الأميرة و الثعبان

كان شاب فلاح ، طيب القلب ، يعيش مع زوجته سعيدبن في حياتهما ، قانعين بما اعطاهم الله ، راضين بما انعم به عليهم ، من خير ونعمة . ولم يكن يكدر سعادتهما ، وينغص حياتهما ، إلا حرمانهما الاطفال ، فهما لم يرزقا بطفلا ، يملأ قلبيهما فرحا ، وينشر في بيتهما الفرحة والسرور . وكثيرا ما دعت الزوجة الله ، في صلواتها ، ان يمن الله عليها بطفل ، تسمعه وهو يناديها : يا أمى ، فتتم هناءتها ، وتكمل سعادة زوجها . وفي يوم من الايام ، انتهى الفلاح من عمله ، وعاد الي منزله ، ومعه حزمة من الحطب ، فألقاها بجانب الحائط ، وغير ثيابه ، وجلس يتناول طعام العشاء ، مع زوجته . وبعد العشاء ، اخذت الزوجة تحدث زوجها ، وتقص عليه حلما رأته في نومها ، فقالت :لقد حلمت ان الله_ ( سبحانه تعالي) قد استجاب لدعائي وتقبل صلواتى ، ورزقنا طفلا جميلا . وحينما كانت تقص علي زوجها الحلم ، وزوجها يستمع إليها فرحا ، متمنيا ان يتحقق هذا الحلم ، رأي الإثنان ثعبانا صغيرا ، يخرج من بين اعواد الحطب . كان الثعبان صغيرا ، لطيف الحركة ، فلما رأه الزوجان سكتا عن الكلام ، وجعلا يتأملان حركاته
ثم تذكرت الزوجة حالها ، وبدأت تبكي ، وتقول لزوجها انظر : حتى الثعابين لها صغارا اما نحن فليس لنا اطفالا ، اخذ الزوج يصبر زوجته ويسليها ، وهى لا تكف عن البكاء . وفجأة لقا الزوجان الثعبان الصغير ، يقترب منهما ، ويرفع نحيتهم رأسه ، ويقول بصوت جميل ، وفي لغة صحيحة : لا تبكى يا سيدتى ، علي انكى لم ترزقي بطفلا خذينى طفلا لكى ، وربينى كما تربي الام طفلها ، وانا اعدك وعدا صادقا ، ان احبك ، وان اكون بارا بكى ، وبزوجك ومطيعا لكما ، وثقي يا سيدتى ، انكى لن تندمى اذا فعلتى هذا ، وتأكدى اننى سأرد لكى الجميل ، وأننى لن انسي لكى تربيتك ، وعنايتك ، وحنانك ، ورعايتك . ثم ألتفت الثعبان نحو الفلاح ، وقال : وانت يا سيدى ، تأكد ستنال الخير ، إذا تبنيتنى ، وانك ستجدنى الولد الطيب المطيع . عجب الزوجان لحديث الثعبان الصغير ، عجبا شديدا ، ولم يستطيعا الكلام ، لشدة دهشتهما ، ومضت فترة من السكوت ، في اثنائها ، يتقدم جهة الزوجة ، في هدوء وخوف ، حتى صار بجوارها ، فوقف عن الحركه ، ومد جسده الصغير ، ورفع رأسه ، فقالت الزوجة : أيها الثعبان الصغير اللطيف ! يسرنا ان نتخذك ولدا لنا ، وأن نربيك ، كما يربي الاباء والامهات اطفالهم ، وأن نعتنى بك ، ونحبك ، كأنك ابنا حقيقي لنا .. ثم قامت فحملت الثعبان ، ونظفته ، ووضعته في مكان نظيف ، ثم صنعت له فراشا لينا من قطعة حرير كانت عندها . وارقدته في صوان الملابس ، وتركت جزءا من باب الصوان مفتوحا للتهوية ، حتى لا يموت .... نما الثعبان وكبر ، وصار ضخما ، اضخم من اى ثعبان رأه الفلاح وزوجته ، وكان يزحف الي حديقة المنزل ، في النهار ، ويعود الي مكانه في مواعيد الطعام ، كأنه انسان منظم دقيق ، فإذا اقبل الليل ، دخل الصوان ، ونام الي الصباح ، وكان يخاطب الفلاح بقوله : يا أبي ، ويخاطب الفلاحة : يا أمى ، وإذا احتاج الي شىء طلبهما منهما بكل احترام وأدب ، وإذا شكل شيئا ، ذكره لهما في رقة ولطف ، مرت الاشهر والسنين ، والفلاح وزوجته والثعبان ، يعيشون كأنهم اسرة واحدة سعيدة
