الذهاب إلى الصفحة الرئيسية للموقع

نداء الدم
For The Love of Sara

الكاتبة : آن ميثر
الملخص
هل يعرف الابن أمه ولو لم يشاهدها منذ ولادته ؟ وهل تحن عروق البنت الى والدها ولو انه هجر أمها قبل أن ترى النور ؟ سؤال تجيب عنه هذه الرواية في سياق لا مثيل له تجلت خلاله صراحة الأطفال وتعقيدات الكبار. لقد أخطأت راشيل مرة في حياتها , ومن لا يخطئ لا يكون بشرا , إلا أنها حملت توبتها وراحت تحاول الابتعاد عن اجواء... تلك الليلة. لكن القدر رفض ان يتركها طليقة بعيدة عن جويل كينغدوم . أرادت أن تتزوج والده الثري الكبير بهدف حمايةابنتها سارة فلم يتركها تفعل ووقف في وجهها وقوف الصخر بوجه الامواج. لكن ماذا يريد هذا الرسام البوهيمي الذي يكره الزواج والأطفال ؟ وهل يأخذ منها كل شيء بعد أن أذلها سنوات طويلة ؟

تحميل النسخة الحصرية الخاصة

تحميل نسخة الرواية مصورة

الفصل الاول
_1ليلة "الديك الذهبي "
انحرف جويل بسيارته عن الطريق الرئيسي عند مفرق سالتون .واتجه صوب الغرب ,الارض تمتد اميالا تكسوها شجيرات الوزال الشوكيه بخضرتها الدائمه وزهورها الصفراء,تنتشر بينها بعض الاكواخ ,يتصاعد الدخان من مداخنها ليكون العلامه الوحيده التي تنبئ عن وجود حياة . اخذ المساء يظلل اشعة الشمس المائله ومزيج الوان الضوء يبدو رائعا ,ومع ذلك فان جويل _بحاسته الفنيه _لم ينتبه لجمال المنظر, اذ كان مشغول الخاطر تماما ...ولم تكد الشمس تغرب حتى بدا الافق بلونه الشفيق ,وبدت النجوم من خلاله كأنها ترتعد . كانت السيارات المقبله من الاتجاه المعاكس تضطر الى ان تتخلى عن موقعها في وسط الطريق لسيارته المرسيدس .ولم يكن جويل في حاله نفسيه تسمح له بأن يتنازل ولو بعض الشئ ...كانت معدته تذكره بأنه لم يأكل شيئأ منذ الصباح ,وكان يحس بالضمأ. نظر الى الساعه الذهبيه في معصمه ,وكانت قد تخطت السابعه مساء ,واحس بالظلام يرخي سدوله ولم يكن راغبا في القيادة على ذلك الطريق خلال الليل .وبدأ يدرك انه امسى على بعد خمسة او ستة اميال فقط من لانغثويت .وربما يكون سعيد الحظ فيجد في الفندق كل مايريده حتى صباح اليوم التالي . كانت القريه صغيره ,تقوم حول ميدان مستدير .صندوق الهاتف يقبع خارج مكتب البريد قرب المتجر ,واخيرا الحانه التي تحمل اسم "الديك الذهبي ".وكان كل مايطمع فيه مكانا نظيفا للنوم ,وشرابا باردا ينعشه . وكان شاب او شابان يتسكعان في الساحه ,اثار فيهما منظر السياره المرسيدس بعض التعليقات الفظه واضطر جويل ان يترك السياره خارج الحانه داعيا الله الا يعبث احد بمسامير صدئه في طلائها وسأل نفسه :اين ذهب السحر الريفي القديم الذي كان يحلم به ؟ وترك جويل حقيبته في صندوق السياره ,وارتدى سترته الصوفيه واحكم رباط العنق وهو يجتاز المدخل المؤدي الى الحانه ولم يكن فيها سوى شخص او شخصين من الزبائن المسنين .الفتاة التي تقوم على الخدمه في مقتبل العمر .شقراء مفعمه بالصحه ,بدأت تعير اهتمامها للوافد الغريب ذي البشرة السمراء ,وغمرته بنظرة دافئه مشجعه ,وقالت له : _حسنا ,ياسيدي ,بم تأمر ؟ واخرج جويل حافظة نقودة من جيبه الداخلي ثم قال : _اوه ,اي شيء بارد من فظلك . ونظر حوله ,ثم سأل : _اعتقد انكم تستقبلون النزلاء للمبيت ؟ وملأت له كأس ,وناولته اياها ,واتسعت عيناها ,ونظرت اليه بشيء من الفضول ,واستوضحته : _نزلاء للمبيت ,ياسيدي؟اعتقد ان السيد هاريس يمكن ان يستقبل زائرا او زائرين ,وان كنت غير متأكدة . وناولته المبلغ المتبقي له والتقت عيناهما ,وهي تقول : _اتحب ان اسأل لك عن المبيت ,ياسيدي ؟ ووضع جويل باقي النقود في جيبه ,وقال : _اذا سمحت ! اراح جويل جسمه على كرسي مستدير من كراسي الحانه ,كان الشراب باردا لذيذا ومنشطا ,كما اراده بعد تلك الساعات الطويله في قيادة السياره ,وخطر له ان لانغثويت لم تكن عادة تستقبل غير زائرين قلائل في مثل ذلك الوقت من السنه . ظهرت الفتاة ومعها رجل في اواسط العمر بدا انه صاحب الحانه ,واصطنع جويل ابتسامه اعتقد ان الرجل بادله مثلها ,واستند هاريس بذراعه وهو يسأل : _سمعت انك تريد مكانا للمبيت ,هل تطول اقامتك ؟ واجاب جويل في هدوء : _ربما لليله واحده فقط ! واستفسر الرجل الاكبر سنا : _فأنت مسافر على الطريق اذن ,ياسيدي ؟. وهز جويل رأسه ,ثم اذعن لفضول السائل ,فقال : _انني في مهمه في لانغثويت . واجاب السيد هاريس : _حسنا ,هناك غرفه ,وزوجتي تعدها لك الان ,هل نقدم لك الطعام ايضا ؟ كان جويل يقاسي من الجوع ,واجاب في هدوء يستحوذ على الاعجاب : _اذا كان ذلك ممكنا ,وتكفيني لهذا المساء بعض الشطائر ,وربما يكفي بعض الخبز المحمص للافطار . عند ذلك ظهرت سيدة ظن جويل انها السيدة هاريس ,وتحدثت مستفسره : _هل هذا السيد الذي يريد ان يقضي الليل هنا ؟ واومأ زوجها بالايجاب ,فأضافت : _حسنا ,ياسيدي !غرفتك حاضره واظن انك جائع ؟ نظر جويل الى السيده هاريس واجاب : _انا ,حسنا ... واومأ بالموافقه ,وعلق زوجها : _نعم يا الي ...ان السيد والتفت اليه مستفسرا : _لم اعرف اسمك ياسيدي .. ثم اكمل الحديث لزوجته : _انه يريد الطعام ... ورد جويل فورا : _اسمي كنغدوم ,جويل كنغدوم ...من لندن . وصعد الى غرفه صغيره تستخدمها الاسرة عادة .وجاءت السيدة هاريس لتقوم بنفسها على خدمته ,ولم يكن ذلك ليحرمه من الشقراء التي قدمت له الشراب في الحانه ,كانت تلتمس العذر لتدخل فجأة وتخرج بعد ان تسأله اذا كان يلزمه اي شيء ,كان فمه يبدو عنيدا ساخرا بعدما اتى على الوجبه التي قدمتها له السيده هاريس التي دخلت وبدا عليها شعور بالارتياح عندما وجدت الصحن خاليا فقالت : _ارجو ان يكون الطعام اعجبك ياسيدي . واومأ جويل برأسه علامة الموافقه ,وقال : _كان لذيذا للغايه ...شكرا ياسيدة هاريس ... وابتسمت وكان وجهها ينم عن سرورها ,وقالت وهي تجمع الصحون : _سوف تقيم معنا الى الغد فقط ؟ ونهض جويل ,وهو يقول : _امل ذلك ...اعني بالطبع ان العمل الذي قدمت له ربما لا يأخذ وقتا اطول من ذلك (تنهد) ثم اضاف : _ينبغي ان اعود الى لندن . قالت مستفسره : _اذا ...فانت تعمل في لندن ,ياسيد كنغدوم .. واجاب جويل بطريقه تنم عن عدم الرغبه في اعطاء اجابه شافيه : _احيانا . وسألت : _ولكنك تسكن هنا ؟ واجاب : _يمكنك ان تقولي ذلك . كانت السيدة هاريس كما يبدو تحاول العثور على مدخل للتعرف على مهمته ,وكان هو من جانبه يحاول التهرب من الاجابه على مثل هذا السؤال ,وقال : _اذا اذنت ,سأصعد الى غرفتي الان ...كان يوما مضنيا ,واشعر بشيء من التعب . وحاولت السيدة هاريس ان تخفي شعورها بالاحباط ,واجابت : _طبعا ,ياسيدي ,انك تعرف المكان . وابتسم جويل وقال : _طبعا تصبحين على خير ! وظهر عليها الرضا الكامل لطريقته المهذبه في الحديث ,واجابت مبتسمه : _وانت بخير ياسيدي . وسلك جويل طريقه عبر الردهه الى الدرج ,وظهرت الفتاة الشقراء عند المدخل تقول بشيء من الحياء: _الا تأتي لتأخذ شرابا الان ؟ وهز رأسه وهو يقول : _لا ,اشكرك وردت في الحال : _غير معقول ...هل تنام الان ؟ واجاب : _ولم لا ؟اليست الساعه بعد العاشره ؟ وردت عليه باستغراب : _ياللغرابه !العاشره !كنت اظن ان سكان لندن يسهرون الى ساعة متأخرة من الليل !ماذا حدث لسنوات السبعينات الراقصه المرحه ؟ اجاب بجفاف : _اعتقد انها شنقت نفسها ..اسعدت مساء! كان الفراش بارد كالثلج ,ولكن حرارة الافكار التي كانت تعتمل بداخله ساعدته على احتمال الموقف ,اضطجع جويل على ظهره ,واسند رأسه على ذراعيه ,وبدأ يحدق بعبوس في ظلال الازهار البارزه على الستائر المصنوعه من الكريتون اخيرا ,انه هنا في لانغثويت ,وفي بقعة ما في الخارج ...ربما على مسافة ميل ...توجد راشيل ...راشيل غيلمور كما تسمي نفسها الان واحس بمذاق الصفراء الكريه في مؤخرة حلقه :راشيل تظن انها تستطيع ان تفعل ذلك ...به هو ! وتكورت يداه بشده , وانضغطت كل منهما في قبضة قويه ,لو تمكن منها هنا ...والان ,لاعتصر عنقها بيديه ! ولكن الانفعال كان ضياعا ...انه يعرف ان الهدوء والموضوعيه لهما فعل اوقع ,ولكن لم يكن بوسعه ان يتأكد تماما انها فعلت ذلك نكاية به ,ومع ذلك فأية محاوله لتبرير سلوكها لم تكن شيئا مستساغا. كان يعمل في وضع اللمسات الاخيره للوحة السيدة انطونيا باري عندما جاء فرنسيس يدق بابه ,كان قد استيقظ في ذلك اليوم مبكرا عن عمد ليستفيد بالضوء ,وصار فرنسيس اخوه غير الشقيق يحكي القصه التي جاء بها الى جويل في تلعثم حتى اكملها ,ولكن جويل لم يأخذ القصه على انها ورطه ماليه جاء يطلب فيها العون المالي من اخيه ,وقال جويل بشيء من القلق : _ولكنني لا افهم لماذا تظن ان تفكير ابي في الزواج يمكن ان يسبب لي الضيق . عندئذ اخذ فرنسيس يذرع بخطواته المرسم ,وهو يردد : _بالطبع ,لا يهمك ...تركت لك جدتك ثروة كبيره ...اما انا فليس لي اقارب اثرياء من طرف امي ,واذا تزوج ابي مرة اخرى ,فالمنتظر ان يحرمني من الميراث كما حرمك ! كان جويل قد اخذ يدفع شعره الى الخلف بيدين مضطربتين ,وعلق قائلا : _لكنك لم تكترث عندما حدث ذلك , واضاف : _كان الامر يختلف في حالتي وانت تعلم ذلك ,كان ابي يعلم انني لست بحاجه الى ثروته ,وكما تقول انت فان جدتي هونت من دور ابي في رسم مستقبلي .اما بالنسبة اليك فالامر مختلف ,انك ابنه ,وحتى لو تزوج ,فان الامل في ان ينجب اطفالا ضعيف ! الاترى انه في الثالثه والستين من عمره ؟ اجاب فرانسيس : _الا تعلم ان بإمكان الرجل احيانا ان ينجب حتى لو كان في التسعين من عمره ,ومع ذلك فأنك لم تسمع القصه كامله بعد ,انك لم تسأل من تكون المرأة التي ينوي ان يتزوج بها ؟ هز جويل كتفيه بشئ من عدم الاكتراث ,وهو يقول : _ان ذلك امر لايهم . واستأنف فرنسيس الحديث ,وهو يتلذذ بوقع كلامه على اخيه : _ربما يهم ,اسمها غليمور ...راشيل غليمور ...وكان اسمها من قبل راشيل آبي . عند ذلك فقط حدث مالم يكن متوقعا ,فقد انطلق جويل بخطوات غريبه وفعل ما لم يكن منتظرا بالمره اذ امسك بأخيه غير الشقيق من قميصه ,وجذبه تجاهه بعنف ,وهو يقول : _ماذا تقول؟ وقع فرنسيس في شيء من الاضطراب ,واخذ يخلص نفسه ,وهو يقول : _هذه ...هي ...ال...حقيقه ...الحقيقه ياجويل ..انها ,راشيل ...راشيل ! دفعه جويل بعنف جعله يدور حول نفسه ,ويستقر في النهايه على الارض ,وكان وجهه ممتقعا من الغضب عندما نهض على قدميه ,واخذ ينفض التراب عن ثيابه ,وهو يحدق في اخيه بخبث : _انها ليست غلطتي ...فقط لانك لاتحب الحقيقه ...عندما تسمعها . لم يعد جويل يسمع .عرف ان ماقاله فرنسيس صحيح .وهو لم يكن ليأتي اليه بقصة مثل تلك ان لم يكن لديه البرهان على صدقها ,واخذ يبحث عن سيكار ,وضعه في فمه ثم اشعله بيدين تفتقدان الاتزان ,وصار يحملق بأكتأب خارج النافذه ,كان يطل على شاطئ نهر التايمز عبر السطوح .وعندما احس انه استعاد بعض توازنه استدار تجاه فرنسيس الذي اشعل سسكارا ,واخذ ينفث دخانه بعصبيه عندما بادره جويل بقوله : _اخبرني بما تعرفه . وتململ فرنسيس واجاب في دمدمه : _لا اعرف . وتصلب فك جويل وهو يقول : _لا تحاول ان تخدعني ,قل لي كيف عرفت انها راشيل . اجاب فرانسيس : _رأيتها . _ماذا تعني ؟ _رأيتها ,اوه ,بالله ياجويل !كف عن النظر الي هكذا !انها ليست غلطتي ,في الليله الماضيه ...مع ابي ! حقا . ونطق بالعباره الاخيره عندما القى جويل بسيكاره الى الارض ,وسحقه بنعل حذائه . _اين ؟ _في بيروكيوس يتعشيان ..رأيتهما ..اؤكد لك . كان جويل يحرك رأسه من جانب الى اخر تعبيرا عن الشك ,وقال : _ابدأ من البدايه . اخذ فرنسيس يدخن يسكاره بشده ,وهو يقول : _حسنا !عرفت منذ وقت ,ان هناك امرأة .اوه ,نعم ,منذ ...منذ ان رحلت امي ..كنت استطيع ان اعرف ذلك . _ارجوك ...ادخل مباشرة في الموضوع . _منذ اسبوع ,اخبرني ابي ان هناك شخصا ما . _ولكنك لم تخبرني بذلك من قبل ! _ليس فورا ,لا ! قال فرانسيس ذلك مدافعا عن نفسه . _كما ذكرت في كلامي ياجويل ,ان عمره ثلاثة وستون عاما ,وكنت اظن ,ان اي امرأة لايمكن ان تقبل به الا اذا كانت في مثل سنه !وانت تعرف كذلك ان امي وامك كانتا قريبتين منه في العمر . _حسنا ...استمر . _الذي حدث هو انني لم اسأل كثيرا ,ولقد اخبرني ,وكان الاجدر به ان يضحك كثيرا عندما اخبرني ...ان اسمها السيدة غليمور ...السيدة راشيل غليمور .وانت تعرف ان اسم راشيل ليس اسما مألوفا . _وسأل جويل : _هل هذا هو كل شيئ؟ اجاب فرانسيس : _لا !قال انها قادمه من يوركشير ,وانها تعمل في قريه تسمى لانغثويت كمديرة منزل في بيت كولونيل متقاعد . واخذ جويل يكرر الكلمات نفسها : _مديرة منزل في بيت كولونيل متقاعد ! _نعم ,هذا ماقاله لي . _ربما تكون اخطأت ؟ _اؤكد لك اني رأيتها . _لا اقصد ذلك .انما اقصد العمل الذي تشتغل به ,انت تعرف يافرنسيس ان راشيل كانت تدرس في الجامعه عندما ... واكمل فرانسيس الجمله : _عندما هجرتك ...اليس كذلك ؟ولكن كيف تعلم اذا كانت اكملت دراستها ام لا ؟كان ذلك منذ ست سنوات ...وتزوجت وانجبت طفلا . شحب وجه جويل الاسمر ,وهو ينطق : _طفل !هل اخبرك ابي بهذه القصه كذلك ؟ واطفأ فرنسيس سيكاره ونظر الى اعلى وهو يقول : _نعم ,ذلك قد يفسر لماذا تعمل كمديرة منزل .اقصد انه ليس من السهل ان تجد المرأة عملا اذا كان لديها اطفال . وضاقت عينا جويل تحت رموشه الكثيفه ,وهو يسأل: _وماذا عن زوجها ؟ هز فرنسيس كتفيه ,وقال : _كيف لي ان اعرف ؟ربما يكون قد توفي .قال ابي انها ارمله . وخطا جويل عبر الغرفه ,وهو يقول : _ارمله ...لا اكاد اصدق ذلك ,هل انت متأكد ان هذا كله لم يكن الا خدعه ماكره لتحقيق نزواته ؟ _ماذا تعني ؟ هز جويل رأسه ,واجاب : _لا اعرف كان ابي يكرهني لانني كنت اعارضه . _لا اعتقد ان اباك كان يكرهك ,ياجويل ! _بل اعتقد ان رغبته في الزواج من راشيل لهذا السبب بالذات . _انك مجنون . _هل تعتقد ذلك ؟ كانت ملامح جويل ,وهو يتكلم مشبعه بالحقد ,واضاف : -هل هذا هو كل شيء؟ اجاب فرانسيس : _ما الذي تريد ان تسمعه مني ...بعد ذلك ؟ _ما الذي قاله ابي عندما اخبرك ؟ _اخبرتك بكل ما اعرف . _لكنك لم تخبرني ,كيف رأيتهما معا في الليله الماضيه ؟ تنهد فرنسيس , وقال : _كان ذلك مصادفه وابي لا يعرف انني رأيتهما . _وماذا بعد ؟ _كنت ذاهبا الى فريديز ,وكنت بحاجه الى المال . _كالعاده ... _تذكرت بيري سيمونز فجأة . كان بيري سيمونز صاحب مطعم ,بيروكيوس ,وكان جويل يعرف ذلك ايضا . _ذهبت الى هناك لاني كنت انوي اقتراض مبلغ من المال .وهناك رأيتهما . _وتركت المكان ؟ _نعم ! كم كان الوقت عندئذ؟ هنا نظر فرنسيس الى ساعته ,وقال : _حوالي الحادية عشرة . ولكن الساعه الان الثامنه والنصف !اذن ماذا كنت تفعل خلال تسع ساعات ونصف الساعه ؟ هز فرانسيس رأسه , وقال : _لم اكن اعرف ماذا اعمل ؟ولم اكن اعرف هل اخبرك بما حدث ام لا ؟ _ولم لا ؟ هز فرنسيس رأسه وقال : _لقد...سرت ...اميالا ...ووصلت الى شقتي حوالي الرابعه وكان بوسعي ان اطلبك في الهاتف عندئذ ,ولكنني ظننتك مشغولا . لم يكن ما يقصده فرنسيس بخاف على جويل ,وكانت شفتاه ترتعدان ,والقى نظرة اخيره الى اللوحة الخاصه بالسيده انطونيا ,ثم سار عبر المرسم الى الباب المؤدي الى الجزء الاساسي من الشقه ,وقال بصوت متثاقل : _حسنا ,سأصنع بعض القهوه ,اعطيت هيرون اجازه الليله ,وعلى ذلك فانه لن يعود الا متأخرا ,ويمكننا ان نواصل حديثنا في المطبخ ان شئت. . عرف جويل فيما بعد ان راشيل عادت الى يوركشير ووجد ان اباه لم يكن ممانعا في الحديث عن السيده غيلمور عندما اكتشف ان ابنه الاصغر اخبر جويل بالخطط التي كان ينوي السير فيها .واضطر جويل ان يمسك لسانه وان يسيطر على قبضتي يديه عندما وقف امام ابيه بوجهه الذي يعبر عن الاعتداد بالنفس ,ولو كان هناك بقية من شك في صدق ما قاله فرنسيس لزال هذا الشك تماما اثناء المقابله التي تمت بينه وبين ابيه .كان جيمس كنغدوم راضيا تماما عن نفسه . ووجد جويل ان غضبه تركز على راشيل بعنف يكاد يصل الى الرغبه في تدميرها ,كيف تجرؤ على ان تفعل هذا به؟لابد انها كانت تكرهه الان كما يكرهها وتحقد عليه بالدرجه نفسها من الحقد الذي بدأ يشتعل في نفسه ازاءها . ورغم ذلك لم يكن ليسمح بسهوله بان يحدث ما كان وشيك الحدوث .وجد نفسه يدافع باستماته عن حقوق فرانسيس ,ولم يكن ليصرح بدوافعه الحقيقيه التي لم تكن تقل انانيه ,لو ان راشيل كانت قد تزوجت بالفعل ,وانجبت طفلا ,فهي تكون بذلك قد اثبتت خصوبتها ,وابوه كان لايزال قوي الصحه مكتمل الرجوله ,كانت زوجتان تكفيان اي رجل في رأيه ناسيا انه لو لم تمت امه عقب ولادته مباشرة لما فكر ابوه في الزواج مرة اخرى . كان قد مضى ثلاثة ايام تمكن فرانسيس خلالها من اكتشاف اسم مخدوم راشيل هو الكولونيل فرنشاو .وعرف ان هذا الكولونيل يعيش في مبنى الاولد هول في لانغثويت واعتقد جويل ان الوصول الى ذلك المكان لن يكون بالامر العسير . وحاول في الحاح ان يستجمع في مخيلته صورة الفتاة التي قرر ان يقترن بها ذات يوم .وكانت السنوات الست التي مضت قد وضعت نقابا مشوشا على ملامح راشيل ,كان يستطيع ان يتذكر بعض التفاصيل حول راشيل .ولكن من الصعب عليه ان يصيغ تلك التفاصيل في منظور صحيح . ست سنوات كانت بمعيار الزمن ,فترة طويله ,كيف تبدو الان وهي في الرابعه والعشرين او الخامسه والعشرين من عمرها ,لابد انها تستطيع ان تتذكر ,كانت اصغر منه بعشر سنوات ,ولكنها كانت تسيطر عليه , وهي مازالت بعد صغيره في تلك السن ,لم يكن لأمرأة قبلها او بعدها شيء من تلك السطوة على شخصه ,ومضى في هواجسه ,عندما يقابلها في الغد سوف يجعلها تعلم انها قضمت باسنانها اكثر مما يستطيع فمها ان يمضغه عندما قبلت ان تقف منه موقف التحدي ,كيف تجرؤ على ان تتخيل انها يمكن ان تصبح عضوا في اسرته بدون ان تثير ردود فعل منه ؟واستولت عليه الفكرة ,والحت عليه ...ولم تتركه الا بعدما جمدت اطرافه من نوبة الغضب....
الفصل الثاني
2_عمر سارة
وفي الصباح التالي كان من اليسير عليه أن يسأل السيدة هاريس عن موقع الأولد هول , ورفعت السيدة هاريس حاجبيها وهي تقول: "تقصد منزل الكولونيل فرنشاو ؟ هل انت صديق له يا سيد كنغدوم ؟" وأجابها وهو يزدرد اليمونه الهندية التي أمامه: "ليس بالضبط ,اعرف شخصا هناك .. يعمل لديه ".... "لابد انه السيد هانسون .. هل هو ذاك يا سيدي؟" هز رأسه إلى الأعلى وقطب وجهه , وأجاب: " هانسون , لا اعرف أحدا بهذا الاسم " وزمت السيدة هاريس شفتيها, وهي تقول: "لا تعرف, أن السيد هانسون سكرتير الكولونيل فرنشاو , انه شاب مثقف , ويأتي الى هنا احيانا في عطلة الاسبوع" وازداد وجه جويل تقطيبا , وعلق في تردد: - "حقا ؟ لا! إن الشخص الذي اعرفه هوـ في ظني مديرة منزل الكولونيل." وانفجرت اسارير وجه السيدة هاريس وصاحت: "السيدة غيلمور ؟" وركز بصره على الليمونه الهندية , وقال: "صحيح." ورفعت السيدة هاريس حاجبيها وقالت: "لا اعرف عن السيدة الشابة اكثر من التحية التي نتبادلها أحيانا" كان جويل يفكر بسرعه, وعلق على اجابتها: "ولكن , هل يوجد اخرون يعملون هناك , اعني في الأولد هول ؟" "على حد علمي , لا ! هناك فقط الكولونيل فرنشاو والسيد هانسون , والسيدة غيلمور بالطبع , أوه والصغيرة سارة " وشعر جويل بوخز في أعصابه , فسألها: "اهي ابنه السيدة غيلمور ؟" "نعم... وأنت تعرف ذلك ؟" لم يجب جويل بشيء .. إذا فالطفل أنثى واسمها سارة , ووجد نفسه يلح على السيدة هاريس ليجرها إلى الكلام: "كنت تنوين أن تخبريني كيف أجد الأولد هول ؟" وأومأت بالموافقة , ورفعت من أمامه صحن الليمونه الهندية , ووضعت بدلا منه صحنا آخر فيه قطعة من اللحم , وشيئا من البيض والسجق والطماطم, كان ذلك الطعام في العادة يثير شهية جويل , ولكنه بعد الليلة القلقة التي قضاها كان يحس بالغثيان , ومع ذلك أرغم نفسه على الطعام وبدأ باللحم: "لو انك تتبعت طريق كراغستون لمسافة ميل فسوف تجده على يسارك . انه البيت الوحيد لأميال عديدة" " أشكرك " وسكب جويل لنفسه بعض القهوة , كانت الساعة تشير إلى الثامنة ونصف . خطر له أن الـتاسعة قد تكون وقتا مبكرا لا يسمح بالزيارة . فكر في الاتصال بالهاتف, ولكنه كان يريد أن يرى الانطباع الذي يرتسم على وجه راشيل عندما تراه, وكان يريد أن يستشعر نشوة الزهو التي تتملكه عندما يواجهها بنظرات الاحتقار. كان الصباح لطيفا في ذلك الوقت الباكر من شهر مارس/ آذار, وقرر أن يلبس سترة تنسجم مع سرواله الأزرق الغامق , واخذ يدفع ذراعيه في أكمام السترة بينما عيناه تتفحصان ساحة القرية, تحت أشعة الشمس الساطعة , ووقعت عيناه على زهور النرجس البرية وعلى أزهار بيضاء وصفراء تنمو في كل شبر من الأرض أما المباني فكانت تبدو نظيفة معتنى بها. لم يكن العثور على طريق كراغستون أمرا صعبا بعد إرشادات السيدة هاريس ووصل إلى مبنى الأولد هول . كان الدخان يتصاعد بشدة من المداخن, دليلا على أن بعض سكان المنزل استيقظوا, وكانت هناك حافلة صغيرة قديمة تنتظر في الساحة الأمامية, , وبوابات صدئة من الحديد انفجرت تاركة المدخل مفتوحا على مصراعيه .وتوقف جويل بسيارته أمام تلك البوابات مباشرة. غير واثق إذا كان ينبغي عليه أن يترك السيارة في ذلك المكان أم لا ؟ ولكنه عندئذ أرخى الكابح وولج بسيارته بين أعمدة البوابة , واندفع فوق الممر المفروش بالحصباء ووقف إلى جوار الحافلة الصغيرة. وترجل من السيارة, ووقف لحظة ينظر إلى النوافذ المطفأة. إذا, هذا هو المكان الذي تعيش فيه . منذ متى ؟ السنتان الأخيرتان أم السنوات الثلاث الأخيرة ؟ ودفع كتفيه إلى الخلف وواصل حديثه مع نفسه : منذ موت زوجها, دون شك, وغليمور؟ من يكون ؟ ماذا كان عمل ذلك الرجل الذي تزوجها لتلك الفترة القصيرة ؟ ولماذا تزوجته ؟ هل أحبته ؟ لو كان الأمر كذلك , فلا شك أن الحب كان يعرف طريقه إليها بأسرع مما كان يعرف طريقه إليه , ومشى إلى مدخل المبنى . وبدأ يشد بقوة حبل الجرس , وسمع رجع الصدى يتردد في جنبات المبنى , كان الصوت كفيلا بإيقاظ الموتى. وفتح الباب شاب نحيف يميل شعره إلى الحمرة ووقف ينظر إليه في ترقب وقال: "نعم ؟" وشعر جويل بشيء من الاضطراب وتعثر في الكلام لحظة ثم ملك نفسه وقال: "أريد أن أتحدث إلى السيدة غيلمور" ورد الشاب في الحال: " راشيل! " اجاب: "نعم راشيل!" وبدا أن الشاب كان يضمر له عدم الود , إذ أجابه: "إنها مشغولة الآن , تستطيع أن تأتي فيما بعد" وتذرع جويل بالصبر وقال: "أرجوك أن تبلغها أن شخصا من آسرة كنغدوم يريد أن يتحدث إليها . اعتقد انك ستجدها راغبة في الحديث إلي.". ونظر إليه الشاب بشيء من البرود واخذ يردد: "كنغدوم , آنت احد أقارب جيمس كنغدوم ؟" وأجاب جويل وهو يهم بالاقتراب من عتبة الباب: "نعم , والآن , هل تبلغ رسالتي من فضلك ؟" وهز الشاب كتفيه, واستدار ليعبر الردهة الفسيحة في مدخل المنزل , أما جويل فأسند كتفه إلى دعامة الباب . لا بد انه هانسون الذي تحدثت عن السيد هاريس , كان يبدو اصغر سنا مما كان يتوقع. وسمع من خلفه صوتا يقول: "هل طلبت ان تتحدث الي ؟" ودفع رأسه في استدارة الى الوراء . لم يكن قد أحس باقترابها , ومع ذلك كانت راشيل , كانت تقف عند المدخل مباشرة ,واضعه يديها في جيوب مريلتها القطنية المخططة , وجهها اكثر نحافة مما عرفه , متوردا بشكل ظاهر في بعض أجزائه وشاحبا بما يشبه الموت في مواضع أخرى وكان جسمها أكثر نحافة ,ولكن شعرها الحريري الأشقر أصبح حبيسا الآن في عقدة قاسية تتدلى على مؤخرة عنقها واعتدل جويل في وقفته بعض الشيء وسمح لعينيه أن يتفحاصانها بطريقة تنم عن ازدراء مقصود, وعلق بسخرية: "شيء جميل حقا , السيده غيلمور واقفه امامي ؟ " "ماذا تريد مني يا جويل ؟ هنا مكان عملي ,وعندي من العمل ما يشغلني." كانت انفاسها تضطرب وهي تتحدث بسرعة, ولاحظ جويل ان هانسون يرقب من الداخل , وعندئذ نفذ صبره وقال بقسوة: "ينبغي ان تتخلصي من كلب الحراسة الذي يرقبنا , وتخرجي لتتحدثي إلي , لست انوي أن اسمح بهذه المناقشة تحت بصر احد ؟" عندئذ جاء صوت من الداخل ينادي: "راشيل!" كان هانسون على وشك أن يتدخل ولكنها أشارت إليه ألا يزج بنفسه في الموضوع , وتحدثت الى جويل: " اعتقد انك جئت تطلب تفسيرا " " يا لك من شيطانه ! هذا حق , إنني فعلا أريد ذلك " " لكن أباك وعد إلا يخبرك " " حقا ؟ انه شيء عظيم منه " " ولكنه أخبرك بالفعل " " لابد أن أصحح لك , فلقد رآكما فرنسيس معا " " آوه ! يالله! " وحدق جويل فيها ببرود , وهو يقول: "ان الله لن يقف بجانبك الان ......هل تتخلصين من صديقك هذا ؟ ام تتركين لي ذلك ؟" واجابته بشيء من التردد: "لا استطيع ان اتحدث اليك ... الكولونيل ينتظر طعام الافطار الآن و .... و " " راشيل! انني احذرك.... " ولوت يديها المتشابكتين توجعا , وهي تقول: "حسنا , ياجويل ... حسنا ... سأتحدث إليك .... ولكن ليس الآن ... ولا هنا ... وليس بهذه الكيفية" ونظرت إلى الوراء من جديد نظرة خاطفة ثم قالت: "هل تأتي فيما بعد ... هذا المساء ان شئت ؟" لم يكن يعجبه ان تقف حيث كانت تتحدث عن افطار الكولونيل , ولكنه يدرك انه لو فقد شعوره واحدث صخبا في المكان فما كان ذلك يغني شيئا , كان يعلم كذلك إن المكان ملكية خاصة لا قبل له بالبقاء فيه دون موافقة المالك , وإلا كان متعديا على ارض الغير , وضبط مشاعره بصعوبة بالغة وقال: "حسنا بعد الظهيرة, اذا , في أي وقت بالضبط ؟" وهزت راشيل كتفيها بشيء من العصبية وهي تقول: "لا ادري , ربما توافقك الثانية ؟ او الثانية ونصف ؟" "اذن في الـثانية" قالها جويل بشيء من العبوس دون ان ينطق بكلمة أخرى, ومشى بخطوات واسعة نحو السيارة. امضى جويل الصباح عند غدير وجده على بعد أميال أخرى عن الطريق إلى كراغستون , ولم يعد الى لانغثويت , رغم انه أحس بأن الاحتياجات الطبيعية لجسمه تستدعي ذلك , ورغم انه شعر بالجوع منذ الواحدة ظهرا اكتفى بسيكار وبعلبة من الشراب كان يحتفظ بها للطوارئ. وعند الـثانية إلا ربعا نهض, ونفض التراب عن ثيابه , واتجه إلى السيارة . كانت السماء غائمه والتوت شفتاه تعبيرا عن الضيق من الطقس , وقفل راجعا تجاه لانغثويت وعندما بلغ قمة الطريق حيث كان بمقدوره ان يرى مبنى الأولد هول من أعلى على هيئة كتله رمادية منبطحة , كان المطر ينزل بغزارة. وتوقف بسيارته إلى جانب الحافلة الصغيرة الرثة, وبدلا من أن يرتجل ويتجه إلى الباب اخذ يستخدم بوق السيارة ليعلن وصوله , كان هذا السلوك يدل على شيء من الغطرسة, والتكبر , وكان على وعي بذلك , ومع هذا كان في قرارة نفسه يعلم أن راشيل لم تكن لتنزعج آو تشعر بالتهديد من سلوك تعتبره محاوله غير ناضجة قصد بها إثارتها. تنهد جويل ثم دفع باب السيارة, وخرج منها , وعندما ابتلت كتفاه بقطرات المطر زاد عبوسا وتقطيبا , وهرع تجاه الجزء المسقوف من مدخل المبنى, فأنفتح الباب حال وصوله , وظهرت راشيل , وأخذت تصطنع شيئا من الدهشة لرؤيته عند المدخل ولكنه كان مقتنعا بأنها كانت تنتظر نزوله من السيارة قبل أن تظهر على الباب. واحتمى بالجزء المسقوف بينما كانت هي تغلق الباب خلفها . وعلق بشيء من البرود : " ذكية ! ولكن بشيء من الطفولة " ورفعت بصرها اليه , وهي تقول: "عم تتحدث ؟" وكاد جويل أن ينهرها بقسوة, لكنه لاذ بالصمت واكتفى بأن هز رأسه , كانت لا تزال ترتدي القميص والسروال اللذين كانت تلبسهما في الصباح, واستبدلت بالمريلة سترة من البوبلين محلاة بفراء , وأحس للحظة قصيرة بمشاعر الحنو والشفقة تجاهها , وسألها: "هل تنتظرين حتى احضر السيارة الى المدخل ؟" وهزت رأسها وهي تقول: "تعودت على السير تحت المطر , هل نذهب ؟" وبادرت فخطت خارج المدخل المسقوف, وصار يخطو أمامها بخطوات واسعة ليفتح باب السيارة , وصعدت إلى المقعد الأمامي دون أن تنظر إليه , وأغلق الباب خلفها بشيء من العنف الظاهر ثم دار حول مقدمة السيارة ليتبعها. وعندما استقر على مقعده ,بدأ يتفحص كتفي سترته, ووجد إنهما ابتلتا, فخلعها, والقي بها بشيء من الإهمال على المقعد الخلفي, واقترح عليها أن تفعل بالمثل , ولكنها رفضت بصمت . وهز كتفيه وهو يدير المحرك , وتوقف عند البوابة عندما قالت: "الى اين تاخذني ؟ علي ان اعود الى هنا خلال ساعه" ونظر إليها في غضب وهو يعلق: "ساعة ؟" "نعم ساعة , سارة لا تنام أكثر من ذلك في فترة ما بعد الظهيرة . ولابد أن ارجع قبل أن تصحو من النوم" لم يعلق جويل بشيء, واكتفى بان اخذ يقود مسرعا على الطريق تجاه المكان الذي أمضى فيه صباح ذلك اليوم , فقد كان موقعا يسمح للسيارة بالانتظار بعيدا عن الطريق , لأنه في بقعة منعزلة وهذه ميزة كبيرة... ولم تنطق راشيل بكلمة طوال الطريق ,وخطر لجويل إنها ربما كانت تحاول أن تصوغ قصة تبرر موقفها عندما تتحدث إليه, واخذ يقاوم رغبة تعتمل في نفسه بين الحين والحين ليتوقف على الطريق طالبا إليها أن تكف عن اصطناع ذلك الدور . "حسنا مالقصة الكاملة اذن ؟" وتشابكت راحتا راشيل , ورددت: "ماذا تقصد ؟" "انك تعرفين ما اقصده ! أريد أن اعرف كيف بلغت الصلة بينك وبين آبي إلى الحد الذي جعله يطلبك للزواج منه ؟" ورفعت راشيل كتفيها النحيلتين, وقالت: "مضى على معرفتي به سنوات طويلة وأنت تعرف ذلك يا جويل" اخد جويل يلوك طرف السيكار بقلق , ثم قال : "لأنني قدمتك إليه ؟ لكن هذا لايكفي للتفسير , استطيع ان اعد على أصابع اليد الواحدة عدد المرات التي قابلت فيها أبي من خلالي , وأنت تعرفين ذلك!" "اعرف ... اعرف انك .... لماذا تستغرب ان يطلب ابوك الزواج مني ؟ كان دائما يستلطفني" وبدا فم جويل يعاني من الوهن ,وخرجت منه عبارة: " راشيل! ارجوك بالله!" ووضعت يدها على اذنيها حتى لا تسمع, ونطقت: "اوه , ياجويل , ارجوك ان تكف ! لم جئت الى هنا ؟ ما الذي تريده ؟ كل ما بيننا قد انتهى منذ زمن بعيد , وليس من حقك ان تحاسبني" وحدق فيها بغضب وقال: "ألم يحدث أنني ؟ يا الهي ! انك لا تشعرين ! هل كنت تظنين حقا أن بإمكانك ان توافقي على الزواج من آبي دون أن تثيري ردة فعل مني ؟" "وما علاقة هذا بك ؟" "أنت تريدين أن تكوني زوجة آبي , أليس كذلك ؟ انك تحبين آبي الآن كما قلت يوما ما انك تحبينني ! اظهري على حقيقتك يا راشيل ! هذه محاولة خبيثة للانتقام ؟" وردت بانفعال: "لنفرض أن هذا صحيح , ما الذي تستطيع أن تفعله ؟" وساد الصمت لحظات قليلة , واخذ جويل يحملق بعبوس من نوافذ السيارة إلى المطر المنهمر , ولم يكن ليصدق ما حدث ؟ لم تكن أخلاق راشيل , ولكن سنوات طويلة مضت منذ انفصلا , وتزوجت هي بعد ذلك وأنجبت طفلا وتنهد ثم قال بهدوء: "اخبريني , لماذا احتجبت عني هكذا , ما الذي فعلته بحقك لأثير فيك هذه الرغبة في الهرب مني ؟" واخذت راشيل نفسا عميقا وقالت: "أنت ! تسألني هذا السؤال ؟ ما فائدة الكلام الآن , يا جويل؟ دفن الماضي والذي يعنيني الآن هو المستقبل , وتصلب فك جويل وقال: "على حساب أي إنسان أخر ؟" " هذا غير صحيح , آنت لا تفهم شيئا عن هذا " "إذن, اخبريني! " أخذت راشيل تطوي ثنيات سترتها ,وقالت: "سوف أتزوج أباك يا جويل , ولن يغير ما تقوله أنت شيئا من هذا" وأطبقت قبضتا جويل وهو يتمتم بقسوة: " لابد انك يائسة تماما يا راشيل " "تماما" والتفت ينظر إليها ولاحظ الخطوط الغائرة في وجنتيها وعينيها اللتين تفقدان اللمعان والبريق , لم يكن ذلك الوجه وجه عروس تستعد لعرسها وسألها: "هل ذلك بسبب النقود ؟, لو كانت كذلك فأنني على استعداد لأن اقدم ما تحتاجينه منها" والتوت شفتاها بشيء من الازدراء وقالت: "لو كنت رجلا لطرحتك أرضا على هذه القحة في حديثك ! انأ لست المرأة التي تتزوج بأي رجل من اجل النقود .أن لك أن تزهو بنفسك يا جويل , انك مغرق في الزيف" بلغت الاستثارة من جويل مبلغها, وامسك بمعصمها بين أصابعه وأحس بعظامها الهشة ترتعد في يده ... ولكنه لم يكن ليتصرف بطريقة وحشية كان له عقل , وكان يريد أن يستخدم ذكاءه وأحس بالحاجة إلى أن تتلوى أمامه وضغط على معصمها فأجفلت ولكنها لم تصرخ , واقترب منها بطريقة جعلته ينشق رائحتها , وادرك الاستثارة التي أوشكت أن تتقد بداخله وأحس بشيء من الاشمئزاز من نفسه , فاسترخى في مقعده وعاد يسألها في عناد : " أريد أن اعرف شيئا عن زوجك , وعن الطفل , هل مات غيلمور ؟ يقول أبي انك أرمله" . كانت في ذلك الوقت قد أخذت تدلك معصمها وأجابت: " انا ارمله بالفعل ." " وماذا كان اسم زوجك ؟" واعتراها شيء من الدهشة وقالت: " اسمه ؟ انك تعرف اسمه ؟" ونظر إليها نظرة تتسم بالبرودة , وألح : "غيلمور ؟ هل هذا الاسم الذي كنت تنادينه به ؟ غيلمور!" واحمر وجهها وقالت : " أوه ! بالطبع لا . اسمه الأول كان ألن ." " ألن غيلمور ؟ وماذا كان يعمل ؟" وبدا على راشيل شيء من الحيرة وسألت : "هل هذا شيء مهم ؟" " اعتقد ذلك ." وتنهدت وقالت : " كان مهندسا . كان يعمل لدى الدولة ." وبدا كما لو كان قد استساغ العبارة الأخيرة , وقال : " افهم , ولكن كم دام الزواج ؟" " سنتين او ثلاثة سنوات , ولكن ماذا يهم في ذلك الآن ؟" لم يكن جويل يدري سر فضوله , وربما كان وراء ذلك رغبة سادية جعلته يستشعر اللذة في إجبارها على الحديث عن موضوع يجلب لها الألم , وقال يسبر مشاعرها : " لابد انك عانيت كثيرا في تحمل مسؤولية تربية الطفلة وحدك , هل هذا هو الذي جعلك تقبلين العمل كمديرة منزل لدى الكولونيل ؟ ألهذا تتزوجين أبي ؟ من اجل سارة ؟" وزمجرت بعنف : " لا تتجرأ على ذكر اسمها ! انك لا تعرفها , ولا تعرفني انأ أيضا , لماذا لا تنصرف إلى حال سبيلك , وتتركني وحدي . " أريد أن اعرف ." " إن الأمر لا يعنيك ." " عليك اللعنة ! هل تظنين ان الأمر لا يعنيني ؟ من حقي أن اعرف ." ازداد صوتها عندئذ حدة , وهي تقول : " حقك ؟ يا جويل , ليست لك حقوق على الاطلاق , فقدت هذه الحقوق عندما ... عندما وتضاءل صوتها , واستدارت بعيدا عنه وصارت تحدق في راحتيها واضافت : " هل تعود بي , من فضلك ؟" وانتصب جويل في مقعده , وهو يحدق في منظرها الجانبي . وأحس بأنه قريبا جدا من الحقيقة . كان للحظة واحده على وشك أن يعرفها , كاملة , وأحس كأنه يعرفها في قرارة نفسه وكان يبتهج بها , ولكن راشيل تراجعت ثانية وشعر بالإحباط وتمنى لو كانت راشيل رجلا ... إذ لأجبره بالقوة على أن يبوح بما يداخله , ولكن راشيل امرأة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى , وعليه أن يجد سبيلا ليطلق العواصف المكبوتة التي تشد لسانها عن الكلام , لكن كيف يتوصل إلى ذلك ؟ كانت راشيل قد ملكت زمام نفسها ثانية , ونظرت إلى وجهه نظرة خاطفة وقالت للمرة الثانية " هل تعود بي ؟" وأجاب بشيء من التوتر : " ليس بعد ." وبدأ يستعرض في ذهنه كل ما قيل . ويحاول أن يجد مما قيل مفتاحا يفتح له الباب المغلق , ما الألفاظ التي جعلتها تثور بتلك الطريقة ؟ عم كانا يتحدثان ؟ عن زوجها ؟ عن غيلمور ؟ نعم و ... الطفلة . حاول أن يتذكر ما قاله عن الطفلة , لأنه ذكر أنها ستتزوج من أبيه من اجل الطفلة , تفجر غضبها ؟ إذن فليحاول مرة أخرى , وقال وهو يبحث عن سيكار أخر : "ومتى يتم الزواج ؟" وتنهدت بشيء من القلق ,وقالت : " لا اعرف الموعد بالضبط , ولكن خلال أسابيع قليلة ." " وحتى ذلك الحين ستظلين هنا ؟" "أنا ... ربما ... ." وسيطر جويل على غضبه وقال : " وسارة .. هل تعيش معك عندما تتزوجين ؟" وحدقت فيه بغضب وقالت : " بالطبع . وهل يمكن أن تعيش في أي مكان أخر ؟ أوه ! كف عن هذا يا جويل ! أريد أن أعود ... طال بي الوقت , وقد تستيقظ سارة ." ورد في شيء من البرود : " انا واثق ان هانسون سيكون سعيدا للغاية إذا ما وجد الفرصة ليعني بها بعض الوقت , ومع ذلك لم تعد رضيعا كم عمرها الآن ثلاثة سنوات ؟ اربع ؟ لا شك أنها تقدر أن أمها يمكن أن تتغيب أحيانا ؟ صارت راشيل تنشق انفاسها بطريقة تدل على القلق , وقالت : " هل تنوي الآن أن تعود بي ؟" وكررتها بشيء من الارتجاف . " وإذا قلت لا ؟" " يمكنني أن أعود سيرا على الأقدام لست خائرة القوى ." واتجهت يدها إلى مقبض الباب ولكنه كان اسبق منها , ومد يده ليمنعها من فتحه ورغم أنها انكمشت إلى الوراء لتتجنب ملمسه , وضح انه كان يتعمد أن يلامسها , وسأل بشيء من السخرية : " ما الحكاية يا راشيل ؟ إذا كنت ستصبحين زوجة أبي فما الذي يمنع أن يألف احدنا الآخر بطريقة أفضل , ولعلني ما زلت اذكر جيدا , كيف كنت فيما مضى تحبين أن المسك كثيرا ." وصارعت كي تحرر نفسها , أنفاسها تتدافع بقوة أما هو فرغم نداء العقل الذي كان يحذره من الطريقة التي كان يتصرف بها , وصرخت فيه : " ابتعد عني , كان ينبغي أن اعرف أن النهاية ستكون هكذا , هذا هو كل ما تصلح له يا جويل , أليس كذلك ؟" " ماذا تعنين عليك اللعنة !" وقالت وهي تكاد تختنق : " إنني أقول الحقيقة انك تريد كل شيء في مقابل لا شيء , أليس كذلك ؟" " عم تتحدثين ؟" كان يمسك بكتفيها الآن , وبينما كان عقله يوسوس إليه بأنه حصل ما يريد فالمنطق الهادئ كان يحذره من الإجابة التي كان ينتظرها , وصار يهزها بعنف , وانحل شعرها من العقدة التي كانت تربطه , وتمتم في صوت أجش : "راشيل ..." " ابتعد عني أيها البهيمي ! إياك أن تجرؤ على لمسي !" وتسمرت أصابعه على كتفيها وهو يقول : " راشيل ! راشيل ! لا تخشي مني ! يا الهي .. لقد أحببتك من قبل , فكيف اوذيك ؟" وخلصت نفسها منه وهي تقول : "هل اصدق انك لا تفعل ذلك ؟ أتظن إنني أصدقك ؟" وألح عليها بصوت أكثر حدة : " لم بحق الله ؟ ما الذي فعلته بك ؟ قولي لي إن كان شيئا من ذلك قد حدث ؟ لقد هجرتني ؟ أنت التي هربت دون أن تخبري أحدا بالمكان الذي ذهبت إليه ! يا الهي لقد كدت اجن ." وتجمدت شفتا راشيل , وقالت : " انك لا تفهم يا جويل ! حتى اللحظة الحاضرة ليس لديك أي فكره عما أتكلم عنه . إن سارة ليست ابنة الـثانية او الـثالثة من العمر ! عمرها الآن خمس سنوات ... هل تفهم ما يعنيه ذلك ؟" وارتخت يدا جويل على كتفيها , وقطب حاجبيه وظهرت خطوط غائرة على جبهته , وبدا شعور غريب بالألم يصيب معدته , ولم يكن يدري إنها تحدق فيه وتختبر ردود فعله , وتتلذذ بإحساسه المرهق بالفزع والشك وعندئذ وجد في التظاهر بالجهل عذرا منطقيا وألح بشدة : " ماذا تقولين ؟" ولكن نشوة راشيل بالنصر لم تدم طويلا , وحركت كتفيها يائسة وهي تتمتم في غير وضوح : " ما كان ينبغي لي أن أخبرك ." " ما كان لك أن تخبريني بماذا ؟ هل تقصدين أن تقولي ... أن هذه الطفلة .. سارة .. هي ابنتي ونظرت إليه راشيل وقد أحست بشيء من الوهن , وقالت : " وهل تظن أنها تنتسب إلى شخص أخر ؟" وحرك رأسه في ارتباك وهو يقول : " غيلمور ! زوجك !" " لم يكن لي أي زوج , كنت اعمل لدى الكولونيل فرنشاو طيلة السنوات الـخمس الماضية امتدت يد جويل في غضب إلى مفتاح السيارة ليدير المحرك , وكاد خلال ذلك أن يدفع براشيل بعيدا عنه , وارتعد وجهها الشاحب , وقالت : " ماذا تفعل ؟" وأجاب في أنفاس مضطربة : " ما الذي تظنين إنني فاعله ؟ سوف أعود بك . أريد أن أرى ابنتي . إن كانت ابنتي !" وحاولت راشيل أن توقف يده وجذبت ذراعه بقوة لمدة لحظة وهي تقول : " آوه لا ! لايمكن أن تفعل ذلك !" " لن تستطيعي أن تمنعيني ." " سأمنعك بالتأكيد , سأعمل كل ما في وسعي لأمنعك ." واضطر إزاء ذلك أن يتوقف لحظة ثم التفت إليها بنظرة فيها شيء من الاحتقار و سأل : " لم ؟ لم لا أرى ابنتي ؟ هل تخشين أن أراها ؟ هل تخشين أن اكشف كذبك ؟" " انه ليس كذبا , دعني اشرح من فضلك , دعني أفسر ." " ما الذي يمكنك تفسيره ؟" وهزت راشيل رأسها وقالت : " لماذا تريد أن تراها ؟ انك لا تحب الأطفال , كنت دائما تردد ذلك" . " ولكن يبدو انه أصبح لي طفلة ؟" وخاطبته في لهجة متشددة : " وهل تعتقد أن ذلك يؤهلك لتدعي أن سارة ابنتك ؟ يا الهي ." ودفع جويل بيديه خلال شعره , لم يكن في طاقته أن يحتمل كل ذلك , ربما كانت خدعه أو مناورة من جانب راشيل لكي تجعله يتلوى , لابد أنها كذلك . وقال في شيء من التوتر : " حسنا ! إنني اعترف , الأطفال لا يلعبون دورا في نمط حياتي , فانا رسام ولست مربيه" . " بالضبط ". "وهل تعتقدين أن هذا يجيز لك أن تحتفظي بوجود ابنتي في الحياة سرا طوال تلك السنين ؟" أخذت راشيل تندف بعصبية خصلة من شعرها وقالت في ارتعاش عصبي : " ارجع بذاكرتك إلى الوراء يا جويل , هل بإمكانك أن تتخيل رد فعلك منذ ست سنوات لو انني جئت إليك آنذاك وأخبرتك بأنني انتظر طفلا منك ؟" وتململ في قلق فمنذ ست سنوات كان لا يزال يشق طريقه , منذ ست سنوات كان الطموح قوة كبيرة بداخله , كان ذلك الطموح مؤثرا , ولكن بشكل مختلف , وفي أية حال .. وتمتم جويل : " ما كان ينبغي أن يحدث ذلك أبدا ... كان ينبغي أن أتأكد انه لا شيء ينبغي أن يفسد عليك متعتك ! يا الهي ! هل تسمع يا جويل ؟ انك أناني ! وانك جدير بالازدراء ! انك كذلك وسوف تظل دائما كذلك ! هل لي أن أذكرك بأنني لم اعرف ما كنت تنوي أن تفعله معي ؟ لقد وثقت فيك ياجويل ! وكنت أظن انك أحببتني بحق" ! واغتم وجه جويل وحاول أن ينفي عن نفسه التهمة , وهو يقول : "هذا ليس صحيحا , يا راشيل , لقد أحببتك بحق ! لقد أحببتك ! إن الذي وقع ... وقع ... لان كلينا أراد ذلك !" ووضعت راشيل راحتي يديها على إذنيها مرة ثانية , وهي تقول : " لا !" " نعم ! كنت أريد أن أشاركك حياتي ياراشيل "! " أشاركك حياتك ؟ أعيش معك ! أيها الدنيء !" " ربما كنت اقصد فعلا في البداية ." وقاطعته : " كنت ستجد شخصا اخر !." " لا !عليك اللعنة ! كنت سأتزوجك ." " يا لك من شهم ." "لم يكن الزواج في خطتي, يا راشيل .. عند ذلك الوقت !" " ولم يكن الأطفال في خطتك في أي وقت ." ومد جويل إحدى يديه إلى مؤخرة عنقه , كان يشعر بالاضطراب , بل لم يكن قادرا على التفكير , دمدم قائلا: "المواقف تغير الأحوال ." " ماذا يعني ذلك ؟" " يعني انه إذا ... مازلت أقول إذا ... كانت سارة ابنتي ... فسوف يكون علي أن أغير خططي للمستقبل ." واتسعت حدقتا عينيها في شيء من الشك , وتساءلت : " عن أي شيء تتحدث ؟" " ينبغي بالطبع أن نتزوج ." وكادت راشيل تقهقه في وجهه وهي تقول : " نتزوج ! نتزوج ! ما كنت لاتزوجك ولو كنت آخر رجل على الأرض ! يا الهي ! ما أيسر أن يصبح الرجل مغرورا! هل تظن بأمانه أنني يمكن أن أتزوجك ألان ؟" وامسك جويل بساعديها بقبضة تنم عن الشعور بالإثم وهو يقول بغضب شديد : "ليس من حقك أن تتكلمي كثيرا في هذا الموضوع ." " ألا يحق لي ذلك ؟ وماذا يكون رأي أبيك ؟" كان جويل قد نسي للحظة السبب الذي جاء من اجله إلى هنا . وأجاب : " لا يهمني ما يقول أبي , إذا كانت الطفلة لي فهي لي ." " إنها ليست سلعه تمتلكها يا جويل , إنها إنسان , إنها إنسان خاص للغاية , ولها حقوق. " " ماذا تعنين ؟" " اعني إن سارة ابنتي , ربما تكون قد قمت بدور ثانوي في حملي بها , ولكنك لا تستطيع أن تثبت ذلك ." " ألا تبدو قريبة الشبه بي ؟" والتوت شفتاها وقالت : " الحق إنها تكاد تكون نسخة منك !" وانضغطت عضلات معدته بطريقة غريبة للغاية وأحس بأنه يريد بتهور أن يرى سارة وقال : " إذن سيكون علي أن ارفع دعوى !" وهزت رأسها وقالت : " سوف أنكرها ! وسيكون بإمكاني أن أقول إنها ابنة جيمس ." كاد جويل أن يضربها عند ذاك وأحس برغبة قوية في أن يفتح بقوة باب السيارة وان يترجل منها إلى الخارج تحت وابل المطر لنشق أنفاسا من الهواء البارد الرطب في تلك الأراضي البور , هل تجرؤ على توبيخه بتلك الطريقة الساخرة بالادعاء بان الطفلة لأبيه ؟ وبقي على تلك الحال القلقة بضع دقائق قبل أن يجرؤ على العودة إلى السيارة ليجلس إلى جوارها مره ثانية ,كان عندئذ قد عاود هدوءه بدرجة واضحة, ولكنه لا يزال عنيدا , وقال في شيء من الثبات : " أريد أن أرى ابنتي ... سوف افعل ذلك بطريقة أو بأخرى ... لن تستطيعي أن تمنعيني من ذلك مهما قلت أو عملت يا راشيل ." وظلت صامته لبضع دقائق ثم قالت في هدوء : " وما الخير في ذلك يا جويل ؟" وأغلق عينيه في الم مبرح من الانفعالات التي كادت تمزقه . مرت الدقائق الـخمسة عشر الأخيرة وهو يعاني اقسي أنواع العذاب النفسي ورأسه تكاد تتصدع من شدة الكراهية ؟ ماذا تريد هذه المرأة أن تفعل به ؟ وتمتم يحدثها : "انك امرأة قاسية ... ماذا غيرك ؟" وأجابته ببرود : " اعتقد انك تعرف الإجابة لهذا السؤال ... والأن إذا كان من واجبك أن تعود بي ... فهل تعود بي ألان ؟
الفصل الثالث:
3_أبي أبي ماذا فعلت
غادرت راشيل السياره ,بعدما غابت اكثر من ساعه .وخطر لها ان ساره ربما استيقظت بالفعل وانها بدأت تناديها ,مما جعلها تهرول نحو الباب تختلج في نفسها مشاعر القلق . وتبعها جويل يخطو بخطى واسعه ,مرتديا سترته الجلديه الزرقاء ,بوجه شارد قاتم ,وهو يقول : _انتظري ,انني ات معك . وتوقفت راشيل ,معترضه : _هذا منزل الكولونيل ,ياجويل .لا استطيع ان ادعوك بلا اذن منه . نظر اليها جويل ببرود ,وقال : _اوه ...لا ...هل قلت ذلك لابي ايضا ؟ تنهدت راشيل ,وقالت : _ابوك ...يعرف الكولونيل فرنشاو . _اكاد افهم ! شريك في التأمر ! كانت اعصاب راشيل قد اصبحت مشدوده وقالت : _لاتكن سخيفا ياجويل !سأذهب واخبر الكولونيل !سوف استأذنه . سبقها جويل الى المدخل وهو يقول : _لا تشغلي بالك ! لن تجعليني انتظر اكثر من ذلك ! نظرت اليه راشيل بغضب وهي تجتازه ثم توقفا في الردهه الداخليه ,لم تكن تدري ماتفعل كان البيت يبدو هادئا ,وكانت راشيل تعرف ان الكولونيل يهجع للراحه في فترة مابعد الظهر ,واصبحت المشكله كيف تجرؤ على اصطحاب جويل بدون ان تستأذن الكولونيل اولا ؟وقالت : _هيا بنا ... كان جويل فاقد الصبر ...خلعت راشيل سترتها وبدأت تصعد الدرج الى سكنها في الطابق الاول ,حيث اتجهت الى باب في نهاية الردهه ,ودخلت الى غرفة الجلوس .وكانت هناك ابواب اربعه تنفتح عليها ,احدهم يؤدي الى غرفة نوم راشيل والثاني غرفة نوم ساره والثالث يؤدي الى المطبخ الصغير والباب الاخير يؤدي الى الحمام ... وقف جويل في المدخل وقال بصوت اجش : _اين هي ؟ اجابت راشيل وهي تخشى اللحظه التي يرى فيها الطفله لاول مره : _ربما لاتزال نائمه . ورغم ان راشيل لا تزال تحاول ان تؤجل ما لم يكن منه بد ,انفتح باب غرفة ساره ,وقفت ساره بنفسها في فتحة الباب تنظر بعينين طارفتين وشعرها الذي يشبه الى حد كبير شعر جويل يتدلى على كتفيها النحيلتين , اما عيناها القاتمتان بشكل غريب ,ووجنتاها الشاحبتان فان الشبه بينها وبين ملامح اسرة كنغدوم لم يكن ليخطئه احد . وصاحت الصغيره : _ماما ؟...ماما ...انت ايقظتني . تملكت راشيل زمام نفسها ,وهي لا تجرؤ على النظر الى جويل ,الذي كان وجهه العابس صوره طبق الاصل عن وجه ساره ,وقالت : _اسفه ياعزيزتي ,حضر شخص لزيارتك . واضطربت رموش ساره الطويله وقالت : _من؟ ولم تظهر على وجهها ابتسامة الترحيب لتلين من ملامحها العابسه .وانفعل جويل عندئذ: _انني ...انت ...انك ...انا ...صديق لك . ونظرت ساره اليه بشئ من الشك وتمتمت : _ليس لي اصدقاء . ركع جويل امامها وهو يقول : _انا متأكد ان لك اصدقاء ...ما رأيك في الكولونيل ؟وما رأيك في هانسون ؟ اجابت سارة : _لا احب اندرو ! والكولونيل كهل جدا ! استفسر جويل: _اندرو ؟ قالت راشيل بشئ من التردد : _اندرو هانسون . وعلق جويل : _وبالطبع لايوجد شخص اخر تلعبين معه ؟ اجابت سارة : _انا لا العب انني مقعده ,الا ترى ؟ _ماذا تقصدين ؟ما الذي تخفينه عني ؟ وتململت راشيل قائله : _ساره تعاني من فقر دم بسيط ,هذا كل شيء ,انها تحت العلاج . وبدا ان جويل لم يقتنع بما سمع ,واستمر يسأل : _ما نوع مرض الدم الذي تشكو منه ؟ _ليس شيئا خطيرا . ونظرت راشيل الى ساره نظرة ثاقبه ,واكملت : ارجوك ياجويل ليس الان ! وظل جويل يلح في السؤال : _ومن الذي اسماك مقعده ,ياسارة ؟ وبدت ساره وقد اعتراها شئ من القلق ,واتجهت الى امها تسأل: _ماما ؟ واجابت راشيل بسرعه _اعتقد انه الكولونيل . وعلقت سارة : _سمعتهم في المستشفى يتحدثون ..رجل قال _اين هي ؟وامرأة قالت :من ؟وقال الرجل :المقعدة الصغيره . وصاحت راشيل : _اوه ! ساره! ربما لم يكونوا يتحدثون عنك . والح جويل في السؤال مرة اخرى : _اي مستشفى ياساره ؟ اجابت : _المستشفى الذي في هيوستن . وقاطعتها امها : _كفى ياساره . واتجهت الى جويل : _الا ترى ياجويل انك قلت مافيه الكفايه . ودمدم جويل مقطبا : _اريد ان اعرف المزيد . _ارجوك ياجويل ! لاتثر المشكلات. كانت ساره قد احست ان اللذان يتحدثان ليسا متعاطفين فقطبت وصارت تسأل في حده : _ما الحكايه ياماما ؟لماذا تنظر الى ماما هكذا ؟لماذا جئت هنا ؟لست صديقا لي وانا لا احس نحوك بأي حب . واضطرت راشيل ان توقف ساره وقالت : _ساره ,هذا لايليق .لابد ان تعتذري للسيد كنغدوم . اجابت ساره : _لا احس بانني ينبغي ان افعل ذلك ! وازاحت سارة يد امها ثم سارت عبر الغرفه الى حيث كانت بعض الدمى .كان جويل يرقب الطفله عن كثب ,ووجدت راشيل نفسها ترقب جويل ,ترى ماذا كان رأيه فيها ,تلك الطفله التي لم يكن يعرف بوجودها حتى اليوم ؟هل خاب امله عندما لم يجدها ذات بشرة بيضاء قرنفليه ريانه ,بعينين تشبهان عيني الدميه ,وبشعر مجعد ؟ومع ذلك كان لدى سارة الشيء الكثير ,اخلاصها وحبها وسرعة خاطرها ,واكثر من ذلك كله كنز الحب الذي كان حتى الان يتجه الى راشيل . وتركت راشيل العنان لخواطرها تتخيل كيف يمكن ان يكون رد فعل ساره لوعلمت ان جويل كنغدوم هو الاب الذي كانت تظن انه ميت . وساد الصمت لدقائق عديده ,ثم تحدث جويل : _هل فحصها احد الاخصائيين ؟ _فحصها كثيرون !انها ليست الاولى او الاخيره ,سوف يكون هناك دائما اطفال مثلها . _ولكن الاخرين ليسوا اطفالي . ردت راشيل بصوت اجش: _ولا ساره طفلتك ,ارجوك ان تنسى ذلك !. _راشيل ان ساره ابنتي كما هي ابنتك ,اما عن الدوافع التي تجعلك تحتفظين بشخصيتها سرا فهذا شيء يخصك ,ولكنني ارى ان هذه الدوافع لن تصمد كثيرا لاي تحقيق يجري امام القضاء . وهنا التفتت اليه راشيل تقول : _القضاء ؟اصبحت ساره تعني لك الشيئ الكثير ؟ سأل في عبوس : _ماذا كان ينتظر مني ؟انا لست قارئ افكار ,كيف بامكاني ان اعرف انك كنت حاملا ؟ _لم تكن تهتم لا بهذا ولا بذلك . واغتم وجه جويل عندئذ وقال : _راشيل ,لو انني كنت اعلم ... _اوه ,نعم ! لو علمت انني حامل ,ماذا كنت تقترح ,ياترى ؟التبني ام الاجهاض ؟ كان جويل يشرع في الخطو تجاهها عندما انفتح باب غرفة الجلوس ووقف اندرو هانسون على عتبة الباب يقول : _راشيل ,ظننت انني سمعت اصواتا ,اوه . وكان قد لمح جويل ,واصطنعت راشيل ابتسامه باهته ,وحاولت ان تطمئنه بطريقه كان فيها بعض الحرج وقالت : السيد كنغدوم على وشك الرحيل ,كان يريد ان يرى ساره . كانت عينا راشيل تتوسلان اليه ليرد بالموافقه ,لكنه لم يكن على استعداد لذلك التوسل ,كان وجه هانسون يعكس فضوله ,ولكنه استطاع ان يخفي ذلك برجوله ,وهو يقول : _فكرت ان من واجبي اعلامك ان الكولونيل استيقظ وينتظر الشاي . اومأت راشيل برأسها ,وقالت : _شكرا . واجبرت نفسها على النظر نحو جويل وقالت : _عليك ان تخرج الان ياجويل ! نظر جويل اليها ثم نظر الى هانسون واستدار ببصره الى ساره وقال : _اذهبي انت الى عملك ..وقومي بواجباتك !وسأرعى انا ساره . وجرت ساره عبر الغرفه لتخبئ وجهها بين قدمي راشيل وهي تقول : _لا اريد ان ابقى معه ,اريد ان اذهب معك . وتجهم هانسون وقال : _لا تجزعي ياساره سوف ينصرف السيد كنغدوم طبعا . رد عليه جويل ببرود : _من الافضل ان تعني بشؤونك الخاصه ,ياهانسون . _اوه ارجوك ياجويل ! وحاولت راشيل ان تتوسل اليه ,ولكن جويل تجاهلها ,واستمر يقول : _هل تتركنا ياهانسون ؟ام ينبغي ان تطرد بالقوة . كان جويل يخاطبه بشئ من الاهانه ,والتفت الرجل ,وانصرف وهو يردد انه لابد للكولونيل ان يعرف بما حدث وان يقول فيه قولته ,حدقت راشيل تجاهه ,ووقع بصرها على جسم سارة الصغير ,وقالت : _اوه ياجويل !انصرف قبل ان ترتكب حماقة اخرى ! ورد عليها بوحشيه : _حان الوقت لتدركي انه لايمكنك ان تدفني رأسك في الرمال بعد ذلك ,هل تعتقدين انني سأقبل ابقاء الطفله هنا ؟ثم انك لم تخبريني بعد لماذا تتزوجين ابي ؟انني اصر على ان اعرف وفي سبيل ذلك لا تعنيني مسألة اللياقه . اغلقت راشيل عينيها لحظه ,وفتحتهما ثانية ,ثم قالت : _ليس لدي وقت لمناقشة ذلك معك ,ياجويل ! _اذن ماذا افعل ؟هل ابقى في القريه حتى تجدي الوقت ؟ _لا !اذا كان لابد لك ان تعلم ,فسوف اكون في لندن الاسبوع المقبل .لقد وجد ابوك سكنا خاصا لي ,لاقيم فيه حتى نتزوج .وبعد ذلك _على ما اظن _سوف نعيش في الخارج . صاح جويل بدهشه : _في الخارج ؟اين ؟ _اظن ان ...لابيك بيتا ...في احد الجزر اليونانيه ؟ _نعم ,لياركوس,وماذا سيكون حال المصرف ؟ هزت راشيل رأسها وقالت : _ذلك سيكون افضل لسارة ... _اذن فالموضوع له علاقه بساره ! لن اسمح لك بهذا . _انك لا تستطيع ان تمنعني . _سوف احاول . نظرت اليه ساره وحاولت ان تغيظه بقسمات وجهها وهي تقول : _لا احبك . ورد عليها يقول : _ان هذا شئ مؤسف لانني احبك ...احبك كثيرا ... واستدار وترك الغرفه بعدما اومأ ايماءه ساخره من كليهما . وسمعت راشيل وقع قدميه ,وهو يهبط الدرج ,وسمعت كذلك صوت الباب الخارجي ينغلق وراءه ,واخيرا سمعت صوت زئير محرك المرسيدس القوي ,ورفعت ساره رأسها عندما سمعا صوت السياره يذهب بعيدا وسألت بقلق : _هل سيكون كل شيئ على مايرام ؟ انحنت راشيل وعانقتها في رقه : _بالطبع ياحبيبتي !والان علي ان اذهب لاقدم الشاي للكولونيل ,والا وقعت مشكله . كانت سارة منشغله تماما بما سمعته في حديث جويل ,وسألت امها في شئ من الضيق : _ماذا يقصد ياماما ؟هل ابوه هو الذي سيصبح ابي ؟هل سيعيش معنا كذلك ؟ _لا ياحبيبتي ! _ولكنه قال بالفعل انك ستتزوجين اباه ؟الم يقل ذلك ؟لقد سمعته .. -ساره !الرجل الذي كان هنا منذ لحضه هو ابن السيد كنغدوم ,ولكن له بيته الخاص ,وهو لا يعيش مع ابيه . _ولم لا ؟ _عندما يكبر الناس ويمكنهم الاعتماد على انفسهم ,يعيشون في بيوتهم الخاصه . _ولكنني لن افعل ذلك ! _البنات عندما يكبرن عادة يقابلن اشخاصا ويقعن في الحب .ثم يتزوجن ويكون لهن بيوت واطفال . _مثلما فعلت يا امي ؟ ترددت راشيل ثم قالت : _مثلما فعلت . _ولكن لماذا مات ابي ؟ تنهدت راشيل ,كان قد مضى وقت طويل منذ ان اثير هذا الموضوع لاخر مرة .وكانت راشيل بعد المقابله بينها وبين جويل غير مهيأة للاجابه عن تلك الاسئله وقالت : _حبيبتي !علي ان احضر الشاي للكولونيل ,هل تأتين معي او تنتظرين هنا ؟ _سوف اتي معك ,فقط ساحضر هيلغا ,انها تحب ان تتفرج عليك وانت تقدمين الشاي . كانت هيلغا دميه صنعتها راشيل من قصاصات القماش منذ ثلاث سنوات مضت ,وكانت قد اصبحت رثه وقديمه ,ومع ذلك مازالت مركز اهتمام سارة ,تحرص على اصطحابها الى كل مكان ,واخذت راشيل تنتظر ,وهي تحاول ان تهدئ من قلقها ,كانت سعيده بان لها ما يشغلها ويشغل تفكيرها ,وعندما التحقت بذلك العمل كانت تعلم انها سوف تقابل جويل ان عاجلا ام اجلا ...ولكنها لم تكن تتوقع ان تكون المقابله على تلك الصوره من المرارة والالم كان الوقت متأخرا عندما وصل جويل بسيارته الى شارع بيزووتر ,ثم انعطف الى لانكسترميوز وكان قد توقف في احدى مناطق الخدمه على الطريق .والتهم بعض شطائر اللحم اذ كان الجوع والتعب اوشكا ان ينالا من قدرته على القياده ,وكان يريد ان يحتفظ بنشاطه العقلي عندما يعود الى لندن . جعل جويل السياره تنتظر عند قاعدة الدرج الضحل الذي يؤدي الى الباب وكانت غرفة المكتب الخاص بابيه تقع في الجزء الخلفي من المبنى حيث يمضي معظم وقته ,وكان مع جويل مفتاح للباب وادار المزلاج ,فأنفتح الباب على الردهه ,وكان الدرج المؤدي الى الطابق الرئيسي يقع امامه مباشرة . سار جويل بقلق عبر باب غرفة مكتب ابيه دون استئذان ,وكان جيمس كنغدوم يجلس خلف مكتبه منشغلا بالعمل .وزال غضب الوالد عندما رأى جويل ...وسرعان ما رسمت ملامح وجهه ابتسامه ساخره كانت تشبه الى حد كبير ابتسامة جويل ...لقد كانا متماثلين ,غير ان وجه جيمس كنغدوم تظهر عليه اثار السن والخبره ,وشعره ابيض تماما ,ونهض يقول : _جويل !اي مفاجأة .لم اكن انتظرها ... واغلق جويل باب المكتب ,واسند ظهره اليه ,وقال في تجهم : _لاتنظر الي هكذا ,انك تعرف لماذا اتيت الى هنا ؟ رفع جيمس حاجبه الكثيف وهو يقول : _حقا ؟ رد جويل بطريقه يحاول ان يختبره بها : _دون ادنى شك ! قال جيمس: _حسنا ؟ترى ما الذي جعلك تفكر في زيارتي ؟اعتقد ان هذه هي الزيارة الثانيه خلال الشهور السته الماضيه . _اجاب جويل باختصار : _حياتي مليئه بالعمل . _انا متأكد من ذلك ,وعلى الاقل بسبب التكاليف التي ارسلها اليك . وبدت على وجه جويل بعض السخريه وهو يقول : _اه ,اعترف لك بذلك ,فانا ابن جيمس كنغدوم صاحب مصرف كنغدوم ,ولا شك ان ذلك يحقق لي بعض الامتيازات ,ومع ذلك اجرؤ على ان اقرر ان موهبتي هي التي تضمن العيش لي ,وليس لاسمك في هذا فضل . اضاف جيمس في شئ من الجفاف : _ووصية جدتك لامك ؟ _وهذه ايضا على الرغم من انني في السنوات الاخيره اعدت توظيف معظمها . ومد جيمس كنغدوم يده يتحسس السيكار وهو يقول : _كم تستغرق من الوقت لتصل الى هدفك من هذه الزياره .لاشك ان الموضوع يتعلق براشيل طبعا ؟ وسأله جويل بلهجه ساخره : _وكيف عرفت ان هذا هو الموضوع ؟ _لم اعمل ذهني ,اخبرني فرنسيس . علق جويل : _اكاد افهم ...وكيف استطلعت ذلك منه ؟ _الحق انني كنت اود ان اراك ...ولما لم اجدك سألت فرنسيس عن مكانك . علق جويل بلهجه متشككه : _وهو اخبرك ؟بهذه البساطه ؟ _لا كان حريصا للغايه !وقال انه كان يظن انك ذهبت مع اريكا لمدة يومين . _ثم ؟ _اجابت اريكا على الهاتف _وطبعا لم تكتف بما قاله فرنسيس ,وحاولت ان تتأكد ,وماذا قالت لك ؟ _ما اخبرتها انت به على ما اعتقد ...