حب من أول نظرة

الفصل الأول
قرأت شارلوت بيج قصصاً كثيرة عن وقوع البطلة فى حب البطل من أول نظرة , و أصبحت واثقة أنه سيحدث معها فى يوماً ما . و لقد حدث عندماكانت فى السادسة عشر من عمرها . كان وقتالإجازة الصيفية , بينما الشمس ساطعة فى قلب السماء و الصفاء يشملها بلا سحب تحجب ضياءها الذى يغمر تفتح الورود الزاهية لصباها و أيامها السعيدة . كانت عائدة لتوها من نزهة الصباح الباكر , بعد أن ركبت حصانها بر التلال و السهول المجاورة, عادت جائعة لوحتها الرياح , لم يكن يخطر ببالها أنها ستلاقى قدرها المنتظر , أدخلت حصانها إلى الأسطبل , جرت مسرعة عبر المعبر القصير للمنزل الحجرى العتيق , من المدخل الخلفى . حجرتها فى الطابق الثانى , بالمبنى الرئيسى , صعدت إليها عبر سلم حلزونى حجرى . خطفت درجاته قفزاً , كل ثلاث درجات فى قفزة , و هى تنفجر مرحاً و سعادة , تتساءل عما ستجده فى سلة الكعك بالمطبخ , لتصبر صرخات جوعها , حتى يحين الغداء. غسلت يدها فى حوض من الطراز القديم تغطيه الزهور , و هى على وشك النزول إلى المطبخ , سمعت صوت سيارة فى الفناء . إندفعت مستطلعة من النافذةو فتحتها على مصراعيها , أطلت لترى , وجدت سيارة لم ترها من قبل , سيارة رياضية بمقعدين , بلا سقف , زرقاء داكنة من طراز قديم جداً , لكنها ذات مظهر لامع و براق يحمل معنى إهتمام صاحبها بها. وقفت السيارة بجوار السلم المؤدى إلى البوابة الرئيسية , هبط منها رجل, إنتصبت قامته الطويلة فور نزوله , وقف يتلفت حوله مندهشاً ,كما يفعل كل من يجئ إلى هنا لأول مرة . تطلع أمامه , ثم تلفت يميناً و يساراً , قبل أن يلتفت خلفه , كانت شارلوت قد وقعت فى حبه! كان فى منتصف العشرينات كما توقعت هى ,كانت قوته الجسمانية واضحة , ذراعاه ملفوفتان , لفتته واثقة , ملامحه جاده , قده متناسق , جبهته عريضة , أنفه دقيق منحدر بسلاسة , وجهه أنيق . على بعد, لم تستطيع شارلوت معرفة لون عينيه , كان فى مواجهة الشمس , ثم تلفت ليرى الجدران القديمة عندما أتجهت عيناه نحوها , كانت عاجزة عن التحكم فى خفقات قلبها الذى كاد يقفز فرحاً , كانت واثقة أن هذا القادم الغريب الغامض سيقع فى حبها فوراً, و تخيلت أنهما سيعيشان معاً فى سعادة غامرة و إنسجام و تألف طيلة عمرها. كانت مترقبة متلهفة, لأن تخونه عواطفه و يطلق صيحة إعجاب , أو على الأقل آهة إندهاش عندما يجتاحه الحب الأعمى, كما إجتاحها . لكن قبل أن يراها , أنفتح الباب الرئيسى , ونظر متطلعاًَ عندما هبطت فيرنى السلم لتستقبله : "حبيبى" و ألقت بذراعيها حول عنقه , ضاحكة و فمها يرتعش مستثيرا, و أبتسم لها , و تركها تداعبه, ثم وضع يده حزل خصرها و جذبها ليقبلها . لم تكن قبلة عزباء , كانت شارلوت كبيرة لتدرك معناها لكن لا خبرة لديها لتعرف ما إذا كانت قبلة عشاق مولهين أم قبلة واعدة بالحب الآتى. تراجعت شارلوت عن النافذة . اسندت ظهرها إلى الجدار البارد , ودقات قلبها ترجها رجاً , و رأسها يدور . كان عليها أن تعرف أن أى شاب وسيم يجئ هنا من المؤكد أنه جاء ليرى فيرتى , لكن أختها لم تذكر أنها دعت أحد هنا عندما عادت أمس , بدون سابق