وفي يوم من الايام قال الثعبان لابيه : أبي قد كبرت ، واصبحت شابا ، وأنى اريد ان اتزوج ... وقال الفلاح هذا رأي جميل ، وسأبحث في الحقل عن رفيقة لك ، من بنات جنسك ، لتكون زوجة لك ، تشاركك في حياتك ، حلوها ومرها ... قال الثعبان ، لا يا أبي ، إنى لا اريد ان اتزوج من الثعابين ، فإنها لا تصلح لي ، ولا اصلح لها ، وإنما اريد ان اتزوج من الاميرة الجميلة ، بنت السلطان العظيم ، فاذهب الي العاصمة واسأل عن قصر السلطان ، ثم اطلب الإذن في مقابلته ، وحينما يسمح لك بالوقوف بين يديه ، اذكر له رغبتى وامنيتى ، وقل له : سيدى السلطان العظيم ، إن في بيتى ثعبانا كبير ، قد ربيته منذ صغره ، وهو يرجو ان يتزوج الاميرة ابنتكم ، وقد أنابنى عنه في ان اخطبها ، لتكون زوجة له ، وهو ثعبان غريب ، يتكلم كما يتكلم الانسان ، ويفكر كما يفكر الانسان ، ولو انه علي صورة ثعبان ، رأي السلطان ان الرجل ساذج في تفكيره ، بسيط في كلامه ، فضحك بملء فمه وقال له : ارجع الي منزلك واخبر الثعبان انى مستعد ازوجه ابنتى ، إذا استطاع ان يحول جميع الثمار ، التي في حديقة قصري الي ذهب ، ثم اخرج الفلاح وعد السلطان هذا الكلام كله مزاحا ، ولم يفكر في الامر بعد ذلك . رجع الفلاح الي بيته ، واخبر الثعبان برسالة السلطان ، ورضائه عن الزواج ، اذا حول له ثمار الحديقة الي ذهب ، فقال له الثعبان : ارجو ان تخرج في الصباح الباكر غدا ، وتلتقط من الحديقة ما تجده من بذور الفواكه ، وجذورها ، وعيدانها التي تصلح للغرس ، ثم خذها الي حديقة السلطان ، وابذر فيها ما وجدته من البذور ، واغرس فيها ما وجدته من الجذر والعيدان ، وستجد بعد ذلك العجب العجاب ، فقال الفلاح : سأبذل كل جهدى ، واعمل ما في وسعي لتحقيق رغبتك ، وفي الفجر استيقظ ، وحمله سلة كبيرة في يده ، وذهب الي الحديقة ، واخذ يلتقط كل ما يجده ، من البذور والجذور ، وكل ما يصلح للغرس ، من فروع الفواكه ، حتى ملأ السلة فحملها في يده ، وذهب الي حديقة السلطان ، وزرع فيها ما احضره معه ، من نوع المشمش والخوج والمانجو وألقي ما معه من البذور ، وغرس ما عنده من الجذور والعيدان ، كما وصاه الثعبان ، ولم يكد ينتهى من الغرس والزراع ، حتى رأي اشجار الحديقة كلها ، قد تحولت سيقانها ، واغصانها ، وفروعها ، واوراقها ، وثمارها ، وفواكهها ، الي ذهب لامع براق . فوقف الفلاح ، ونظر اليها ، وهو في غاية الحيرة والدهشة ، ثم رجع البيت مسرعا ، ليخبر الثعبان بما حدث ، من العجائب والغرائب ، ونزل السلطان الي حديقة قصره ، ليقضي فيها بعض الوقت ، فرأي منظرا عجيبا ، شاهد الاشجار ، والفواكه التي بالحديقة ، قد تحولت كلها الي اشجار من الذهب ، وفواكه من الذهب ، وازهار من الذهب ، فلم يصدق عينيه ، فنظر مرة ثانية ، ومرة ثالثة ، نظرة فاحصة ، ليتأكد ويتحقق ما يري ، وقد تأكد وتثبت ما رأه ، وعلم علم اليقين ، ان الحديقة كلها قد تحولت حقا الي ذهب ، وأخذ يسال نفسه ، متعجبا حائرا مدهوشا ، ما معنى هذا وما المقصود منه ، وأخذ يردد في نفسه ، ان هذا لا يمكن ان يكون من عمل الفلاح ، الفقير المسكين ، الذي طلب منى ان يتزوج الثعبان ابنتى ، وبعد هذا ، ارسل الثعبان الفلاح الي السلطان ، يسأله الوفاء بوعده ، الذي