انك كنت في عمل في يوركشير . وتكلم جويل ,وكأنه يلعن : _افهم !لست بحاجه الان ان تذهب الى ابعد من هذا ...بامكاني ان اخمن ماحدث بعد لك ,واستطيع ان افهم لماذا كتم عنك فرنسيس الخبر ؟وفي اي حال فالمهم انني رأيت راشيل ,ورأيت ابنتي ! رفع الوالد حاجبيه من جديد وقال : _ابنتك ؟! _نعم ابنتي ...واذا كنت تظن انني سوف اسمح لك بان تأخذها بعيدا عني ,فأنك تخطئ خطأ كبيرا ! رد الاب بهدوء : _لا اعتقد ان لك رأيا في الموضوع ,ولا تظن ان بأمكانك ان تهددني . ووضع جويل راحتي يديه على المكتب ,وهو يسأل في تحد : _تعتقد ان لا رأي لي في هذا الموضوع ؟ تنهد الاب بقلق وقال : _كف عن التصرف بهذه الطريقه الحمقاء ,يمكنك ان تتفوق علي جسديا ,ولكن ماذا يفيد ذلك ؟هل تظن ان راشيل تعجبها مثل هذه الوسائل البدائيه ,هل يصل بك الامر الى ذلك ؟ _دعنا نستبعد اسم راشيل عن الموضوع مؤقتا ,هل نتفق على ذلك ؟ _لا افهم كيف ؟!ان لها شأنا كبيرا . وهنا نهض جيمس كنغدوم رغم مشيته على قدميه فقد هيئ له ان منظر ابنه وهو يطل عليه من عل كان يعني تهديدا لكيانه وقال : _نحن متمدنون ,ياجويل ,حاول ان يكون سلوكك في هذا الاطار . رد جويل بعنف : _هل من التمدن ان اقبل بان يتزوج ابي المرأة التي حملت طفلي ؟ _لم تكن تعرف شيئا عن راشيل وهي تحمل طفلك ...يا جويل ! _لكنك انت كنت تعرف ! _في الحقيقه ...نعم . _ماذا؟ماذا قلت ؟ وتزحزح جيمس كنغدوم بشئ من الضيق ,واجاب : -سمعت ماقلته ياجويل ,كنت اعرف ,اعرف ان راشيل كانت تنتظر منك طفلا ! هز جويل رأسه ,وهو لايكاد يصدق ,بالرغم من كونه سمع الكلمات ,سمعها بوضوح تام .ولكنه لم يستطع ان يصدق ما سمع ,وتصلبت قبضته على سترة ابيه وقال في شئ من القسوة : _ماذا تقول ؟كيف استطعت ان تعرف ان راشيل كانت حاملا؟ _انني...انني كنت اعرف... حاول ابوه ان يجذب سترته من قبضة جويل واكمل : _جاءتني راشيل ...وكانت يائسه ,وطلبت مني المساعده . كانت عينا جويل ,وهو يسمع ذلك ,تلمعان كخيوط من الجليد ,وصار يردد : _هي !طلبت مساعدتك !وما الذي استطعت ان تفعله من اجلها ؟ _اعطيتها المال لتتخلص من الجنين بالاجهاض. اجهاض !ولكن ...ولكن_. وختم له ابوه الجمله بشيء من البرود : _ولكنها لم تستخدم المال في اجراء عملية الاجهاض ,بل استخدمته في الهرب الى الشمال ,لتعيش منه وهي تنتظر ولادة الطفل. سأله جويل: _وكنت تعرف ذلك ؟ هز ابوه رأسه بقوة وقال: لا !قلت لك انني اعطيتها النقود لتتخلص من الجنين بالاجهاض ...ولم اكن اعرف انها لم تفعل ذلك . كان جويل يشعر بصداع شديد اشد من اي وقت مضى ,منذ ان سمع ان راشيل كانت على علاقه بابيه ...راشيل تتوجه الى ابيه وتتجنب عن عمد ان تخبره هو بانها حامل! استنشق نفسا طويلا ,ونظر الى ابيه من جديد : _ولم يخطر لك بالطبع ان تخبرني ؟اليس كذلك ؟ _الحت علي راشيل في رجاء الا افعل . _ومنذ متى كنت تحترم رغبات الاخرين؟ واخذ جيمس يتحسس كرسيه المصنوع من الجلد وبدأ يهوي بجسمه ببطء على الكرسي ,وصار ينظر بمراره الى ابنه ,ويقول بصوت اجش : _اذا كان استعراض البطوله قد انتهى ,فأنني اقترح ان نتناول الموضوع الان بطريقه هادئه متعقله . _وكيف اتصرف لكي اكون هادئا ومتعقلا كما تريدني ؟ _اريد ان لا تتدخل في هذا الموضوع !انه موضوع بيني وبين راشيل . لايمكن ان يكون كذلك بعد الان ...اريد ان اعرف باي حق اعطيت راشيل المال لتبدد طفلي ؟ عندئذ ضرب جيمس كغندوم على المكتب بعنف وقال : _انك تتصرف بطريقه مثيره ياجويل ؟كانت راشيل في يأس شديد ,هل كنت تريد ان اطردها ؟ واقبل جويل على المكتب من جديد ,وهو يقول : _كان بأمكانك ان ترسلها الي ,بل كان بامكانك ان تخبرني . _هل تعتقد انها كانت تقبل الذهاب؟اعني...اليك ؟ وكانت ملامح جويل تعبر عن الازدراء وقال : _اعتقد انك لم تكن تريدها ان تفعل ,يالها من فرصه اتيحت لك لترد بها سلوكي ازاءك عندما كنت في كل مناسبه اظهر العناد لتسلطك. _هراء . رد جويل بسخريه : _هراء ؟لا اظن ذلك . سأله جيمس بغضب : _الا يخطر لك ان تفكر لماذا لم تحظر راشيل بنفسها اليك ؟ لا ...كانت تعلم انها ان حضرت الي فلن اعطيها النقود من اجل الاجهاض . _اذن ماذا كنت ستفعل ؟ تردد جويل للحظه قصيره ,وقال : _كنت سأتزوجها . وحدق فيه جيمس بسخريه وقال : _هل كنت تفعل ذلك ؟هل تتصور بأمانه ان راشيل كانت تقبل الزواج منك في تلك الظروف ؟يا الهي !انك متعجرف ,ياجويل . _من شابه اباه فما ظلم ,يا ابي ! ورد جيمس ساخطا : _اهدأ...ان راشيل لم تات اليك لانها عرفتك على حقيقتك ,شخصا متطلعا انانيا ,كنت اكبر منها بعشر سنوات ,ولم يمنعك ذلك من ان تشبع رغبتك على حساب تدمير حياتها . واشاح جويل بوجهه بعيدا ,وصار يدمدم بعنف : _لم يكن الامر كذلك ,كنت احبها . ونفخ الاب في الهواء من انفه نفخه قويه تعبيرا عن الازدراء ,وهو يقول : _الحب !انك لاتعرف معنى الكلمه ! واستدار جويل في غضب تجاهه ,يقول : _انت اذن الذي يعرف معنى الحب؟بعد ان تزوجت باثنين ! واغتم وجه جيمس ,وقال : _احببت امك ,ياجويل !كنت احبها كثيرا !وعندما ماتت ...كانت ام فرنسيس على النقيض من ذلك ,ولم يكن مقدرا لزواجنا ان يغدو قصة حب ,بل عاش كل منا حياته الخاصه . واكمل له جويل الجمله : _مستمتعا بها الى اقصى حد ...نعم...لم اكن صغيرا حتى لا ادرك ما كان يدور يا ابي !كل اولئك الضيوف الذين يترددون على البيت ,لم تكن قديسا !ومع ذلك فانت تجلس تثرثر كالاطفال عن الانانيه وعن الطموح ,الم تكن انت انانيا ؟..الم تكن طموحا ؟ _من اجلك ,ياجويل !فقط من اجلك انت ! هز جويل رأسه ,وهو يقول : _من اجلي ! _انها الحقيقه ...فانت ابني الاكبر ,ياجويل !وابن المرأة التي كنت اقدسها .هل تلومني لانني اردت ان اصوغك في القالب الذي اراه ؟ وقاطعه جويل وهو يذرع ارض الغرفه بشئ من القلق : _على شاكلتك!نعم !ان هذا الكلام لن يؤدي بنا الى شيء.لقد حولنا عن الموضوع بما فيه الكفايه ,اريد ان اعرف كيف عثرت على راشيل مرة ثانيه ؟وكيف وصل بك الامر الى ان تطلبها للزواج ؟بل اهم من هذا اريد ان اعرف لماذا تقدم هي على مثل هذا الامر ؟ان هذا كله يرتبط بموضوع الطفله ,موضوع سارة !مامشكلة سارة؟لماذا تتردد على المستشفى ؟ولماذا يسمونها المقعده ؟ سحق جيمس كغندوم بقايا السيكار ليطفئه وقال : _الم تسأل راشيل هذه الاسئله ؟ _انني اسألك اياها ؟أو تفهم ؟ وهز ابوه كتفه استهجانا وقال : _اذا كانت هي لم تستطع ان تشفي علتك للمعرفه ,فانني اخشى الايكون ذلك في طاقتي انا ايضا . _ابي ,انني احذرك ! ونهض الاب على قدميه مرة ثانيه ,وقال : _لا ! انا الذي احذرك ,ياجويل !ابتعد عن هذا الموضوع !لقد مضت عليه سنوات ,وانت تعامل هذا البيت بازدراء ,ولم تكلف نفسك عناء السؤال عني او عن صحتي ,كل ما اطلبه هو ان تبقى بعيدا عن الموضوع ,استمتع بوقتك مع الاخرين الذين تهتم بهم ,اعتقد انه يغيظك ان ترى راشيل تفضلني عليك ,ولكن سوف تعتاد على ذلك . _ان امر راشيل لا يعنيك . _على العكس ,انني مغرم بها ,انني احبها كثيرا ,ولقد احببتها دائما ,حتى عندما كنت تسمم عقلها ضدي . دمدم جويل بمراره : _ينبغي ان تعترف بانه كان لذلك مايبرره . _ربما ...انني اعترف...لم اكن دائما ذلك الخير الكريم ,ولكن الزمن يتغير . كان جويل يحس بالم شديد فوق جفنيه ,وقال: _اتفق معك ان الزمن يتغير ,ولكنك انت لا تتغير ! ثم سأل: _وماذا قلت لها عني ؟ هز جيمس كتفيه واجاب : _قد لا تصدق جويل !بأننا نادرا ما كنا نتحدث عنك ,مرت راشيل باوقات عصيبه في السنوات الاخيره ,وانني اعتزم ان اذلل لها كل الامور . جعل جويل يده تتخلل شعره ,وعلق : _كان بوسعك ان تذلل لها الامور بدون ان تتزوجها . وبدت ابتسامه ساخره على وجه ابيه وهو يقول : _ماذا ؟واترك الميدان مفتوحا امامك ,ياجويل !اوه ,لا ,ان الاتفاق الذي عقدناه انا وراشيل لم يبق منه الا توقيع عقد الزواج . عاد جويل الى شقته التي تطل على حديقة ريجنت بارك ,وكان الصداع يدق رأسه بعنف اذ ترك منزل ابيه قبل ان تنهار سيطرته على نفسه تماما .وبلغ الغضب منه مبلغا لم يعهده في نفسه من قبل . وقاد سيارته الى مكان الانتظار في الممر السفلي ,واستقل المصعد الى الطابق العلوي ,وعندما دخل شقته اجفل عندما وجد مصباحا لايزال مضيئا في غرفة الجلوس ,وان امرأة شابه كانت ترقد على الاريكه الفرنسيه المصنوعه من المخمل .كان صوته وهو يغلق الباب قد ايقظها ,فرفعت رأسها بأبتسامه تعبر عن الترحيب ,وقالت وهي تمد ذراعيها الابيضين الممتلئتين : _جويل !حبيبي! خفت الا تعود ! وهبط جويل درجتين منخفضتين تؤديان الى وسط الغرفه .وقال وهو يحل ازرار سترته : _ماذا تفعلين هنا ,اريكا ؟ وارتفع حاجبا اريكا غراي الرقيقتان في شيء من التقوس ,وقالت توبخه بلطف : _اهذا هو اللقاء الذي انتظه منك ,ياحبيبي ؟لابد ان العمل الذي سافرت من اجله الى يوركشير لم يكن مرضيا كما كنت تنتظر . وجاوزها جويل متجها الى المنضده المتحركه للمشروبات التي كانت مستنده الى الحائط ,واخذ يعد لنفسه كأسا اجترعها قبل ان يقول : _هل هيرون هو الذي فتح لك الباب ؟ واجابت بجفاف : _نعم منذ اربع ساعات !ما الخبر ياجويل ؟الايسرك ان تراني ؟ ونهضت من فوق الاريكه ,ووقفت امامه ,وكان شعرها الكستنائي الداكن يتجعد بشكل انيق حول رأسها الصغير ,وكان كعبا حذائها يضيفان عدة بوصات الى قامتها الصغيره التي لاتزيد عن خمسة اقدام .وتذكر قامة راشيل ,كانت اكثر ارتفاعا ,ولكنه سرعان ما طرح الفكره بعيدا بشئ من الغضب والتنهيد ,وقال: _اسف يا اريكا ,انا متعب تماما ,اعاني من صداع شديد ,ولا اريد سوى ان استحم وانام . واقتربت منه ويداها مبسوطتان ,تقول: _اوه !ياحبيبي !هل احضر لك شيئا ,قرص اسبرين مثلا او كوب ماء معدني فورا . قالت ذلك وقد تشابكت اصابع يديها . وهز جويل رأسه ,وهو يقول: -لا !لا!اشكرك ! لاشيء ولمس جبهته بيده ,وهو يضيف : _اسف !سامحيني . وصار لسان اريكا يسبر سفتها العليا ,فقد احست بشيء من القلق ,وكانت تعرف ان اية لفظه غير محسوبه يمكن ان تشعل نار كبيره ,وقالت وهي تتحسس عباءتها التي كانت قد القت بها على ظهر الاريكه عند وصولها : _سأذهب ,وسأطلبك بالهاتف غدا ؟هل افعل ؟ نظرجويل اليها بقلق ,وبدأ يحس بالازدراء لنفسه لذلك التصرف الذي بدر منه ازاءها بدون قصد ,ولكنه لم يكن الان في حاله تسمح له بان يتصرف بطريقه لبقه ,ومع ذلك كان في ظروف اخرى ,يسعد بمؤانستها ,ولم تكن اريكا ترهقه بأية تكاليف ,اذ كانت تكفل نفسها ,وكانت على قدر كبير من الذكاء ,وكان يعرف انها تتطلع الى زواجه في النهايه ,ولم يكن يشعر بالضيق لذلك .اذ كانت مطالب عملها تتوازن مع مطالب عمله .ولم تكن تفكر في انجاب الاطفال ...ولكن شيئا ما حدث فجأة .وبدأ جويل يثور على نمط حياته القائم على الانانيه .وكان كل ما رآه في تلك الليله عينين قاتمتين عاصفتين تحملقان فيه في كراهيه باديه ...كان ذلك خبلا وجنونا ...ولكن هاتين العينين كانتا تلاحقانه .ومع ذلك هل من الخبل ان يريد الانسان من ابنته ان تحبه ؟ لم يستطع ان يشرح شيئا من ذلك لاريكا ,وتركها تفكر ما تشاء في سبب سلوكه غير الودي نحوها تلك الامسيه ,ووضعت العباءه على كتفيها وسارت الى الباب ,وسار جويل خلفها ليوصلها _نعم ,اطلبيني غدا ,طاب مساؤك يا اريكا! طبت مساء . _
الفصل الرابع:
بيت جديد .. ملابس جديده ._4
أخيرا نامت سارة , ومشت راشيل على رؤوس أصابعها خارج الغرفة , وأغلقت الباب , وكان الأمر قد احتاج إلى بعض الوقت لأن ما حدث ذلك اليوم كان جديدا عليها , وارتفعت حرارتها بشكل ينذر بالخطر , لكنها أخيرا بدأت تستغرق في نوم هادئ.. وسارت راشيل إلى غرفه الجلوس حيث كان جيمس في انتظارها . كانت الشقة الجديدة في عمارة تقع في احد الشوارع الصغيرة المتفرعة من طريق آبي . كانت أرحب بكثير مما توقعت ففضلا عن غرفة الجلوس الرحبة كان هناك مطبخ واسع وغرفتان للنوم وحمام .والأثاث على درجة من الأناقة وبدأت تدرك أن جيمس تحمل بالفعل الكثير من اجلها ,وامتزج تعبيرها بالعرفان له بالجميل بشيء من الاحترام والوقار . وكان المنزل على مقربة من مستشفى سانت ماثيوز مما يسمح لها بان تزور سارة عندما تدخل المستشفى وقتما شاءت . كان جيمس كنغدوم يجلس على الأريكة المستطيلة عندما رجعت إلى غرفة الجلوس , ونهض عندما رآها تدخل وأجلسها إلى جواره وهو يقول : " تعالي ,واجلسي , اسمحي لي ان احضر لك مشروبا ." وأجابت وهي تجلس على حافة المقعد المريح : "لا بأس !" واحضر لها شرابا ثم قال : " التعب باد عليك ! اعتقد انك تفضلين النوم مبكرا ." وأومأت برأسها : " كان يوما متعبا إلى حد ما ." وأدركت انه ينتظر منها شيئا أخر , فأضافت : " لقد كنت كريما عندما انتظرتنا على المحطة , ودعوتنا لتناول الطعام . سارة كانت فرحة ." وعلق وهو يستلقي في مقعده , وينظر اليها عن كثب : "لم افعل إلا الواجب , بالمناسبة في المطبخ مؤونه كافية. واعتقد أن سكرتيرتي قامت بذلك كما ينبغي ." وشكرته راشيل وكان جيمس قد قرر أن يجعل منها امرأة تليق بان تقدم إلى الآخرين باعتبارها زوجته , وعلق بطريقة عارضة : " اعددت الترتيبات لتزوري الصالون الرمادي خلال هذا الأسبوع , يا راشيل ." ورفعت راشيل بصرها ,وقالت : " الصالون الرمادي ؟ ماذا يكون ذلك ؟" " الصالون الرمادي يا عزيزتي , محل متخصص في الملابس الجاهزة , تملكه إحدى صديقات جويل , نعم ! اسمها اريكا غراي .. وستقوم بنفسها على خدمتك , إذا عرفت من أنت !" " ماذا تعني ؟" "لا ! اعني انك خطيبتي" . كان صوته هادئا رزينا , واكمل : " ماذا ظننت ؟ اخشي أن أقول إنني قصدت اغاظتك , كما أغظتني .. لقد كتمت عني انك رأيت جويل بعد أن التقينا أخر مرة ." وأحست راشيل إنها أشبه بذبابة وقعت في نسيج عنكبوت ماكر وأحست بأنه كان من واجبها أن تخبره بزيارة جويل , ولكن ذكرى تلك الزيارة كانت لا تزال فجة لا تصمد الاختبار , وتجرأت على أن تسأل : " وكيف عرفت بها ؟" " اخبرني جويل بنفسه ." " جويل ؟" " نعم ! هل كنت تظنين انه لن يخبرني ؟" تصورت أن جويل ربما يفضل أن يتجنب المواجهة المكشوفة مع أبيه وقالت في صوت خفيض : " جاء منذ أكثر من أسبوع , ولكن الكولونيل لم يره . كان يريد أن يرى سارة ." " وأخبرته من أبوها ؟ أليس كذلك ؟" " نعم ." " لماذا ؟هل الشبه الكبير بينهما جعلك تفعلين ذلك ؟" " أنا ! لا ! ." " كان من السهل أن تكذب لكنها لا توافق وأضافت : " لم يكن قد رأى سارة بعد عندما أخبرته ." وتقوس حاجباه الكثيفان وقال : " إذن , لماذا فعلت ذلك ؟" هزت رأسها وقالت : " تشاجرنا مشاجرة عنيفة , كنت أريد أن يحس بصدمة الحقيقة ونجحت ." " ولم تكوني تنوين أن تخبريني بذلك ؟ على الأقل لأحذ حذري كما يقولون" . " لم يكن هناك متسع من الوقت بعد ." " لا ! اعتقد انه لم يكن هناك .... و سارة ... بالطبع لا تعرف شيئا عن علاقتها بابني ؟" " لا !" "حسنا ... فقط أحب أن أوضح انه لاينبغي أن يخفي احدنا سرا عن الآخر يا راشيل ! ولا تنسي انه بدون مساعدتي لن يكون أمامك من ملاذا إلا اللجوء إلى جويل ؟ هل تريدين ذلك ؟" واجابته وفمها يرتعش: " بالطبع لا ! انك تعلم إنني لا يمكن أن افعل ذلك !" وأومأ جيمس بيده ليفض الآمر وهو يقول : " وإذن فلن نقول كلاما أخر في هذا , اعتقد أن موعدك مع لوريمر هو صباح الغد , أليس كذلك ؟" " نعم ! نعم ! في الـعاشرة ." " هل تحسين بشيء من الاضطراب ؟" " هل تحس آنت بذلك ؟" " اشعر بشيء من القلق ! ربما ... ولكن لوريمر هو دون شك أكفأ رجل في ميدان تخصصه , وليس ثمة ما يدعو إلى القلق ... ." وبدأت راشيل تتحدث بشيء من عدم الثقة فقالت : " ولنفرض ان العملية فشلت ." "عندئذ سوف تستأنف سارة علاجها الحالي , وينبغي أن تكوني أكثر تفاؤلا !" وارتشفت ما بقى من كأسها , وقالت : " سأبذل جهدي ." ووضع الكأس الفارغة على رف الموقد , وقال : " سأخرج .. بإمكانك أن تنامي .. وسوف أمر بك مساء قبل أن أسافر إلى فرنكفورت وسيكون هذا أخر مؤتمر احضره بأذن الله ." كانت الساعه تشير الى التاسعة ونصف وكان الإنهاك يخيم على كاهلها وأدارت زر التلفزيون بشيء من التعمد وحاولت أن تتبع المسرحية المعروضة , لكنها كانت تشرد باستمرار . وعندما انتهت المسرحية وجاء شريط الإخبار فلم تكن تدري ما يعرض على الشاشة أمامها. ******** كانت راشيل ترتعد , وهي تتذكر موجة الرعب التي لفتها عندما فتحت الباب لجيمس كنغدوم ... وتعرف عليها في الحال , ورغم أنها لم تكن قد أخبرته بعد بموضوع ساره فأن الكولونيل ذاته قد تحمس وناقش قصة مديرة منزله الجميلة التي فقدت زوجها قبل أن يولد رضيعها . ولم يضع جيمس وقتا في تقدير الموقف , بل وجد الفرصة ليتحدث مع راشيل , وليسألها عن السر وراء اختفائها , ورغم أن راشيل لم تكن ترغب في أن تتحدث إليه فإنها لم تستطع أن ترفض ذلك لأنه كان ضيف مخدومها, وقررت أن تخبره بالحقيقة , وكان جيمس متعاطفا معها وخاصة عندما علم بمرض ساره . قال لها انه يريد زوجة وانه ينوي أن يعتزل ويخشى أن يعيش وحيدا دون صحبة امرأة , واقترح على راشيل أن تنظر في قبول الاقتراح إذا كانت تريد أن تؤمن حياتها وان تجد السبيل لشفاء سارة ... كانت فكرة الزواج من جيمس تبدو أول الأمر كاللعنة , ولكن المزايا التي سوف تجنيها بالنسبة إلى سارة هدأت من مخاوفها . كانت مدينة لسارة بكل ما تفعل , وكانت تفعل كل ما في طاقتها لا من اجل أن تعود سارة إلى حاله صحية طيبة فقط , ولكن لتطمئن إلى أن سارة لن تواجه الصراع نفسه من اجل الحياة كما فعلت هي من قبل , وكان جيمس هو جد الطفلة ويكن لها مشاعر فطرية وقال إنهم سيقضون معظم السنة في بلاد اليونان , ولو سار كل شيء كما ينبغي فأن سارة ستعود في النهاية إلى انكلترا لتنتظم في الدراسة في إحدى المدارس هناك .... وفكرت إنها سوف تنعم بكل ميزة يمكن أن يجلبها المال وهي ميزات بإمكان راشيل أن تفكر فيها بعدما قضت ابنتها سنوات حياتها الأولى في دار للأيتام , ولن تكون بحاجه إلى أن تعمل إلا إذا رغبت هي حقا في ذلك , فكيف ترفض ذلك العرض ؟ ******* ونهضت راشيل من جلستها فأطفأت التليفزيون, ودخلت غرفة نومها . كان هناك باب يوصل غرفتها بغرفة سارة تركته نصف مفتوح واتجهت إلى فتحة الباب وأخذت تنصت باهتمام , كانت سارة تتنفس بهدوء مما يعني أنها بدأت تشفي من معاناة ذلك اليوم . وعلى غير ما تنتظر , نامت سارة نوما هادئا , واستيقظت على صوت غير عادي جاء من همهمة المرور على الطريق العام على بعد ياردات قليلة من المبنى حيث يقيم . وكانت شمس آذار/مارس تنفذ من خلال الستائر , وحدثت راشيل نفسها بالتفاؤل واعتبرت ذلك بشير خير. واستطاعت أن تسمع أصواتا على ما يبدو تحاول أن تستطلع غرفة نومها بدون أن توقظ أمها , وقالت وهي تنظر بعينين طار فتين : " آنت كسولة , فلقد استيقظت قبلك بساعات .." ونظرت راشيل بطريقة آلية الى ساعتها , ثم استرخت عندما رأت أن الساعة لا تزال الثامنة ونصف وقالت: " هل نمت جيدا ياعزيزتي ؟" " انه فراش وثير يا أمي , هل سيكون لي فراش مثل هذا عندما تذهب لنعيش مع ذلك الرجل ؟" ورغم أن جيمس طلب إليها أن تناديه بكلمة عمي أصرت على أن تسميه ذلك الرجل مما سبب لراشيل بعض الضيق وإجابتها راشيل في اختصار : " اعتقد انك ستجدين في الحياة في الخارج شيئا جديدا .. والآن اذهبي واغتسلي بينما أقوم أنا بإعداد ملابسك للذهاب إلى المستشفى ." وبدأت سارة تنهض من الفراش ببطء وسألت بقلق : " لن اضطر إلى البقاء في المستشفى اليوم , أليس كذلك ؟" وهزت راشيل رأسها وقالت : " لا , انك اليوم ذاهبة فقط ليراك الدكتور لوريمر , تذكرين الدكتور لوريمر , أليس كذلك ؟ قابلته أخر مرة كنا في لندن ؟" " عندما كنا نقيم في الفندق الكبير ؟" وابتسمت راشيل ابتسامه خافته , وقالت : " تماما , والآن هيا , اغتسلي !" ودق جرس الهاتف , وأحست راشيل بأعصابها تتوتر , وهي ترفع السماعة , كان المتحدث هو سكرتيرة جيمس وطمأنتها راشيل أن كل شيء على ما يرام , وشكرتها لما تحملته من اجلهما وأجابت السكرتيرة في أدب : "حسنا يا سيدة غليمور , انه واجبي ." وأحست راشيل أن السكرتيرة لم تكن راضيه أبدا على الوضع , وخرجا إلى المستشفى بعد الإفطار . كان الدكتور لوريمر , الجراح المكلف بحاله سارة رجلا في اوائل الاربعينات من عمره يتمتع بمظهر يبعث الثقة في مرضاه , وكان يهتم بطريقة خاصة بالأطفال وأدركت سارة ذلك من زيارتها الأولى . ورغم أنها لم تقابله إلا مره واحده من قبل سمحت له أن يفحصها دون أن تبدي أي اعتراض ولم يستغرق الفحص وقتا طويلا وقدمت راشيل للطبيب فيما بعد سائر الوثائق اللازمة بينما كانت سارة تلعب مع هيلفا دميتها , واتخذت الترتيبات اللازمة لتدخل سارة المستشفى , وأحست راشيل بارتياح كبير عندما انتهت المهمة . وحضر جيمس إلى الشقة مرة ثانية تلك الأمسية وأخذت سارة تتحدث عن زيارتها إلى المستشفى وعن الدكتور لوريمر بلطفه ورقته , وأحست راشيل بارتياح لوجود الطفلة مما ساعد على تحاشي وجودهما على ولو لفترة ومع ذلك كان على سارة أن تذهب في النهاية إلى مخدعها , وعندما رجعت راشيل لتجالس ضيفها في غرفة الجلوس كان يبدو عليها الارتياح التام وساعدها على الجلوس في كرسي مريح , وقدم إليها كأسا من الشراب , وقال : " ألا ترين أن سارة تشعر بالاستقرار تماما , لن يكون الأمر صعبا كما نتصور !" وخطر لراشيل الأمر ليس كذلك تماما بالنسبة إلى سارة ولكنها مع ذلك قالت : " الأطفال يتكيفون سريعا , وهذه إحدى ميزات صغر السن ." وطقطق جيمس لسانه كعلامة على عدم الموافقة وقال : " انك تتحدثين كأنك في أواسط العمر , إنني أعجب بشبابك ! ومن يدري فربما لا تزال أمامنا الفرصة ليكون لنا لأطفال نحبهم سويا ." وتصلبت راشيل بعض الشيء ولم تكن تستطيع أن تتحمل الموقف , وقالت بارتباك : " اوه , لا ادري" . ولم يكن جيمس ينصت إليها وواصل الكلام "سأتغيب حوالي عشرة أيام , ولعل ذلك يكون وقتا كافيا تعتاد فيه سارة على ظروفها الجديدة , ليس هنا فقط , وإنما في المستشفى كذلك , وعندما أعود يمكن أن نتحدث عن ذلك اطمئني فجميع الترتيبات اللازمة قيد التحضير ." وأومأت راشيل برأسها وقالت : " اعرف , فقد اخبرني الدكتور لوريمر ." " حسنا ! وسوف يحرص على أن يزودك بالإخبار أولا بأول , هل أنت مطمئنة إليه ؟" " نعم , وعندما تنتهي العملية ؟" " ستكون بلاد اليونان مكانا امثل للنقاهة , واسترداد الصحة ." " ولكن ... المصرف ؟" " فرنسيس ليس سيئا , يا عزيزتي , ويستطيع أن يتصرف ." "ولكن كم يطول ذلك ؟ آنت تعرف يا جيمس انك اخبرنني ." "أخبرتك إنني كنت أتمنى أن يحل جويل محلي ولكنه رفض وسوف يكون على فرنسيس أن يتحمل المسؤولية ألان , وإذا سار كل شيء على ما يرام فربما تؤاتيني الفرصة ليكون لي طفل على صورتي ". كان متحجر القلب فيما يخص العمل , وكانت راشيل تعرف عنه ذلك من جويل منذ سنوات مضت , ومع ذلك كان من الصعب تماما عليها أن تتصور نفسها أما لطفل منه . وافرغ جيمس كأسه , وصار ينظر إليها بإمعان , وقال : " بالمناسبة , اتخذت الترتيبات كي تحضر السيدة تالبوت إلى هنا وتقيم معك خلال الفترة التي تقضيها سارة في المستشفى ." وقطبت راشيل , وقالت : " السيدة تالوب آه , مديرة المنزل التي تعمل في بيتك ... " وهزت رأسها واضافت " ليس ذلك ضروريا ." " لا اتفق معك, فانا لا أحب أن تقيمي هنا وحدك عندما لا أكون متواجدا لأعني بك ." " ولكن سارة ستقضي ليلة واحده ." "وبرغم ذلك أفضل أن اطمئن انك لست وحيده ." كان متصلبا لا يقبل المناقشة , ولم تجد راشيل ما ترد به , ولكنها لم تستطع أن تمنع خاطرا خطر لها حول ما إذا كان لجويل أية علاقة بهذا الاهتمام الواضح الذي يبديه برعاية شؤونها . وفي الصباح التالي , قبل أن يطير جيمس إلى فرانكفورت اتصل براشيل هاتفيا من المطار وقال : " نسيت أن أخبرك , يا عزيزتي , إن الآنسة كلاي ستزورك هذا الصباح لتصحبك إلى محل الأزياء الذي أخبرتك عنه ." وكانت الآنسة كلاي تعمل سكرتيرة له , واعترضت راشيل : " ولكنني لا أريد أي ملابس أخرى ." "اتركي لي تقدير ذلك , وأرجو أن تسمحي لي بان أجعلك ترتدين ما يليق بمكانة أسرة كنغدوم " ولكنني لست عضوا في أسرة كنغدوم , يا جيمس ." " سوف تصبحين كذلك عما قريب , يا راشيل . أرجو أن تستجيبي لطلبي , وإنني أتطلع إلى أن أرى التغيير عند عودتي ." لم تعط راشيل وعدا قاطعا عندما وضعت السماعة , وكالعادة لم يكن هناك جدوى من محاولة التوضيح بأنها تفضل أن تبقى مستقلة حتى يتم الزواج , ولكن إذا صممت الآنسة كلاي أن تأخذها إلى الصالون الرمادي , فان ما بقي معها من النقود على ضآلته سوف ينفذ إذا ما حاولت أن تشتري ملابس جديدة . كانت ليديا كلاي امرأة في نهاية العقد الرابع من عمرها , وعملت في مؤسسة كنغدوم منذ كانت لا تزال آنسة صغيرة ولأنها كانت سكرتيرة المدير , انعكس ذلك على سلوكها الذي كان يتسم بالتحديد والتصميم . وصلت ليديا في سيارة أجرة لتصحبهما إلى السوق , وكانت السيارة في الانتظار عندما غادرن المبنى , وكان الصالون الرمادي يقع في زقاق يتفرع من شارع ريجنت , ولم يكن في مظهره من الخارج مايجذب الزائر إليه , ولكن ما أن يجتاز الزائر الباب الزجاجي حتى يحس في الحال بشيء من التوقع الغامض الذي يثير الاهتمام , وكانت هناك ستائر من الشيفون الوردي والقرنفلي تحجب كل شيء ولم تكن الملابس او الفساتين معلقة كما تعودت راشيل من قبل في المحلات اخرى .اما سارة فقد كانت تنظر حولها باهتمام وهي ترتدي سروالها الجينز وسترتها المصنوعة من الفراء ذات قلنسوة ,بينما تتدلى هليغا من يديها كالعادة , وقالت في صراحة الاطفال : " المحل فارغ من السلع , يا ماما , هل حدثت تصفية ؟" وانتفضت شفتا الآنسة كلاي عندما سمعت ذلك وكانت إحدى البائعات تجتاز المكان , فاخفت الآنسة كلاي شعورها بدرجة كافية وقالت : " صباح الخير ." "اوه صباح الخير , آنسة كلاي ." وواصلت السكرتيرة كلامها مع البائعة بشيء من اللطف : " الآنسة غراي هل هي موجودة .؟" " موجودة بالفعل . سنسير في هذا الاتجاه ." كانت راشيل تتوقع الآنسة غراي على شيء من الجمال المهيب . ولكن اريكا غراي كانت ضئيلة الجسم , وعندما ظهرت بأناقتها في بذلة رمادية محكمة على جسمها وشعرها جعلت راشيل تشعر في أعماقها أنها طويلة القامة تعزوها البراعة, فضلا عن أن النظرة السريعة التي ألقتها على ملابس راشيل كانت مهينة لها , وحيتها بشيء من البرود وهي تقول : " أنت إذن السيدة غيلمور ؟ اخبرني السيد كنغدوم بقدومك , أهلا بك . اسمي اريكا غراي . ونظرت الآنسة غراي نظرة خاطفة إلى الآنسة كلاي ثم وقع بصرها على راشيل وقالت : " هذه ابنتك يا سيده غليمور ؟" وأومأت راشيل برأسها وأجابت : " نعم هذه سارة ." وتقوست شفتا اريكا الرقيقتان إلى أسفل , وقالت : " أهلا يا سارة !" ولكن سارة لم ترد التحية , وأخذت تحدق النظر في شيء من العناد , ولاحت اثأر بسيطة على جبين اريكا الأملس وكان من الواضح أنها أخذت بالشبه الواضح بين الطفلة وأسرة كنغدوم , ولحسن الحظ تذكرت راشيل أن جيمس كان من الأسرة ذاتها ." وقالت اريكا وفي نبرات صوتها ما يدل على أنها تقصد توجيه أهانه مقنعه الى راشيل: " ولكنها لا تشبهك كثيرا , أليس كذلك يا سيدة غليمور ؟" واستجمعت راشيل كل ما بقي لديها من أثار الثقة بالنفس وقالت : " لا يا آنسة غراي , إنها لا تشبهني , والواقع إنها تشبه جدها إلى حد كبير ." قالت ذلك دون أن تبالي بالطريقة التي تفسر بها الآنسة غراي ذلك وجلست كلاي لا تتكلم إلا قليلا , وقد تجاهلت سارة تماما . ودام صبر سارة بعض الوقت فجلست في كرسيها وقد افتنها التغير الذس كان يحدث في مظهر أمها , ولكنها بعد أن امتدت الدقائق إلى الساعة وامتدت الساعة إلى الساعتين بدأ يعتريها القلق , وصارت تسأل : " كم من الوقت يطول بقاؤنا هناك ؟" ولم يكن بوسع راشيل أن تجيب على سؤال ابنتها , ذلك بسبب انشغالها كلية مع غراي , وفضلا عن ذلك مضى عليها وقت طويل لم تكلف نفسها فيه مشقة العناية بمظهرها أكثر من أن تبدو نظيفة مهذبة , ولاح لها رغم مشيئتها أنها بدأت تستمتع بهذه الخبرة الجديدة وعندما خرجت من إحدى المقصورات كانت ترتدي ثوبا من القطيفة في لون الياقوت الأزرق له صدر منخفض ضيق وأكمام طويلة حبكت على زنديها قبل أن تتدلى باتساع عند الكوع في زي يشبه ما كان سائدا في العصور الوسطى , عند ذلك سمعت صوت رجل في القاعة الخارجية , وقبل أن تجد الوقت لتصلح من شأنها خطا الرجل بخطوات واسعة من خلال الستائر, ووقف في مواجهتهن وكان الرجل هو جويل , تركت اريكا كل ما في يديها في الحال , وذهبت للترحيب به : " يا حبيبي , ماذا تفعل هنا ؟" ونظر جويل من فوق رأس اريكا إلى راشيل واندفع الدم إلى وجنتيها من تلك النظرة وقال في شيء من السخرية : " أوه , لقد ظننت انه من المناسب أن القي نظرة على تلك التي ستغدو زوجة أبي .