إنذار كعادتها دائماً, وصلت قبل العشاء مباشرة , أصبح لزاماً على رينيات الألمانية أن تسرع لإعداد طعاماً لها . فيرتى لا تهتم طبعاً و لا والدهم و الذى يسعد دائماً بمجئ أبنته الكبرى لكن عليه أن يعر فالآن , أنها جاءت عندما احتاجت نقوداً , أو لتوقع رجلاً جديداً فى حبها , أو الأمرين معاً. لم تكن شارلوت تهتم من قبل , فيرتى هى جميلة جداً لا أكثر و لا أقل , لكن كل من يعرفها يدللها , تصبح أحيانا بطلتها المعبودة , كما هى بالنسبة للآخرين , و أحيانا تكرهها , كما هو الآن . أطبقت كفيها بشدة , و ألقت نظرة خاطفة عبر النافذة , رأت أختها تجذب الغريب داخل المنزل , تتأبط ذراعه , شعرها الذهبى يتماوج معانقاً كتفيها , وهى تعانقه بعينيها . فى هذه اللحظة إمتلأ قلب شارلوت بحبه , و بالكراهية السوداء لشقيقتها , و بعاطفة أقوى من الغيرة المألوفة. نظرت لنفسها فى المرآة الطويلة و إجتاحها شعور بالإشمئزاز و خيبة الرجاء من طول قامتها و سمنتها المفرطة التى يُظهرها البنطلون الجينز و القميص (تى شيرت) المدرسى , فهى سمينة جداً , بينما والدها مغرم بترديد مديحه لقوام غصن البان الذى تتحلى به فيرتى , التى تبدو رائعة و هى مرتدية المايوه, وكأنها مخلوق ملائكى . بينما لا تتجرأ شارلوت على لبس المايوه البيكينى , بل ينتابها الرعب من منظهرصدرها الذى يترجرج بالنهدين اللذان يتدليان وكأنهما عناقيد عنب. وكلما خرجت مع زملائها كانوا دائماً يحاولون الإمساك بهما. كان وجهها أيضاً شاحب مقارنة بوجه فيرتى , ذات الجاذبية التامة , كما يقول والدها دائماً للجميع , بأن فيرتى هى (أجمل إبداعاته) و طفلته ذات (الجمال المقدس) و تلمع عيناه بينما تدخل فيرتى الغرفة , و عندما ينظر إلى شارلوت يتنهد و يهز رأسه أسفاً , لم يشكو أبداً من مظهرها وكأنه لا يراها , وكانت هى مهمومة بسمنتها , و بوجهها الشاحب الملئ بالنمش , و شعرها الداكن الإحمرار وكأنه لن يصبح كسبائك الذهب مثل شعر فيرتى. غمرها شعور غاضب و هى تطالع صورتها فى المرآة , وشعرت كأنها تريد تحطيم المرآة , وتمنت لو أصبحت حالاً الفتاة التى يرمقها هذا الغريب بنظرة واحدة ينسى بعدها فيرتى و أبتسامتها الخلابة التى لا مثيل لها . و أسرعت نحو دولاب ملابسها القديم الكبير , فتحته على مصراعيه , بدأت التقليب فى ملابسها بهياج شديد باحثة عن فستان قد يصلح لعمل المعجزة , بعد دقيقتين , تراجعت و ألقت بنفسها على سريرها , بائسة. لا فائدة , فلن يجعله ينظر إليها أى شئ ترتديه أو تفعله , طالما تحيط به شقيقتها. بعد لحظة أستحال اليأس إلى غضب , لماذا جاء هنا و هى مازالت فتاة فى السادسة عشر؟ و هى غير مستعدة للوقوع فى الحب . ثم بدأ ينمو أمل جديد . طالما وقعت هى فى الحب من أول نظرة , إذن فسيقعهو أيضاً , رغم وضوح ميله إلى أختها الآن إلى أختها الآن . فلقد خططت فيرتى لإستدراجه هنا ليقع فى حبها , لذا , ينبغى عليها أن تفعل مثلما فعلت شقيقتها . و ترددتفىالبقاء فى غرفتها حتى رحيله و لا تعذيها حسرة رؤيته مع فيرتى , لكن هذا الأمل الجديد , جعلها تقرر الهبوط لتناول الغداء . فضلاً عن إشتداد تشوقها لرؤيته و معرفته , معرفة إسمه و لون عينيه . تناولت فستاناً من الدولاب و إتجهت لترتديه ثم توقفت فهو أحد الفساتين القليلة الأحتشام و قديم و ضيق جداً حول الصدر , لكنه أنيق ومناسب لساعات النهار , و ستفهم فيرتى حتماً أنها ترتديه لتحاول إستهواء الرجل , و هى تهبط السلم و قالت لنفسها و هى ترتدى الجينيز و القميص أنه سيقع فى حبها أيا كان ما ترتديه ولن يضرها السمنة و لا النمش , فهو سينظر حتماً إلى روحهاو سيحدث كل شئ . عندما وصلت إلى باب حجرةالطعام , إعتراها الإضطراب للحظةثم تنفست نفساً عميقاً و واصلت سير ها , متوقعة أن تجدهم جميعاً. لكنها وجدته بمفرده , كان الغريب واقفاً فة مواجهة المدفأة الضخمة الفارغة و الكأس فى يده , محاولاً التعرف على ختم شعار النبلاء بالقرميد المحفور , والتفت عندما سمع الباب يفتح , تطلع بوجهه , انتظرت شارلوت لحظة , ممتنة أن يكون هو أيضاً قد حضر ليلقى قدره ويقابل حلم قلبه , عندما مل الإنتظار أومأ برأسه قائلاً "مرحباً....تفضلى" إرتسمت خيبة الأملعلى وجههلأنها ليستفيرتى , و خز ألم حقيقى موجع قلب شارلوت الصغير بصورة لم تختبرها من قبل , لقد جرحها جداً, فأر ادت الإنتقام لنفسها فقالت بصوت أجش و لهجة مهينة لم تتحكم فيها : " مرحباً , أظنك صديق فيرتى الجديد " إرتسمت على وجهه تكشيرة كثيفة غاضبة قائلاً: " و أنت أظنك شقيقتها المتطاولة." أشتعل وجه شارلوت بحمرة الخجل , على وشك الإسراع جرياً , لكن الباب فتح خلفها و دخل والدها وبصحبته فيرتى المتعلقة بذراعه, كما كانت مع الغريب من لحظات , ثم قالت بلهفة : "أنتظرت لقائكما . يا أبى , هذا هو كاريج بيشوب و هذا هو أبى الكاتب المشهور , هارتفورد بيج" قال والدها"آهـ تعالوا الآن" متكلفاً التواضع و هو يهز يديها "أنت تبالغين جداً , ينبغى ألا تلتفت يا كاريج لكلامها , هى دائماً تبالغ مع من تحبهم." قالت شارلوت لنفسها بمرارة أن فيرتى لم تلتفت ناحيتى , فهى لم تظهر أبداً أنها تحبنى . تحدث كاريج متلطفاً : "كما أنا واثق أنها لم تبالغ فى مدحك , ومن الشرف لىّ أن ألقاك يا سيدى , لقد حكت لىّ الكثير عنك, ولقد قرأت و إستمتعت بمؤلفاتك " إستغربت شارلوت أن فيرتى لم تقل حرفاً عنها , و تراجعت مستلقية فى مقعدها ذى المسند العريض , و قال الوالد :"شئ طيب أن تقول هذا , ما هو عملك يا كاريج ؟" أجابت فيرتى متحمسة : " مهندس معمارى يا أبى , خارق الذكاء , يرسم و يصمم المبانى , الجميع يقولون ان مستقبله باهر ." منتديات ليلاس إبتسم كاريج " الآن فقط إقتنعت برأيك فى مبالغة فيرتى سيدى." فهمت شارلوت أيضاً و تساءلت هل يعتقد كاريج أن فيرتى تحبه , لكن ليس أول رجل فى حياتها , تحضره إلى المنزل , و لا ترى خلافاً فى سلوكها معه عن سلوكها مع الكثيرين الذين إرتبطت بهم من قبل . فهى دائماً تتملق كل الرجال , فكرت شارلوت منهكة , و تذكرت عبارة قرأتها فى أحد الكتب (هى دائماً تلتهم الرجال ) لكن يبدو أن جميع الرجال يحبون فيرتى , بينما شارلوت مستغرقة فى إجترار حزنها قالت فيرتى بإستهانة : " آهـ هذه أختى الصغيرة شارلى"كما لو تذكرت الآن فقط أنها ليست مجرد قطعة من الأثاث. أشار كاريج