وعده ، وهو ان يسمح بان يتزوج الثعبان الاميرة ، بعد ان تحولت الحديقة الي الذهب ، فأجاب السلطان ، انتظر قليلا ، فليس الامر سهلا كما تظن ، وإذا اراد الثعبان حقا ان تحقق رغبته ، يتزوج ابنتى الاميرة ، وجب عليه ان يغطى ارض القصر كلها ، بطبقة من الذهب ، ويجب ان ينفذ هذا قبل ان اسمح لابنتى ، وهى اميرة من احسن الاميرات ، ان تتزوج ثعبانا من الثعابين ، رجع الفلاح الي الثعبان ، وقد خاف ان يبلغه رسالة السلطان ، لئلا يغضب ويشتد غضبه ، ولكنه اضطر في النهاية ، ان يذكر للثعبان ما قاله السلطان ، فقال له الثعبان : اذهب مرة اخري الي الحقل واجمع حزمة من الاعشاب الخضراء، واجعلها بشكل مكنسة ، ثم اذهب الي قصر السلطان ، واكنس بها ارض القصر حجرة حجرة ، وطبقة طبقة ، ولا تترك شبرا من القصر دون ان تكنسه بهذه المكنسة ، وستري بعد ذلك العجب العجاب ، وسيجد السلطان في قصره طبقة من الذهب في كل مكان . جري الفلاح الي الحقل ، وجمع حزمة من الاعشاب الخضراء ، وكون منها حزمة ، وربطها ، وجعل منها مكنسة خضراء ، ثم ذهب الي القصر ، وأستئذن بأن يسمح له بكنس القصر ، من اعلاه الي اسفله ، بهذه المكنسة ، فأذن له ، وبدأ يكنس كل حجرات القصر ، وكلما كنس حجرة منها ، تحولت ارضها الي طبقة كثيفة من الذهب ، وصارت كبساط ذهبي براق ، وبعد ان انتهى من الدور الاول ، انتقل الي الدور الثاني ، ثم الثالث ، حتى كنس القصر كله بهذه المكنسة العجيبة ، فصارت ارضه كلها طبقات كثيفة ذهبية ، وبعد ذلك قابل الفلاح السلطان ، نائبا عن الثعبان ، ورجاه ان ،يفي بوعده ويسمح بأن تتزوج الاميرة الجميلة الثعبان ، بعد ان تحققت رغبة السلطان وامنيته ، وتحولت ارض القصر كلها الي طبقات ذهبية براقة ، ولم يستطع السلطان ان يطلب منه شيئا اخر ، فقال له : لقد قبلت زواج ابنتى من الثعبان الذي ربيته ، وحدثتنى عنه ، ولكن امام الثعبان صعوبة اخري ، هى ان ترضي ابنتى ان تتزوجه . طلب السلطان ابنته الاميرة ، وقال لها : ابنتى العزيزة الغالية ، لقد وعد ابيك وعدا طائشا ، غير معقول ، وعدا بعيدا عن الحكمة ، وقد اسرع في الوعد ، ولكنه وعدا علي اى حال ، ويجب ان انفذه ، وأوفي به ، واملي كبير في ان تنفذي وعد ابيكى ، وتفي به ، حتى لا يقال سلطان البلاد اخلف وعده ، ولم يفي به ، وخلف الوعد عندى رذيلة ، لا يجوز ان يتصف بها انسان . فقالت الاميرة اننى يا ابي طوع ارادتك ، وان اوامرك لنافذة ، ولو كان فيها موتى او هلاكى ، وسأفعل كل ما تأمرنى به ، فأمر بما تشاء ، وسأنفذ امرك في الحال ، ولن اتردد . فقال السلطان : انى احب ان تتزوجى من اخترته زوجا لكى ، فاحنت راسها طاعة لابيها ، ووعدت ان تحقق رغبته ، وتتزوج من اختاره زوجا لها ، وشريكا في حياتها المقبلة ، ولم تعلم الاميرة المسكينة ان اباها قد وعد ان يزوجها ثعبانا لا انسانا . وعدت الاميرة اباها ان تتزوج من اختاره لها ، فأرسل السلطان الفلاح لاحضار الثعبان الي القصر ، لتري الاميرة خطيبها ، وزوجها المنتظر ، وشريكها في الحياة ، وبعدساعة حضر الثعبان عربة مصنوعة من الذهب ، يجرها اربعة افيال ، وحينما مرت العربة الذهبية ، من شوارع المدينة ، هربا الناس خوفا وفزعا ، من منظر الثعبان الكبير ، الذي يجلس