الفصل الخامس :
5_آيس كريم
كانت اريكا الشخص الوحيد الذي لم يبد دهشه لحديث جويل ,ولكنها كانت عندئذ منهمكه في اختيار الازياء المناسبه لراشيل وفقا للتعليمات التي تلقتها من جيمس كنغدوم ,وكان الامر بالنسبه اليها عملا يتطلب الانجاز ,اما الانسه كلاي فقد كانت تنظر بشيء من عدم الموافقه ,واما سارة فكانت عابسه مقطبه ,وبالنسبه لراشيل ...حسنا ,خطر لها وهي تحاول ان تستعيد رباطه جأشها ان جويل اراد ان يثيرها ,ونجح في ذلك . والتفت جويل من اريكا الى ساره ,وقال وهو ينحني تجاهها ليقترب منها : _وما رأيك في ملابس ماما الجديده ؟ وجعدت ساره انفها ,وزمت شفتيها وحدقت في وجهه ,وابتسم ابتسامه عريضه انعكس اثرها بطريقه تثير الدهشه فيمن حوله فقد بدا اقل عمرا بكثير مما هو ,وعلق بشئ من الحده: _هذا وجه جميل لطيف ...والان اريده ان يعبر عن الغضب والقبح . وزمت سارة شفتيها بطريقه اكثر تشددا ,ولكن شيئا ما في ابتسامته جعلهما تتذبذبان ,وقالت : _ابتعد عني ..انا لا احبك .. قالت ذلك عندما لم تستطع ان تحتفظ بالتكشيره لوقت اطول ,ولم تملك الانسه كلاي الا ان تطقطق لسانها في شئ من الاستنكار . ولاول مره نطقت راشيل ,وقالت : _ساره ّ! ورفع جويل بصره اليها بشئ من الاستخفاف ,وقال ساخرا : _حسنا !حسنا !انت ذاهبه الى حفل راقص ,ياسندريلا ! وامتقع وجهها ,واستدار جويل ثانية الى الطفله ,وامسك براحة هيلغا الطليقه ,وقال : _الا تشعرين بالملل ,وانت تجلسين هنا تتفرجين على معرض الازياء ,اعرف مكانا يباع فيه الايس كريم ,الا تفضلين ان تاتي معي لناكل حتى تنتهي ماما مهمتها ؟ وجذبت ساره هيلغا من يده وهي تقول : _لا ! والح عليها : _هل انت متاكده ؟انهم يبيعون الستيك المصنوع من عصير الفواكه المجمد كذلك ! وردت ساره : _انا لا احب الستيك . ولكن صوتها لم يكن يبدو مقنعا على الاطلاق ,وعندئذ انفجرت راشيل قائله : _كف عن محاولة رشوتها ,ياجويل ...اجلسي ياساره ...لن نتاخر كثيرا .وبعدئذ سوف اشتري انا لك الايس كريم .ساره لاتريد ان تذهب معك ,ياجويل . ووجه انتباهه الى ساره ,واخذ يسألها : _حقا ياساره ! انت لا تريدين ان تذهبي معي ؟الا تحبين ان تخرجي معي للنزهه في سيارتي ؟انني احب ان ارسم لك صوره . _صورة لي؟ واخرج من جيبه ورقه مطويه من اوراق الرسم ,واشار الى سارة ان تقترب منه ,وفتح الورقه ,وترددت ساره لحظه . ونظرت الى امها تطلب الموافقه ,ولكن راشيل لم تستطع ان تستجيب .كانت سارة مرسومه بدقه وعنايه ,ولم تكن راشيل تعرف اللعبه التي اراد ان يلعبها او مايريد ان يصل اليه .ولكنها كانت تحتقره لاستغلاله سارة بتلك الطريقه . اما سارة فلم تكن تدري شيئا عما يدور في الخفاء ,وكانت الكراهيه التي احست بها اول الامر ,بدأت في الذبول تحت وطأة ميلها الفطري للاستطلاع واقدمت لتلقي نظره على الورقه التي كان يمسك بها ,وصاحت بدهشه : _انها انا ...اليس كذلك ؟ واومأ جويل بشيء من التسامح : _هل تعجبك ؟ وجذبت ساره الورقه من يده ,وركضت الى امها تعرض الصوره النصفيه المرسومه بالفحم والتي تبرز رأسها وكتفيها بشئ من الزهو وكان من الواضح ان جويل رسمها من الذاكره ,كان الرسم ممتاز ككل اعماله .وتوترت عضلات معدة راشيل واحتاجت الى مجهود كبير لتبدي الموافقه ,وقالت : _انها ...انها جميله جدا ,ياحبيبتي ! واخذت سارة الصورة مرة ثانيه وصارت تقبلها وهي معجبه بها ,وقالت : _شعري يبدو جميلا ,اليس كذلك ؟لكن كنت افضل ان اكون مبتسمه ! وعلق جويل في مرارة: _ولكنك لم تكوني باسمه في وجهي عندما رأيتك اول مرة . ونظرت اليه في ثبات وهي تتفحصه ,وسألته : _لو تركتك ترسمني مرة اخرى ,هل ستجعلني ابتسم ؟ وتدخلت راشيل ,وقالت : _سارة ! السيد كنغدوم لديه اعمال كثيرة ,واعتقد ان لديه اعمالا اهم من مجرد رسم الفتيات الصغيرات . وقال يعترض على كلامه _على العكس ! ليس احب الى نفسي من ان ارسم سارة مرة ثانيه ,هذا اذا وافقت على ان تاتي لتناول الايس كريم معي,انا لا احب ان اكل الايس كريم وحدي . وكزت سارة على شفتها السفلى بينما تحدثت ايريكا بلهجة بدا فيها شيء كبير من الرقه : _كنت اعتقد كما اخبرتني ان لديك محاضرات تلقيها هذا الصباح ! وهز جويل كتفيه ,وقال : _قررت ان اتغيب اليوم . وصدرت عن اريكا بعض ايماءات تدل على قلقها ,وقالت : _لاتكن مازحا ,اعتقد انك لم تحضر هنا فقط لتدعو ساره الى الايس كريم . وضاقت حدقتا عينيه , وقال ساخرا : _لماذا ,يا اريكا ؟هل تريدين ايس كريم انت ايضا ؟ واستدارت اريكا بعيدا عنه في شيء من الاشمئزاز . غدت سارة ممزقه بين رغبتها في ان ترضي امها وبين الاغراء, ليس فقط بتناول الايس كريم بل ايضا بان ترسم لها صوره اخرى .وهمست بصوت خفيض يمتزج بالشك : _مامي ,هل تغضبين اذا ذهبت مع السيد كنغدوم ؟ وتجنبت راشيل نظرة جويل ,وسألت بطريقه متقطعه: _هل هذا هو ماتريدينه ؟ واجابت سارة في شيء من التردد : _لمدة قصيرة فقط ,لن اتاخر .هل اذهب ؟ ورفعت عينيها الى جويل ,الذي اجاب ,وهو يهز كتفيه : _يمكنك ان تتغيبي كما تشائين .اعرف عنوان سكنك . كانت راشيل في موقف صعب للغايه ,وكلاهما يعرف ذلك .ودمدمت بطريقه تنقصها الكياسه _حسنا !سارة ,ارجو ان تسلكي بطريقه سليمه ,ولاداعي للثرثرة ! كانت سارة تعرف مايعنيه ذلك ,وفهمت انها لا ينبغي ان تتحدث عن مرضها وابتسمت ,ونظرت راشيل اليها .ومد جويل يده اليها فامسكت بها وخرجا سويا ,وكان الجو قد اصبح متوترا بدرجه واضحه بعدما خرجا . وعلقت اريكا وهي تشد بقسوة سحابة رداء من المخمل : _لم اكن ادري ان جويل يعرف ابنتك الى هذه الدرجه . وخطت راشيل خارج الرداء ,وهزت رأسها ,وقالت في شئ من التسرع : _هو لا يعرفها بهذه الدرجه .قابلها مرة واحدة من قبل . وردت اريكا وفي صوتها نغمة الشك : _ومع ذلك يرسمها من الذاكرة ,لم اكن اظن انها تبقى في ذاكرته الى هذا الحد ...بالطبع هي سوف تصبح اخته من ابيه عندما تتزوجين جيمس كنغدوم ,اليس كذلك ؟ تنشقت راشيل نفسا عميقا ,وقالت : _اعتقد انني شاهدت قدرا لا باس به من الثياب اليوم ,هل يمكن ان ترسلي لي البذله الخضراء باللون اللوزي ,والفستان الارجواني والسترة . _ان الاوامر التي تلقيتها تقضي تزويدك بكسوه كامله ,واعتقد انك لا تريديني ان اؤذي مشاعر السيد كنغدوم . ونظرت راشيل الى اريكا ثم الى وجه الانسه كلاي المتخشب ,ثم عاودت النظر الى اريكا ,لم تكن ثمه فائده ترجى من تصعيد الموقف معهما ,بينما جويل هو المسؤول عن كل شيء حدث ,ثم انه اذا كانت علاقته باريكا بلغت بالفعل المبلغ الذي كانت اريكا توحي به ,فمن حقها تماما ان تعبر عن استيائها . ونظرت حولها تبحث عن السروال والستره الصوفيه اللذين حضرت بهما وقالت _افعلي ما تعتقدين انه الافضل .ولكن لو سمحت ,فانا تعبت اليوم . وتبع ذلك صمت عميق استجمعت اريكا نفسها خلاله ,وقالت : _سوف اطمئن على ان جميع الملابس المناسبه تم توليفها ,هل ارسلها الى منزل السيد كنغدوم ؟ وهزت راشيل رأسها وقالت : _لا ! لي شقتي ,سأعطيك عنوانها .والافضل ان ترسليها لي على هذا العنوان . وردت اريكا بأدب وهدوء للمرة الثانيه : _حسنا ياسيدة غليمور. وسألت راشيل بشيء من الاحباط : _هل تعرفين اين اجد سروالي وسترتي الصوفيه ؟ ونظرت اريكا حولها ,ثم هزت كتفيها ,وقالت : _انني اقترح ان تلبسي شيئا اكثر اناقه يناسب المدينه ! عندئذ حدقت راشيل ببرود ,ثم استدارت بعيدا وقالت : _اشكرك ,ولكنني افضل ان ارتدي ملابسي لاطول فترة ممكنه . وخرجت مع الانسه كلاي بعدما ودعتا اريكا ,ولم تستطع راشيل ان تمنع خاطرا قاسيا خطر لها بأن جيمس قصد عن عمد ان يبعث بها الى ذلك المكان لتعرف ان عاجلا او اجلا بالعلاقه بين اريكا وجويل . كان يظن انها مازالت تحتفظ ببعض المشاعر تجاه جويل ,انها تحتفظ حقا ببعض المشاعر .ولكن ليست تلك التي تستحق ان يأرق بسببها . واستقلت الانسه كلاي سيارة اجرة ,واخذت راشيل تتسكع في شارع ريجنت تتفرج على الواجهات ,وذكرها ذلك بأيام التلمذه ,تلك الايام التي لم تكن قد عرفت فيها جويل بعد . لم تتمتع راشيل بطفولة سعيده ,اذ غدت يتيمه قبل ان تصل السن الذي تستطيع فيه ان تتذكر ابويها ,وتربت في احد بيوت الاطفال حيث يكون اشباع الحاجه الى المحبه والحنان تاليا لمرحلة الاهتمام بالواجبات العاديه للمعيشه . كان لها اصدقاءها ,وكانت هناك فترات استمتعت فيها بالسعاده ,ولكنها لم تبدأ تحس بما تشعر به الفتيات في سنها عادة قبل ان تصل الى السن الذي استطاعت فيه ان تعتمد على نفسها ,ولما اعطيت لها منحه دراسيه ,استطاعت ان تجد غرفه في احد الاقسام الداخليه ,وانتظمت في كلية ماكسويل للتصميمات الفنيه والحرف وعرفت باستمرار بتذوقها للالوان .وامضت حوالي تسعة شهور في الكليه عندما جاء جويل كنغدوم لالقاء محاضرات على طلابها . وجذبت راشيل اهتمامه من اللحظة الاولى ,في البدايه رفضت ان تكون لها به اية صله خارج الكليه ,وصممت على ذلك رغم ان الطالبات الاخريات كن يعتبرن ذلك جنونا منها ,ولكن ذات مساء وقف خارج الكليه ينتظرها وكان المطر ينهمر بشده ,ولم تجد بدا من ان توافق على ان يوصلها بسيارته الى بيتها ,ومنذ ذلك الحين صار ينتظرها كل مساء ,وسمحت له احيانا ان يصطحبها لتناول العشاء وادركت الان انها كانت على خطأ عندما ظنت ان بأمكانها ان تلهو مع رجل مثل جويل بدون ان تحترق اصابعها ,ولكن كل شئ يبدو غاية في البساطه انذاك . كان جويل يبدو جذابا للغايه ووقعت في حبه قبل ان يمضي وقت طويل دون ان تدري ذلك ,وقال لها جويل ايضا انه يحبها ,ورغم انها كانت تعرف عندئذ انه ليس له نية الزواج ظنت انه عندما يقع ذلك الحادث السعيد فسوف تغدو زوجته . وبدأت تدرك انها ساذجه وغبيه الى حد بعيد ,لم يكن الزواج احد مشروعات جويل في يوم من الايام ,وكان ينبغي ان تاخذ حذرها عندما عرفت اراءه حول الاطفال ,تكلم كثيرا في تلك الايام عن اناس يعرفهم ,ويرى ان الاطفال جلبوا المذله لحياتهم ,وكان يأسف للازواج الذين يضحون بشبابهم من اجل تربية ابنائهم الذين لا يلبثون ان يكبروا ويهجروا الاباء ليعيشوا حياة خاصه بهم .وكانت راشيل تتظاهر بالموافقه بينما هي في قرارة نفسها تعلل تلك القسوة منه بحرمانه من حنو الامومه في طفولته ,فقد ماتت امه وعمره بضعة اشهر ,وكانت تعتقد انه اذا ما تم الزواج بينهما فسوف يسعى لانجاب الاطفال مثلها تماما . وصارت تمضي وقتا طويلا في منزله ,وتعرفت على خادمه هيرون ,وبدأت تعتاد المكان. كان جويل يعاني من حالة صداع نصفي مستمر يعاوده في رأسه ,ولم تكن النوبات تحدث على فترات متقاربه .وفي احدى الامسيات التي كان هيرون قد استأذن فيها بالانصراف ,حضرت راشيل الى المسكن .ووجدت جويل شاحبا يتصبب عرقا ,ومع ذلك كان مستغرقا في اكمال لوحة لاحد المعرض التي ستقام خلال يومين . واقنعته راشيل بان اصراره على العمل ,وهو في تلك الحال ,يعتبر خبلا ,وانه لايمكن ان ياتي انتاجه بالدرجه المطلوبه وعليه ان يذهب الى الفراش ليسترخي ويستريح . واقتنع في النهايه بان يفعل ذلك شريطة ان تبقى معه ,وتبقى في مسكنه ولا تعود الى بيتها قبل ان يفيق ليوصلها ,وتوجست راشيل اول الامر ولكنها وافقت بعد ان وجدته في حالة من الخوار لم تكن تتوقعها ,وتركته يستريح وبقيت هي في غرفة الجلوس . ولم تكن لتغفر له او لنفسها قط ماحدث اذ كان شيئا ليس في الامكان تجنبه . وفي اليوم التالي اكتشفت بالضبط كم كان ذلك الذي حدث شيئا مهما لجويل ,وعوضا عن ان يعتذر عما حدث بدا انه يعتبره مرحلة من مراحل التطور الطبيعي للعلاقه بينهما ,ولم يحاول ان يشير الى موضوع الزواج كعلاج لما بدر منه . وشعرت راشيل بانها تحطمت وتجنبته لاكثر من اسبوع عانت خلالها عددا من الاتصالات الهاتفيه كانت في اول الامر تتخذ صيغة الالحاح ,ولكنها تطورت الى سباب غاضب بسبب مراوغتها له ,واخيرا وافقت ان تقابله وتواجهه بحقيقة مشاعرها ,كانت مقابلة رهيبه بدأها جويل بالتوسل اليها ,وانهاها بانه لم يكن بعد مستعدا لان يضحي بحريته من اجل اداب المجتمع وتقاليده ,وطلب منها ان تكون متعقله وراشده وناضجه وان تساير الافكار الجديده التي تدمغ العذراوات بالرجعيه والتخلف ,كان كل مافعله ان اعطاها درسا في التحضر ! وتبادلا الفاظا قاسيه ومؤذيه شعرت راشيل بعدها بالاسف المرير لذلك ,ولكنه قضى على ماتبقى لديها من مشاعر تكنها نحوه . عند ذلك وبعد ثلاثة اسابيع مضت ,اكتشفت انه كان عليها ان تدفع ثمنا اخر تكفر به عن تلك الليله الطائشه ,كانت حاملا ,وبلا مال ومع ذلك صممت على الاتطلب من جويل اية مساعده . **** وافاقت راشيل من تلك الافكار واستجمعت قواها ,وابتعدت عن المكان ,وجاءتها الخواطر حول سارة وأين ذهبت مع جويل ؟ ترى هل تتعلق سارة به ؟وماذا يقول جيمس كنغدوم في ذلك ؟ كانت الساعه قد تجاوزت الثانيه عشرة بقليل عندما وصلت راشيل الى مسكنها ,ولم يكن هناك اثر للسيارة التي كان جويل يقودها يوم حضر الى لانغثويت .ودخلت الشقه ,وخلعت سترتها ,وذهبت لتعد لنفسها بعض القهوة لتشغل الوقت ,عندما قرع الجرس .وذهبت لتفتح الباب ,وهي تحاول ان تهدئ من روعها . ودخلت ساره الى الشقه بشئ من الجلبه وهي تمسك بدميتها هيلغا في احدى يديها بينما تلوح في يدها الاخرى باحدى اوراق الرسم .كانت عينا راشيل تتركز على الطفله ولم تبرحاها الا لحظة وقعتا برغم ارادتها على الرجل ذي العينين الضيقتين الذي يقف بسخريه في المدخل ينظر اليها بشيء من الاصرار الغامض ,وعلق وهو يستند على دعامة الباب قائلا : _هاهي سارة سالمه امنه كما ترين ,هلا دعوتني للدخول ؟ كان من العسير عليها ان تركز انتباهها ,اذ كانت سارة تشد يدها بقوة تريد ان تريها ما احضرته معها ,وقالت في شئ من التعثر : _هل هناك ما يحملني على ان ادعوك للدخول ؟ _لا! ولكن هل هناك ما يحملك على الا تدعوني ؟ قالها جويل بحدة ودلف الى غرفة الجلوس . واضطرت راشيل ان توجه كل انتباهها الى الطفله عندئذ, واخذت الرسم الذي كانت سارة تقدمه اليها ,واحست ان قلبها ينبض باضطراب وهي تنظر الى الصورة التي رسمها جويل ,كانت موهبته في الرسم فوق الشك .وكانت راشيل قد ابدت اعجابها بعمله ,وبسهولة اندماجه في الوانه.ولكن صورة سارة كانت تختلف بطريقة ما ,وحاولت ان تقنع نفسها ان ذلك الشعور ناشئ عن حساسية خاصة لان الصورة تمسها عن كثب ,ولانها تعرف نقطة الضعف في نسب سارة مما زاد من حدة الموضوع .ولكن المشكله كانت اكبر من ذلك. ولو اتيح لها ان تعرف الامر بطريقة افضل لعرفت انه هناك مشاعر حقيقيه وراء كل خط من خطوط الصورة ,ولم يكن باستطاعتها ان تجازف في ماهية تلك المشاعر . وخاطبت سارة امها تعبر عن سعادتها : _انظري ...انني ابتسم ! وضحك جويل ضحكة خرجت من انفه ,وقال : _السبب وراء ذلك هو كمية الايس كريم الضخمة التي اكلتها . قالها وهو يستلقي على الاريكه دون استئذان. وتركت سارة امها وراحت نحوه وقالت : _وفي اي حال ,فأنت ايضا اكلت واحدة . _ولكنها لم تكن كبيرة مثل التي اكلتها انت . _كان بامكانك ان تأكل واحدة كبيرة .كان طعمها لذيذا رغم كل شيء. ثم سألته : _هل صحيح ان ذلك الرجل يقوم بطهو جميع طعامك ؟ وانتفض رأس راشيل الى الاعلى ,والقت بالصورة على منضدة مجاوره وسألت : _اي رجل ؟اين كنت ياسارة ؟ _ذهبنا الى منزل جويل ...العالي في السماء ...وصعدنا في المصعد الذي ذهب .... وقاطعتها راشيل وهي في حاله من الروع : _هل اخذتها الى مسكنك ؟ ونظر جويل اليها بعينين قاسيتين .وقال: _ولم لا ؟الم تذهبي انت الى هناك مرارا ؟ واتسعت حدقتا سارة ,وسألت : _صحيح يامامي ؟ذهبت الى هناك فعلا ؟ورأيت كل الغرف ؟ _نعم ! قالتها راشيل باختصار ولم تكن تستطيع ان تنكر ,وادركت بوضوح ان جويل كان يبين لها كيف يستطيع بسهوله ان يدمرها ,ولشد ما كان مقتها له بسبب ذلك . وبدأ يتحدث الى سارة : _كنت انا وامك صديقين منذ سنوات ,قبل ان تولدي . وسألته سارة : _هل كنت تعرف ابي؟ كانت سارة قد بلغت حدا من الاثارة ,ولكن راشيل بدأت تضيق بالموقف ,وتدخلت لتضع حدا لما يدور ,وقالت : _بالطبع لم يكن يعرفه .سارة,حان وقت الطعام ,قولي وداعا للسيد كنغدوم ,واذهبي لتغسلي يديك ,سأعد لك بعض الحساء ,وسيكون جاهزا خلال خمس دقائق . وبدا على سارة انها اصيبت بشئ من الاحباط ,واتجهت نحو الباب ,وقالت وهي تستند على المقبض : _وداعا ياجويل . وابتسم جويل ,وقال : _الى الملتقى ياسارة . وانصرفت سارة ,ونظرت راشيل اليه ببرود ,وقالت على مضض : _اعتقد ان من واجبي ان اشكرك على عنايتك بسارة . ونهض جويل على قدميه ,وقال : _اذا كنت لا تريدين ذلك فلا داع ,استمتعت بصحبتها ,انها طفله ذكيه ,ولقد وجدت صحبتها مبعثا للاثاره . وصمت برهه وقال : _اريد ان اراها ثانية . وخرجت من بين شفتيها ..دون ان تفكر جيدا فيما تقول عبارة : _لن تستطيع . وعندما رأت صرامة ملامحه ,حاولت ان تجد الاسباب لتقنعه ,فأضافت: _ارجوك يا جويل ان تحكم عقلك ! لاداعي لجعل الامورتسير الى الاسوء . وسأل بقسوة : _اليس من حقي ان اطلب معرفة ابنتي ؟ كان القميص الثقيل الذي يلبسه منفرجا يكشف عن حنجرته ,وكان يلبس سترة فاتحة اللون من قماش قطني متين وسروالا ازرق مضلعا .وكان يقف ملاصقا لها بحيث بدأت تتنسم رائحته ,واضاف : _الا تعتقدين انك مدينة لي بالقليل من وقتها ؟ واجابت على الفور : _انا لا ادين لك بشئ .انك تاخذ ما تريد ..انك لا تنتظر حتى تطلب . وكان لابد لها من السقوط في ذلك العناق المؤثر الذي اكتسحها كالسيل . _مامي؟ كانت هذه الصيحة الرقيقه التي انبعثت من ساره تعبيرا عن الاندهاش هي التي اعادت راشيل الى صوابها ,وجذبت نفسها بعيدا عن جويل ,واتجهت نحو الطفله ,وهي تصلح من شعرها باصابع مرتعشه ,وتشد السترة الصوفيه على اسفل ظهرها ,وقالت بشيء من الارتجاف : _اذن انت هنا ياعزيزتي...ه...هل غسلت يديك؟ وزمت سارة شفتيها ,وحدقت بعبوس الى حيث كان يقف جويل خلف امها ,يصلح من شعره بيديه . وسار جويل نحو الباب قائلا بهدوء : _سوف اراك قريبا ياساره ,وداعا ياراشيل . ولم تحر راشيل جوابا ,اذ لم تكن تثق في قدرتها على الكلام ,وكان كل ما تشعر به عندئذ انها تود لو انقضت عليه .بدا لها كما كان يبدو دائما ,الطباع نفسها والسلوك نفسه ,بكل اسف . وانغلق الباب خلفه ,حولت سارة انتباهها الى امها ,وقالت بحدة ذهنها المعهوده _لا اعتقد ان ذلك الرجل ,والد جويل ,يجب ان يراك هكذا مع جويل وحتى انا لا احب ان اراك تفعلين ذلك ,انت امي انا ولست امه هو . واحتضنت راشيل طفلتها بين ذراعيها ,وعانقتها بقوة .وتمنت يائسه لو كان الامر بتلك البساطه .تمنت لو ان الصراع الذي كان عليها ,ان تواجهه كان مجرد صراع غيرة طفله على امها .
الفصل السادس:
الصفعة_6
كان المساء التالي موعد دخول سارة المستشفى للعلاج. وكان المقرر أن تمضي ليلة واحده كالعادة . لكن راشيل قررت ألا تتصل بالسيدة تالبوت بالرغم من وصية جيمس ,وبغض النظر عن أي شيء أخر فهي لم تكن تعرف تلك المرأة جيدا فضلا عن أنها لم تكن مهيأة للتعامل مع غرباء في مثل تلك الظروف .وخلال فترة الصباح وصل رسول من الصالون الرمادي محملا بصناديق الثياب والأحذية والملابس التي ارتأت اريكا غراي أنها لازمة لكسوة المرأة التي ستغدو زوجة جيمس كنغدوم .وأتاح ذلك لسارة على الأقل وقتا مبهجا تفتح فيه الرزم وتخرج الفساتين وتدور بها في غرفة نوم راشيل وقد جعلت الواحدة منها تلو الأخر يتدلى أمامها موازيا لقامتها .وكانت الفكرة بان يشتري لها رجل , أي رجل ملابسها شيئا بغيضا بالنسبة إليها لكن راشيل لم تكن قادرة على إخفاء إعجابها بكل تلك الملابس وبدلت سروالها وسترتها بقطعتين من القطيفة القطنية المضلعة بلون اخضر فريد وبلوزة لها لون ارجواني فرح .كان التحول إلى هذا الزى الجديد شيئا يبعث على الرضي ,, وعجبت بطريقة ساخرة لما يمكن أن تصنعه الثياب في مظهر الإنسان فقد بدت بالفعل اصغر سنا بكثير بل بدت كذلك اقل نحافة .وقررت أن تخرج مع ساره لمشاهدة معالم المدينة في فترة ما بعد الظهر , ولم تكن سارة قد شاهدت بعد مبنى البرلمان أو قصر بكنغهام .بل تاقت نفسها إلى أن تسير في حديقة سانت جيمس بارك وتطعم طيور البط التي تسبح في البحيرة وتستمتع بشمس الربيع التي تومض من خلال الأشجار وتحدثت راشيل إلى سارة عن حياتها في لندن عندما كانت طالبهوعبرت ساره عن أمنيتها في أن تصير طالبة في يوم من الأيام .وعندما رجعا كانت السيدة تالبوت مديرة منزل السيد جيمس كنغدوم هناك , ولم تكن قد ضيعت وقتها سدى أثناء غيابهما إذ كان الأثاث نظيفا لامعا وأواني الطعام الذي تناولاه ظهرا وضعت نظيفة في مكانها الأصلي .وأحست راشيل بشيء من الغضب والإحباط عندما اتضح لها أن جيمس قد أعطى تلك المرأة مفتاحا لشقتها , وأدركت انه كان يسخر منها عندما كان يأتي ليدق جرس مسكنها وينتظر حتى تسمح له بالدخول .وابتسمت السيدة تالبوت ابتسامة فيها شيء من الاعتذار وحيتهما بأدب : "طاب يومك سيدة غليمور , أهلا سارة ."وأخذت تمسح يديها في الثوب الفضفاض الأزرق الذي كانت تلبسه فوق ملابسها , وقالت :" أرجو ألا أكون قد تجرأت بعض الشيء يا سيدة غليمور . لكنني انتهيت للتو من القيام بشيء من ترتيب المنزل ."وترددت راشيل , ثم قالت بلهجة أكثر حدة:" كيف دخلت هنا يا سيدة تالبوت ؟"وهزت مديرة المنزل كتفيها , وقالت :" ترك لي السيد ... مفتاحا ."" صحيح ؟"وأخذت راشيل تفك أزرار سترتها الناعمة وخلعتها ووضعتها على ظهر الكرسي , وأيقنت أن السيدة تالبوت لم يكن لها ذنب في الموضوع , ولكن ذلك لم يكن يهون من الواقع .واتجهت إلى سارة وبدأت تعاونها على خلع سترها , وجاءت السيدة تالبوت تقول :" هل اعد لك فنجانا من الشاي ؟"ونصبت راشيل قامتها , ثم تنهدت بشيء من الاستسلام , وقالت :"ولم لا ؟"ونظرت سارة باستغراب إلى أمها عندما انصرفت السيدة تالبوت لتعد الشاي وقالت :" لماذا هي هنا ؟"" اوه , جاءت لتساعدني في أعمال المنزل . هيا اغسلي يديك بسرعة , اعتقد انك تحبين أن تأكلي بسكوته وشيئا من الحليب ؟"وأومأت سارة بالموافقة , وهرولت إلى الحمام بينما استجمعت راشيل ما بقي لديها من رباطة جأش واتجهت إلى حيث كانت السيدة تالبوت , تهم بسكب الماء المغلي في براد الشاي , وقالت راشيل بهدوء : " انظري ... إنني آسفة إذا كنت قد أبديت بعض الخشونة ولكنني لم أكن اعلم أن جيمس يملك مفتاحا للشقة ."وأكملت السيدة تالبوت صب الماء المغلي , وقالت :" حسنا , يا سيدة غليمور . فهمت انك لم تكوني تعرفين بسائر الترتيبات التي وضعها السيد كنغدوم ولكنه قال انه أخبرك إنني أبيت هنا عندما تكون سارة في المستشفى ."وتنشقت راشيل نفسا عميقا وقالت :" افهم ذلك . ولكن كيف عرفت أن سارة ستدخل المستشفى الليلة ؟""تأكد السيد كنغدوم من مستشفى سانت ماثيوز قبل ان يسافر "وأومأت راشيل بالموافقه وقالت :" بالطبع ... لابد أن يفعل ... أوه ... حسنا ... أن علينا أن نحتمل ."وبدا على السيدة تالبوت أنها أحست بشيء من الارتياح وقالت :" إذا أوضحت لي مكان نومي , فسأذهب إلى غرفتي وأترككم بسلام ." وهزت راشيل رأسها وقالت :" أوه لا تكوني بلهاء , لابد أن نتناول الطعام معا , واعتقد انك تفضلين مشاهدة التلفزيون على أن تقيمي في غرفتك طوال الليل ."وابتسمت تالبوت وقالت :" لا مانع لدي من ذلك ... ولكن لا تشغلي نفسك بي .. فإذا أردت الخروج أو زيارة الأصدقاء ."واستدارت راشيل حتى لا ترى المرأة الأكبر وجهها وقالت :" ليس لي أصدقاء في لندن يا سيدة تالبوت ."ودق جرس الهاتف بينما كانت راشيل تساعد سارة وهي تضع بعض مقتنياتها في حقيبة السفر المصنوعة من القماش , وكانت تالبوت في غرفة الجلوس , ولذلك أجابته وجاءت إلى باب غرفة نوم سارة بشيء من الدهشة وقالت في ادب :" انه السيد جويل , هل تردين على المكالمة ؟"واحمر وجه راشيل . كانت عندما سمعت الجرس يدق تظن أن المتكلم إما يكون جيمس أو سكرتيرته . ولكن ماذا كان يريد جويل ؟ أم انه اكتشف السبب الحقيقي لزواجها من جيمس ؟كان من الصعب عليها أن تنهض على قدميها وتسلك كما لو أن شيئا عاديا أن يطلبها ابن زوجها على الهاتف .وسارت راشيل مسرعه الى غرفة الجلوس تاركة السيدة تالبوت مع سارة ورفعت السماعه , وقالت :" نعم ؟"وكان صوتها ينم عن اضطرابها , ورد جويل :" آسف لم أكن اعرف أن معك كلبا للحراسه ." وتجاهلت راشيل لهجته الساخرة وقالت :" ماذا تريد ياجويل ؟"" أريد أن أتحدث معك يا راشيل ! كنت سأقترح أن احضر إليك بعد أن تنام سارة , ولكن يبدو أن ذلك مستحيل الآن "وصمت برهة". ومع ذلك وبما أن لديك من يقوم برعاية الطفلة بصفة مستمرة , فأنني اقترح أن نتناول العشاء سويا ."" لا ... أشكرك ياجويل !"وطقطق بلسانه وقال :" ولكنك لا تستطيعين ان ترفضي اقتراحي هكذا , فلا بد أن نتحدث وإذا أردت أن احضر إليك ... ."واجابته بيأس :"انت تعرف انه لا يمكنك هذا .""حسنا ! ... معقول ... وإذن ماذا تقترحين ؟""لا استطيع ان اقترح شيا ."ونظرت في ضيق خلفها وأكملت :"هل يمكنك أن تطلبني غدا , يا جويل !"" لماذا هل سيكون كلب الحراسة قد انصرف عندئذ ؟"" سوف تتركنا السيدة تالبوت صباح الغد ."" الايكون هذا أضاعه لأحدى الفرص ؟""لا استطيع أن أراك الليلة .""إذا كنت تصممين "وسكت لحظة" إذن فأنني ادعوكما أنتما الاثنين غدا على وجبة الظهيرة ".."لا اعرف ياجويل !"" عند الحادية عشر و نصف , ياراشيل ".قالها بشيء من التصلب ." سوف أطلبك على الهاتف ." ووضع ألسماعه , وأعادت راشيل السماعة إلى موضعها , ووقفت تحدق إلى الهاتف ثوان , ثم قفلت راجعه الى غرفة سارة , وهي تتنهد . كان شيئا شديد الإيلام لـ راشيل دائما أن تترك سارة في المستشفى وعلى الأخص في هذه المرة , إذ كانت كل الممرضات غريبات عليها ,وكانت سارة تبدو ضعيفة ضئيلة في سرير المستشفى العالي الذي كان يعتبر الماكينة التي حفظت لها حياتها طوال الشهور الـستة الأخيرة , وكأنه يتغذى عليها كمصاص ضخم للدماء .ولكن ذلك التشبيه لم يكن عادلا , فالواقع أن سارة هي التي كانت تأخذ دماء عيناتها من الآلة . ورجعت راشيل بعد ذلك إلى الشقة تسير ببطء على قدميها وهي غير راغبة في أن تتواجد مع السيدة تالبوت . وتمنت لو كانت تملك سيارة تقودها خارج المدينة بعيدا عن الشقة التي تجسد بقسوة فكرة ارتباطها بجيمس .كانت تقترب من الشارع الصغير حيث يقع بيتها ومرت بجوارها سيارة سبور خضراء قاتمة توقفت فجأة أمامها , واعترتها الدهشة عندما وجدت النافذة القريبة منها تنزل , ووجدت نفسها تطالع ملامح اريكا غراي , ولم تدهش عندما انفتح باب السائق بقوة , وخرج منه رجل ,هو جويل .ودار حول السيارة متجها إليها , كان وجهه متجهما ومتصلبا , وسألها باقتضاب :" ماذا تفعلين ـ يا للشيطان ـ بالتجوال في الشارع في هذا الوقت من الليل ؟"كان جذابا يميل إلى السمرة , يرتدي بذلة عشاء من المخمل الأحمر الداكن . واعترى راشيل نوعا من الانزعاج , وقالت في شيء من الدفاع عن النفس :"الوقت ليس متأخرا بعد ... ثم إن هذا أمر لا يعنيك ."ونظرا لأن جويل كان يدرك أن اريكا تستطيع أن تسمع كل كلمة يقولانها اكتفى بزم شفتيه , ولكن عينيه كانتا تتوعدان المحاسبة فيما بعد وقال :"اصعدي إلى السيارة سنوصلك إلى البيت ."وأجابت في شيء من التوتر :" أشكرك, لم يبق لي سوى ياردات قليلة ." وعندما أدركت أن اريكا تشعر بشيء من الغضب أكملت :" كان الجو جميلا في المساء , وأحسست برغبة في المشي . طبت مساء .. طبت مساء يا آنسة غراي ."وتقوست أصابع جويل حول زندها ليمنعها من التحرك وقال :"انتظري !"كان قد اقترب منها وكان بوسع راشيل أن تحس بدقات قلبها في أذنيها , ومست أصابعها قماش سترته الناعم , واخترقت عيناه الجريئتان الثاقبتان عينيها وقال :" هل أكلت ؟"وحاولت راشيل أن تومئ برأسها :" نعم بالطبع ."وجذبت عينها بعيدا عن وجهه وقالت :" هل يمكن أن انصرف ألان ؟"وشدد جويل ضغط أصابعه على ذراعها عن عمد . وأخيرا وبإشارة تنم عن السخرية تركها تنصرف , ورجع إلى السيارة وقال :" سوف ننتظر حتى تدخلي المبنى"وأسرعت راشيل حول ناصية الطريق , ودخلت المبنى وكانت على وشك البكاء بغباء , وحاولت أن تقنع نفسها بان ذلك نتيجة لقسوته المتعمدة , لكن التعذيب الداخلي الذي تشعر به كان شيئا اكبر بكثير من الألم الجسدي .