بإيماءة خاطفة ناحيتها :"لقد إلتقينا " ثم أتجه ناحية فيرتى مسرعاً و الأبتسامة منتديات ليلاس تضئ عينيه . شاهدت شارلوت لون عينيه البنية و أهدابه المقوسة , وعن قرب رأتهوسيماً أكثر مما ظنت , شعره جميل مجعد فاحم فى تناقض مدهش مع تقاطيع وجهه القوى , بدا مكتمل الجمال , كل شئ فيه مكتمل الأبهة . تساءل كاريج عن تاريخ المنزل , أجاب أبوها مسرعاً موضحاً أن المنزل كان مقر رئيس الدير الذى كان قائماًهنا و أضاف " لكن الكنيسة ذاتها و معظم المبانى تهدمت الآن . سأخذك لتشاهدها بعد الغداء , لو كان يهمك , و لكننى عملت على إنقاذ هذا المنزل من السقوط , عندما أشتريته منذ عشرين عام." لكن كان فى كلام هارتفورد بيج شئ من المبالغة فالمنزل فى الحقيقة , كان فى حالة سليمة عندما شاهده و أحبه , بعد زواجه بأعوام قليلة . كان هو وقتها يتوهج بفرحة النجاح لكتابه الجديد , و كرس نجاحه لشراء المنزل , دون الإلتفاف لتكلفة الإقامة فى مثل هذا المكان , و إقامة أسرته معه . كانت نتيجة إستمرار حياة الأسرة على الكفاف , فأى نقود جديدة يبتلعها الإنفاق على إصلاح السقف أو ترميم الجدران , فالمكان كان رطباً دائماً , الجدران سميكة و النوافذ ضيقة لا تجلب الدفء حتى فى الصيف. و رغم إستعطاف زوجته له مراراً لبيع المنزل إلا أنه لم يلتقت مدعياً أنهيلهمه فى الكتابة . ربما كان صحيحاً , فهو بالفعل يقضى معظم وقته فى منتديات ليلاس الغرفة التى كانت مخصصة لرئيس الدير , و هى غرفة مستطيلة بهامدفأة مستقلة , و هى الغرفة الوحيدة الدافئة المريحة فى المنزل , لا يزعجه فيها أى شئ, حتى يهبط السلم لتناول الغداء أو العشاء . و هو يحب التجول بالضيوف لمشاهدة المنزل مرحباً بهم للقدوم فىالإجازة الأسبوعية , و كان ذلكعبئاً على زوجته التى توفيت جراء مرضها بالتهاب الرئتين بسبب نزلات البرد التى غالباً ما تعقبها أنفولنزا. عندما توفيت أمها كانت شارلوت فى العشرة من عمرها , و على الفور أدخلت المدرسة بينما فيرتى الأكبر منها بأعوام ستة إلى كلية لدراسة الدرما , و أصبحت الآن ممثلة ناجحة , تتقن مهنتها جيداً , فى الواقع يصعب على شارلوت التميز بين سلوك أختها الطبيعى و تمثيلها . أحياناً تظن أن فيرتى لا تفهم نفسها مثلما هو الآن. بمجرد جلوسهم لتناول لتناول الطعام فى الحجرة الصغيرة المطلة على الفناء لمحت شارلوت أختها تستحوذ على إهتمام والدها و صديقها , اللذين أمتعهما حديثها المسلى , والدها عن يمينها و كاريج عن يسارها , فيرتى ذكية جداً على شارلوت الإعتراف بذلك , فيرتى تحكى لهم نوادر و حكايات مسلية , دون ذكر أسماء المشاهير أطراف نوادرها , و هكذا تعلق الرجلان بخيطها حديثها , و ضحكوا سعداء. قالت فيرتى لأبيها : "أحاول إقناع كارج بالبقاء معنا يومين , ساعدنى فى إقناعه يا أبى , فلن أعود إلى لندن حتى يوم الثلاثاء لذا من الممتع أن نعود معاً مساء الأثنين" ردها رتفورد بيج متحمساً :"سأفعل بكل الوسائل يا أبنتى الحبيبة , و أنت مرحباً بك يا كاريح ." أجاب كاريج :" هذا لطف منك يا سيدى لكن لا أريد أن أسبب لكم أى متاعب." رد أبوها :"ليست هناك أى متاعب , لدينا دائماً