بداخلها ، وبجانبه احد الفلاحين ، وصلت العربة الذهبية الي القصر ، وفيها ثعبان مخيف ، ومعه الفلاح ، فارتعد كل من راها من الحرس والخدم ورجال القصر ، وخافو خوفا شديد فهربو جميعا ، اما السلطان ولسلطانة ، قد جريا الي غرفة الاميرة ، وطلبا منها ان تهرب معهما ، من هذا الثعبان الوحش ، وقال لها السلطان : هيا نهرب يا ابنتى العزيزة .... هيا .... يجب ان نختفي من هنا ، قبل ان يأتى هذا الثعبان ، البشع الفظيع ، قالت الاميرة لا يا أبي لن افر ، ولن اهرب ، فانا قد وعدتك ، بأن اتزوج من اخترته لي ، وأنت قد وعدت الثعبان بأن يتزوجنى ، ولا يصح ان يقال ، إن السلطان وابنته قد اخلفا وعدهما ، فهذا عار لا احتمله ، وسأبقي هنا حتى يأتى خطيبي ، فتألم السلطان والسلطانة ، وهربا الي حجرة بالطبقة العلية من القصر ، وأغلقا بابها عليهما ، وبعد لحظات ذهب الثعبان الي حجرة الأميرة ، وأستئذن ودخل ، فرأها واقفة هادئة ثابتة ، لا يبدو الخوف علي مظهرها ، ولا الفزع عي وجهها ، ورآها تنحنى له ، ترحيبا به ، نظر الثعبان اليها نظرة كلها اعجاب وتقدير ، فهو معجب بثباتها وهدوئها ، في هذا الموقف المخيف ، معجب بضبط عواطفها ، مقدر لوفائها بوعدها ، ومحافظتها عي عهدها ، وتأثر برضائها به كل التأثر ، مع أنه ثعبان شكله مخيف ، وهى اميرة فائقة الجمال ، فقال لها : هل قبلتى الزواج منى ايتها الاميرة الجميلة ؟ فأجابته : نعم ، لقد قبلت . وفي اللحظة التي نطقت بهذه الجملة ، قد تحول الثعبان المخيف القبيح المنظر ، الي شاب جميل ، حسن الهندام ، مبتسم الفم ، ازرق العينين ، اسود الشعر ، تظهر عليه علامات الرجولة والشهامة والشجاعة . سمع السلطان وهو متخفي مع السلطانة ، في الطبقة العليا من القصر ، ان الثعبان الكبير، قد دخل علي ابنته في حجرتها ، فقال للسلطانة في صوت مرتفع ، وا اسفاه ، وا حزناه ، إنى اخاف ان يكون الثعبان قتل ابنتنا الوحيدة . لقد قضيت عليها وقتلتها ، بطمعى ، وجشعى ، وشراهتى ، ومحبتى للذهب ، وتفكيري في الغنى ، وعدم تفكيري في شىء اخر سوي الذهب .... ولكن ما فائدة الذهب الان ؟ وما فائدة المال ؟ وهل يستطيع المال ان يرد لي ابنتى الغالية ؟ ثم خرج السلطان والسلطانة ، من من الحجرة العليا ؟ التي اختفيا فيها ، وذهبا الي حجرة الاميرة ، التي دخلها الثعبان ، فوجدا الحجرة مغقا عليهما ، فنظر السلطان والسلطانة من النافذة ، فلم يجد مع الاميرة ثعبانا ، وإنما رأيا شابا ، صحيح الجسم ، رائع الجمال ، تظهر عليه القوة والشجاعة ، ورأى جلد الثعبان ملقي في ركن من اركان الحجرة ، فعجب كل العجب ، وادركا ان في الامر سرا ، فرحا السلطان والسلطانة فرحا لا يقدر ، حينما رايا ابنتهما لم تصب بسوء، وطرقا باب الحجرة ، واستئذنا في الدخول ، ولما دخلا جعلا يعانقان الاميرة ويقبلانها ، ويهنئان خطيبها ، الذي قص عليهما قصته ، وكيف سحرته ساحرة ماكرة ، الي شكل ثعبان ، وهو امير ، ابن سلطان عظيم ، فسر الجميع سرورا كثيرا ، ولكن الفرح لم يبقي طويلا ، ففق جرت السلطانة جلد الثعبان ، وقالت للامير لن تبقي ثعبانا مرة اخري ، والقت الجلد في النار ، فنظر الاميرة اليها نظرة كلها حزن وألم ، وقال : انك لا تعلمين ماذا فعلتى ، وعلي اي خطر