وحدثت نفسها بمرارة , كان يعتقد أن بإمكانه أن يخرج من الموقف بأي شيء وكان على الأغلب يحصل على ذلك الشيء .وحاولت أن تتنشق أنفاسا مهدئة , ثم بدأت تصعد الدرج إلى شقتها في ذلك الوقت , فقد دق جرس الهاتف بدقائق قليلة وكان المتحدث هذه المرة هو جيمس وقال :" تصورت انك لن تتغيبي كثيرا . هل استراحت سارة في المستشفى ؟"" نعم للغاية , كيف حالك ؟""أوه , إنني بخير , ومشغول جدا بالطبع . هل حضرت إليك السيدة تالبوت ؟" وكانت السيدة تالوت تشاهد البرنامج التلفزيوني في الركن الآخر من الغرفة وقالت :"نعم ... هي هنا ."" حسنا , فأنا لا أحب أن أفكر انك وحيده في الشقة ."وعلقت راشيل بجفاف :"سارة لا تصلح حارسا !؟."ولكن من وجهة نظر جيمس ربما كانت سارة بالفعل حارسا في بعض الأوقات , والأمر يتوقف على ما يريد المرء أن يحرسه , وأجاب :" اعرف , ولكنني ظننت انك تقلقين عليها أكثر إذا كنت وحيده ."وسألته وكأنها تريد تغير الموضوع :" متى تعود ؟"وصمت لحظة ثم أجاب :" يوم الخميس المقبل على ما اعتقد . لماذا ؟ هل اشتقت إلي ؟"ونظرت راشيل مرة أخرى تجاه السيدة تالبوت وبدا صوتها قاسيا شيئا ما , وهي تقول :" بالطبع ."وأراد أن يستثيرها فقال :" لا تتظاهري بأنك متحمسة لهذه الدرجة بهذا الخصوص . هل السيدة تالبوت معك ؟"واصطنعت راشيل شيئا من الاسترخاء وقالت : " نعم , إننا نرقب البرنامج التلفزيوني ."وعلق بشيء من التردد :"افهم , هل رأيت جويل ؟"وفقدت شعورها بالاسترخاء , وتصلبت أصابعها حول السماعة وفكرت في شيء من الغيظ : لابد انه تحدث بالطبع مع سكرتيرته خلال اليومين الماضيين ,وأجابت في حرص :" نعم رأيته ."" متى ؟"" ألا تعلم ؟ لقد جاء إلى الصالون الرمادي ليزور السيدة غراي بينما كنا هناك ."" صحيح ! ماذا كان يريد ؟"وكزت راشيل على شفتها السفلى بشيء من الألم وقالت :" قلت لك انه حضر لزيارة الآنسة غراي"وساد صمت ثم قال جيمس :" آمل ألا تخبري جويل بشيء عن مرض سارة ."" ولماذا اخبره ؟"" فعلا , لماذا ؟ انك تعلمين بالعلاقة بينه وبين اريكا ألان أليس كذلك ؟" ولعقت راشيل شفتيها وقالت :" لا اعتقد أن هذه المسائل تعنيني ."وأبدى موافقته قائلا:" لا , ربما لا , اعتقد انك تعرفين تماما طبيعة ابني , وتعرفين ما يريده من أي امرأة ."" لا داعي لأن تشرح لي يا جيمس , أنا لست بلهاء تماما ."" لا عزيزتي , غير أنني اشعر انه من واجبي أن أحميك "وسمت لحظة" والآن ولأسباب أخرى أكثر أهمية , قررت أن من الخير أن نعلن خطوبتنا الرسمية قبل , قبل عملية سارة ."وصدمت راشيل للنبأ , قالت :" قبل ؟"وأجاب جيمس بما ينم عن أعمال الفكر :" نعم , وفي أية حال فانك كخطيبة لجيمس سوف تحصلين على ميزات معينه , بل إن الأمر يبدو لي انه الترتيب الأكثر ملائمة من زوايا متعددة . فنحن لا نريد أن يظل هذا الأمر سرا يا راشيل , وهناك بعض الإجراءات الرسمية ينبغي أن أقوم بها . وفكرت أن نعقد اجتماعا بسيطا في أي مكان وليكن فندقا مثلا , وتعلن الخطوبة رسميا في حفل عشاء , ما رأيك ؟"" لا اعرف فيما أفكر ." وكان في ذلك على الأقل شيء كبير من الحقيقة . ثم أضاف :" كلما تم تقبل جويل وفرنسيس لفكرة إتمام هذا الزواج في وقت أبكر كنت أكثر ارتياحا لذلك , وعندما تصل سارة إلى الحالة التي تستطيع فيها أن تحتمل السفر نقيم حفل زواج هادئ قبل أن نسافر إلى لياركوس."وكان قد مضى على راشيل فترة طويلة ظلت فيها صامته لدرجة انه قال:" راشيل ؟"وكان عليها أن تجد شيئا ترد به بسرعة وقالت ببطء : " اذا كان هذا هو ما تريد ؟"وسألها بحده :" أليس هذا ما تريدينه أنت أيضا ؟"وأسرعت تطمئنه :" إنني فقط أفكر في مقابلة كل أصدقائك ومعارفك , ترى ماذا سيكون رأيهم فيّ ؟"واختفت نغمة القلق القصيرة من صوته وقال :" يا عزيزتي ... سيصاب الجميع بالدوار من الحسد . هل وصلتك بعض الملابس من صالون اريكا ؟"وهدأت راشيل من صوتها وقالت :" ملابسي ؟ لم يكن لدي ادني فكرة أن امرأة واحده يمكن أن تمتلك كل تلك الملابس ."وظهر انه قد سر بذلك , وقال :" وسوف أراك تلبسينها , هل تقابلينني في المطار عند عودتي ؟"" إذا كنت تحب أن افعل ذلك ."" بالتأكيد ."وتنهد بشيء من الأسف وقال :" وألان علي أن انصرف .. إنني أتكلم من بيت السيد هارتز وهو احد المندوبين في المؤتمر الذي احضره , ولست على ثقة من انه سوف يرحب بهذه المكالمة على قائمة الحساب ... بلغي سارة حبي عندما ترينها في الغد , واخبريها إنني سأحضر لها هدية خاصة ". كانت راشيل تتمنى لو كان شعورها بالعرفان أكثر عمقا وهي تضع السماعة , وبرغم كل شيء فإن نساء كثيرات يمكن أن يحسدنها على فرصة الزواج من احد كبار الأثرياء في لندن .ولماذا إذا كانت تشعر باستمرار بأنها أشبه بالفأر الصغير الذي وقع بين مخالب قط ؟ وخطر لها أن ما يطلبه منها يعتبر شيئا تافها إذا ما كان يعنيه بالنسبة إلى سارة هو الفارق بين الحياة والموت .وانصرفت تالبوت صباح اليوم التالي بعد التاسعة بقليل , وشعرت راشيل بالارتياح لذلك ,إذ كانت تخشى حرج الوقوع في البحث عن عذر لقدوم جويل إلى الشقة ,وقررت انه عندما يصل جويل فسوف تصارحه بكل شيء حدث , كل شيء. وذهبت إلى المستشفى لتحضر سارة , التي سألتها وهما تسيران في طريق العودة إلى الشقة تحت شمس غائمة :" ماذا سنفعل يا أمي ؟ اعتقد أن اليوم سيكون يوما جميلا , هل نمضي بعض الوقت في استطلاع المعالم السياحية مرة أخرى ؟"وتنهدت راشيل , وقالت في شيء من التردد :" الحقيقة أن السيد كنغدوم سوف يحضر لاصطحابنا إلى الغداء " وشعرت بشيء من وخز الضمير عندما نطقت سارة :" جويل ؟ هو ؟ بحق هو ؟ اين يصطحبنا ؟ هل تظنين انه ربما يأخذنا إلى شاطئ البحر ؟"وقالت راشيل بوهن :" لا اعتقد ذلك , فالجو شديد البرودة "." انه ليس باردا على الإطلاق .""- حسنا , ولكنه لا يسمح بالذهاب إلى شاطئ البحر ."وشعرت بالضعف عندما رأت وجه سارة يعكس القنوط مرة أخرى وقالت : "لننتظر مرة أخرى , احكي لي عن المستشفى . هل كان كل شخص هناك رقيق معك ؟"وأدركها جويل بعد الحادية عشرة بقليل حين كانت راشيل تشارك سارة في احتساء كوب الحليب الذي تعودتاه في فترة الصباح . وكانت للتو قد خلعت الدبابيس من شعرها وعلى وشك أن تمشطه عندما دق جرس الباب .وذهب سارة لترى من الطارق بينما شغلت راشيل بتثبيت شعرها ولكن يديها كانتا ترتعشان بسبب العجلة .كان جويل يلبس في ذلك الصباح بذلة زرقاء من قماش قطني متين لها سترة قصيرة فوق قميص باللون الأزرق الفاتح دون ياقة . وومضت عيناه على سروالها الأخضر وقميصها القرمزي , ثم ضاقتا عندما استقرتا على شعرها بجماله الحسي الغامض . وقال بصوت اجش :" لا تلفيه إلى أعلى هكذا , اتركيه طليقا ."ولكن راشيل استدارت بعيدا وقالت :" انه طويل بدرجه لا تسمح أن اتركه طليقا ."وواصلت تثبيته في التسريحة المعقودة على مؤخرة عنقها. وقالت سارة في صوت صغير :" ماما قالت انك ستصطحبنا إلى الغداء ."وبعد أن تردد لحظه التفت جويل إلى الطفلة وانحنى عليها ورفعها إلى اعلي بين ذراعيه وهو يبتسم في عينيها وقال :" نعم سأفعل ."قالها وهو يبدي علامة الموافقة واضاف :" يا الله انك كتلة ثقيلة ! كم وزنك ؟ نصف طن ؟"وضحكت ضحكه خفيفه فيها شيء من السذاجه وقالت :" لا إن وزني 28 ليبرة فقط . اعرف ذلك لان الطبيب لوريمر قال ذلك" ." الطبيب لوريمر !"قالها جويل بغضب ."ومن يكون الطبيب لوريمر ؟"ونظرت راشيل إليه نظرة توسل وقالت :"جويل !"" هل قلت شيئا خاطئا ؟"" لا داعي لأن تسأل الطفلة ."" ولكن الإنسان يسأل الطفلة إذا لم يجد الإجابات في أماكن أخرى ." " سأجيب على أسئلتك ."" صحيح ... ستفعلين ؟"والتوت شفتا جويل :" وماذا عن ... لماذا تتزوجين أبي ؟ إذن ... ."وتغضن فم سارة وقالت :" أوه ! لماذا تتجادلان ثانية ؟ إنكما دائما تتجادلان ! قلتما إنكما أصدقاء ."وتنهد جويل , وتخلصت ملامحه من التوتر :" نحن أصدقاء ."وطمأنها برفق وأضاف :" والآن ... هل أنت مستعدة ؟"كانت سارة قد ذهبت إلى الحمام وأكملت راشيل تثبيت شعرها , ولبست السترة الجلدية القصيرة التي كانت أحضرتها مع السروال , وكانت تتجنب عيني جويل , ولكن صوته كان أسرا وهو يقول :" إنني مصمم على أن اكتشف , بالوسائل المشروعة وبغير المشروعة ."ورفعت راشيل عينيها إليه وقالت :" وهذه الأخيرة تعرف منها الكثير , الوسائل غير المشروعة !" وحرك جويل رأسه ببطء من جانب إلى أخر , وقد سيطر عليه شعور بالحيرة وقال :" انك تستمتعين بسوق مثل هذه الاتهامات إلي. ما الذي تستفيدينه من ذلك ؟ هل تشعرين بالارتياح عندما توبخينني لأنك تعرفين تماما انك في مأمن كامل ... طالما سارة معنا ؟"وحاولت راشيل أن تهز كتفيها بشيء من اللامبالاة , وقالت :" إنني أقول فقط ما أحس به ."" ولا تقيمين وزنا للنتائج ؟"وسألته بقسوة :" هل تنكر انك تستحق الاتهامات التي أوجهها إليك ؟"" ليس كثيرا .""انك تعتقد انك ذكي للغاية ؟"ورد عليها في رفق :" لنقل إنني لا أظن انك أنت ذكيه للغاية ."" اعتقد انك لست في وضع يسمح بإصدار مثل هذا الحكم ." "ربما لا , ولكن توجد نقاط أخرى عديدة حول هذا الموضوع ما زالت لا توصل إلى النتائج , ولكنها ستوصل إلى النتائج بمرور الوقت ."" لا ينبغي لي ان اعتمد على ذلك" ... ."ولكنني افعل هذا , إنني اعتمد على ذلك كثيرا جدا ."ولم تكن الابتسامة التي ترتسم على وجهه تدل على الابتهاج واضاف :" وسوف تقومين أنت بتقديم الإجابة لي" ." اليس كذلك ؟"وكورت راشيل قبضتي يديها وقالت :" لم لا تسأل أباك لماذا يتزوجني ؟"" هل تعتقدين إنني لم اسأله ؟"وسألت بارتعاش :" وماذا قال ؟"" ولماذا أخبرك بذلك ؟ إنني أريد أن اعرف القصة من وجهة نظرك أنت" .وقالت راشيل وهي تعبث بأزرار معطفها :" لا اعتقد انه أخبرك بشيء , ولو فعل لما كان لك هذا الاهتمام بالسؤال عن دوافعي ."وحني جويل رأسه وقال :" حسنا , إنني اسلم لك بهذه النقطة , ولكن من الواضح على الأقل بالنسبة إلى شخص له أخلاق كأخلاقي إن الحب لا دخل له في هذا الموضوع ."" انك لا تعرف ذلك ." " أنا لا اعرف ذلك ؟ إذن لماذا لم تقولي لي هذا الكلام منذ البداية ."وتقوست شفتاه بشيء من الاحتقار وأضاف :" أوه , يا راشيل , انك لا تحبين أبي , ربما تحبين نقوده , ولكنك لا تحبين ابي .... ."وصفعته على وجهه صفعه شديدة قبل أن يكمل الكلام , ولكنه لم يحاول أن يمنعها , واكتفى بان ابتسم , ثم حول حدقتي عينيه إلى نقطه أخرى ورائها وقال :" هل انت مستعدة يا سارة ؟"" حسنا ... فلنذهب إذن" !لم تكن راشيل تتذكر كيف جمعت حقيبتها , وسترة سارة , وتبعتها بعد ذلك , كانت تبدو وكأنها مخدرة بدرجة كبيرة , وكان النهار لا يزال ممتدا مفعما بالبرودة , وكانت سارة تجلس في المقعد الخلفي وكان عليها أن تجلس إلى جانب جويل في مقدمة السيارة ولم يكن إمامها خيار.
الفصل السابع:
7_السر يباح
كانت راشيل تجلس في قاعة الانتظار تنتظر بشئ من القلق عودة سارة وجويل ,وقد مضى على رحيلهما لزيارة مبنى الملاهي اكثر من نصف ساعه . وبدأت تشعر بالضجر وهي تحاول ان تتجنب النظرات الجريئه من شابين يجلسان في جانب القاعه .ولكن عندما اقترحت ساره في اول الامر ان تجرب لعبة الكرة والدبابيس ,كانت راشيل راغبه في ان تبقى حيث هي ,وبذلك تجد وقتا تستعيد فيه رباطة جأشها ,وكان طريق الشاطئ الذي يقع خلف نوافذ الفندق يبدو مهجورا ,والضباب يتعرج على شكل حلزوني حول اشجار الزينه وحول الشجيرات في حديقة الفندق مما جعل الجميع يهرعون الى الداخل وعندما استفسرت سارة اذا كان بالامكان ان يذهبوا الى شاطئ البحر ,استغل جويل فرصة صخبها بالابتهاج بتلك المناسبه ليسأل راشيل اذا كان لديها اي اعتراض . ولكن راشيل اجابت ان لافرق ,وان كل الاماكن سواء .وبعدها لم يبذل اية محاوله ليشدها الى الحديث الدائر بينه وبين سارة ,وكانت راشيل تعجب حقا من الطريقه التي تثرثر بها مع جويل ,فقد كانت تضحك وتتبادل الفكاهات معه وتسأله اسئله لاتجرؤ راشيل ذاتها على ان تسألها ,وجعلها ذلك تفكر بامعان فيما اذا كانت علاقة الدم هي التي جعلت ذلك ممكنا اتجهت السياره بهم صوب الجنوب ,واعتقدت راشيل انه يقصد برايتون ,وكان الصباح صباح ربيع مشرق في لندن ,ولو كان وقتا اخر لتطلعت الى مشيه رشيقه على طول الشاطئ بعدما تناولت وجبة الظهيرة ,ولكن نظرا للضروف المحيطه فان الفرص لم تكن مشجعه ,وزاد من اكتئابها ان برايتون تبدو غارقه في نوع من اضطراب البحر والرطوبه ,جعلت النزهه على الشاطئ شيئا مستحيلا وصلوا قبيل الواحده ظهرا بقليل ,ولكي يبعد جويل عن سارة الشعور بالاحباط وعدها بان يأخذها الى مبنى الملاهي بعد الغداء . وابدى الجميع اعجابهم بالطعام ,حتى راشيل رغم انها لم تستطع ان تأكل شيئا ,وكان جويل يركز على ساره التي اكلت وجبة شهيه وكانت سعادتها واضحه .وشربوا القهوة في قاعة الانتظار ,وهنا بدأت سارة تلح في زيارة مبنى الملاهي ,ووجدت راشيل العذر لعدم الذهاب معهما ,اما سارة فكانت سعيدة تماما لذهابها مع جويل .ولكن راشيل الان تتمنى لو ذهبت معهما ,ولم يكن باستطاعتها ان تبقى في قاعة الانتظار بالفندق ,كما لم تكن لديها رغبه خاصه للخروج في الهواء البارد الرطب . ونهضت ووضعت حزام حقيبتها الجلدي على كتفها ,وخطر لها ان تسير على شاطئ البحر مسافه قصيرة فلربما وجدت مبنى مدينة الالعاب . وخرجت الى ردهة الاستقبال متجاهله العيون العديدة التي تتبع سيرها ,وبدأت تهبط الدرج ,وترددت قبل ان تبارح الفندق . وجاء صوت غريب من خلف اذنها يقول : لاينبغي ان اشغل نفسي بأمره !واستدارت لتواجه واحدا من الرجال الذين كانوا يراقبونها ,وقالت في شيء من الصلابه_ عفوا ماذا تريد ؟ زوجك !الشخص الذي مضى مع الفتاة الصغيره ,لاينبغي ان اشغل نفسي بأمره _ اعتقد انك مخطئ!_ _لا ! هو المخطئ ياحبيبتي .كيف يترك زهرة جميله مثلك ؟ ما الذي حدث؟هل تشاجرتما ؟ ونظرت راشيل حولها تطلب النجده ,ولكنها كانت قد ابتعدت عن الفندق ,ولم يكن هناك من يستجيب لنداء الاستغاثه ,وقالت: ارجوك ان تنصرف ,وتتركني لحالي ,ان زوجي وابنتي قادمان الان_ حقا؟ لا يبدو ذلك _ _انصرف عني! كانت انفاس راشيل قد بدأت تضطرب ,ولم يكن حدث لها مثل ذلك من قبل تعالي ...واشربي كأسا معي ومع صديقي .لن تجدي انسانا في هذا الضباب. _ اذا لم تنصرف! _ وسمع صوت يقول: راشيل! _ كان صوت جويل موضع ترحيب كامل من راشيل .كان يخطو بخطوات واسعه خلال الحديقه ,بينما سارة تجد في اثره, وجرت راشيل لتقابله والقت بنفسها بين ذراعيه وهي ترتعد ثم دفعها بيديه ,واخذ يسأل: _ما الخبر ؟ماذا كان ذلك الرجل يقول لك؟ واستعادت راشيل هدوءها وقالت: _اوه ...اوه...لاشئ. ونظرت وراءها ,ولكن الرجل كان قد اختفى وعندئذ اخذت سارة تشد بقوة يد امها _قابلنا ذلك الرجل صديق جويل ,وهو يمتلك هذا القارب ,وقال اذا حضرت في يوم اخر لايكون فيه ضباب فسوف يأخذني في القارب .ممكن يامامي ؟ممكن ؟ وقال جويل وهو يهز رأسه: _ليس الان سارة ...ماما الان تعاني من صدمة بسيطه. وادار بصره الى راشيل: _هل دخل الفندق ,ذلك الرجل الذي كان يتحرش بك ,هل اجد في اثره ؟ وهزت رأسها بسرعه ,وقالت: _اوه !لا...لا...هو لم يتحرش بي حقيقه .كان فقط يستظرف نفسه على ما اعتقد ,وفضلا عن ذلك فانهما في الحقيقه رجلان في الفندق كان فم جويل متجهما وقال: _هل تقولين ذلك لتخيفينني ؟ام انك تخشين ان يصيبني بعض الاذى ؟ وحركت راشيل كتفيها وتمتمت: _بعض من هذا وبعض من ذاك ,على ما اعتقد! وتردد جويل لحظه وقال:: هيا ...لنبحث عن مكان نشرب فيه الشاي ,وبعدئذ نعود الى المدينه_ كانت رحلة العوده الى لندن بالنسبه الى راشيل اكثر امتاعا ,واستطاع جويل ان يجعل من شخصه صحبه مسليه ,وكانت سارة تشعر بسعادة غامره لان امها الان تشارك في الحديث .ولكن سارة غلبها النعاس في المقعد الخلفي للسيارة ,وقال جويل : _لم يكن اليوم ناجحا للغايه ؟ ونظرت راشيل اليه شزرا وقالت: _ _كيف ؟ _اخذتكما الى برايتون وكنت اعتقد انه بامكاننا ان نجد بعض الوقت للحديث ....ولكن لم تسر الامور وفق تقديري .... ودمدمت راشيل: _ولم تكن البدايه طيبه كذلك. وعلق: _وتعتقدين انني المسؤول عن ذلك ؟ !_لم اقل هذا _هل تعتزمين اذن ان تتحدثي الي ؟ _السنا نتحدث الان ؟ .لا...اننا نتبادل الكلمات فقط _ _اوه !ياجويل ! لماذا تصر دائما على ان تجعل الحياة صعبه ؟لماذا لا تقبل انني سأتزوج اباك .لا استطيع ان اقبل ذلك _ يجب ان تقبله _ _راشيل ان سارة ابنتي... انها لحمي ودمي وتقوست اصابع راشيل وقالت : _ان لك عملك وحياتك ,ياجويل ,وهذا ماتحرص عليه . _كنت اظن ان ذلك كل ما اريد ... وهزت رأسها في يأس وقالت : _هل انت متأكد من ان الانانيه ليست الدافع الوحيد وراء اهتمامك ؟ وتصلبت اصابعه على عجلة القياده وقال : _انني اتركك توجهين الي كلاما كثيرا ياراشيل ,ولا يمكن لشخص اخر ان يتجرأ على جزء مما تفعليه . وادارت راشيل رأسها ,وصارت تحدق بلا غايه ,وقالت : _لست اطلب تسامحك او تساهلك ! واخذ جويل يسب برفق : _لا ...الا تستطيعين ان تلتقي معي على منتصف الطريق ؟ _لاتوجد علامه تحدد منتصف الطريق فيما بيننا . ودمدم في صوت اجش: _اعتقد انك لست اقل احتراما لي في داخل نفسك ... واحمر وجهها وقالت : _لا اعتقد ان تبادل السباب يمكن ان يؤدي بنا الى اي تقدم ... _انني لا اسبك ...انني فقط اذكر الحقائق ... _ما الفائده التي ترجى من اثارة هذا الان ؟ _ولم لا ؟كان من حقي ان اعتبر هذه نقطه جوهريه تماما في الموضوع . وصاحت في غضب : _فقط لانني اخذت على غرة عندما جذبتني ...وهذا لايعني انني احتفظ بعاطفه يائسه نحوك ...ومن الغريب انني لا استطيع مقاومتك . وساد صمت كامل .وعندما جازفت بالنظر اليه مرة ثانيه احست احساسا سخيفا بالندم عندما رأت خطوط المعاناة التي ترتسم على فمه . واوقف جويل السيارة امام مدخل المبنى حيث تسكنان ,وقطبت سارة وجهها عندما رأت ان امها فقط تستعد للنزول واخذت ببراءة تدعو جويل : _الا تنوي ان تأتي معنا ياجويل ؟ وتبادلت راشيل معه نظرات سريعه وعززت الدعوة بشيء من الحرج : _نعم ,تفضل ,سوف تشرب الشاي وتتناول بعض الشطائر اذا كنت تقبل ذلك . وتردد جويل بعض الشئ ,وكانت اصابعه لاتزال حول عجلة القيادة ,وسأل : _وماذا عن السيدة تالبوت ؟الا تجد في ذلك شيئا من الغرابه ؟ واجابت سارة : _السيدة تالبوت ليست هنا ,انصرفت هذا الصباح ,اقامت مع ماما الليله الماضيه عندما كنت انا في المستشفى . وخرجت راشيل من السيارة ,لكن جويل كان سبقها الى ذلك ,واغلق بابها .ورفع سارة على كتفيه وقال لها : _اذن كنت في المستشفى الليله الفائته ,ياعزيزتي .ماما لم تقل شيئا عن ذلك . واستقلا المصعد الى الشقه ,وظل رأس راشيل مطأطأ تخشى اللحظه التي تخبر فيها جويل بالحقيقه .اذ كانت تحس انه قد ان الاوان لذلك . وحمدت الله انه لم يثر الموضوع بعدما دخلوا الشقه مباشرة ,بل استرخى على الاريكه ,وصار يبدي اعجابه باللعب التي كانت سارة تحضرها له ليتفرج عليها ,وفي النهايه استجاب لطلبها ورسم صورة كامله لها وهي تلعب مع هيلغا ولعبها الاخرى ,وقالت راشيل انها صورتها المطابقه لها تماما . زاد الجوع من شهيتها للطعام ,ورفضت ان تفكر في اي شيء اخر .وجلس جويل على الطرف الاخر من المائده بعد ان خلع سترته القطنيه .وكلما وقعت عيناها في عينيه كانتا تحذرانها بانه لم ينه بعد الموضوع معها .وبعد ان احتسى فنجانا ثانيا من الشاي قال : _كان الطعام لذيذا. ونظر الى ساره وقال : _ما رأيك في ان اقوم انا وانت بغسل الاطباق والاواني بدلا من ماما ؟ _حسنا. وكان هذا شيئا جديدا بالنسبه الى سارة التي لم يسبق لها ان احست بأنها عضو في اسرة . _ولكن هل استطيع ان اغسل ؟ كانت راشيل تجلس قلقه في غرفة الجلوس بينما جويل وساره يغسلان الاواني ,وكانت تسمع سارة وهي تطرطش في الماء وتضحك بسذاجه من الكلام الذي يقوله جويل .وخطر لها لماذا لا تستجيب سارة لجيمس بالدرجه نفسها .لكن جيمس لم يسبق ان لاعبها ابدا .كان يتكلم معها بالطبع ,ويهتم بشؤونها ,ويحضر لها اشياء كثيرة ,لكن لم تكن بينهما العلاقه التي من الواضح انها قد وجدت بين سارة و...ابيها . وعندما رجعا الى غرفة الجلوس كان وجه سارة يعكس بعض الضيق ,وقالت : _سترتي كلها ابتلت ...ياماما . وعلق جويل باختصار : _اسف !انها غلطتي ,سوف تجف . كانت عيناه تتحديان راشيل ,ولم تستطع من جانبها ان تتحمل نظرته القاسيه ,وقالت تطمئن الصغيره في شيء من التسرع : _لا بأس...ياسارة .يمكنك ان تخلعي كل ثيابك الان ,وسوف اعاونك على الاستحمام . وصاحت سارة في الحال : _هل يمكن ان ينوب عنك جويل في ذلك ؟ زفرت راشيل وقالت : -لا ,ياسارة ,سوف اقوم انا بذلك . وقال: _ما الحكايه ياراشيل ؟هل تخشين ان ارى اثار الة نقل الدم ...هذه هي علتها ...اليس كذلك ؟مرض الكليه ؟ كانت ساره تريد كوبا من الحليب لوجبة العشاء ,وذهبت الى غرفة الجلوس لتقول تصبح على خير لجويل وسألته : _هل ستأتي لتغطيني في الفراش ؟ كانت تبدو صغيرة ومتوسله في بيجامتها القطنيه المزخرفه بغصينات النبات .وكانت راشيل ترقب وجه جويل ,وتعجبت : _هل يمكن ان يتغير شعوره نحو الاطفال ؟ وخطر لعقلها خاطر مخيف ,لو ان جويل علم بوجود سارة في ضروف اخرى فلربما رغب في ان يتبناها هو واريكا ! وكان صوتها جافا,وهي تحدث سارة : - ارجوك ان تسرعي ياسارة ,فقد تجاوزت الساعه السابعه . وردت ساره باصرار : _اريد ان يأتي جويل . ونهض جويل ,وقال : _ولم لا ؟ ونظر الى سارة بابتسامه متسامحه وهو يقول: _هيا ارني اين تنامين ؟ وصحبتهما راشيل الى غرفة النوم ,وبعدما قبلت سارة وتمنت لها ان تصبح على خير ,تركتهما وعادت الى غرفة الجلوس ,ولم تكد تفعل حتى رن جرس الهاتف ,وبدأت اعصابها تهتز كانت تستطيع ان تتصور من المتحدث ,وقالت في صوت هادئ هالو! _راشيل ؟راشيل ؟هذا انت كان صوت جيمس ,وتنشقت راشيل نفسا مضطربا قبل ان تجيب : نعم ,نعم,ياجيمس .انه انا! _ _هل انت بخير ؟يبدو عليك الاضطراب . _لا ,لست مضطربه . وكانت راشيل تحاول بصعوبه ان تحتفظ بثبات صوتها . واضافت : الواقع انني كنت اساعد سارة في النوم . _وكيف حالها ؟هل سار كل شيء على مايرام الليله الفائته ؟ _نعم ...كان كل شيء على مايرام ...وكيف حالك ,ياجيمس ؟ _كالعادة, على احسن مايكون .وماذا عنك ؟هل تستمتعين بوقت جميل في لندن ؟ انه ابعد مايكون عن ذلك ياجيمس _ _ولما لا ؟لاشك ان الانسه كلاي اخبرتك انني فتحت لك حسابا في مصرف هارودز, الم تخبرك بذلك ؟كنت اتخيل انك تستمتعين بصكوك الشراء المفتوحه. وزفرت راشيل زفرة وقالت: لا ! لا ! لابد ان الانسه كلاي نسيت ان تخبرني بذلك ,ولكن ,ارجوك الا تسبب لها المتاعب ياجيمس سوف يكون اول شيء افعله في الصباح ان اتصل بالانسه كلاي حول هذا الموضوع كانت راشيل تحاول ان تعترض ,ولكنها تعلم ان ذلك الاعتراض بلا جدوى .فان كان جيمس عندما يقرر امرا يصمم عليه بلا تراجع ,وكانت يدها التي تمسك بالسماعه ترتعد بعض الشيء ,وواصل حديثه : _وفي اية حال ,ظننت انه من المناسب ان اضعك معي في الصورة فيما يتصل بترتيبات حفل الخطوبه ,اتخذت بالفعل بعض الترتيبات الاوليه وخطر لي انك ربما تريدين ان توجهي الدعوة الى اشخاص معينين. وهزت راشيل رأسها بالنفي ثم قالت: لا اعتقد. _ كان الاشخاص الوحيدون الذين يمكن ان تدعوهم يعيشون بعيدا عن لندن. _حسنا ,اذن اجاب جيمس بهذه الاجابه ,ولم يبد انه شعر بنوع من الاحباط .وخيل الى راشيل انه لن يتحمس لدعوة اي من زملائها من ملجأ الايتام ولاشك انه كان يريد ان يجعل منها صورة مثاليه يصنعها على يديه ,كما كان يفعل من قبل مع كل الاطفال الايتام الذي كان يتبناهم . واحست راشيل بجويل يقدم من الداخل ,ثم وقف خلفها ,ولم يقل شيئا ,ولكنها احست بوجوده الصامت ,وكان ذلك مما سبب لها بعض التوتر وقالت ,وكأنها تريد ان تنهي الحديث هل هذا كل شيء اذا ؟_ وتبع ذلك صمت دام لحظه ,وتحدث جيمس اخرا : _هل انت متأكده انه لايوجد ما يضايقك ,ياراشيل ؟يبدو انك شارده بعض الشيء. وحبست راشيل انفاسها ,وقالت : _اخبرتك ياجيمس ,انني بخير ,كل ما لدي هو شيء من الصداع . واحدث جويل صوتا يدل على التشكك ,وصار يتنقل داخل الغرفه وقد اشعل سيكارا, ولحسن الحظ فان جيمس كان يحاول التخفيف عنها ,ولم يسمع شيئا غير مناسب ,وسألها : _لماذا لم تقولي لي ذلك ؟لابد انه تغيير الجو . وسكت لحظه ثم قال : _حسنا ,ياعزيزتي ,سأضع السماعة .وعلى فكرة ,فانني انوي العوده يوم الثلاثاء بدلا من الخميس .وسأخبرك بوقت الوصول فيما بعد ,بلغي سارة حبي ,هل تفعلين ؟ _سوف افعل ,وداعا ياجيمس . _الى اللقاء ,ياحبيبتي . قالها بالالمانيه ,واردف يقول : _كما ترين ,فانني اتعلم اللغه . واجابت راشيل اجابه مناسبه ,والتفتت على مضض لتواجه جويل الذي يقف امام المدفأة ,وعلق في سخريه بارده : _حبيبتي ! قالها هو الاخر بالالمانيه ,واضاف : _ابي تحول الى عاشق في كبر سنه . واتجهت راشيل الى النوافذ تجذب الستائر ,وهي تقول : _هل ينبغي ان تكون بغيضا ؟يخيل الي انك بعدما اكتشفت نقطة الضعف في سارة تريد ان تستغلها في الاعتراض . وزفر جويل زفرة ثقيلة ,واجاب في شيء من القوة : _اعتقد انه كان من حقي ان اعرف الحقيقه عن حالتها ,قلت من قبل انها تعاني من نقص طفيف في الدم ,وكانت تلك اجابه مضلله ,سارة تحتاج الى جهاز الكليه الصناعيه ,وذلك هو السبب في دخولها المستشفى الليله الماضيه . واتجهت راشيل اليه وهي تطوي يديها باحكام : _حسنا ,سأخبرك بالحقيقه,ولدت راشيل بنقص طبيعي في كليتيها . واغتم وجه جويل وقال : !_استمري وبدت راشيل ,وكأنها تبحث عن الكلمات وقالت : _حسنا ...نحن ...انا ...لم اكن اعلم في اول الامر ,كانت تبدو طفله عاديه صحيحة البدن ,ولكنها لم تكن تنمو بما يتلائم مع عمرها .ولم يكن وزنها يزداد بالسرعة المطلوبه .ولكن ذلك يحدث احيانا مع الكثيرين من الاطفال ...ونظرا لهزال جسمها كانت عرضه للعدوى وكان اضعف فيروس يجعل حرارتها ترتفع ويجعلها تعاني من اضطرابات معويه .واخيرا اكتشفنا العله الحقيقيه. واسترخت راشيل بوهن في احد المقاعد المريحه ,وهي تحدق بلا غايه في النار المتوهجه في المدفأة ,وحركت كتفيها وقالت : _فحصها الاطباء والاخصائيون ,وبذلوا كل ما يستطيعون ولكن لم يكن ذلك كافيا على الاطلاق ,ومنذ ستة اشهر كانت تعاني من حالة عطل كلوي ,وعند ذلك بدأت جلسات التنقيه بالكليه الصناعيه . اذ ذاك اخذ جويل يقطع الغرفه جيئة وذهابا بشئ كبير من التوتر وقال : _وحتى عندئذ لم تفكري على الاطلاق في ان تطلعيني .. ونظرت راشيل اليه نظرة تدافع بها عن نفسها ,وهي تقول : _ولماذا افعل ذلك ؟لم يكن همك ...كان همي انا .فانا التي قررت ان احضر سارة الى الوجود . ولكن في مثل تلك الضروف! _ _لم تكن للضروف علاقة بأي شيء ...كانت فقط غلطه من غلطات الطبيعه ,وربما كان ذلك عقابا على فعلتي. ودمدم بوحشيه: _لا تتحدثي بمثل هذا الهراء ...ماذا فعلت غير انك هجرتني ! حسنا !وحتى ذلك ...ربما يكون بالوراثه ...من المحتمل ان ابوي ايا كانا _ ولسارة ابوان ايضا ! وصاحت في ارتعاش : _ولكن شيئا من ذلك لم يحدث في اسرتك ...هل حدث؟ وقطب جويل حاجبيه وهو يكرر: _الم يحدث؟ ونهضت على قدميها من جديد ,وصارت تمشي حول مؤخرة الاريكه وهي تقول: اوه ,ياجويل ! لاتعذبني ! حسنا ,في اية حال كان ذلك هو الموقف منذ ستة شهور و _ وقاطعها: _واين موقع ابي من كل هذا الذي حدث ؟ _الكولونيل فرنشا و كان يقوم بتصفية ممتلكاته ليذهب ويعيش في الخارج لاسباب صحيه ...وكان مصرف ابيك يتولى سائر استثماراته . واذن حضر ابي ليزور الكولونيل ,على ما اعتقد ... _ نعم .كان كل منهما يعرف الاخر منذ سنوات في لندن... _ يالها من مصادفه..... _ وسألت في حرارة: _هل تعتقد انني رتبت الامر بهذه الطريقه ؟كدت اموت من الصدمه عندما فتحت الباب ووجدت جيمس كينغدوم يقف على عتبة الدرج .وبالطبع سأل الكولونيل عني ,وعندما رأى سارة وتكورت قبضتي جويل ,وقال: _نعم ,وبما لديه من معلومات سابقه فطن لما فعلته ,ولكن ذلك مازال لا يفسر لماذا تتزوجينه ,هل وعدك بمساعدة ماليه من اجل سارة ؟هل يوجد جراح مغمور في مكان ما انتج عقارا علاجيا ؟ _لا !لا! وعلى الاقل ,انه حل بسيط للغايه حقا ,فان فصيلة خلايا دم ابيك تناسب سارة ,وقد وافق على نقل احدى كليتيه لتزرع في جسم ساره.