حجرة للضيوف." قال كاريج :"أشكرك, فى هذه الحالة سأكون سعيداً جداً بالبقاء معكم حتى مساء الأحد فقط, لدىموعد هام يوم الأثنين أخشى التخلف عنه." لوت فيرتى شفتيها و قالت :"مؤكد يستطيع إلغاءه فلو تعطلت سيارتك أو لو كنت مريضاً كنت ستلغيه." ضحك كاريج :"لا تستغوينى!" أجابت فيرتى و البتسامة ملئ عينيها :"يا ليتنى , لكن بالتأكيدسأفعل لة أدى ذلك لبقائك يوماً آخر ." و تلاقت عينا فيرتى و كاريجو لم ينتب ها إلا بعج أن نقرت شارلى متعمدة بأصباعها على دورق المياه. صاحت فيرتى :" ياه , تشارلى ملابسك بها بقع " لماذا لا تستخدمى المنشفة لإزالتها ." و أدركت أن تشارلوت لم تمس طبقها فقالت "لماذا لم تأكلى ألم يعجبك الطعام؟" ردت شالوت " الطعام جيد لكنى ليست جائعة " و تساءلت فيرتى :"هل تشعرين بالمرض؟" و دون إنتظار إجابتها إلتفتت نحو كاريج " هى تأكل عادة مثل الحصان و معظم وقتها تقضيه فى المنزل , حيث لا تغادر أسطبل الخيل إلا نادراً . لذا فلا تستغرب." إلتفت كاريج إلى شارلوت متسائلاً مبدياً إهتماماً فى نظرات عينيه العسلية :"هل أنت مهتمة بالفروسية؟" "نعم هل...و هل أنت أيضاً؟" " جداص و اشترك فى سباق ركوب الخيل كلما أمكن." أندفعت فيرتى " يا للعظمة , ينبغى أن نخرج لركوب الخيل و نتسابق غداً . مؤكد سأستعير لك حصاناً لتركبه من صديق لىَ من مزرعة قريبة." رمقتها شارلوت محذرة , فم يمتلكون حصاناً واحداً , و هى تهتم به بإعتباره حصانها , و لو حاولت فيرتى ركوبه ستجد صعوبة , حاولت أن تتلفظ بذلك و قبل أن تنطق بحرف قأطعتها :"أظن كان لابد أن تغيرى ملابسك يا شارلى قبل مجئيك لتناول الغداء , فدائماً لك رائحة الحصان , على الأقل بإمكانك بذل الجهد عندما يكون عندنا ضيوف حتى لو لم تعتادى على ذلك." شعرت شارلوت بالغضب يلوح وجهها , فقط حدجت أختها بنظرات الغضب الصامتة و لمعت عيناها ناحية كاريج , لكنه كان يتطلع إلى فيرتى و تكشيرة تعلو جبينه إضافة رد زهرة منسية 08:00 AM 03-09-13 غير أبوهما الحديث بلباقة , فهو لا يحب الشجار حتى الخفيف منه , لذا لم يق لأى منهما أن تتوقف , و تكلم بلطف عن أشياء أخرى . لكنه قطب جبينه لـ شارلوت يلومها لأن طبعاً فيرتى لا تخطئ أبداً بعد الغداءأتجها ثلاثيتهم ليتجولوا مع كاريج و يشاهدا المنزل و الأطلال المحيطة به, و هربت شارلوت للخارج , عبر الممر الملئ بالزهورحتى قمة التل المطل على المنزل . و ألقت بنفسها على العشب متطلعة بغضب إلى المنزل , إستلقت فى موقع جميل , محاطة بحفرة كانت جزءاً من النهر أو حدود المنطقة . تحوطها أشجار الفاكهة الباقية من بستان رهبان الدير, ومازال السمك يسبح فى الأحواض التى حفروها , لكن نهدمت الجدران و ما زال السمك يسبح فى الأحواض التى حفروها , لكن تهدمت الجدران التى كانت تحمى الكنيسة , كل ما بقى منها مجرد أساسات و بعض الأعمدة التى كانت تحمى الكنيسة , كل ما بقى منها مجرد أساسات و بعض الأعمدة و البوبات , و معظم الأشجار نقلت عندما تهدمت كنيسة آبى فى عصر هنرى الثامن. كل ما بقى هو المنزل ذاته و بعض المبانى الخارجية الكبيرة المبعثرة باردة و غير عملية . لكن شارلوت