اقدمتى ، وفي الوقت الذي تم حرق جلد الثعبان ، تحول الامير المسكين ، الي طائر ابيض حزين ، وبدأ يطير الي نافذة قد اغلقها زجاجها ، فكسر زجاج النافذة بقوته ، وجرح نفسه ، وخرج من النافذة ، وطار بعيدا في السماء . ورأي السلطان والسلطانة والاميرة ، قطرات الدم الاحمر ، تتساقط فوق ريشه الابيض ، وجرت الاميرة الي النافذة ، ونظرت الي الطائر الجريح المسكين ، وهو يطير ، واستمرت تنظر اليه حتى اختفي عن النظر في السماء الزرقاء ، ومدت الاميرة زراعيها الي السماء ، تطلب له من الله النجاه ، وبدأت تبكى بكاءا مرا ، وحاول ابواها ان يسكتاها ، ويسلياها ، وينصحا لها بالصبر ، ولكن بكائها كان يشتد ، وحزنها كان يزيد ، علي فقدها خطيبها الامير الشاب الجميل . اقبل الليل ، وذهب كل فرد في القصر الي فراشه ، إلا الاميرة ، فإنها لبست ملابسها ، وتركت حجرتها ، وذهبت الي ابيها وامها ، تستأذنهما في الخروج ، للبحث عن خطيبها الامير المسحور . ولم يجد الاب والام فائدة من المعارضة ، فسمحا لها . صممت الاميرة ان تبحث في كل انحاء العالم ، حتى تجد خطيبها الامير المسكين ، الذي وعدت ان تتزوجه ، خرجت الاميرة من القصر وحدها ، ولم تسمح لاحد بمصاحبتها ، ومرافقتها للبحث معها ، وتركت المدينة وسارت ، حتى وصلت الي غابة كبيرة ، فدخلتها ، واستمرت سائرة فيها ، حتى قابلها ثعلب ، فتألم لحالها ، لما رأها حزينة ، باكية العين ، وعرض عليها استعداده لمساعدتها ، بأن يرشدها الي الطريق في الغابة ، لانها وحدها ، وليس معها احد يحرسها ، في اثناء الليل . فشكرت الاميرة للثعلب شعوره النبيل ، ورضيت بذهابه معها لإرشادها ، وسار معا في الغابة ليلا ، ولحسن حظها كانت الليلة مقمرة ، وكان ضوء القمر ساطعا في كل مكان وبعد مدة تعبت الاميرة من المشي ، واشتد بها التعب ، واضطرت الي ان تجلس علي الحشيش الاخضر الرطب ، تحت اشجار الغابة ، لتستريح من التعب ، ثم تقوم لتكمل رحلتها ، وبحثها عن خطيبها المسكين ، وجلس الثعلب قريبا منها ، ليحرسها من الحيوانات المتوحشة ، ولشدة تعبها غلبها النوم ، ولم تستطع مقاومته ، فنامت نوما عميقا ، ولم تكد تستيقظ من النوم حتى سمعت الطيور علي الشجرة، تغنى بصوت جميل ، لم تسمعه من قبل ، فسألها الثعلب :هل تفهمين يا سيدتى ما تقوله هذه الطيور ؟ فأجابت الاميرة : لا ، إنى لا افهم لغة الطيور ، ولكنى احب صوتها العذب ، وغنائها الجميل ، فأما الثعلب فقد فهم ما تقول ، فبدأ يشرح للاميرة ، بلغة هادئة بطيئة ، ما تقصده الطيور من غنائها ويفسر لها معنى اغنيتها ، ويبين لها ان هذه الطيور ، تتحدث عن امير مسحور ، قد مسخ من قبل بتأثير السحر ، فتحول الي شكل ثعبان ، وعاش كما يعيش الثعبان ، ثم عنيت بتربيته سيدة فلاحة واتخذته مثل طفلا لها ، وتبناه زوجها ، واستمر عندهما عشر سنوات ، وقد انقضت هذه السنوات العشر ، سنة بعد اخري حتى كبر ، واحب اميرة من الاميرات ، واراد ان يتزوجها ، فرضي ابوها ، بعد ان قام له الثعبان باشياء عجيبة غريبة ، ووعده ان يزوجه ابنته ، ورضيت الاميرة ان يتزوجها هذا الثعبان ، حتى لا يقال : إن اباها اخلف وعده . فزال تأثير السحر عنه ، ورجع الي صورته الاولي ، وهى صورة انسان كما كان ، وفي اثناء وجوده بحجرتها في القصر ، قامت امها السلطانة ، بإلقاء جلده في النار ، لتتخلص من صورة الثعبان ، وشكل الثعبان ، حتى لا يلحق ابنتها اى شر ، او اذي ، سكت الثعلب ، وبكت الاميرة ، حينما عرفت ان الطيور تحكى قصة خطيبها ، وتبين ما حدث له ولها ، ورجت الثعلب ان يكمل لها بقية القصة ، التي تغنيها الطيور ، ويشرح لها ما اصاب الامير ، وهل زال هذا السحر ؟ قال الثعلب وقد ظنت امها ، ان في عملها نجاة ابنتها الاميرة ، ولكنها اساءت لها اكبر اساءة ، بحسن نية ؛ لأن الامير تحول الي طائر ابيض ، كالحمامة البيضاء ، وصار في حالة يرثي لها ، وهو الان في شدة الخطر ، ويخاف عليه من الموت . فسألته الاميرة : ارجو ان تذكر لي ؛ لماذا هو في شدة الخطر ؟ فأجاب الثعلب : لأن والدة الاميرة قد حرقت جلد الثعبان ، فحكم علي الامير ان يمسخ ، ويتحول الي طائر ، لكى يهرب من الحجرة ، فتحول الي طائر ابيض ، ولما اراد الخروج من النافذة بقوة ، كان زجاجها مغلقا ، فكسر الزجاج ، وجرحت ذراعه جرحا بليغا ، وربما يموت من هذا الجرح .... اصغي يا سيدتى؛ هل تسمعين صوت الطيور فوق الشجرة ؟ انه صوت محزن كل الحزن ؛ لأن الامير الان في اشد حالات الخطر ، ولكن بإخلاص خطيبته ووفائها له ، وبحثها عنه ، وتفكيرها فيه ، وهو طائر جريح مسكين ، قد عاد امير كما كان ، وعاد الي قصر ابيه ، غير انه في حالة خطرة من الجروح التي بذراعه ، وهو الان في ايامه الاخيرة ، وقد يموت من هذه الجروح . فسألته الاميرة : الآ تستطيع ان تخبرنى ، عن وسيلة لعلاجه وشفائه من جروحه ؟ فأجاب الثعلب : هناك وسيلة واحدة فقط ، لشفائه وعلاجه ؛ وهى ان تتمكن الاميرة التي خطبها ، واراد ان يتزوجها ، واحبها ، واخلص لها الاخلاص كله ، من ان تأخذ ريشة ، من ذيل كل طائر ، من تلك الطيور الاربعة ، من تلك الطيور التي تغنى غناءا حزينا ، وتغرد تغريدا مبكيا ، فوق الشجرة ، ثم تذهب اليه بنفسها ، لتضع هذا الريش فوق جروحه ، وبهذا العلاج وحده ، يشفي الامير من مرضه ، بمشيئة الله تعالي . سمعت الاميرة هذه النصيحة ، فاخبرت الثعلب بشخصيتها . وطبعا بعد مقالت الاميرة عن شخصيتها للثعلب قالت له : انها خطيبة الامير المسكين ، وقد حضرت للبحث عنه ، والعمل علي نجاته ، وانقاذه من تأثير السحر والمرض ، ورجته ان يأتى لها بريشة ، من ذيل كل طائر من هذه الطيور الاربعة ، ويعطيها هذا الريش ، لتعالج به الامير المريض ، وتوسلت اليه ان يسدى اليها هذا المعروف ووعدته ان تعده علي الدوام الصديق الوفي لها ، وأن تكافئه احسن مكافأه علي جميله . فأجاب الثعلب : سأحاول ذلك بكل سرور ، ولكن الامر يحتاج الي صبر طويل ، لأن هذه الطيور كثيرة الخجل ، شديدة الحياء ، سريعة الطيران ، اذا قربت منها نهارا ، وانت ترين ان الشمس قد طلعت ، وان الطيور تري كل حركة ، فإذا قربت منها الان طارت وهربت ، وسنضطر ان ننتظر الي المساء ، حتى ينقضي النهار بنوره ، ويقبل الليل بظلمته ، وتذهب الطيور لعشاشها لتنام ، وحينئذ اتسلق الشجرة بكل هدوء ، واخذ ريشة من كل ذيل طائر من هذه الطيور الاربعة ، وهو في عشه . قضت الاميرة النهار كله في الغابة تحت الشجرة ، ومعها الثعلب الوفي الحكيم ، واخذت تعد النهار بالساعة ، فطال النهار ، وطال الوقت ، وبدا لها ان الساعات تمر ببطء شديد ، واخيرا غربت الشمس واقبل الليل التي تنتظره الاميرة بفارغ الصبر ، واخذ كل طائر يذهب الي عشه ، واجتمعت الطيور الاربعة علي الشجرة لتنام في عشاشها . اخذت الاميرة والثعلب ينظران الي الطيور التي فوق الشجرة ، وينتظران ذهابها الي عشاشها لتنام فيها ، وحينما تأكد الثعلب ان الطيور الاربعة تركت فروع الشجر ، نامت في عشاشها ، تسلق الشجرة بكل هدوء ؛ حتى لا يستيقظ اى طائر ، ولا يتحرك من عشه ، وبسرعة ومهارة اخذ ريشة من ذيل كل طائر من الطيور الاربعة الحزينة علي الامير ، وهى الطيور التي كانت تغنى ، وتذكر في غنائها بصوتها الشجى المحزن ، قصة الامير وما حدث له ، ثم نزل من الشجرة ، وقدم للاميرة الريشات الاربع التي تحتاج اليها لعلاج الامير من جروحه . فقالت الاميرة : ايها الثعلب الحكيم ، انى اقدم لك اجزل الشكر واوفره ، والله وحده هو القادر علي مكافأتك ، ولن انسي معروفك طول الحياة . فقال الثعلب : لقد قمت يا سيدتى ، بواجبي نحو انسان مريض عزيز علي الطيور والانسان ، ولا شكر علي واجب ، ووصف لها الثعلب قصر الامير الذي ذهب اليه ، فودعته وجرت بكل سرعة ، كما تجري الغزالة المسرعة النشيطة ، حتى وصلت الي قصر الامير الجريح ، حيث يقيم مع ابيه السلطان ، وفي الحال ارسلت الي السلطان تخبره انها قد حضرت لتعالج الامير من جروحه ، فاستبعد الملك ذلك وقال : كيف تستطيع فتاة ان تشفي اميرا تحول الي ثعبان ، ثم رجع انسان لحالته الاولي ، وقد جرح جروحا قاتلة ، وعجز الاطباء والجراحون في البلاد عن علاجه وشفائه من هذه الجروح ؟ توسلت الاميرة الي السلطات ، وركعت علي ركبتيها ، ورجته ان يسمح لها بمحاولة علاجه ، وبينت له انه لا ضرر من المحاولة ، واذا لم تنفع لا تضر ، واذا لم تشفه لن تؤلمه . فقال السلطان: يمكنك يا سيدتى ان تحاولي علاجه بما تعرفين ، فهو الان علي ابواب الموت ، وفي ساعاته الاخيرة ، وليس من الممكن ان يكون في حالة اشد سوءا من هذه الحالة . ذهبت الاميرة مع السلطان ، وبعض الوصيفات الي الحجرة ، التي ينام فيها الامير ، فوجدت امه بجانبه ، ورأته اصفر اللون ، ساكنا لا يتحرك ، مغمضا عينيه ، يتأوه من شدة المرض ، ويتنفس تنفسا بطيئا ، وهو فوق فراشه. فوضعت الاميرة الريشات الاربعة التي احضرتها معها فوق جروحه ، ففتح عينيه ، وبدأ تنفسه ينتظم وظهر الدم في وجهه بالتدريج ، وزالت الصفرة التي كانت تعلو وجهه ، وظهرت علامات الصحة عليه وبعد ساعة صار علي اتم ما يكون من الصحة والعافية ؛ وشعر بالجروح انها لم تكن ، وزال تأثير السحر تماما ، فسر السلطان والسلطانة سرورا كثيرا ، وفرحت الاميرة كل الفرح بشفائه ، وانقاذ حياته من الموت . كانت الحجرة التي ينام بها الامير مظلمة ، والستائر مسدلة علي النوافذ لابعاد الضوء عنه ، واراحته في مرضه ، فلم ير الامير تلك الفتاة الوفية المخلصة التي شفته من مرضه ، وانقذت حياته من الموت ، حين لم يكن هناك امل في شفائه ، وكان الاطباء والجراحون يعتقدون عقيدة ثابتة انه ميت لا محالة ، ولكن الله جلت قدرته ، الذي يحيي الميت من عليه بالحياة ، وشفاه علي يد خطيبته ، ولكى يتأكد السلطان من صحة ابنه وشفائه من مرضه ويراه