الفصل الثامن :
الزيــــــارة_8
وحدق فيها جويل في رعب وهو يقول : "ماذا ؟ ولكن والدي رجل كبير في السن !" وكانت أصابع راشيل تتحرك على ظهر الأريكة في شيء من العصبية ، وقالت : " ليس كبيراً إلى هذه الدرجة ..فضلاً عن ذلك فإن كليتيه سليمتان ، وعلى ما يبدو فإنهما قابلتان للزرع ." ومسح جويل جبهته ، وقال : " ولكن لا يمكن أن تكوني جادة .. يا إلهي .. وأنت لذلك تتزوجينه ؟" "هذا أحد الأسباب .. لعلك تعلم يا جويل ..أن رعاية طفلة مثل سارة لم تكن شيئاً سهلاً ، ومع جيمس فإنها ستحصل على كل ميزة ممكنة ". وأطفأ جويل سيكاره، ودمدم قائلاً : "بإمكاني أن أوفر لها الميزات نفسها" عند ذاك كانت راشيل قد بدأت تعاني من حالة هبوط في التنفس وقالت في شيء من الإذعان : " من الناحية المالية ..ربما ..". ورفع بصره إليها ، وقال : "وهل ثمة شيء آخر ؟" وحولت راشيل بصرها بعيداً عنه ، وقالت : " لن يكون بوسعك أن تفهم " "أشكرك ، لأنني لا افهم ، لن أدعك تنفذين ذلك" " لا تستطيع أن تمنعني" " لا أستطيع ؟ لو كنت مكانك ما بنيت خططي على ذلك " " أرجوك ، يا جويل ألا يمكننا أن نكف عن هذا الشجار ؟ أنت لا يعنيك أمر سارة ، فلديك عملك ، ولديك أريكا غراي " " أرجوك ألا تدخلي أريكا في الموضوع " "أنك لا تستطيع أن تنكر علاقتك بإريكا " "ليس في نيتي ذلك ..فاريكا وأنا شخصان راشدان ، وإنني أعترف أنه من وقت لآخر " " لا أريد أن أعرف " ووضعت يديها على أذنيها ، ونهض ووقف خلفها حتى أحسن بدفء أنفاسه وتكلم في صوت أجش : " أنك لا تريدين أن تعرفي ، لا تحاولي أن تنكري ! ما كان يحق لك أن تهجريني أعترف أنني تصرفت بشيء من الأنانية ولكن حاولي أن تنظري من زاويتي ، كنت أريدك ، هل تعرفين ذلك ؟ أقسم لك أنني في حياتي ما أحببت امرأة أخرى حباً حقيقياً" كانت هناك حلاوة سائلة تخفق في عروقها ، وأسرع نبضها ، وتهاوت ساقاها وجذبت نفسها بعيداً عنه ، وأستدارت لتواجهه ، وقالت : " لا تحاول إغرائي بالكلام ،يا جويل !" وهز كتفيه وضاقت عيناه ، وانفرجت قدماه ، وقال : "لن يكون بوسعك أن تسيري في هذا الشوط إلى نهايته ،يا راشيل " " سأمضى فيه إلى النهاية . ولن يفلح إغراؤك في صدي عن ذلك " وحدق فيها جويل ، وقال : "إنني على استعداد لأن أهب سارة أحدى كليتي " وقالت في سخط : " لا ! لا أريد شيئاً منك " وسألها بلهجة أشد حرارة : " و لا حتى ما يصلح صحة أبنتك ؟" " سوف تكون سارة بخير" " وإذا فشل نقل الكلية ؟ كيف تكون الحال ؟" وكزت بأسنانها على شفتها ، وقالت : " ولماذا يفشل ؟" " ما رأي الأطباء ؟ ما النسبة المحتملة للنجاح ؟" وحركت راشيل رأسها في يأس ، وقالت : " أنهم ..يقولون شيئاً معقولاً ..لا أستطيع أن أقول أكثر من ذلك" " إذاً ،أنت تضحين بنفسك من أجل الطفلة ، ماذا لو فشلت العملية . هل تجازفين بكل شيء بلا مقابل ؟" ورفعت راشيل يدها ، وقالت : ط جيمس وأنا لن نتزوج حتى تنتهي العملية " " أوه ، حقاً ؟ إذاً أنت تتخيلين أنه إذا فشل كل شيء فسوف يقبل أبي أن ينهي الصفقة بينكما ؟" وقطب حاجبا راشيل ، وقالت : " لماذا ؟ طبعاً !" ونظر جويل إليها نظرة اشمئزاز وقال : " أنك لست جادة " "ماذا تقصد ؟" وهز جويل رأسه ، وقال : "حسناً ،عرفت من الآنسة كلاي أن أبي يصدد أن يقيم حفلا فاخراً للخطوبة ؟" " أعتقد ذلك " وتنشق جويل نفساً عميقاً ،وقال : "وتعتقدين أنه بعد أن يشاع الخبر يقبل أبي بإنهاء الصفقة إذا لم تكن نتيجة العملية ناجحة ؟" " ولم لا ؟" " أوه ، راشيل ! إنك لست جادة !" واسترخى جويل على الأريكة ، وجعل يده تخلل شعره ، وقال : " راشيل ! الرجال مثل أبي يحرصون على صورتهم أمام الرأي العام ، وإذا ما قدمت أبي كخطيبته آنذاك يكون كسباً كبيراً لرجل في عمره ، وإذا حاولت أن تنهي الخطوبة ، لن يترك فرصة في الصحافة دون أن يستغلها لفضح أمرك ، وإذا خطبت لأبي فإن عليك أن تقولي الوداع لحريتك " وحدقت راشيل تجاهه : " أنك تقول هذا لتخيفيني " وأرتفع حاجباه الأسمران : " لو كنت في مكانك لما جزمت بذلك" "ما الذي يعنيه هذا بالنسبة إليك ؟ لماذا تهتم سواء كان ذلك سيحدث أم لا ؟" وأجابها : " أنا لم أكف أبداً عن السعي للوصول إليك . أنا أريدك دائماً ، هنا ، والآن " كانت عيناه غارقتان في الانفعال ، وصارت راحتا راشيل تضغطان بيأس على كتفيه ، وخطرت لها بشرة جيمس ، وكيف كانت تزخر بالخطوط والعقد .. وأمسك جويل بإحدى يديها .. ..وكان المجهود الذي تحتاجه لتدفع بنفسها بعيدا عنه شيئاً أكبر من طاقتها ، ولكنها مع ذلك ! استطاعت أن تخلص نفسها منه ، ووقفت تتنفس بشدة وشعرها طليق كالحرير حول وجهها المتورد ، وقالت في ثورة عارمة وهي تجذب قميصها : " إنني أكرهك يا جويل ، أخرج من هنا ! ليتني ما رأيتك ثانية" كان جويل ، يجلس ويداه تتدليان في استسلام ، ونهض ببطء وقد تجمدت نظرة عينيه ، وعلق ساخراً ، وهو يلتقط سترته ويرتديها: " أسف ، لا أستطيع أن أضطرك لتأخذي بالاختيار الثاني ،أما بالنسبة إلى الاختيار الأول فإنك تسخرين من نفسك يا راشييل ! إنك لا تكرهينني ولكن إذا أصررت على ذلك ، فسوف أكرهك " ظلت راشيل يقظة طوال الليل ، كان جزءاً نزويا فيها يجن إلى جويل ، وحاولت يائسة أن تهرب من عذاب تلك الأفكار التي لا تستطيع أن تصرح بها ، لم تكت قد سمحت لنفسها على الإطلاق أن تتذكر تلك الليلة التي أمضياها سويا والتي كانت تحجب بين طياتها قناع القدر والإذلال . لكنها الآن ، تتجاهل تلك الذكرى .. لو أنه فقط طلبها للزواج. ..ولكن مثل تلك السعادة كانت سراباً مع رجل مثل جويل ، كانت تفهم أنه يريدها. لكنها لم تكن تريد علاقة أشبه بالرمال المتحركة تبنى على الجاذبية وحدها . كانت تحب جويل ، بكل الرقة والعاطفة ، ولكنه أخذ حبها ودمره . وفي الصباح أخبرت راشيل سارة أنها سوف تصطحبها في جولة إلى السوق ، كانت تريد أن تشتري لها بعض الملابس الجديد ة ، ولكن الدافع الحقيقي وهو أن تخرج من الشقة قبل أن يحضر جويل ، وسألت سارة أمها ، وهما يهبطان إلى محطة الحافلة: "ألن نرى جويل اليوم ؟" وأحست راشيل بشعور من القلق ، ولكنها أجابت بحزم : " لا ! جويل لديه عمل وليس لديه وقت للحضور إلينا " " ولكنه قال في الليلة الفائتة أنه سيأتي ويصطحبني إلى حديقة الحيوان اليوم " وأجابت راشيل : " لا أعرف ، سوف يأخذك العم جيمس إلى حديقة الحيوان إذا طلبت منه ذلك " وأجابت سارة : " لا أريد أن أذهب مع العم جيمس" لم تكن جولة التسوق ناجحة ، كانت سارة ترفض أن تقيس الملابس الجديدة ،وكانت ملامحها الشاحبة وفمها الرافض يجعلان الملابس الجميلة تبدو أقل رونقاً ، وتناولتا وجبة الظهيرة في المدينة ، وعندها رجعتا إلى الشقة ، كانت سارة تمتلك ثلاثة فساتين ، وبذلات ذات سروالين ، وبعض الملابس الداخلية وسترة جديدة ذات فراء وقلنسوة ، ومعطفاً غالياً من الجلد للمناسبات الخاصة ، ولكنها لم تكن تكترث لكل ذلك . لم يكن هناك أثر لجويل ، وكانت راشيل مرتاحة لذلك ،أما سارة فبعدما أكملت راشيل تهيئتها في مخدعها للنوم ، قالت : " أفضل أن يقيم معنا جويل بعد أن تتزوجي ، وهذا قراري " وروعت راشيل عندما سمعت ذلك ، وقالت : "لا تكوني سفيهة يا سارة !" " لماذا ؟ ستكونين أما له أيضاً ؟ ألا تفضلين ذلك ، لماذا لا يعيش معنا ؟" " شرحت ذلك من قبل ياسارة ! أن لجويل بيته الخاص ،وفضلاً عن ذلك فإننا سوف نعيش في بلاد اليونان . "وأين بلاد اليونان ؟" " قلت لك يا سارة ، أنها على مسافة .. بعيدة جداً ، حيث تشرق الشمس طوال الوقت " " أنا لا أريد الشمس أن تشرق طوال الوقت" "لا حيلة لي في ذلك !" " أحب أن أبقى في انكلترا " " ولكن العم جيمس ، يريد أن يعيش في بلاد اليونان ، إن له جزيرة ، كما قلت لك ، والمياة جميلة ودافئة ، وتستطيعين أن تسبحي" " أنا لا أستطيع السباحة" " سوف تتعلمين " " لا أريد أن أتعلم " " سارة ... أحذرك " " لماذا يكون علينا أن نذهب لنعيش في بلاد اليونان ذات الهواء الرديء ؟ لماذا لا تتزوجين جويل وتعيشين في لندن . أوه ... أن ذلك يكون شيئاً بديعاً ..وسيكون أبي عندئذ " " سارة !" وحدقت فيها سارة بفضول وقالت : "ما الحكاية ؟ ليس معنى أنك تتجادلين معه باستمرار أنكما لن تصبحا صديقين " "سارة ! من فضلك !" ووضعتها راشيل في الفراش ، وأحكمت عليها الغطاء ، وقالت : "سارة! سارة ! أرجوك ! لا أريد أن أسمع مرة ثانية شيئا عن جويل كنغدوم . سوف أتزوج العم جيمس . وسوف نعيش في بلاد اليوانان ..هل هذا واضح ؟" كان وجه سارة مقطباً ،ولكنها أومأت برأسها ، وقالت : "نعم ! يا ماما !" " حسناً ،والآن تصبحين على خير !" وفي اليوم التالي استيقظت وفي رأسها صداع ، ولم تكن تشعر بالرغبة في الاستيقاظ وإعداد الفطور وحتى وجه سارة الحزين لم يستطع أن يبعث فيها النخوة ، وكان من الواضح أن الطفلة لم تنس بعد ما دار بينهما من حديث في المساء السابق فهي لم تذكر أسم جويل بالفعل ولكنها كانت تسرع إلى النوافذ كلما سمع صوت لتستطلع الأمر ، والحقيقة أن راشيل ذاتها أصابها شيء من الدهشة عندما لم يتصل بها جويل. لم تكن تتوقع أن يفقد الأمل بتلك السهولة ولم يكن الجو في الخارج مشجعاً . وبقيتا في الشقة . وذهبت سارة في النهاية إلى الفراش ، وهي في حالة من الكآبة . وعندما حان ظهر اليوم التالي وامتد الوقت إلى ما بعد الظهيرة ولم يسمع شيء عن جويل بدأت تشعر بالقلق, أما سارة فكانت في حالة من الكسل لم تفكر معها حتى في اللعب بدميتها هيلغا بل رفضت الخروج في صحبة أمها لشراء بعض الخبز. وكان التلفزيون يعرض برامجه . لكنها لم تكن تلتفت إليه ، وكانت وجنتاها أكثر شحوباً عن ذي قبل كانت أمامها فترة تمتد بقليل لأكثر من الاربع والعشرين ساعة لتدخل. المستشفى ثانية للعلاج ، ولم تكن راشيل قد رأتها من قبل في مثل تلك الكآبة ،واتجه غضبها إلى جويل ، لقد كان بإمكانه أن يتصل بالطفلة ولكنه لم يفعل! وبعد أن شربا الشاي اقترحت راشيل أن تخرجا للسير في شارع ريجنت ، ولم تكن حديقة ريجنت بارك تبعد كثيراً ، وكانت تأمل أن يعيد الهواء النقي إلى وجنتي سارة بعض البهجة ولكن سارة رفضت الخروج ، وقالت : " أخرجي أنت ، إنني لا أحس برغبة في المشي " " ولكنك يا سارة ، لم تخرجي منذ يومين" ونظرت سارة إليها ، ومن خلال عينين قاتمتين عاصفتين . " وجويل لم يحضر هنا منذ ثلاثة أيام ، ماذا قلت له؟ لماذا أغضبته ؟" وضغطت راشيل راحتيها سوياً ،وقالت في إعتراض : " لم أغضبه ، أعتقد أنه مشغول يا سارة ، ومع ذلك سوف يعود ثانية" " حقاً ؟ إذا سوف أنتظر هنا . فلربما يتصل هاتفياً ،أليس ذلك محتملاً ؟" وتنهدت راشيل وقالت : " هذا سخف يا سارة ! لا شأن لنا وجويل " "لقد أحببته ، وأحبني ...." " أنا متأكدة أنه أحبك يا عزيزتي ، ولكن ذلك لا يعني شيئاً . عليك أن تفكري في المستقبل يا سارة فخلال أسابيع قليلة سنسافر إلى الخارج وعندئذ." " قلت لك إنني لا أريد السفر للخارج " ورفضت راشيل أن تعلق على ذلك ، أخذت تذرع الغرفة بقلق واستندت سارة على أحد مرفقيها ، وصعدت إلى الأريكة ، وقالت : " يمكنك أن تطلبيه بالهاتف ، ألا تفعلين ذلك يا مامي ؟" "لا ! سارة ، يا حبيبتي لا أستطيع " " لماذا لا تستطيعين ؟ ألا تعرفين رقم الهاتف ؟" كان بوسع راشيل أن تكذب تلك الكذبة الصغيرة ، ولكن راشيل لم تستطع أن تكذب ، وفضلا عن ذلك فإن سارة كانت على درجة من الذكاء ، وكانت ستجد طريقة للتواصل إلى الرقم " " ربما يكون لديه ناس في شقته ... ضيوف مثلاً ... وربما يكون لديه عمل " " إذن سيجيب هيرون على الهاتف" وهزت راشيل رأسها ، فقد كان لدى سارة لكل سؤال جواب " " وماذا تنتظرين مني أن أقول له ؟" "قولي له .. أنني أريد أن أراه " وأخذت راشيل تجتاز السجاد جيئة وذهابا بقلق . كيف يجوز لها أن تطلب جويل ؟ ذلك من جهة نظرها شيئاً مضحكاً وبصفة خاصة بعد الطريقة التي كان افترقا بها ، وقالت : "لا أستطيع أن أفعل ذلك ، يا سارة" " تعنين أنك لا تريدين أن تفعلي ذلك " وعرفت راشيل أنها كانت على وشك أن تصاب بحالة من الهستيريا ، وقالت لها : "كوني متعقلة يا سارة !" "انصرفي بعيداً عني ! لا أريد أن أراك ،أريد أن أرى جويل " وتكورت قبضتا راشيل في عصبية واجتازت الغرفة ، ورفعت السماعة ، وأدارت الأرقام ، فرغم السنوات لم تنس أرقام هاتف جويل .وهيء لها أن الجرس سيرن طويلاًُ على الطرف الآخر وعندها رد هيرون كادت أن تغلق وتعيد السماعة إلى مكانها ، ولكن وجه سارة المبتل بالدموع أجبرها على أن تذكر أسمها وتطلب التحادث مع السيد كنغدوم . ورد هيرون بأدب : " أسف السيد كنغدوم يستريح ، وطلب إلا يزعجه أحد . هل من رسالة؟" " وكزت راشيل أسنانها ..يستريح ! ولا يريد أن يزعجه أحد ؟ ترى من يكون معه كي يطلب ألا يزعجه أحد ؟ "، وأجابت : " لا ! ليس ثمة رسالة " وعندما أعادت السماعة ، انتصبت سارة وقالت : "ما الخبر ؟ لماذا لم تتحدثي معه ؟" " إنه يستريح ، لا أعتقد أنه بخير " ولم تكن تعرف كيف يكون رد فعل سارة التي انفجرت تقول : "لماذا ؟ هل هو مريض ؟ هل نذهب لنراه ؟" "لا ، يا سارة " " لم لا ؟" " لأننا لا نستطيع ،ولكن سوف يخبره هيرون أنني طلبته عندما يستيقظ " وردت سارة وقد أنهمرت الدموع من عينيها : " لا أصدقك ! إنك فقط تقولين ذلك " " لا !" ولم تكن راشيل تعرف كيف تقنعها وبدأت سارة تسأل أمها : " لماذا لا تحبين جويل ؟ لماذا لا تريدين أن تذهبي لزيارته ؟" " لا نستطيع أن نفعل شيئاً يا سارة حتى يتحسن " " لم لا ؟" " لأننا لا نستطيع " " ومتى يتحسن ؟" " وكيف لي أن أعرف ذلك ؟" وانسلت سارة من فوق الأريكة ، وجاءت إليها : " أرجوك يا مامي ! أريد أن نذهب إلى شقته لنراه ، سوف أكون بخير إذا فعلنا ذلك ويمكننا أن نأخذ له بعض الزهور " واضطرت راشبل أن تقمع الرد الذي كانت ستجيب به ، وقالت : " ومن أين نستطيع أن نحضر الزهور في هذا الوقت من المساء ؟" "إذن لنحضر له بعض الحلوى " أوشكت راشيل أن تفقد صوابها ،بينما يبدو كل شيء غاية في البساطة من وجهة نظر سارة ، ونظرت راشيل بقلق إلى ساعتها : السادسة والنصف . ولم تستطع أن تصدق عينيها. ورأت وجه سارة الصغير يحدق فيها بنظرة متوسلة ، واتخذت القرار فجأة ، لم لا تأخذ الطفلة إلى مسكن جويل ، هيرون هناك . وسوف يتلقى الأوامر من سيده... . وعندها تسمع سارة كل شيء منه فربما يتضح لها أن جويل ليس الملاك الذي كانت تتخيله ..وقالت في شيء من القلق : " حسناً ..سوف نذهب إلى مسكنه ..ولكن إذا ما رفض هيرون أن يسمح لك برؤية جويل فعليك أن تتقبلي ذلك . هل تفهمين ؟" وارتعدت شفتا سارة ، وقالت : " هل يعقل أن يفعل ذلك ؟" " لا أعرف ،سيكون عليك أن تنتظري حتى تعرفي بنفسك " كانت راشيل تتكلم عن عمد حتى تتهيأ لأسوأ ما يمكن أن يصادفها . واستقلتا سيارة أجرة إلى ذلك المبنى الفاخر الذي يطل على حديقة ريجنت بارك والذي يشغل جويل منه الشقة القائمة فوق سطحه . وكانت خبرة مؤلمة لراشيل . إذ تذكرت آخر مقابلة بينها وبين جويل في شقته ،وكانت تلك الذكرى تقترن بالحزن والإذلال.... واستقلتا المصعد ، وتردد صدى قرع الجرس داخل الشقة وتصلبت عضلات راشيل في شيء من العصبية لما قد يحدث بعد ذلك .ولكن لم يصدر من داخل الشقة أي صوت يجيب ... ونظرت راشيل إلى وجة سارة المضطرب ، ودقت الجرس من جديد بشيء من التصميم وبدأ وجه سارة يتغضن بعد المحاولة الثالثة وسألت وهي تبكي : " إنه غير موجود ؟ هل تظنين ذلك ؟ إنه ليس متوعكا على الإطلاق . كان هيرون يدعي ذلك فقط ." ولم تكن راشيل تعرف كيف تجيبها ، كان واضحاً أن الموقف سوف يساعد بالفعل على أن تتحرر سارة من الوهم ، وكان ذلك ما أرادته ودمدمت في شيء من الغرابة . " من المحتمل أن يكون هيرون قد خرج ...ومن المحتمل أن يكون جويل نائماً " وأخرجت سارة زفرة من أنفها وقالت : "لو كان ذلك ..لسمع جرس الباب " " نعم ، ولكنه قد لا يأتي ليجيب " وسمع صوت الباب ينفتح من خلفهما ،فاستدارتا في دهشة ، وارتفع صوت سارة : "جويل ! إنك هنا !" كان جويل يستند متثاقلاً إلى الباب ، وهو يحاول أن يقف بجهد كبير ،لحيته طالت على مدى يومين مما أضاف شحوباً إلى فكيه ، وكان يلبس إزار حمام وضعه على جسمه بطريقة متسرعة ، وقد بدت بعض حبات العرق على جبهته ، شعره أشعث ، ومن الواضح أنه في حالة صحية سيئة ، ودمدم وهو يزيح شعره عن جبهته : " أسف ، لم أكن أتوقع أن يزورني أحد ، وقد أنصرف هيرون" واستجمعت راشيل رباطة جأشها : "إننا أسفتان أيضاً يا جويل ،أنا وسارة أردنا ذلك ..وكانت قلقة عليك " وخطأ جويل إلى الخلف مستنداً إلى الحائط وقال : " إلا تدخلان ؟" وكزت راشيل على شفتها وقالت : " ربما يكون من الأفضل ألا نفعل " وقال جويل ، وهو يجفل من تقلصات أصابته : " أرجوكما أن تدخلا ،سوف أكون بخير ،فقط أعاني من صداع قوي " كانت راشيل تنظر إليه بشيء من الشك ، ولكنه كان يرتعش وتأكدت من كونه لا يصطنع الصداع ، وتصورت المسـألة لا بد أن تكون حالة الصداع النصفي التي كانت تصيبه . وأمسكت بيد سارة ، ودخلت إلى الشقة ، وأخذت تهبط الدرج إلى غرفة الجلوس الرئيسية ، كان ذلك الخطو يعود بها أدراج الزمن ، غير أن السجاد السمكية . كانت جديدة وكانت تنسجم مع الأريكة المخملية الطويلة المقوسة ومع الكراسي الوثيرة الأنيق. وكانت أبراج لندن وسطوح المباني تبدو من خلال الستائر الطويلة خلف النوافذ الزجاجية المعدنية وأغلق جويل الباب ، وأسند ظهره إليه ، وأخذ يحكم حزام إزار الحمام ، كانت سارة خلال ذلك قد أطلقت يدها من يد راشيل وأخذت تستكشف المكان الجديد. !" "سارة ولكن جويل أشار إليها بألا تقلق ، وقال: " لا تقلقي ،أستأذنك بضع دقائق ،أصلح فيها من نفسي بعض الشيء " وقالت راشيل في شيء من الحرج : " لا نريد أن نزعجك ،هيرون أخبرنا أنك تستريح ,و..." " هيرون ؟" " أتصلنا بك هاتفياً منذ حوالي نصف الساعة ..وهكذا عرفنا . ربما ما كان ينبغي أن نأتي " وحدق جويل فيها لحظات قليلة . وأخيراً لاح في عينيه شيء من الفهم : "لا أستطيع أن أتصور ما فكرت فيه " وطأطأت راشيل رأسها ، وانتهزت سارة الفرصة لتتدخل وتقول له في شيء من اللوم : " لماذا لم تحضر لتزورنا ؟ قلت إنك ستفعل !" وحول جويل انتباهه إلى سارة ،وهبط الدرج إلى الجزء الرئيسي من الغرفة ، وقال لها في رقة : "كنت أنوي ذلك ، ولكنني كنت مريضاً خلال اليومين الماضيين هل اشتقت إلي ؟" ووضعت سارة يديها على كتفيه ، وأجابت : " نعم ، وانتظرت لتأتي ، وعندما لم تحضر شعرت بالإعياء " وغامت عيناه ، وضمها إليه ، وهو يقول : " صحيح ؟" كانت هذه أول مرة يضم الطفلة إليه بتلك الكيفية ، ولم تستطع راشيل أن تتحمل رؤية ذلك المشهد ، واستدارت واتجهت إلى النافذة ، ونهض جويل بعد دقيقة ، وقال : "سأذهب لأرتدي ملابسي " واستدارت راشيل ، وقالت : " لا داعي ..يمكننا أن ننصرف .. اطمأنت سارة والأفضل أن ترقد في الفراش لتستريح " ونظر إليها جويل ، وقال : " أستطيع أن أرتدي بعض الملابس ،وأستطيع أن أتحمل الموقف إذا كنت أنت تستطيعين ذلك " وضغطت راشيل راحتيها على وجنتيها ، ودمدمت : "آسفة ..ظننت بك ظن السوء ، وآسفة لإزعاجك . لا داعي لأن تشغل نفسك بنا" وأخذت راشيل تتجول في الغرفة كما كانت تتصرف سارة ، وكأنها تجدد ذاكرتها ..كم أحبت هذه الغرفة فيما مضى! اتساعها وارتفاع جدرانها . أناقتها. ورجع جويل حليق الوجة أنيقاً ،أما شعر رأسه فقد أصلح تماما بالفرشاة ، وكان يبدو نحيلا جذابا وهو يرتدي سرواله المتموج البني القاتم وقميصه القمحي المصنوع من حرير سميك . ومع ذلك كانت وجنتاه الشاحبتان والحلقات القاتمة حول عينيه تكشف أنه لم يستكمل شفاءة بعد . وقال وهو يتأرجح عند المدخل : " والآن ..هل أحضر لك شراباً ؟" واتجهت إليه لتأخذ بذراعه ولتقوده تجاه الأريكة وقالت : " تعال ، واجلس ،سوف أحضر أنا المشروبات ، أي شراب تريد ؟" وغاص جويل في الأريكة دون معارضة ، وأسند ظهره ، وقال وعيناه طارفتان : " يكفيني شراب بارد منعش ، إذا سمحت ،لم يكن ثمة ثلج في الوعاء ،واجتازت راشيل باب المطبخ تاركه جويل وسارة لتحضر بعض الثلج من الثلاجة ، وتذكرت كيف كانت تعد وجبات العشاء لنفسها ولجويل هنا ، وكيف كانت تجعل جويل يجفف لها الصحون وكيف كان ذلك ينتهي ... وسكبت كأسا من شراب الليمون لسارة ،وآخر من الليمون الحامض لجويل ، وكـأساً آخر لنفسها ، وشرب جويل نصف كأسه بطريقة تدل على أنه كان بالفعل يعاني من الظمأ . وقال : " كنت تواقاً إلى هذا .." وسألته راشيل بقلق : " هل أكلت شيئاً اليوم ؟" هز رأسه ،وهو يرتجف : " لا أستطيع أن أذوق الطعام" وشربت سارة كأسها ، ثم تسلقت على ركبته متجاهلة اعتراض راشيل ، وقالت : "هل تأتي غداً لتزورنا ؟" وداعب جويل خصرها الصغير وقال : " سوف نرى .." وقالت راشيل بعد أن جلست على السجاد : "ولكنك لا بد أن تأكل شيئاً !" ونظر إليها جويل بطرف عينيه ، وقال بهدوء : "هل تعدينني بألا تتزوجي أبي ؟" وأحكمت يديها حول كأسها ، وهي تقول : " ولكنني لا أستطيع أن أفعل ذلك " ودمدم يقول : " أريد الفرصة لأبدل ما أستطيع من أجلك ، أرجوك ، أريد هذه الفرصة " " لا !" ونهضت راشيل ثانية ، ودق جرس الباب ونظرت إلى جويل بعينين مستفسرتين ، وعلت وجهه علامات الاستسلام وقال وهي تتجه لتصعد الدرج . " لا تفتحي الباب ! لا أريد أن أرى شخص آخر " ولكن سارة بحماسها العادي لفتح الأبواب ، تسللت عن ركبتيه ، واتجهت لتفتح الباب قبل أن يلحق بها أي منهما ليمنعها من ذلك . كان أريكا غراي تحدق إلى الطفلة في ذهول ، وتصلبت ملامحها الدقيقة عندما رأت راشيل ، وقالت بشيء من اللامبالاة : " هل قطعت عليكم شيئاً ؟" ووقع بصرها على جويل ، وقالت : " أوه جويل ، حبيبي هل تشكو من شيء ؟ لماذا لم تخبرني ؟ حاولت الاتصال بك ، ولكن كل ما كان يقوله هيرون أنك لا تريد أن يزعجك أحد .." كانت سارة قد أغلقت الباب وهي تحدق بشيء من الاشمئزاز في المرأة التي كانت تلتصق بذراع جويل . ونظرت إلى أمها ، ولاحظت راشيل الرعدة التي كانت تنتاب شفتها السفلى ، وقالت في هدوء "أعتقد أننا يجب أن ننصرف ،يا سارة ..فات موعد نومك " لكن جويل ابتدرها قائلاً : " لا ! انتظري ! راشيل لا تنصرفي الآن !" وقالت أريكا بصون ينم عن السخرية العميقة : " لو أن وجودي غير مرغوب فيه .." وكانت راشيل تحس بإحساس مخيف ،وقالت : " لا ! ليس كذلك ،سارة !" وألقى جويل نظرة قلقة تجاه أريكا ، وقال : "نحن لم ننه الحديث بعد ، يا راشيل ،أرجوك أن تنتظري " وزمت سارة شفتيها ، وقالت : "أريد أن أذهب إلى دورة المياه " وعبرت أريكا عن احساس بالإشمئزاز ، ونظر إلى الفتاة الصغيرة وقال : " إنك تعرفين أين هي .. لقد صحبتك إليها في المرة الماضية ..هل تذكرين ؟" وأومأت سارة بالإيجاب ،وخرجت من الحجرة وعندئذ لفت راشيل حزام حقيبة يدها حول معصمها ، واتجهت نحو الباب تستعد للرحيل . وقطب جويل وجهه وقال: " راشيل ! " وأمسك بظهر الأريكة يستند عليها" ، راشيل أرجوك بحق الله! وحدقت اريكا تجاهه في دهشة وقالت : " جويل ..! ماذا يحدث هنا ؟" وأدار جويل عينين معذبتين تجاهها ،وقال بشدة كما لو كان قد توصل إلى قرار: "نعم ! لقد حان الوقت لتعرفي كل شيء ..." وحاولت راشيل أن تسكته فقالت : "جويل !" ولكنه تجاهلها قائلاً : "هناك شيء يجب أن تعرفيه ..يا أريكا ! ..لقد عرفت راشيل منذ سنوات .. عندما كانت طالبة في الكلية هنا ..وكانت قد قابلت أبي في تلك الأيام أيضاً .. ولكن سارة ليست كما تتخيلين طفلة من أبي ..أنها مني أنا ..هل تفهمين ..سارة أبنتي!!!
