأبيض وأنخفاض أكتافه مع مرور السنين بدّلا ملامحه , لكن وجهه لم يكن غريبا عنها وتذكرت أنها تعرفت عليه يوم جاءت مرة منذ خمس سنوات الى الشركة لتأخذ والدهافسألت: " أليس هذا بوب شميدت ؟ كنت أذهب الى المدرسة مع أبنته جوستين". " ربما , فأنا لا أعرف أسمه". كانت قلة أهتمام رولت بهوية الرجال واضحة في جوابه اللامبالي , أما والدها فقد كان يعرف الأسم , ويفتخر بنفسه أذ أنه يعرف أسم كل رجل يعمل في شركته , لكنها لم تعلق على الموضوع لأنها تذكرت منذ قليل وصايا والدها ونصائحه بخصوص الصفات المطلوبة للنجاح. على كل حال لم يكن مهما أن يعرف رولت أسم الحارس ما دام سجل المعاشات والكومبيوتر يعرفانه. في أعماقها كانت تفضل والدها الفاشل الحساس على رولت الناجح العملاق الذي يفتش عن حاجاته الغريزية ولا يعرف المشاعر الأنسانية , لذلك حمدت الله على أن كورت لم يكتسب من أخيه قلبه المتحجر. داخل البوابات , كانت الشركة تضج بالحركة .... على سطح البناء الكبير يتصاعد الدخان من المداخن المضبوطة ضد التلوث وشاحنات ضخمة تنطلق من المناجم واليها ناشرة في الجو غيوما من الغبار تلوث السحاب وترسم غشاوة تحجب الرؤية وأصوات الالآت وأصوات الآلات الضخمة تكاد تصم الآذان . كل شيء تغير بنظر آلانا .... لم يومىء لها العمال بالتحية الفرحة كما كان يحدث عند قدوم والدها , حتى الكلام فيما بينهم كان نادرا خيم على المكان جو عمل وكفاءة فقط. أوقف رولت سيارته السوداء في المكان المخصص له وسأل آلانا : " ألم تأتي الى هنا منذ أن باع والدك الشركة؟". فأجابته بجفاء: " مرة واحدة وكان مرورا سريعا". أطفأ المحرك وبقي جالسا في مقعده ثم سألها: " حصل تغيير كبير منذ أيام أبيك , أليس كذلك؟ لا أعتقد أنك أحببت هذا التغيير". سرحت نظراتها على المكان من جديد , وأدركت أنه قرأ أفكارها . وبحركة من رأسها أجابته بعلامة النفي ,وتابع كلامه: " أننا نحقق أرباحا تفوق أرباح والدك بأشواط". ردت على افور: " بالنسبة لي لا تقاس قيمة الرجال بكمية المال التي يربحونها". " أنه التحدي , فالرضى النفسي هو أن يصنع الأنسان شيئا من لا شيء , أو أن يتلقى شيئا باليا فيجعله حيا , السعادة هي النضال والربح والمال ليس الهدف بل هو سجل الأنجازات , على الرجل أن يعمل لتحقيق هدفه سواء كان المال في النهاية أو لم يكن, المسألة مسألة تحد". تمتمت آلانا ببرودة : " يبدو أنك واثق جدامن هذا الموضوع". " بل لنقل أنني أحصل دائما على ما أريد". بدا جوابه وكأنه نذير شؤم ,فاحست آلانا بالحذر وخالت أن السيارة سوف تطبق عليها , ورغم وجود الناس حولهما , لم تشعر بالأرتياح لبقائها وحيدة برفقته داخل السيارة , فسألته فجأة : " هذا الحديث مثقف جدا , لكنني أتيت الى هنا لرؤية كورت ". كانت أعصابها مضطربة لذلك مدت يدها الى قفل الباب ولم تشأ أن تنتظر أن يفتح لها رولت كما تقتضي الأصول , وقبل أن تتمكن من أدارة القفل أحاط الشاب القوي خصرها بذراعه ,وشدّها الى المقعد وهو يقول: " أنتظري". أستدارت ألانا وقد فهمت قصده , لكنها تظاهرت بالجهل وسألته بحذر: " لماذا؟". ظهر بريق مرح في عينيه ولم تكد تثني عن عزمها بالنزول حتى تحركت يده الثانية وأرتفعت نحو واقية الشمس فأنزلها بهدوء ودل آلانا على مرآة صغيرة وقال: " عليك أضافة بعض اللمسات على الماكياج قبل رؤية كورت". وأزداد الجرح قرب فمه عمقا وكأنه يسخر منها وأضاف: " هل تعتقدين أنه لن يلاحظ بأن أحمر شفاهك قد تلطخ!؟". تطلعت الى المرآة فلونت خديها على الفور بقعة قرمزية أذ شاهدت لطخة من الزهر الوردي تغطي شفتيها. لقد أنتظر حتى اللحظة الأخيرة لينبهها الى حالها , فيذكّرها عن قصد بما حصل قبل بضع دقائق من لقاء كورت. مسحت البقعة الحمراء بسرعة بمحرمة وضعتها في محفظتها بينما عيناه الزرقاوان تراقبانها بهدوء يثير أعصابها ويدفع الرجفة الى أصابعها وهي تحاول أن تضفي من جديد لونا رطبا على شفتيها . وبينما هي منشغلة سألها ساخرا: "هل تحبين أن أمسح لك اللون؟". "لا شكرا". وبحركة سريعة جففت حمرة شفاهها بمحرمة نظيفة وأصبحت جاهزة لمغادرة السيارة , لكن رولت أصر على البقاء وقال: " أمر واحد بعد". ثم أنحنى نحوها , فحاولت أن تبقى بعيدة عن ملمسه وأرجعت كتفيها بسرعة حتى ضغطت على الباب , وفوجئت بأن يده لم تفتش عن ذراعيها بل عن قبة قميصها. أمسكت بذراعه وحاولت أن تبعد يديه عن قميصها وصرخت: " ماذا تفعل؟". لكن غضبها لم ينفع , فقد تجاهل محاولاتها بأبعاده عن مرماه , وبكل هدوء أخذ يتصرف كأنه يمتلكها ويحق له ما لا يحق لسواه , فجاهدت وحاولت أن تمنعه برغم قوته , ثم تنهدت بغضب عندما رأته يتهادى وصرخت: " توقف". أكتفى رولت بالأبتسام وأستمر في محاولاته كأنه لا يسمع وقد بدا عليه الأعجاب بنفسه , ثم قال: "أريدك أن تفتني أخي". وحين راح يحدق بالظلال الناعسة هناك أحست بالمرارة تحرق قلبها , أرتجفت من الغضب العاجز والأرتباك , ولكن وضعها لم يتغير بهذه السهولة. ركّز أنتباهه على تقاسيم وجهها وأضاف: " أن أي شيء صغير يثير دائما أهتمام الرجل". تلك اللحظة كانت تشعر بأن وجوده يصهرها وبصمات أصابعه تنهب وجوهها فأمرته بخشونة: " أرفع يديك عني!". هز رأسه أيجابا وأبتعد عن مغامرته الحمقاء , لكنه أظهر حنانا واضحا قبل أن يرجع الى مكانه في السيارة ولمعت في عينيه نظرة شريرة جعلت آلانا تتمنى لو تحمل سكينا فتغرزها في قلبه على الفور غير آبهة بالنتائج. فتح رولت الباب وخرج , فعلت موجة الضجيج والغبار

تحميـــــل الملــــف مـــن هنــــــا