جيدا في النور ، فشد الستائر التي وضعت علي النوافذ ، وسمح للضوء بأن يدخل حجرة الامير ، فاطمئان علي ابنه الوحيد ، وشكر للفتاة شعورها ونبلها ، ومروءتها وإقدامها ، وحمدا الله حمدا لا نهاية له علي نعمته وفضله ، جلس الامير علي السرير ، وظهرت عليه علامات الصحة بعد شفائه من مرضه ، ثم نظر حوله ، فرأى خطيبته الاميرة بجانب فراشه ، واخذ يدها وحياها وهو فرح مسرور برؤيتها ، ثم نظر الي ابيه وامه ، واخبرهما كيف قابل الاميرة من قبل ، وكيف ضحت بنفسها ، ورضيت ان تتزوجه وهو ثعبان ، فحررته وانقذته من تأثير السحر ، وكيف حكم عليه بان يصير طائر ، فخرجت وراءه تبحث عنه ، حتى حضرت اليه وانقذته بوفائها ، وإخلاصها ، وعلاجها ، ورجا ابويه بأن يسمحا له بأن يتزوجها . فقال السلطان : ابنى العزيز انى فخور كل الفخر بهذه الاميرة ، معجب بها كل الاعجاب ، مقدر كل ما فعلته كل التقدير ، فقد رضيت بك في وقت لا يرضي بك فيه احدا ، فتحملت في سبيلك ما تحملت ، وضحت من اجلك بما ضحت ، وهى التي شفتك من جروحك ، وخرجت وحدها في الليل لتبحث عنك ، وتعمل علي انقاذك ، فحياتك منسوبة اليها بعد ان عجز جميع الاطباء والجراحين عن شفائك ، ومحال ان تجد هذا النبل ، وهذا الوفاء ، وهذه الشجاعة في اميرة اخري ، ولن استطيع ولن تستطيع انت مكافئتها علي ما فعلت ، وسأعمل الان علي تحقيق رغبتك . وسأتصل بوالديها لابشرهما بنجاتك علي يديها ، وساقوم في الحال باعداد معدات الزواج ، وسر الجميع بشفاء الاميرة من مرضه ، وفرحت البلاد كلها بهذا الخبر السار ، وحضرت الوفود من البلاد لتهنئة السلطان بشفاء الامير ، التقت اسرتا الامير والاميرة ، بجمعهما الفرح والسرور ، بنجاة العروسين وزواجهما ، واقيمت الافراح ، واستمرت اياما وليالي ، واعد الطباخون احسن الولائم لهذا القران السعيد ، واعدت الخياطات احسن الحلل للاميرة لعظيمة ، واهدا اليها اثمن الجواهر واللالئ وملئ القصر بالمدعوين والمدعوات ، من الاسر الكريمة ، والامراء والعظماء والنبلاء ،
وفي يوم من الايام المشرقة الجميلة ، تم زواج الامير والاميرة ، وعم الفرح والسرور جميع انحاء البلاد ، وشارك الشعب سلطانه المحبوب ، واميره العزيز في افراحه ومسراته ، وقد كانت حفلة الزواج احسن حفل اقيم في البلاد ، فقد كان الفرح مضاعفا ، فرح بشفاء الامير ، وفرح بزواجه ، وحينما تزوج الامير لم ينس الفلاح وزوجته اللذين قامو بتربيته ، والعناية بشئونه عشر سنوات ، فدعاهما لحفل الزواج ، ولم ينسهما ، ولم ينسي جميلهما ، فقد تبناه واتخذاه ابنا لهما ، ايام بؤسه وشقائه ، وخصص لهما قصرا بجوار قصر ابيه ، واراحهما من تعبهما ، وعين كلا منهما مركز كبيرا في القصر ، تقديرا لما قاما بهما نحوه ، وما قدما له من غير معرفة ، وايضا لم تنس الاميرة الثعلب الذي ترجم لها لغة الطيور ، ورافقتها في سيرها في الغابة ، ووصف لها الوسيلة التي بها عالجت الامير ، واقامت له مسكنا خاصا في اصطبلات السلطان ، وجعلته رئيسا علي هذه الحيوانات ، واشرفت بنفسها علي طعامه وشرابه . ولست في حاجة الي ان اذكر لكم ان الامير والاميرة عاشا بعد زواجهما عيشة سعيدة هانئة ، كلها وفاء واخلاص طوال الحياة

تحميـــــل الملــــف مـــن هنــــــا