الفصل التاسع:
9_السقوط
خيم الصمت على الثلاثه نصف دقيقه بدت كأنها دهر ,وعادت سارة ثانية الى الغرفه ,كانت تركز كل اهتمامها على البقعه التي احتلت مكانا بارزا في مقدمة سترتها الفرائيه القرمزية ذات القلنسوة ,وهمست في كأبه والدموع تسيل على وجنتيها : _اصابني دوار ياماما...انظري ماحدث لسترتي . واحست راشيل بشيء من ارتياح في اعماقها لهذه الشكوى باعتبارها نوعا من التحول ,وقالت وهي تتجه اليها : _اوه ,ياحبيبتي ,لاتكترثي ,سوف تزول بالغسيل . وقالت سارة : _أ..أعتقد انني تسببت في فوضى ...هناك ... واشارت الى الردهه خلفها ,واصدرت اريكا حركات تعبر عن ضيق صدرها ,ولكن جويل اسكتها بنظرة منه وقال : _لا تكترثي يامحبوبه ...سوف يعني هيرون بما حدث . _سوف اعني انا بها .اين اجد مواد التنظيف ؟ وقال بنغمه متصلبه : _قلت ان هيرون سيعني بذلك ,لدينا مسائل اخرى نناقشها ياراشيل ! وعلقت راشيل : _ليس الان ,الاتظن انك قلت ما فيه الكفايه ؟ وقالت اريكا : _انني اؤيد ذلك ! ولكن جويل قاطعها قائلا : _اخرسي . واتجه الى حيث كانت راشيل تقود سارة نحو الباب ,وهو لايكاد يحفظ توازنه : _راشيل ,الى اين تذهبين ؟ _اعتقد ان اجابة السؤال واضحه ,انني اعود بسارة الى البيت ,تصبح على خير ياجويل ,وانت ياانسه غراي ! وصاح جويل : -راشيل ! كانت راشيل تستحث سارة عبر الباب ولم تكن لديه القوة لمنعها من الخروج . وفي اليوم التالي كانت سارة قد شفيت تماما من الدوار ,مما طمأن امها .وكانت السيدة تالبوت تنتظر راشيل عند عودتها وقالت في اعتذار : _اسفه ,ياسيدة غليمور لانني تأخرت . واصطنعت راشيل الابتسام ..وقالت : _كلا ,ولكن المسأله تبدو غريبه نوعا ما .امرأة راشدة تحتاج الى حاضنه تعني بها ! وتغير لون السيدة تالبوت ,وقالت : _اوه ! لا اعتقد ان السيد كنغدوم ينظر الى الموضوع هكذا ,ولكن لندن يمكن ان تغدو مكانا مخيفا لمن لم يعتد الحياة فيها . وتمنت راشيل لو اخبرت مديرة المنزل بأنها سبق ان عاشت في لندن لسنوات في وقت كانت فيه اكثر جاذبيه مما هي الان ,ولكنها قررت الا تفعل ذلك ,ودق جرس الهاتف ,وذهبت راشيل لتجيب على المكالمه .كانت تتوقع ان يكون المتكلم جيمس .لكنها سمعت صوت جويل يقول : _راشيل !راشيل ! اهذا انت ؟ ونظرت راشيل بارتباك الى السيدة تالبوت التي كانت تخرج خيطان الصوف من حقيبتها ,وواصلت المحادثه : _ماذا تريد ؟ -اريد ان اراك ... ولهثت راشيل : _سارة.. _سارة في المستشفى ,وقد تأكدت من ذلك ,اوه ! انني اعرف ان السيدة تالبوت عندك ,ولكنك لست سجينه ,بامكانك ان تخرجي . _لا يمكنني ذلك . _اذن احظر اليك . _لاتكن مخبولا! _واذا؟ وفكرت راشيل في يأس : _هل انت في الفراش ؟ _لا ,ولكن هل لذلك اي دخل في الموضوع ؟ _نعم ,لانني عندئذ لن احضر . وكان جويل يبدو ساخطا وقال : _حسنا ,لست في الفراش ,وفضلا عن ذلك هيرون هنا . _وكيف اعرف ؟ _هل تريدين التحدث اليه ؟ _لا ! ونظرت مرة اخرى الى مديرة المنزل : _وماذا عن اريكا ؟ _اتركي لي اريكا ياراشيل ! _حسنا . كان يسعدها ان تخرج من الشقه ,وكان جويل مريضا وليس هناك ما يخيفها .واعادت راشيل السماعه الى مكانها ,وكادت تخرج عن صوابها عندما رن الجرس فجأة للمرة الثانيه ورفعت السماعه ,وقالت : _نعم ؟ _راشيل ؟ كان الصوت صوت جيمس ,وواصل الكلام يقول : _اين كنت اذا ؟... _ماذا تعني ؟ _مضى وقت طويل وانا احاول الاتصال .وفي هذا المساء اتصلت مرة فلم يجبني احد ,وفي المرة الثانيه كان الخط مشغولا ,ما الذي يحدث ؟ _لاشيء ياجيمس !في الليله الفائته ..سارة وانا خرجنا لفترة .ولكنا عدنا بعد الثامنه بقليل . _كان لدي اجتماع في الليله الفائته ..ولم استطع الاتصال بعد السابعه والنصف .وعندما انتهى الاجتماع ظننت انك في الفراش . _افهم . وبلعت ريقها بشئ من التشنج واضافت : -اسفه . _واين كنت الليله ؟ _كنت في صحبة سارة الى المستشفى _اليست السيدة تالبوت عندك ؟لماذا لم تجب ؟ وتنهدت راشيل : _حضرت متأخرة ,اسفه اذا كنت قد امضيت وقتا فيه شئ من الاحباط . _وانا ايضا اسف ,ولكن منذ لحظه كان الهاتف مشغولا ,مع من كنت تتحادثين ؟ وتعثرت الكلمات في حلقها ,وصاح : _ماذا حدث ؟ الاتريدين ان تتكلمي ؟ وعرفت راشيل ان عليها ان تخبره ,وصاحت : _لقد كان المتحدث جويل ,اذا كنت تصر على ان تعرف . وقال باقتضاب : _ماذا كان يريد ؟ _اوه .كذا , وكذا . _هذه ليست اجابه ,ياراشيل ! _انه يريد ان يراني . _لماذا ؟ _ليتحدث عن سارة ,على ما اعتقد . _هل عرف بحالتها المرضيه ؟ _نعم ! _انا سعيد بأمانتك في هذا الخصوص ,لانني تحدثت مع جويل بنفسي واعرف انه علم بكل شئ. _افهم . ولماذا اخبرته ؟ _هو اكتشف ذلك . _من سارة ؟عندما اخذها الى مسكنه ؟ ونطقت راشيل ,وهي تلهث : من خلال ...الحديث _اعرف كل شيء ياراشيل ...ولاجدوى من الكذب علي .لا اكذب عليك _ _من الافضل الاتفعلي ذلك . _ما الحكايه ياجيمس؟لماذا تتحدث بهذه الطريقه ؟ _اريد ان اعرف ما كان يقوله جويل ,وكيف سيكون تصرفك عندما يتم كل شيء ؟ _ماذا تعني ؟ _لابد انك تعرفين ان جويل يريد ان يتبنى الطفله ! _يتبنى سارة ؟انا لا اعرف ذلك . _ربما يكون ذلك مايريد ان يتحدث اليك عنه . ومسحت راشيل بيد مضطربه على وجنتها ,وقالت : _ولكن . _لم يكن يجب ان تخبريه انها ابنته . _ربما لم يكن يجوز لي ذلك . -هل تريدين ان يأخذ الطفلة منك ؟ وكادت تختنق وهي تقول : _تعرف انني لا اريد ذلك .انني احب سارة ياجيمس ! _اعرف انك تحبينها ,ولكن من الامانه ان تعرفي كيف يفكر جويل . _حسنا ...لاتشغل بالك ياجيمس ! لن يأخذ سارة .سوف تجري العمليه كما اتفقنا ,سوف نتزوج بمجرد ان تشفى . وساد الصمت لحظه ,ثم قال جيمس : _كنت افكر في ذلك ,ياراشيل ,اقصد في زواجنا ,الاتظنين انه من الافضل ان نتزوج قبل ان تتم عملية نقل الكليه لسارة ؟ _قبل ؟ _نعم قبل .لو اننا تزوجنا ياراشيل ,لكان لي الحق الشرعي في تبني سارة باعتبارها طفلتي . وضغطت راشيل بيدها على معدتها المضطربه ,وقالت : _لا اعرف ياجيمس! _ولم لا ؟ما الفارق ؟ فبعد ان نتزوج ادخل المستشفى واجد انا وسارة العلاج اللازم ,وبعدها لن يوجد شئ يؤخر اقامتنا في هذا البلد . لم تكن راشيل تعرف كيف تجيبه ,كان رأسها يدور ,وكانت في حالة من الاضطراب والقلق ,وقالت : _جيمس لابد ان افكر . _تفكرين .لماذا ؟هل كنت تنوين ان تغيري رأيك ؟ وانفعلت راشيل بغضب وقالت : _لا ! انا لا افعل ذلك . _حسنا . _اوه جيمس ! اعطني يومين لأقلب الموضوع على وجوهه ,لم اكن اتوقع ذلك بهذه الطريقه المفاجئه ... وسكتت ,ثم قال : _سوف اعود خلال ايام ثلاثه ,ياراشيل ,هل يمكنك ان تعطيني رأيك عندئذ؟ وزفرت راشيل زفرة تعبر عن الارتياح وقالت : _اوه ,نعم ....ارجو الا تكون غاضبا ياجيمس! ورد جيمس بأزدراء : _لست غاضبا .لا ,ولكن اشعر بشيء من خيبة الامل ,ارجو ان تتذكري انك تستفيدين من هذا ...فعندما تصبحين زوجتي لن يستطيع انسان ان يأخذ سارة منك . عندما وضعت السماعه ,التفتت راشيل الى مديرة المنزل ,وقالت : _سوف اخرج لبعض الوقت ,ياسيدة تالبوت . وبدا على السيدة تالبوت شيء من الدهشه ,وقالت : _تخرجين ؟ياسيدة غليمور ؟ واومأت راشيل بالايجاب وقالت : _نعم ويعرف السيد كنغدوم بذلك . واخذت تحاسب نفسها لماذا قالت هذا ,لم تكن طفله صغيره لتحتاج ان تفسر حركاتها ,وخشيت ان يكون الدور المرسوم لها في المستقبل ان تحاول دائما ان تجد الاعذار لتصرفاتها . _حسنا ..اذا كنت واثقه من ذلك ياسيدة غليمور !ولكن الساعة الان بعد التاسعه . _اعرف ! واتجهت راشيل الى حجرتها ,ولبست سترتها الجلديه ,ولم تكن القميص الزرقاء كافيه لوقايتها من البرد ولكنها كانت تنوي ان تأخذ سيارة اجرة عند نهاية الممر ,وانزلتها السيارة امام المبنى وحملها المصعد الى الشقه ,وضغطت على الجرس وانتظرت .لم يكن هيرون هو الذي فتح لها الباب ولكنه جويل بنفسه .كان يقف بأدب الى الداخل عندما رأها ,وقال : _الا تدخلين ؟ ورفعت راشيل بصرها في شيء من الشك ,كان قدر كبير من الارهاق قد زال عن وجهه ,وكانت عيناه فقط تعكسان قسوة الالم الذي يعانيه .ولكن من الواضح انه شفي بالفعل ,وعلقت ببساطه ,وهي تتوقف على الدرج الهابط الى الغرفه : _الحمد لله انك احسن . كانت الغرفه مضاءة بالمصباح ,والستائر قد ازيحت لتكشف عن المنظر الشامل العريض لاضواء لندن ,وواصلت راشيل : _لماذا لم تقل لي ذلك ؟واذن كان من الممكن ان نتقابل في مكان اخر . ورد جويل وهو يهبط الدرج برشاقه امامها : _ولم ذلك ؟ان هذا المكان ليس اقل بهاء من اي مكان اخر ,اخلعي معطفك ,وتعالي نجلس ,ماذا تشربين ؟ هزت راشيل رأسها ,وقالت : ما الذي تريد ان تقوله لي ؟ لننته من هذا اولا ! احضر عربة المشروبات محمله بالزجاجات والكؤوس وقال في صوت هادئ : _انا وانت وحدنا هنا ,ياراشيل ولا داعي للعجله . واتسعت عينا راشيل ونظرت تجاه الباب ,وقالت : _اخبرتني ان هيرون هنا . وتنهد جويل وقال : _حسنا ,انه في غرفته ,المهم اننا وحدنا ,هل يرضيك ذلك ؟ وبقيت راشيل حيث كانت ,وقالت : _اعتقد انه لا طائل وراء هذا الكلام ياجويل ,طلبني ابوك بالهاتف واخبرني انه كان يحادثك . وحدق فيها بشيء من العبوس ,وقال : _راشيل ! استحلفك ان تأتي وتجلسي ,لن احاول ان اغويك ,او ارتكب شيئا من الاشياء التي قد يوحي بها اليك تفكيرك ,اريد ان اتحدث اليك . واسرعت انفاسها ,وقالت : _عن اي شيء ؟ _تعالي واجلسي اولا . وهبطت راشيل الدرج وجلست على طرف الاريكه ,ولم تكن قد خلعت معطفها ,وعندما قدم لها كأسا به سائل عديم اللون ,اخرجت يدها من جيبها ,لتتناول الكأس وسألت : _ماهذا ؟ _عصير ! قالت وهي تتناول الكأس : _اشكرك . وعاد جويل ليجلس الى جوارها على الاريكه وقد اقترب منها بدرجه كانت تخشاها ,وقال : _والان ,ماذا قال لك ابي ؟ هزت راشيل كتفيها في شيء من الارتباك ,وقالت : _فقط ...انك تحادثت معه ... كانت ملامح جويل تعكس الشعور بالمراره وقال : _فقط ذلك ,ولا شيء اخر ,هل طلبك بالهاتف ليقول لك انه كان يحادثني . وامتقعت بشرتها ,وقالت : _لا ! كان لديه كلام اخر . _مثل ماذا ؟ _لا يحق لي ان اخبرك به . وبدت في صوته نغمة من الاحتقار ,وهو يقول : _وهل اخبرك انني تحدثت مع الجراح الذي سوف يجري العمليه ؟ وهزت راشيل رأسها وقالت : _لا ! لماذا تحدثت الى الدكتور لوريمر ؟ _كنت اريد ان اعرف الحقائق . وصار يمعن النظر الى السائل في كأسه ,وقال : _هل تعرفين ,انها لن تنجح ؟ واحست راشيل بتقلص في عضلات معدتها وقالت : _ماهي التي لن تنجح ؟ _عملية زرع الكليه ,انا لا احبها . _ماهي تلك التي لا تحبها ؟ وصار وجه راشيل اكثر شحوبا الان وتنهد وقال : _لاتنشغلي هكذا ,لو ان بامكان اي شخص ان يجري هذه العمليه فسوف يكون لوريمر ,ولكن المسأله ليست هكذا ,المهم النتائج التي تتبع ذلك . حدقت راشيل فيه وقالت : _ماذا تعني ؟ وهز جويل رأسه ,وقال : _سارة مازالت طفله . _ولكن ذلك لن يغير من الموضوع شيئا . _دعيني اتم ...سارة مازالت طفله ,ونظرا لانها تعاني من هذه الحاله لفترة طويله وتسببت في اعاقة نموها الجسمي قليلا ولحسن الحظ فان الاثار مازالت بسيطه ,ولكن اذا حدث زرع كلية شخص بالغ ,فسوف تحتاج الى نوع من العقاقير المثبطه لطرد الجسم لاي عضو غريب كي تبقى على قيد الحياة ,وانت تعرفين ماتصنعه هذه الادويه المثبطه ,انها تعوق النمو . واصابت راشيل قشعريره ,وقالت : _انا لا اصدقك ,قال الدكتور لوريمر ان هناك فرصه كامله لنجاح العمليه . _وسوف تنجح العمليه من الناحيه الفنيه ,ولكن اطلبي لوريمر على الهاتف اذا كنت لا تصدقين ما اقول ,واطلبي منه ان يشرح الموقف ,اعتقد ان اهتمامك الاول موجها لان تظل سارة على قيد الحياة بعد العمليه ,ولا اعتقد انك فكرت فيما بعد ذلك . _انك تنسى ان سارة لايمكن ان تعيش على الكلية الصناعيه طوال حياتها ,انني اريد لها الفرصة لكي تعيش حياة عاديه . _وان مثلك . _اذن لماذا تحاول ان تخيفني وتقنعني بالغاء فكرة زرع الكلية ؟ _انني لا احاول ان اخيفك ,ياراشيل ! كل ما اقترحه هو الا تتعجلي ذلك ,لقد تعودت سارة على جهاز الكليه الصناعيه ...وربما يكون من الافضل ان تنتظري وتفكري ...راشيل ! انني اريد صالح الطفله ايضا وانت تفهمين ذلك . _حقا ؟ حقا تريد ذلك ؟ ووضعت راشيل الكأس التي كانت تمسك بها على منضدة مجاورة ,ونهضت ثم قالت : _لماذا ؟لماذا ؟لتحرمني منها ؟ _عم تتحدثين ؟ ونهض جويل ,ولكن راشيل ادارت ظهرها ,وهي تقول : _لا تحاول ان تنكر .اخبرني ابوك بما تسره . _وهو؟ وكان صوت جويل باردا للغايه .وانفرجت شفتا راشيل في شيء من المراره : _انك تريد ان تتبنى سارة .وهذا ما هددت به في البدايه ,يالك من شخص متغطرس . وشرب جويل مابقي في كأسه وسقطت الكأس الفارغه على السجادة ,وقال : _اذن هذا ماقاله لك ؟ _هل تنكره ؟ وهز جويل كتفيه : _وهل يغير شيئا من الواقع ...اذا ما انكرت ؟ _ماذا تعني ؟ وهز جويل رأسه ,وقال : _لا انكر انني اريد ان اتبنى سارة ... وقالت راشيل في شرود : _هذا خبال . _لماذا ؟ _لانك لاتشعر بأي حب تجاه الاطفال . _على العكس ,انني احب سارة كثيرا . _ولكنك كنت دائما تقول ... _انني اعرف ما كنت اقوله دائما ...ذلك انتهى ...لقد كنت ابله ياراشيل . وكانت تشعر بالصداع ,وصاحت : _لن اسمح بذلك . وبدت على وجهه علامات المرارة : لن تسمحي لي !كيف تمنعينني ؟ بالزواج من ابيك _ وسألها جويل باحتقار : _هل هذا هو ماقاله ؟ ولنفرض انه قال ذلك..... _ وهز رأسه ,وقال: _اوه ,ياراشيل ...من اذن هو الابله الان ؟ وردت في غضب وصدرها يرتفع ويهبط: _لا تجرؤ على تسميتي بلهاء! _انك تحبينني ...ليتك فقط تعترفين بذلك انت ؟ اخرجت ضحكة ساخرة _انني اكرهك وتصلبت اصابع جويل ,وقال: _انتبهي ,ياراشيل ...لاتغريني لافعل بك ماكنت اريد ان افعله منذ ست سنوات وخارت قواها ,وصارت تتوسل اليه ,وهي في حالة من الانهاك: _دعني اذهب ,ياجويل ...ارجوك ...لم يعد بوسعي ان اتحمل اكثر من ذلك كانت يدا جويل ترتعشان ,وانفاسه تختلط بانفاسها انني احبك ...دعيني احبك ياراشيل ,لا تتركيني ! _ وانتزعت نفسها ,وواجهته وهي ترتجف بطريقة افقدتها السيطرة على نفسها _اوه...نعم ...انت تريد ان تفعل ذلك .تريد ان تأخذ ما تريد لكي تحدث جيمس بفعلتك. واثارها بقوله: .راشيل ,انك تتحدثين لغوا .بحق الله دعيني اشرح _ ._لا اريد سماع اي شرح منك ...ياجويل راشيل ...تعالي الى هنا!_ وحاول ان يمسك بها ,ولكنها راوغته ,واسرعت تصعد الدرج ,وخرجت من الباب قبل ان يستطيع ان يوقفها ,وسمعته يجري خلفها ,وبدلا من ان تنتظر المصعد بدأت تجري هابطة الدرج ,تدور معه دورة بدوره .وتهبط معه طابقا وراء طابق ,كان رأسها يدور ,وساقاها تنضحان بالالم ,هل كان يجد في اثرها ؟هل اخذ المصعد ؟أيكون قد سبقها الى الطابق الارضي وبدا الدرج وكأنه لانهاية له ,ترى كم طابقا لايزال امامها ؟ولم تكن تقدر ان بأمكانها ان تواصل الخطو ,بدا الدرج وكأنه شيء غريب للغايه .لم تكن تتبين هل هي تتسلق درجات السلم او تهبط عليها ؟كانت ترى هذه الدرجات صاعدة اليها .ومدت قدمها لتصعد الدرجه الاولى ,ولكن لم يكن هناك شيء ,وزلت قدمها ,وهوت ,وصارت تهوي ...واصطدم ذراعاها وساقاها ...اواه...يا للألم ...وراحت في نوبة من الاغماء.
الفصل العاشر:
10-كلية من في جسم سارة؟
فتحت راشيل جفنيها على ضوء ساطع و لم تكن تعلم أين هي؟ كان السقف فوقها بسيطا و مطليا بطلاء أبيض بل كان اللون الأبيض ينتشر في كل مكان.و كان ذلك يؤذي عينيها، ونظرت بعينين طار فتين, و أحست بخفقات فوق حاجبيها و صداع و آلام عديدة تنتشر في كل جسمها...كانت ترقد في سرير ضيق كان الفراش محكما حولها بطريقة لم تتح لها حرية الحركة. و دب الذعر في نفسها...وقبل أن يتحول ذلك الذعر إلى صراخ ظهر وجه بينها و بين الحائط الأبيض اللامع الذي يمتد أمامها،كان صوتا نسائيا رقيقا يقول: "كيف حالك الآن سيدة غيلمور؟" حاولت راشيل أن تركز على الوجه المبتسم و لكن كان ذلك شيئا بالغ الصعوبة و لم تستطع أن تتعرف على ذلك الوجه بل أنها لم تعرف ماذا على رأس تلك المرأة؟طاقية...طاقية ممرضة!و صاحت بصوت يعبر عن الألم: " سارة! أين سارة؟" " سارة بخير تام...المهم أنت...إننا قلقون عليك أنت!" و أغلقت راشيل عينيها و غمرها للمرة الثانية نعاس عميق و صارت تردد في شيء من اليأس: " سارة...سارة..." وفتحت عينيها للمرة الثانية لم تكن الجدران تبدو كلها بيضاء و قطبت و هي تحاول أن تفكر..ماذا جاء بها إلى ذلك المكان؟ لماذا هي بالمستشفى؟ وسمعت صوتا يقول: " السيدة غيلمور؟" كان الصوت صوت رجل و كان الوجه يدل على أنه يميل إلى كبر السن، وبلعت راشيل ريقها و قالت: "ماذا أفعل هنا؟" و أشار الرجل الذي يلبس المعطف الأبيض إلى إحدى الممرضات من خلفه لتقطر سائلا بين شفتي راشيل كان السائل منعشا و كان مذاقه مقبولا. " و الآن يا سيدة غيلمور...لا أريدك أن تتكلمي...كل ما أرجوه هو أن تستريحي. " أين أنا الآن ؟" " أنت في المستشفى يا عزيزتي...ألا تذكرين أنك سقطت على الدرج...إلى الدور الأرضي." و قطبت حاجبيها و تنشقت نفسا مضطربا و تذكرت جويل...مسكين جويل و أخذت تنطق بصوت باهت: " سارة؟" " سارة بخير" " أريد أن أراها" "لا داعي لأن تثيري أعصابك يا سيدة غيلمور" قالها الرجل بحزم و هو ينحني على الفراش ليمسك بمعصمها: " غير مسموح لأحد بزيارتك الآن سوف ترين سارة في الوقت المناسب. " سارة من يرعاها؟" "لقد فهمت أن أباها يتحمل المسؤولية" ولكن راشيل لم تكن تسمع.وحاولت أن تتحرك، ولكنها لم تستطع و بكت.كان الألم في رأسها يزداد حدة، أوه يا الله لماذا لا تستطيع الحركة ؟ هل أصابها الشلل؟ كان عليها أن تفكر..و تفكر..وتفكر، ولكن التفكير كان مؤلما للغاية..كان وجه الرجل غامضا...و كانت لا ترى من بعد إلا الظلام الحالك و أصبح عليها أن تسأل..وومضت عيناها...تذكرت أن هناك شخصا يجلس إلى جانب الفراش.أيمكن أن يحدث هذا ...أين إذن ذهب الرجل ذو المعطف؟ و الممرضة؟ و الرجل الذي يجلس إلى جانب الفراش لم يكن يلبس معطفا أبيض ،بل قميصا و سترة جلدية. و كان يجلس في وضع يدل على الإعياء الكامل. و أحست بأصابعها بين أصابعه...و حاولت من باب التجربة أن تحرك أصابعها..و غمرها شعور بالشكر حين نجحت. و انتبه الرجل على الحركة و رفع رأسه يستطلع حالها.كان الرجل هو جويل، و عرفت ذلك في الحال رغم أنه كان يبدو مكتئبا أضناه التعب و أهمل لحيته فبدأت تطول و نظرت بعينين طار فتين من جديد .كان الضوء الوحيد في الغرفة يأتي من مصباح إلى جانب الفراش.و كان الظلام قد ساد ثانية لا بد أنها نامت طوال النهار. قال و هو يتنفس باضطراب: " راشيل, راشيل هل أنت صاحية؟" " أ...اعتقد ذلك" " جويل..أين سارة؟" و أخذ يدها بين يديه و قال يوجه إليها بعض النصيحة: " سارة تجد الرعاية الكاملة كل ما ينبغي أن تفكري فيه هو أن تتحسني أنت." " متى أراها؟" " في القريب العاجل.." و تململت و أحست بشيء ملفوف حول رأسها و قطبت حاجبيها و رفعت ذراعها الطليق و صارت تتحسس رأسها.كان ملفوفا في الضمادات و لم تجد أثرا للشعر الذي كان يتهدل طليقا حول كتفيها و أحست بما تعرضت له فروة رأسها من إصابة و اتجهت في ذعر صوب جويل: "لماذا؟ لماذا هذه الضمادات؟" و سألها و هو يهز رأسه بينما عيناه تعبران عن التأثر البالغ: " ألا تذكرين ؟" " أعرف..أنني سقطت إلى الدور الأرضي..و أتذكر أنني أصبت في ذراعي و ساقي." ورفع يدها إلى شفتيه و قال: " كانت غلطتي..كنت تهربين مني...أوه يا راشيل كدت أجن طوال هذه الأيام الماضية..."وحاولت راشيل أن تستوضح: " الأيام الماضية ماذا تقصد؟" "راشيل..مضى عليك و أنت راقدة هنا حوالي الأسبوع." " أسبوع!ولكن.....ولكن" و مد جويل يده و حاول أن يربت على شفتيها بأصبعه: " لا تحاولي أن تتكلمي..لا بد أن اخبرهم بأنك صحوت.."وحاول أن ينهض لكن راشيل أمسكت بيده بإحكام: " ليس بعد..يا جويل!أرجوك أن توضح لي..كيف أمضيت هنا هذه المدة الطويلة؟ إنني لا أتذكر!" و تنهد وهو يغوص في مقعده و قال: " كنت مصابة بالإغماء لعدة أيام يا راشيل..ثم..أجريت لك عملية جراحية." " رأسي ! أجريت لي عملية جراحية في رأسي ؟ هل حلقوا شعري؟" كان الحزن قد بدأ يجثم عليها و لكنه أخذ يهدئ من روعها و قال لها : " اسمحي لي بأن أنادي الطبيب يا راشيل." و قالت و صوتها يجهش بالكلمات: " لا حلقوا شعر رأسي ؟أجبني ! حلقوه؟" " كان عليهم أن يفعلوا ذلك يا راشيل ! كان هنالك نزيف بالداخل و لكنك سوف تتحسنين و سوف ينمو شعرك من جديد و يعود جميلا كما كان." وانهمرت الدموع على وجنتيها و ذهب يطلب العون و المساعدة و عندما ظهر الطبيب و الممرضة الراهبة لم يكن جويل في رفقتهما. و خلال الربع و العشرين ساعة التالية اقتنعت راشيل بأنها نجت من الموت بأعجوبة و أن الرأس الحليق كان ثمنا تافها دفعته إذا ما قورن بالشلل الذي يمكن أن يسببه نزيف المخ كانت تشعر بهزال كبير و كانت فاترة الهمة و سألت عن سارة و متى يمكن أن تراها و أين تقيم؟ و لكن الإجابات التي كانت تتلقاها كانت إجابات غامضة.و مضى يومان آخران حدث فيهما تغيير كبير...كانت قد بدأت تأكل القليل من الطعام...واستطاعت أن تتكلم بدون أن يعود عليها ذلك بالإجهاد...وبدأت تستند إلى الوسائد لتتمتع ناظريها بحدائق المستشفى من خلال النوافذ العالية..وسألت الطبيب الذي جاء ليفحصها: " متى أستطيع أن أرى سارة؟" و نظر إليها بشيء من التفكير قبل أن يجيب : " لا تستطعين أن تريها الآن بعد يا سيدة غيلمور..لأن سارة في المستشفى أيضا...هي الأخرى.." "تقصد أنها تحصل على جلسة العلاج بجهاز الكلية الصناعية؟" " لا ليست في علاج ولكن أجريت لها العملية التي أردت أن تجرى لها." " ماذا تقول ؟" " أجريت لسارة عملية نقل الكلية منذ أسبوع و أعتقد أن العملية نجحت تماما." " منذ أسبوع؟" "و الآن أرجو ألا تجزعي بخصوصها لاشيء يدعو إلى القلق إنها في أيد متخصصة أمينة." " و لكن...كيف أمكن أن تجرى لها العملية دون وجودي ؟من أعطاهم الإذن بذلك؟" " إنني أعرف انه في ظروف خاصة عندما يكون هناك إذن مسبق بأنه يسمح بإجراء العملية ثم أليس لأبيها هذا الحق ؟" و أدارت راشيل وجهها إلى الوسادة و قالت في صوت مختنق: "إذن عاد السيد كنغدوم من ألمانيا" "كنغدوم ...لم اكن اعرف السيد كنغدوم ذهب الى المانيا ...." و استدارت راشيل و تنهدت...كان بالطبع يظن أنها تقصد جويل كنغدوم و قالت بعبوس : " لا يهم.."وبدأت تفكر فيما قد يعنيه ذلك بالنسبة إلى سارة"..و ماذا تقول ؟ إيه..العملية كانت ناجحة ؟ لا أكاد أصدق ذلك" و ابتسم الطبيب و قال : " هذا شيء طبيعي..إنني أفهم شعورك.ولكن أحيانا يكون من الأفضل أن يتم التصرف بهذه الطريقة..حسب اللحظة ،هكذا.كانت ابنتك سعيدة الحظ للغاية، أمامها الفرصة الآن لتستمتع بحياة عادية تماما." " نعم." و زمت راشيل شفتيها: " و أخيرا تمت العملية!" و استطاعت أن تخمن من الذي كان وراء ذلك ؟ جيمس كنغدوم، أجريت لها بالفعل عملية نقل الكلية و كانت في طريقها للشفاء.بل لقد نجحت العملية و أكد الطبيب ذلك،و من المؤكد أن جيمس الآن سوف يتخذ الإجراءات الكفيلة بألا يجد جويل أية فرصة للمطالبة بابنته.و خلال الأيام التالية كانت تتوقع أن يتصل بها جويل بطريقة ما فمن المؤكد أنه كان يعرف مشاعرها نحو سارة و ربما يشعر بالشفقة اتجاهها و يأتي ليخبرها بحقيقة حال سارة و كيف كان رد فعلها لهذا الفراق الذي طال على غيبتها عن أمها و لكنه لم يظهر و دهشت عندما وجدت أن أول من حضر لزيارتها كان أريكا غراي..كانت تلبس بذلة ضيقة من "الكريب" الأسود و كانت تحمل معها باقة من الورد و القرنفل و كانت أريكا تحس بحرارة عنكبوت كبير جائع و قالت: "أهلا...يا راشيل." ووضعت باقة الزهور على الفراش و قالت: " كيف حالك؟" و أومأت راشيل إلى الممرضة التي صحبت الزائرة إيماءة طفيفة بالانصراف و هي تقول: " إنني أتماثل للشفاء شكرا،لماذا حضرت يا أريكا؟" و رفعت أريكا حاجبيها القاتمين و قالت: " هل بإمكاني أن اجلس؟" " إذا كان ذلك أمرا ضروريا.إذن اجلسي." و جلست أريكا باسترخاء و قالت: "ينبغي أن أقول لك إن جويل هو الذي طلب مني أن أحضر." و توترت أعصاب راشيل و قالت: "آوه صحيح؟" و ردت أريكا و هي تمسح على التنورة بيدها التي تلبس القفاز: " نعم....لقد شغل بالعمل كما تعرفين و لكنه أراد أن يخبرك بأنا لم ننسك أو ننس سارة." و لم تستطع راشيل أن تكبح جماح استجابة خرجت بطريقة آلية و قالت: " و سارة؟" " نعم سارة أنت تعرفين بالطبع أن العملية أجريت لها." " بالطبع" " رتب لها جويل كل شيء" " جويل ؟" " لماذا؟نعم! ألا تعرفين؟" " لا..." و صارت راشيل تندف بعصبية في غطاء السرير: . "هل رايتها ؟!" " بالطبع! أن جويل يراها كل يوم و أنا اذهب معه كلما استطعت ذلك." ووضعت يدها على فمها كأنها ندمت على ما قالت، وأكملت: " جويل يحرص على أن يرى ابنته، ولكن بالنسبة إليك فالامر مختلف.." " لماذا جئت يا آنسة غراي؟ ما الذي تحاولين أن تقوليه لي ؟" " قلت لك إن جويل طلب مني المجيء" " لماذا؟ لأنه يعرف أنني لا أهتم إذا حضر..أو لم يحضر!" كانت عينا أريكا تحاولان أن تسبر مشاعر راشيل، وقالت: "آه، ولكن هل تعنين ذلك حقا ؟ أنا و أنت نفهم ذلك بطريقة أصدق يا سيدة غيلمور..أليس كذلك؟" " لا أفهم ماذا تعنين ..؟" - أعتقد أنك تفهمين...يمكنك أن تحاولي أن تقنعي نفسك بأنك لا تكترثين و لكنك لا تستطعين الاقتناع بذلك...إنك تعرفين أنني و أنت نعاني من المرض نفسه.وأنا اعرف الأعراض.." و تنشقت راشيل نفسا عميق و قالت: " إنك مخطئة يا آنسة غراي إنني لا أشعر اتجاه جويل إلا بالاحتقار أما أنت...فهنيئا لك به." و جعلت أريكا أطراف أصابعها تتلامس مع بعضها البعض و قالت: " و سارة؟" " و ماذا بالنسبة لسارة؟" " إنك تريدين أن تحتفظي بها ؟" "بالطبع !" " إذا تزوجي جيمس كنغدوم يا سيدة غيلمور..... قبل أن تفقديها تماما." صات راشيل تحدق فيها بدهشة و قالت : " و ماذا يهمك في ذلك؟" " ألا تفهمين ؟ أنا لا أهتم بالأطفال يا سيدة غيلمور...ولذلك فإن مجرد التفكير في أنني أرعى طفلة في مرضها أو صحتها شيء لا يروق لي...و إذا كان جويل مصمما على أن يتبنى سارة.." و مالت برأسها جانبا وواصلت: " لعلك تفهمين؟!" " و لكنه لن يتبنى سارة ! و لن يستطيع ذلك !" " أنا غير متأكدة من ذلك و من الواضح أن سارة تهتم بجويل و هو مهتم بها كذلك." و طأطأت راشيل رأسها و قالت: " إن تبني جويل لسارة مسألة غير مطروحة...سوف أتزوج جيمس حالما يشفى و يستطيع الحركة ثانية." و ظهر على أريكا بعض الاضطراب و قالت: " جيمس ! يشفى و يستطيع الحركة ثانية ؟ عن أي شيء تتحدثين؟" و أسندت راشيل نفسها إلى الخلف على الوسادة و تمنت أن لو انصرفت أريكا و تركتها وحيدة كان ما يحدث فوق طاقتها و لا بد أن بشرتها شحبت بعض الشيء فقد انتصبت أريكا في جلستها و قالت : " راشيل ! راشيل ! هل أنت بخير ؟" و عندها أفاقت راشيل تنهدت الراهبة ثوماس بقلق و قالت : "قلت للممرضة هاربر بألا تسمح للآنسة غراي بأن تطول زيارتها لأكثر من خمس دقائق...كيف تشعرين الآن" وضعت راشيل يدها على جبهتها و قالت : " أشعر بدوار بسيط.." " لو كنت أعلم أن الآنسة غراي ستسبب لك هذا الضيق لما سمحت لها على الإطلاق بزيارتك." وحاولت راشيل بشيء من الجهد أن تنظر حولها و هي تقول: " الآنسة غراي...أين هي؟" " انصرفت و لكنها تركت لك هذه.." ووضعت أمامها باقة ورد و قرنفل و قالت: " سأطلب إلى الممرضة أن تضعها في الماء." و ردت راشيل على الفور: " لا.. لا..لا تفعلي أيتها الراهبة !خذيها بعيدا أعطيها لشخص آخر و احتفظي بها إذا أردت...أنا لا أريدها". و قطبت الراهبة ثوماس و قالت في شيء من الشك : " أعتقد أن الآنسة غراي قالت إنها صديقة لك ؟" و تململت راشيل عندما أحست أن حالة الدوار قد بدأت تزول عنها..وقالت: " علاقتي بها مجرد معرفة..لا أكثر من ذلك..لا أريد أن أراها ثانية." و في الأيام القليلة التالية تحسنت حالة راشيل الجسمية بمقدار ما ساءت حالتها النفسية.كانت يوميا تتوقع أن يزورها جيمس و كانت تشعر بالحنين لرؤية سارة و لكن مستشفى ليدي مارغريت حيث أجريت لها فيه عملية زرع الكلية كان يبعد عن مستشفى سانت ماثيوز بمسافة ما.و كان عليها أن تسلم بأنهما لن يتقابلا إلا بعد شفاء سارة.و عندما أحست بقدرتها على الإمساك بالقلم و الورق كتبت إلى ابنتها رسالة .و جاءها الرد على هيئة رسالة قصيرة كتبت بخط إحدى الممرضات على أغلب الظن : " عزيزتي ماما...أسفت عندما علمت أنك أيضا مريضة و أنني افتقدك كثيرا و لكن جويل زارني و أخبرني بأنك تتحسنين و جاء السيد كنغدوم ليزورني كذلك ولكنني..." أما بقية الجملة لم تكن واضحة و مع ذلك استطاعت ان تقرأ الكلمات "لا أحبه" و تنهدت لااشيل واصلت قراءة الرسالة: " لا أعتقد أنه في رقة جويل" و أيقنت راشيل أن سارة لن تتقبله وواصلت: "يقول الدكتور لوريمر إنني استطيع الخروج من المستشفى في القريب العاجل و عند ذلك سأحضر لأراك اقبلي مني المزيد من الحب سارة" و أحست راشيل بالدموع الساخنة خلف عينيها و هي تعيد قراءة الرسالة.وخطر لها : هل يمكن أن يكون جيمس أخبر سارة بشيء عن زواجهما القريب؟ ألهذا قالت سارة إنها لا تحبه؟ و أعادت راشيل الرسالة إلى المغلف..لو أن جيمس زار سارة فلا بد أنه آت قريبا. و في اليوم التالي في فترة ما بعد الظهر دخلت الراهبة ثوماس إلى حجرة راشيل و قد بدا عليها شيء من الاستغراق في التفكيرو قالت: " هناك زائر آخر سيدة غيلمور..هل تريدين مقابلته؟" " آوه نعم !إنه.." ووضعت يدها على رأسها المربوط بالضمادات و قالت: " هل أبدو في منظر غير مقبول؟" ولكن الراهبة ثوماس ابتسمت ابتسامة فيها شيء من اللوم. " أفهم من ذلك أنك تهتمين برأي السيد كينغدوم فيك و لا يمكن أن ألومك على ذلك فهو رجل جذاب و لقد شغل به كثير من الممرضات آخر مرة كان فيها هنا!" و بينما كانت الراهبة ثوماس تتجه إلى الباب نادتها راشيل: " انتظري! انتظري دقيقة...السيد كينغدوم هذا هل هو شاب صغير؟" و قطبت الراهبة ثوماس و قالت: " ألا تعرفين؟" " نعم !بالطبع و لكن هناك اثنان بالسم نفسه...هل أعطاك اسمه الأول؟" " لم يكن بحاجة إلى ذلك ..فأنا أعرفه بالفعل..إن جويل كينغدوم ليس مجهولا في الأوساط التي تقدر العمل الفني." " أوه ! أفهم الآن.لا أريد أن أراه...أرجوك أن تطلبي منه الانصراف." وقالت الراهبة ثوماس بدهشة: " أطلب إليه أن ينصرف يا سيدة غيلمور ؟ لكنه هو المسؤول عن إدخالك إلى المستشفى و عن توفير أقصى درجة من العناية لحالتك..إن الدكتور فريزر..هو أشهر أخصائي في الجراحة الداخلية للتجويف العظمي للرأس و كان يقيم في المستشفى ليل نهار حتى شفيت من العملية.ألا تشعرين بأنك مدينة له و هو الذي رتب كل شيء؟" "آسفة...و لكنني لا أود أن أراه." " و لكن يا سيدة غيلمور.." ورفعت راشيل بصرها إلى أعلى و قد ظهرت و حمرة على وجنتيها و لمعت عيناها و قالت: "هل أنا مضطرة لمقابلته؟ هل هذا شيء ملزم هنا؟" و تنهدت الممرضة و فالت: " و هو كذلك إذا لم تغيري رأيك." " لن أغير رأيي أرجو أن تخبريه أنني عارفة بالجميل لكل ما صنعه و لكن لا فائدة ليس بيننا ما يقوله أحدنا للآخر." كانت تظن أن جويل لن يقبل بذلك و انه ربما يغضب و يندفع إلى داخل الحجرة ليستطلع ما جري و لكنه لم يفعل و من جهة أخرى أحست بحاجة إلى البكاء.ووبخت نفسها، كان جويل قد أوضح موقفه تماما كان مصمما على أن يأخذ سارة منها و كان جيمس فقط هو الذي يقدم البديل.و حاول جويل في الأسبوع التالي ثلاث مرات أن يرى راشيل دون أن ينجح في ذلك.وكانت في كل مرة ترفض زياراته تحس كأنها ترفض جزءا منها و كانت لا تفكر في جويل إلا بوصفه الرجل الذي يريد أن يأخذ منها سارة...وكانت تحدث نفسها أن أي ارتباط وثيق بالرجل الذي أحبته بجنون والد طفلتها..كان من الممكن أن يؤدي إلى نتائج مدمرة.و مع ذلك فإنها لم تكف عن حبه.و خطر لها أنه كلما أسرع جيمس بالزواج منها و أبعدها عن فلك جويل كلما كان ذلك خيرا لها. و أحست بالارتياح الغامر عندما جاءت الراهبة ثوماس بعد ذلك بأيام لتعلن نبأ قدوم السيد جيمس كنغدوم لزيارتها.كانت قد غادرت الفراش لتجلس على الكرسي إلى جوار النافذة لتقضي بعض الوقت في القراءة و رفعت بصرها في فضول و هي تضع يدا مضطربة إلى ضمادتها و قالت: " سوف أراه ..دعيه يدخل." كان جيمس كما تعودت أن تراه لم يطرأ عليه أي تغير.كانت تتوقع أن ترى آثار العملية الجراحية بادية عليه و لكن لم يكن هناك أي أثر.و دلف إلى حجرتها ببطء و هو يبدي إعجابه بقامتها الرشيقة ورداؤها الأزرق الناعم.و كان يركز عينيه على وجهها الشاحب و قال: " حسنا يا راشيل ..ما الذي فعلته بنفسك؟" " و لم يحاول أن يقبلها و كانت مسرورة بذلك..و أشارت إلى الكرسي المقابل لها و طلبت منه أن يجلس...وجلس ..وصارت تتأمل الورود التي أحضرها و عبرت عن سرورها بها فقالت: " إنها جميلة!" كان جيمس ينظر إليها قي شيء من الغرابة و قال: "كيف حالك يا راشيل؟" . " أوه ! إنني بخير...أحسن بكثير وقال الدكتور فريزر إنه سيكون بوسعي مغادرة المستشفى خلال أيام قليلة." " صحيح ؟ و من الذي سوف يهتم بشؤونك؟" و احمر وجهها و قالت : " سأحاول.." "هل رأيت سارة؟" " لا، لكنني أتوقع أن أراها في القريب العاجل." سكت لحظة و قالت: " جيمس!لم أقدم لك الشكر بعد." " تشكرينني؟" " بالطبع!أقصد لما بذلته في إنجاز العملية الجراحية و آسفة لأن دخولي المستشفى أدى إلى تأجيل شيء آخر أليس كذلك؟" و ظل جيمس ينظر إليها بثبات لعدة دقائق و قال: " أنت لم تري جويل بعد؟" "لا !لم أره منذ تلك الليلة التي أجريت لي فيها العملية، وعلمت أنه هو الذي أحضرني هنا." " نعم! لقد فعل ذلك!" " ماذا كنت تفعلين و أنت تهبطين على عجل درج المبنى الذي يقيم فيه جويل؟" " ألم يخبرك هو بذلك ؟ أعتقد أنه لم يفعل أو انك لم تسأل؟وقع شجار حول رغبة جويل في أن يتبنى سارة." " و لا يزال ينوي ذلك.." " أعرف و لكنك لن تسمح الآن بأن يحدث شيء من ذلك أليس كذلك ياجيمس؟لقد وعدت بذلك!" و توقفت عن الكلام و بدأ جيمس كأنه يحس بشيء من تأنيب الضمير و قال: " هل تقصدين انك تريدين أن نتزوج بأسرع ما يمكن؟" و أومأت راشيل بالموافقة و قالت: " كان هذا ما اتفقنا عليه!" " فعلا!كان هذا ما اتفقنا عليه!" " إنني أريد أن يتم كل شيء لنضع حدا لهذا الموضوع...أريد أن يكون لسارة بيت صالح و أبوان صالحان..وبإمكانك أن توفر لها هذا يا جيمس"... و نهض جيمس على قدميه و أخذ يذرع الغرفة و هو مستغرق في التفكير : " أعتقد أنه من الممكن أن نتزوج هنا...في المستشفى..." "ومن الممكن أن تعد الترتيبات اللازمة..." عندئذ أخذت راشيل تتحسس شفتيها بأصبعها في شيء من التفكير و هي تقول: " في المستشفى؟و لكن مظهري سيء للغاية" و علق جيمس على ذلك: " أنا لا أرى غضاضة في ذلك" و حاولت راشيل أن تفكر بطريقة منطقية و ارتأت أنها إن تزوجت بجيمس فلن تكون هناك فرصة للعودة و كان الخاطر مزعجا و لكن لو أرادت أن تحتفظ بسارة.. "حسنا...إذا كان بإمكانك أن تفعل ذلك." و حاول جيمس تأكيد عزمه على التنفيذ في قليل من غطرسته المألوفة: " أوه سوف أفعل.." و سألته و هي تحاول أن تركز على الطفلة: " هل رأيت سارة؟" و أخذ جيمس يتفحصها عن كثب لعدة لحظات كأنه يريد أن يسبر دوافعها للسؤال و أجاب: " إنها بخير تام..وكان زرع الكلية ناجحا كبيرا......" كانت راشيل تشعر بالإنهاك و مع ذلك قالت: " إنني مبتهجة للغاية !هل هي حقا بخير؟متى تحضر لتراني؟" ونظر إليها جيمس مرة أخرى بإحدى نظراته الصارمة و هو يقول: " في القريب العاجل...سوف أعد الترتيبات اللازمة لكي تقيم السيدة تالبوت في الشقة و تعنى بها." " أوه !هل تفعل ذلك؟ إنه من حسن التدبير...و إذن فلا بأس أن أتحمل الانتظار.رغم أنه قد مضى وقت طويل لم أرها فيه..." وقال جيمس: " نعم !" و عاد إلى كرسيه و جلس ثانية و صار يتفرس فيها و قال: " راشيل! أريدك أن تعديني بشيء." و ردت و هي تنظر إليه في شيء من الشك: " و ما هو ؟" "أريد أن تعديني أنه إذا حاول جويل الاتصال بك فسوف تثابرين على رفضك لرؤيته." "حسنا إذا كان هذا قرارك." " إنه كذلك! أنا لا أريد أن يسبب لي المتاعب و أعتقد أنه فعل ما فيه الكفاية سواء في هذه المرة أو في المرات الأخرى.." . كان اليومان التاليان منهكين للأعصاب بدرجة بالغة....كانت في الأوقات تخشى أن يظهر جويل ليواجهها بنواياه و في أوقات أخرى تجد أنها تعاني من الضيق و الحيرة فهي تخشى أن تتأذى سارة نتيجة لإجبارها بالقوة على مفارقة الرجل الذي تعنى به - ربما كانت هي راشيل الإنسانة- الأنانية التي تنكر على ابنتها حقها في الاختيار بل كانت تخشى أن تختار سارة البقاء مع أبيها. و في اليوم التالي في فترة بعض الظهيرة جاءها زائر آخر كان الطبيب قد أزال لها الضمادات في اليوم السابق و لم يترك لها سوى شريط لاصق سميك فوق الجرح و كان شعرها النابت حديثا بزغبه الفضي قد بدأ يغطي فروة رأسها ووفرت لها المستشفى شعرا مستعارا يتناسب و لون شعرها و لكنها كانت حساسة اتجاه ذاتها بطريقة شديدة و لم تكن قد استجمعت بعد الشجاعة الكافية للبسه فوق رأسها...وكان تحس بأن الضمادات الملفوفة على رأسها أكثر قبولا من ذلك الشعر المستعار كانت الراهبة ثوماس تبدو مبتهجة عندما أخبرت راشيل بقدوم الزائر الجديد و أكدت لها في شيء من التسامح و هي تقدم لها الشعر المستعار و المرآة لترى صورتها و هي تلبسها: "إنه شخص أثق بأنك تتمنين رؤيته" و قامت راشيل بتثبيت الشعر المستعار و نظرت إلى نفسها في المرآة و سألت الممرضة من جديد " و من يكون؟أرجو ألا يكون جويل كنغدوم؟" و هزت الممرض رأسها وقالت: "لا، انتظري دقيقة!سوف احضرها لك!" وقبل أن تبدي راشيل أي معارضة بحجة أنها لم تعلن بعد عن موافقتها على رؤية الزائر خرجت الممرضة ثوماس و عادت بعد ثوان قليلة و معها جسم صغير يثب على الأرض في ثوب قطني خشن احمر اللون و قميص أبيض بسيط لها شعر قاتم ناعم يتمايل حول وجهها الصغير المضطرب...ولم تصدق عيناها و قالت : " سارة !" و أسرعت تحتضن ابنتها بين ذراعيها و هي تردد و الدموع في عينيها: "أوه!لا تعرفين كم أحس بالسعادة و أنا أراك الآن" ! و انسحبت الراهبة ثوماس بلباقة و بقيتا لعدة دقائق ملتصقتين.و أخيرا جذبت راشيل سارة نحو الكرسي و جلست ووضعت الطفلة على ركبتيها و قالت: " إنك على ما يرام! هل تحسين بأي الم؟" و أجابت سارة في شيء من اللامبالاة: "إنني بخير تام و لن أستعمل ذلك الجهاز بعد الآن." و حركت راشيل رأسها في استسلام و قالت: "لا..أفهم ذلك..أوه ..سارة..لقد افتقدتك كثيرا!" و قالت سارة و هي تربت بيدها على وجنة أمها: " و أنا أيضا..لقد كان كل شخص رقيقا معي للغاية...وجاءني العديد من الهدايا و اللعب.وأحضر لي جويل العديد من اللعب و كان يقول إن بعضها منك." "حقا؟" ترنح قلب راشيل و حاولت أن تسيطر على صوتها المرتعش و هي تضيف: " وهل رأيت العم جيمس كذلك؟" و جعدت سارة أنفها و قالت: "أوه!نعم و لكنه أخضر لي فقط علبة موسيقى من ألمانيا" " و لكن يا سارة نحن لا نحكم على الناس بما يحضرونه من الهدايا." " أعرف و لكن جويل يقول إنه يحبني..و يقول إنه يريد أن أكون فتاته الصغيرة." و تقلصت عضلات معدة راشيل بشكل سبب لها الألم و قالت: " و ماذا قال العم جيمس؟" "لا أتذكر...أنا لا أحب ذلك الرجل" . و هزت راشيل جسد سارة بعض الشيء و قالت: " سارة !أرجو ألا تقولي شيئا مثل هذا..وفضلا عن ذلك فإن العم جيمس لم يكن يستطيع أن يأتي ليزورك مثلما فعل جويل فقد كان هو الآخر بالمستشفى.أرجو أن تتذكري ذلك!" " لماذا ؟" " أنت تعرفين..فقد أعطاك العم جيمس إحدى كليتيه لتغذوا صحتك على ما يرام." " لا !هو لم يعطني شيئا.الذي أعطاني هو ذلك الولد الصغير... الذي مات !" ووقعت راشيل في حيرة كاملة: " ماذا تقصدين بالولد الصغير الذي مات؟" و هزت سارة رأسها و قالت: " الولد الذي صدمته سيارة...كانت حادثة مؤسفة للغاية...ولكن الدكتور لوريمر قال: الله هو الذي يحسم هذه الأمور!و ليس الإنسان!" لم تكن راشيل تفهم شيئا مما تقول و سألتها : "عم تتحدثين يا سارة؟" و زفرت سارة زفرة حارة تعبر عن الحنق و قالت: "يا ماما...ألا تفهمين؟ لقد شرحت لك...صدمت سيارة طفلا بالقرب من المستشفى في الليلة التي وقع لك فيها الحادث.و قال جويل:الأطباء كانوا يبحثون عنك في كل مكان ما عدا المستشفى!" وقهقهت سارة عندئذ و بدأت راشيل تدرك ما حدث و قالت: "تقصدين انك حصلت على إحدى كليتي هذا الولد الصغير؟" " هذا هو ما قلته بالضبط." مدت سارة أصبعها إلى أسفل ذقن راشيل تداعبها و أكملت: "ألم يخبرك جويل بذلك؟" و حولت راشيل بصرها بعيدا عن سارة و قالت: " لم أر جويل!" " لم تشاهديه؟و لكنه حضر لزيارتك؟كان يريد أن يخبرك عن عزمه في أن يجعلني فتاته الصغيرة." و أزاحت راشيل سارة عن ركبتيها و نهضت على قدميها في شيء من عدم الاتزان إذ بدأت فجأة تدرك مغزى أشياء عديدة...ما ذكرته أريكا من ان جويل هو الذي أعد الترتيبات الخاصة بزرع الكلية.اضطراب اريكا عند سماع راشيل تذكر عرضا بأن جيمس كان في المستشفى وفوق ذلك شك جيمس عندما حضر ليزورها أول مرة...ذلك الشك الذي زال عنه عندما أدرك أنها لا تعرف شيئا عن الحقيقة كاملة...اضطربت دقات قلبها...ألهذا اقترح عليها أن يتزوجا في الحال؟في المستشفى؟لا بد أن الأمر كان كذلك...و أكد لها ذلك أيضا حرصه على ألا ترى جويل؟و أخذت تلهث بعمق كان الذعر يعتمل في نفسها كأنه قوة دافعة..لو أن سارة لم تحضر إليها...ولو أنها لم تعرف الحقيقة.لتزوجت جيمس دون مقابل...ولكن ألم يكن في ذلك شيء من القسوة على جيمس؟لم يكن الذنب ذنبه عندما أتيح لسارة أن تحصل على كليتها من شخص آخر!كان على استعداد لأن ينجز ما تعهد به من ترتيبات!و لكن الترتيبات لم تكن لازمة الآن!أم انها كانت لازمة! و ضغطت راحتيها على وجنتها ماذا كان تأثير ذلك كله عليها! كان جويل لا يزال ينتظر و كانت رغبته في تبني سارة لا تزال ترفرف فوق رأسها بل كان ذلك واضحا في كل ما قالته سارة منذ دخلت الغرفة و كانت لا تزال أمامها الفرصة لتتزوج جيمس لو أرادت الاحتفاظ بالطفلة! ولكن هل كان بإمكانها أن تفعل ذلك؟ليس لمجرد أنها لا تحب جيمس...لو أنها لم تكن تحب رجلا آخر لكان الامر سهلا.فهو مقبول في بعض جوانب شخصيته رغم قسوته و ربما عاشا في سعادة كاملة.و لكن كان عليها أن تفكر في سارة.إذ لم تعد صاحبة الحق المطلق في الاستئثار بعواطف الطفلة. كانت سارة خلال ذلك تشد بقوة في ردائها و هي تقول: "ماما...ما الخبر؟" والتفتت راشيل إليها في الحال و قالت و هي تجذبها اتجاه الكرسي من جديد: " لا شيء يا حبيبتي...تعالي و اجلسي يا سارة.لدي ما أقوله لك.لابد أن اشرح لك شيئا." " ماذا؟يبدو عليك السخط هل أنت غاضبة مني" "غاضبة منك!بالطبع لا" و عانقتها و قالت: " لست غاضبة...أنا التي أرجو ألا تغضبي مني" و عبست سارة و قالت: " و لماذا أغضب منك؟" " ماذا تقولين..إذا اعترفت لك بأن جويل هو أبوك فعلا؟" و لهثت سارة و قالت: " و لكن أبي مات!" "لا..لا..لا هو لم يمت...إنه حي" "- جويل؟" أومأت راشيل بالموافقة و انفرجت شفتا سارة في دهشة و قالت: "لا أكاد أصدق!هو أبي حقا؟و لكن كيف؟ولماذا؟و لماذا لا تعيشين معه إذن؟" " إنها قصة طويلة يا سارة!و لكنها ببساطة أن ماما و بابا وقع بينهما خلاف كبير و انفصلا.و أنت عشت معي أما جويل فعاش في لندن.." " و لكن أم يكن يحضر لزيارتك؟" و كزت راشيل شفتها فقد كان السؤال يبدو أكثر صعوبة مما ظنت و قالت: "لم يكن يستطع ذلك بل لم يكن يعرف شيئا عنك" " كيف؟" " أنت تعرفين من أين يأتي الأطفال؟أليس كذلك يا سارة؟رأيت النساء القرية عندما ينتظرن أطفالا" " نعم ...إن نمو الأطفال يحدث في بطون الأمهات" . " نعم..حسنا..و أنا لم أكن أعلم أنك في بطني إلا بعد أن انفصلنا أنا و أبوك. و أشرق وجه سارة و قالت: "إذن لم يكن يعرف شيئا عني؟حتى تقابلنا في الفترة الأخيرة" و بدت على وجه سارة ابتسامة و قالت بارتياح كبير: "و الآن يعرف ذلك و لهذا يريدا أن يجعل مني فتاته الصغيرة." " حسنا... نعم." و رفعت سارة كتفيها بنشوة كبيرة.و قالت في صوت فيه شيء من الاحترام: " أوه! يا له من شيء عظيم..و إذن نستطيع أن نذهب لنعش في ذلك البيت الجميل الذي يطل على مدينة لندن من جميع الجهات...هل تعرفين أن لديه غرفة كبيرة معظم جدرانها من الزجاج...و يقوم فيها برسم اللوحات." "يمكنك أن تذهبي للعيش معه إذا شئت حبيبتي..إنه يريدك.ولكنني لن أعيش معكما هناك." " و لما لا؟" " من الصعب أن تفهمي...ولكن حسنا.فأنا و جويل...لا نتفاهم سويا و كذلك فإن لديه اريكا." " أوه تلك المرأة، أنا لا أريد أن أعيش معها." وردت راشيل في ثبات: " سوف تعيشين مع جويل و سوف تكونين فتاته الصغيرة كما قلت.ألا تحبين ذلك؟" " بدونك؟أنا لا أريد أن أتركك" وتنهدت راشيل: " لا داعي أن تتخذي القرار الآن". و حبست الدموع الساخنة التي كانت تشتعل في عينها عندما لاحتلها فكرة،وقالت: " و كيف حضرت إلى هنا...إذن؟" و جذبت سارة كتفيها و قالت: "أحضرني الدكتور لوريمر." و زفرت و قالت: "إنه يريد أن يراك أيضا." "حقا؟" مدت راشيل يدها إلى شعرها و قالت: " أعتقد انه من الأفضل أن تطلبي منه الدخول." و لمست سارة شعر أمها قبل أن تنزل من فوق ركبتيها و قالت: "شعرك قد أصبح مختلفا لم يعد ناعما كما كان.أنا لا أحبه هكذا." و اصطنعت راشيل ابتسامة باهتة و قالت: " ولا أنا..إنه شعر مستعار..كان عليهم أن يحلقوا شعري لإجراء العملية" " تقصدين أنك.. صلعاء ".. كانت راشيل تود ألا تسمع كلمة بهذه القسوة و أومأت تقول: " يمكنك أن تقولي ذلك" " هل يمكنني أن أرى؟" " ليس الآن اذهبي و قولي للدكتور لوريمر إنني أحب أن أراه الآن." و أخذت الراهبة ثوماس سارة لشرب العصير بينما كان الجراح يتحدث إلى راشيل عن الآثار التي يمكن أن تتبع العملية و شرح لها نوع العلاج اللازم و تأكد من أنها فهمت تماما وواصل الحديث معها يقول: " كانت سارة سعيدة الحظ للغاية كما تعرفين يا سيدة غيلمور لقد كانت فكرة استزراع كلية شخص راشد تتطلب قدرا كبيرا من العلاج أما الآن فليس هناك ما يمنع على الإطلاق أن تحيا سارة حياة عادية تماما" " كان السيد كنغدوم..جويل كنغدوم..يقول أن العقاقير المثبطة لأجهزة طرد الكلية المأخوذة من جسم شخص راشد يمكن أن تؤثر على النمو الجسمي لسارة." "أعتقد أنه على صواب..وما زالت الأساليب الطبية المستخدمة في هذا الميدان محدودة نوعا ما و لكنها تتحسن...وعلي أن أوضح أن عملية زرع الكلية في الأطفال ما زالت في مرحلة المهد مع أذلك فإنها تبدو مجالا مثيرا". و سكت لحظة ثم قال: " كانت سارة تتقبل حياتها معنا على ما أعتقد رغم ما جعلناها تقيم فترة أطول بقليل من اللازم بعد الحادث الذي وقع لك حتى نتأكد من أن كل شيء سوف يسير فيما بعد ذلك على ما يرام." "الحقيقة إنني مدينة لك بالشكر و التقدير." و ابتسم الدكتور و هو يقول: " لا تذكري ذلك...سارة طفلة فاتنة" و نظر إلى وجنتي راشيل الشاحبتين و قال: " أعتقد أن هذه الزيارة طالت أكثر من اللازم.و هي الزيارة الأولى ويبدو أنك متوترة بعض الشيء يا سيدة غيلمور ! ولكن صدقيني ليس هناك ما يقلقك و جاء الوقت لكي تقولي وداع لسارة." و لكن كان ذلك موقفا مؤلما و أحست الصغيرة بالقلق الذي كان يعتريها و قالت و هي تهمس في شيء من الارتجاف: "لا تقلقي ماما لن أتركك.." كانت راشيل ترقد في تلك الليلة وحيدة في غرفتها..وساعد ذلك على إذكاء الوساوس و فكرت إن هي لم تتزوج جيمس كنغدوم فلن تكون قادرة بحال أن تقدم لسارة حياة تماثل ما يستطيع جويل أن يوفره لها.و لكن هل يكفي الحب لتعويض سارة عن ذلك؟ وبصفة خاصة أن جويل كان سيقدم لها الحب أيضا؟ و مع بزوغ الشمس وصلت إلى قرار كانت متعبة و لكنها كانت على شيء من العزم و التصميم.اقتنعت بأن وجودها بقرب سارة يمزق عاطفة الصغيرة فلا يمكن لها بل لن تستطيع أن تختار جويل...ووجدت أنه من الأنسب أن تختفي من الساحة و تتيح لجويل الفرصة مع الطفلة لكي يعوض عن السنين التي عاشتها مع أمها فقط...وربما تم اللقاء بينهم ذات يوم.وعندئذ تكون سارة قد كبرت فتقرر بنفسها و كادت ان تجهش بالبكاء عندما تخيلت أن شخصا آخر يعتني بشؤون سارة يبدل لها ملابسها و ينظم شعرها و يعاونها على النوم و يستمتع بالخصوصيات الدقيقة التي كانت تستمتع بها هي من قبل و صممت على أن تنفذ قرارها مدفوعة بنوع من الالتزام الخلقي سوف تنسى سارة التي ستندمج في حياتها بسرعة كما يفعل سائر الأطفال.وسوف يكون جويل معها ليعاونها و ليسري عنها و ليصطحبها معه أينما ذهب.سوف تنسى خبراتها المؤلمة في الماضي و سوف تستمتع بمستقبل مشرق ووضاء!
الفصل الحادي عشر :
11- الفرار المحال
لايزال هناك حاجز اخر ينبغي ان تتخطاه ,ذلك الحاجز هو جيمس كنغدوم ...وكانت راشيل تعلم ان عليها ان تواجهه ,وكان من حقه ان يعرف خططها للمستقبل .وعندما تستطيع ان تغادر المستشفى فسيكون عليها ان تتخذ الترتيبات اللازمه لكي تنتقل الى مكان اخر غير لندن . ومضى يومان اخران قبل ان يظهر جيمس .وجاءت سارة لتراها من جديد ,وكانت تصحبها في هذه المرة احدى الممرضات الشابات .واحست راشيل بالارتياح عندما رأتها في حالة صحيه طيبه .ولم تكن تكف عن الحديث حول ...كيف اصبح جويل اباها ...وعندما حان وقت الانصراف كانت اعصاب راشيل قد صارت مشدوده تماما . وفي الصباح التالي اخبرتها الراهبه ثوماس ان جيمس كنغدوم جاء ليزورها .وكانت راشيل نهضت من الفراش وعندما دخل جيمس اجفل لرؤيتها ,وقال : _سوف يسعدك ان تعلمي انني اتخذت كل الترتيبات ...وسوف نتزوج خلال يومين من الان . وعندئذ تحدثت راشيل : _اوه ! لا ,لن نفعل ذلك,يؤسفني ان الموقف تغير ,ياجميس . وحملق فيها جيمس : _ماذا تقولين ؟ماذا قال لك جويل ؟ _لم يخبرني بشيء. وتجعدت شفتاها : _لماذا فعلت ذلك ياجيمس ؟كيف خطر لك انه بأمكانك ان تمضي في هذا الامر الى اخره بدون ان تفكر في عواقبه ؟ وكان وجه جيمس يعكس الذعر الذي اصابه ,وتحدث في صخب وعنف : _انا لا اعرف عن اي شيء تتحدثين ؟ _اوه ...نعم ...انك لم تعط سارة احدى كليتيك ,بل كنت في المانيا عندما اجريت لها عملية استزراع الكليه ,والذي تدين له سارة بشفائها طفل مسكين توفي ... واحكم جيمس قبضة يده : _لم اقل انني شاركت في عملية نقل الكلية ...هل قلت لك ذلك ؟ _ولكنك لم تقل انك لم تشارك ,ولا تنسى ان جويل لايزال يطالب بتبني سارة . _اعرف ذلك . _وسوف اسمح له ان يفعل .لقد وقفت في طريقه بما فيه الكفايه ياجيمس ,بدون جدوى ! _راشيل ! انك لاتعرفين ما تقولين ! _بل اعرف. انني لا استطيع ان احرمه من ابنته اذا كان حقا يريدها .. _راشيل ,ان هذا جنون ! _منذ جاءت سارة لتزورني ياجيمس ... _سارة ! هل جاءت لتزورك ؟ واحس بأنه يترنح : _ولكن كيف ؟ان جويل في فرنسا ! كيف ؟كيف استطاعت اذن ؟ _لقد احضرها السيد لوريمر في اول مرة . _واذن هي التي ... _نعم ...كان ينبغي ان تدرك ذلك ...سارة تعرف جيدا كل مايدور حولها ... وصار جيمس يذرع الحجرة بشيء من القلق وقال : _لا استطيع ان اصدق ياراشيل ! هل فكرت فيما يمكن ان يحدث . _جويل يريد الطفله ,ويريد ان يتبناها ,ولكن اعتقد انه يدرك انها تشبهني الى حد كبير بحيث لايمكن ان يستعديها على امها .. وهز جيمس رأسه ,وقال : _سوف تندمين على ذلك .. وطأطأت راشيل رأسها ,وقالت : _من المحتمل ياجيمس .فذلك لم يكن قرارا سهلا ! وقد يعني انني اتركك ...ولكنك تركتني ايضا عندما حاولت ان تخفي عني الحقيقه ,زواجي بك قد ينفي اي حق قد يطالب به جويل ..ولكني لا استطيع ان افعل ذلك ! لا استطيع ! _سوف يذهب بها بعيدا . _قد يحدث ذلك بالفعل . _اشترى بيتا في فرنسا ,وينوي ان يعيش هناك ...وسوف يصفي عمله المربح هنا في لندن . وصاحت : _لاعلاقة لي بهذا ..واتمنى ان يعيش في سعادة كامله . وحدق جيمس فيها بوهن ,وقال : _يبدو انك عقدت العزم بالفعل على ذلك . _نعم .. _لعنة الله ... قالها جيمس واستدار صوب الباب ,وخرج من الحجرة .وغاصت في كرسيها تلتمس فيه الهدوء ,وكان كل مابقي هو ان تتحسن صحتها بدرجة تمكنها من ترك المستشفى لتحزم متاعها وترحل .ولم تكن تنوي ان تخبر سارة برحيلها ,وكان ذلك في رأيها السبيل الافضل ,لانها لم تكن قادرة على مواجهة مشهد الوداع الذي ربما يمزقها .وقررت ان تترك خطابا لجويل يستطيع من خلاله ان يشرح الموقف لابنته ,ابنته وليست ابنتها منذ ذلك الوقت فصاعدا . خرجت راشيل من المستشفى بعد ذلك بثلاثة ايام دون الحصول على موافقة الدكتور فريزر ,ورغم المعارضه الجديه من الراهبه ثوماس التي قالت : _لقد افلت من الموت بمعجزه ياسيدة غليمور ! الا ترين من المخاطره بصحتك الان شيئا من التهور . والتفتت اليها راشيل ,وهي تلبس سترتها ,وقالت : _اشكر اهتمامك ,ولكن لابد ان اخرج . _وماذا عن سارة ؟هل تعتقدين ان المخاطرة بصحتك شيء في صالحها ؟ وزمت راشيل شفتيها لتمنعهما من الارتعاش ,وقالت : _سارة ...اوه ...سوف تكون بخير ...وسوف تعيش مع ابيها . وبدا على الراهبه ثوماس شيء من عدم الارتياح ,وقالت : _سامحيني ,ياسيدة غليمور ,ولكن زوجك لم يحضر بتاتا ليعودك خلال المرض . _ليس لي زوج ...كان ما لي هو ابنة واحدة ,وكثير من الذكريات المؤلمه ... وترددت بعض الشيء ,وقالت : _والد سارة هو جويل كينغدوم ...والان هل تفهمين ؟ كانت الشقه باردة وموحشه عند عودتها ,ولكنها اشعلت المدفأة الكهربائيه حال عودتها ,وفتحت علبة حليب ,واعدت لنفسها فنجانا من الشاي ,كانت تنوي ان تقيم في الشقه ليلة واحده ,تقوم فيها بكتابة رسالتها الى جويل .وفي اليوم التالي ان تسحب نقودها من المصرف لتحجز تذكرة سفر الى مدينة اخرى . واحست بالانهاك بعد ما بذلته من جهد في صنع الشاي ,واضطرت ان تجلس لتستريح قبل ان تشرع في حزم متاعها .وفكرت انه سيكون عليها ان تحجز غرفة في احد الفنادق حتى تستعيد صحتها . وعندما دخلت مخدع سارة اخذت تتلفت حولها وقد استولى عليها يأس غامر ,كان كل مكان في الغرفه يذكرها بها .وادركت انها لن تكون قادرة على ان تصنع من حياتها شيئا على الاطلاق اذا ما استسلمت باستمرار للعواطف .واستراحت في فترة مابعد الظهر ,وعندما حل المساء احست بانها اصبحت قادره على حزم احدى الحقائب ,وفتحت ابواب خزانة الملابس ,وصارت تتفرس في صنوف الثياب التي دفع ثمنها جيمس ,لم تكن تريد ايا منها .وكانت قطع الثياب التي قررت الاحتفاظ بها هي ملابسها التي كانت ترتديها اخر مرة رأها جويل . كانت في غرفة النوم تطوي السترات وتضعها في الحقيبه عندما انفتح الباب الخارجي للشقه ,وسمعت شخصا يدخل ,واضطربت دقات قلبها لحظه ,وساورتها كل المخاوف التي كانت تتضمنها قصص جيمس عن السكن في وحدة في مثل تلك الشقه ,ولكن عاودها التعقل عندئذ ,كان هناك شخصان فقط بخلافها معهما مفتاح الشقه :جيمس ,والسيدة تالبوت . وتنشقت نفسا عميقا ,واتجهت الى باب غرفة النوم بينما دخل الزائر الغريب الى غرفة الاستقبال ليجدها ,لم يكن جيمس ولم تكن السيدة تالبوت .كان جويل هو الذي يقف امامها .ورفعت يدا مرتعده الى رأسها العاري واحست بنعومة الشعر الجديد النامي ,وخشيت ان يرى الرجل الذي كان يحدق بمرارة في شخصها منظرا مزعجا للغايه .واستطاعت في النهايه ان تجد القدرة على ان تنطق بالكلمات : _جويل ,ما الذي جاء بك الى هنا ؟ ورد جويل في نبرات ثائرة : _راشيل ! لماذا بالله تركت المستشفى ,ياراشيل ؟ وامتد بصره الى ما وراءها ,الى حقيبة الملابس المفتوحه على السرير ,وقال : _ما الذي تفعلينه ,عليك اللعنه ؟ كانت راشيل تود لو استطاعت ان تغطي رأسها بيدها ,وكانت حساسه جدا لمنظرها السئ ,واستدارت تبحث عن الشعر المستعار الذي كانت قد القت به امام المرآة ..ولكن جويل امسك بكتفيها من الخلف ,وادارها نحوه لتواجهه ,وامسك بالشعر المستعار من يدها ,والقى به جانبا ,وقال : _اجيبيني ,ياراشيل !اريد ان اعرف . واجبرت راشيل نفسها على ان تقول : _دعني البس الشعر المستعار اولا ! واكتفى بان هزها برقه ,ودمدم بوحشيه : _انا لايهمني الشعر المستعار ,ولايهمني مظهرك ياراشيل !اخبريني ما الذي تنوين فعله ؟ وطأطأت رأسها ,وهي لاتدري انها جعلت خصل الشعر الناعم على مؤخرة رقبتها تتبدى لناظريه ,وقالت : _كنت ...كنت انوي الرحيل ...اوه ...ليس مع سارة و...كنت انوي ان ...اكتب اليك ...ولكن يغني عن ذلك ان اخبرك الان ...لامانع عندي من ان تبقى سارة معك . _ماذا ؟ _بوسعها ذلك ,وهي تريده .لقد قالت انها لا تريد ان تتركني ,ولكن اعرف .. وعلق بحده : _تعرفين ؟انت لاتعرفين شيئا . واطلقها فجأة لدرجه انها كادت تسقط على الارض ,ولكنه امسك بها ثانية بصرخه الم مكبوته .وجذبها وقال : _اوه ...راشيل! لاتذهبي ...لا تتركيني ! وعندئذ جذبت راشيل نفسها بعيدا عنه ,واخذت تحدق النظر فيه ,وقالت : _جويل ...انتهينا من كل هذا ... _لا ...لم ننته بعد . والتقت عيناه القاتمتان بعينيها .والتفتت راشيل بعيدا ,وقد اصبحت عاجزه عن النظر اليه دون ان تلقي بنفسها بين ذراعيه : _لقد انتهينا ...قلت لك ان بوسعك ان تأخذ سارة ...وعندما تكبر بالدرجه التي تستطيع فيها ان تقرر لنفسها ...فسوف اعود . ودمدم وهو يمسك بكتفيها ,ويجذب ظهرها نحوه : _لن اسمح لك بان تفعلي ذلك ! اوه ! ياراشيل ! انصتي الي ...انصتي الي . وصاحت في شيء من اليأس وهي ترفعه ,وتحس باستجابته الفوريه لاقترابها منه : _قلت انك تريد ان تتبنى سارة . _اعرف انني قلت ذلك ...اريد ان اتبنى ساره بعد ان نتزوج فورا ... لم تكن راشيل قادرة على ان تصدق ما سمعته .وقالت : _ماذا ؟ جويل ؟ وقال بصوت ابح : _ارجوك بالله الاتتحركي .فقط ابقي حيث انت ياراشيل !انت لا تعرفين كم يبدو هذا جميلا ! -جويل ! انت قلت عندما نتزوج ؟ _اعرف انني قلت ذلك . وحاولت راشيل الا يبدو عليها الاضطراب بدرجة كبيرة ,وسألته : _من اجل ...من اجل سارة ! ورد بصوت اجش ,وهو يحتضن وجهها بين يديه : _لا ! ليس من اجل سارة يا الهي ...ياراشيل ...انت بحاجه الى الاقناع ,هل انا بحاجه الى ان اركع على ركبتي واطلب يدك . وسألت : _هل تقبل ان تفعل ذلك ؟ _لو طلبت ذلك لفعلته ..لابد ان تشعري بشعوري نحوك ..اذ عبرت عنه في مرات عديده . وحاولت راشيل ان تقتنع بما سمعت ,وسألت : _ولكن ,ولكن ...اريكا ؟ _انا لا احب اريكا ...ولم احبها قط ...ولقد قلت لك ذلك ...انني احبك ! ولقد احببتك دائما ...وعندما افتقدتك ,تعذبت كثيرا ...صدقيني ! _ولكنني اظن ان والدك ...قال ... _ان لوالدي حسابا كبيرا . _ولكن اريكا ... _اعرف ,اعرف ان اريكا جاءت لتزورك ,ولكنني لم اكن اعلم بتلك الزياره وكيف كان بأمكاني ان اعلم ؟وقد كنت في فرنسا ,ثم رجعت ,ورفضت انت مقابلتي ! _كان بأمكانك ان تصمم ! _ لا يستطيع الانسان ان يصمم مع شخص مريض ,ياراشيل !ولقد كنت في حاله سيئه ,كنت مهيئا للانتظار ,ولم اكن اعلم انك تقدمين على عمل جنوني مثل ترك المستشفى . وارتعد وقال : _انني لا استطيع ان اتصور ذلك ,لو انني لم اعد ,واتجه الى المستشفى لكنت اختفيت ثانية ونطقت وهي تضع يدها على صدره : _كنت اظن ان ذلك ماتريده انت ... _كيف؟ بعد ما عبرت لك عن مشاعري بكل الطرق . _كنت اعلم ...انك تريدني . ولكن من قبل كنت تريدني ايضا ! _انني لم اكف ابدا عن ان اريدك ,عليك ان تصدقيني ! لو انك رجعت ,لعرفت . _ولكنك لم تكن تريد الاطفال ابدا ,ياجويل !لقد قلت ذلك . وتنهد وقال : _نعم ,ربما اكون بحاجه الى ان اوضح لك شيئا ,كان ينبغي لابي ان يخبرك به ,لقد ماتت امي بمرض الكليه . _هل تعني ؟ _نعم اعني ...انه اذا كان مرض سارة يرجع بشكل ما الى الوراثه ,فان ذلك يعود الى اسرتي وليس الى اسرتك . _افهم ... واغلق جويل عينه لحظة ,ثم فتحهما من جديد .وقال : _اعرف ان هذا ليس عذرا بالطبع عن الطريقه التي تصرفت بها . ولكن ابي كان قد تغير بعد وفاة امي ,كان كل شخص يقول ذلك ,كان يحبها بطريقه جنونيه ,واخذت على نفسي عهدا الا احب امرأة بالطريقه نفسها ,وكنت قد قررت انه اذا حدث ووقعت في حب فتاة ,فانني لن اتزوج بأية حال, بل لن يكون لي اطفال منها حتى لايهدموا العلاقه بيننا . _اوه ,جويل ! _انني لا اشعر بالرضى عن نفسي عندما افكر في المعاناة التي مررت بها وحدك .كان من الواجب علي ان امنع حدوث شيء مثل هذا ...ولكن معك ... ونظر الى فمها في شيء من الاثاره : _انت تعرفين كيف بلغت العلاقه بيننا ,لم اكن اريد ان افسدها ,ولكنني فعلت . ونطقت : _اوه !جويل ! احبك ! وعندما رفع رأسه في النهايه ,كان يتنفس بطريقه مضطربه ,وكانت عيناه تبدوان كما لو كانتا قد كسيتا بطبقه رقيقه لامعه كما رأتهما من قبل : _اوه ! يا الهي , ياراشيل ! ارجوك الا تتركيني ابدا ,لهذا اردت سارة ,وليسامحني الله ,لانها ابنتك كما هي ابنتي .احبها ,ولكن فقط لانها تشبهك كثيرا ,وقد يقول البعض انها تشبهني ,ولكنها تشبهك تماما . كانت سرعة التأثر التي يتحدث بها مثيرة للغايه ,وحاولت راشيل بجهد كبير ان تتحدث عن اشياء تنتمي بطريقه اكثر الى الامور الواقعيه : _انك لم تحضر لتزورني بعد العمليه ,لماذا ؟لماذا اجلت زيارتك لي الى مابعد زيارة اريكا ؟ _سافرت الى فرنسا لاشتري منزلا ,قصرا صغيرا في الواقع .هل تشاركيني اياه ؟معي ,ومع ابنتي ؟ ومدت يدها تتحسس بها ذقنه,وقالت : _ماذا كنت ستفعل لو جئت الى هنا بعد رجوعك ,ولم تجدني ؟ _كنت ساخرج في هدوء عن صوابي . قالها بشيء من الثبات . _لا اعتقد ذلك ... _لا؟ اعتقد انني كنت سافعل ...بل ان ابي كان يظن ذلك ايضا .. _ماذا تعني ؟ _لقد اتصل بي هاتفيا هذا الصباح ,واخبرني انه تلقى مكالمه هاتفيه من المستشفى تخطره بانك كنت تنوين ترك المستشفى اليوم ...وارتأى ابي انني ينبغي ان اعلم ذلك . _اوه , جويل ! _من حقك ان تقوليها مرات ...ومرات ... _واذن فقد اثبت ابوك انه ليس شريرا الى ذلك الحد . وتصلب فم جويل بعض الشيء ,وقال : _لست واثقا من ذلك .يعرف مايعمله طوال تلك الفترة ,وهذه طريقته التي عاملني بها باستمرار ...لو انك فقط لجأت الي منذ البدايه .. _وكيف كنت استطيع ذلك ؟ واومأ جويل برأسه .وقال : _اعرف ! ما الاسم الذي كنت تطلقينه علي ؟اناني وكاذب ! يا الهي لقد دفعت ثمن ذلك .اما بالنسبة الى ابي فانني من باب حسن الظن اقول انه وجد في مرض سارة وسيله يمحو بها شعوره بالذنب نحو وفاة امي .لقد كان يريد ان يساعدها حقا ,وانني متأكد من ذلك . -والان ؟ _والان نتزوج باسرع ما يمكن . ولمست رأسها بيدها ,وقالت : _او لا يضايقك هذا؟ وابتسم جويل ابتسامه دافئه فيها شيء من التسامح ,وقال : _لماذا اتضايق ,انك تبدين وكأنك طفله رضيعه ! وتمتمت راشيل بسخريه : _طفله رضيعه نمت اكثر من اللازم ! ورد جويل : _ليس في نظري . وجذبها نحوه ,وقبل فروة رأسها الناعمه ,وقال : _سوف ينمو , ومع هذا فانني احبك على اية صورة ,ياراشيل ...انا لا انكر انني احبك عندما تكونين عروسا جميله في شعرك الناعم الحريري .ليس المظهر هو ما يجذبني لاني احب شخصيتك انت ام طفلتي ,ومغزى حياتي . تمتمت قائله : _سوف تبتهج سارة عندما تجد ان لها اما وابا . واضاف جويل في رقه : _وبيتا كذلك ,والان هل تزيحين حقيبة الملابس هذه؟ام ازيحها انا ؟انني منهك تماما ,ولم انم منذ ثلاثة ايام ,انك لاتعرفين مدى المشقة التي سببتها لي ,ولا الليالي التي سهرتها . وسألته : _هل استحق كل ذلك ؟ وابتسم ابتسامه عريضه .وقال في استسلام : _بدون ادنى شك .
النهاية

تحميل النسخة الحصرية الخاصة

تحميل نسخة الرواية مصورة

الذهاب إلى الصفحة الرئيسية للموقع