أحبتها , ربما أكثر عمقاً من والدها , ورغم عدم تجالها لقدمها كما لا يعترف والدها , و هى لا تستطيع تخيل منزل آخر بإمكانها التشوق و التطلع للعودة إليه عندما تكون فى مدرستها , فمازال أمامها عامين آخرين لإنهاء دراستها و حتى يمكنها الإقامة دائماً فى المنزل , فلا يجدى أى إستعطاف لموافقة أبيها على تركها المدرسة قبل حصولها على الثانوية . بعد نصف ساعة شاهدت الثلاثة يخرجون من المنزل بقيادة والدها , و خلفه فيرتى و كاريج , تصلب جسدها عندما رأتهم , و أشتعلت نفسها بالغيرة , لو كانت أجمل من فيرتى ! حاولت أن تتذكر كيف كانت أختها و هى فى السادسة عشر لكن فيرتى وقتها كانت فى الكلية , و هى فى المدرسة لذا قليلاً ما كانا يلتقيان, وكأن فارق الأعوام الستة بينهما قرناً من الزمان. كان كاريج ألطف مما ينبغى , بحسب رأى شارلوت مد يده لـ فيرتى و هما يحفران حفرة حجرية , و طوق خصرها بذراعيه بينما هما ينظرون للإطلال المتناثرة. شاهدتهم شارلوت يتجولاون جولة طويلة , مرهقة لوالدها , أنقضت ساعة قبل أن يعود هارتفورد للمنزل , بينما سار كاريج و فيرتى خلال الدير القديم متجهين ناحية المزرعة ليحاولوا إستعارة حصان الغد لـ كاريج كما هو مفترض , إبتعدا عن عين شارلوت عندئذ أستلقت على ظهرها متطلعة نحو السماء , تساقطت دموع المراهقة بسهولة من عينيها . لن تحب غيره, لدرجة أنها صدقت هذه الفكرة الخيالية عندما ألتقت به و حتى الآن لم يقع فى حبها . بكن لفترة , ربما يساعدها البكاء لكنها تذكرت بسرعة أنه سيبقى معهم حتى ليلة الغد. فربما يكن بمقدورها جعله يغير رأيه عنها , فلو رفع عينيهلحظة عن فيرتى, و لو توقفت شقيقتها عن توجيه ملاحظاتها النابية المهينة لها و كأنها تلميذة غبية كسولة . بذلت شارلوت مجهوداً حقيقياً لحضور العشاء تلك الليلة , أمضت وقتا كافياً فى الحمام , غسلت شعرها , حتى طرقت رينيات باب الحمام تستحثها للإسراع فى مساعدتها فى تجهيز الطعام , و ترجوها أن تجهز الخضار , و هذا يعنى أن عليها تقشير البصل لأن رينيات تتأثر عيونها منه . بالفعل قامت شارلوت بتقشيره و عصره فى الحساء ثم أندفعت صاعدة السلم فى آخر دقيقة لتغتسل ثانية ولتغير فستانها , لم يكن لديها الوقت لتجفيف شعرها جيداً أو وضع مكياجها بعناية فهى ما زالت حديثة العهد به و يستغرقها وقتاً لعمله. دقت الساعة الثامنة فهبطت السلم مسرعة و مظهرها ليس كما كانت تريده . لم يكن يعنيها التأخير فالثلاثة كانوا يجلسون على الأريكة الطويلة يتصفحون ملف القصاصا الصحفية المنشورة عن والدها الذى لا يطلع عليه إلا من يحبهم ,أبدى كاريج أعجابه , و كانت فيرتى متكئة على كاريج . بمجرد دخولها نظر والدها مندهشاً و مستحسناً طريقة لبسها و عاد لمطالعة ملفه الصحفى , و جاءت اللحظة التى إنتظرتها شارلوت عندما قال كاريج "عفوراً, لحظة من فضلك." ثم أتجه ناحيتها " مرحباً شارلوت هليمكننى تقديم شراب لك؟" " لماذا , لماذا ؟, شكراً أنا أحب الجن و التونيك من فضلك." أجابت بدهشة بدهشة و لا مبالاة . ضحكت فيرتى خلفهم و قالت لها قدراً ضئيلاً من الشيرى فهو حلو المذاق." لمعت نظرة الغضب فى عيون شارلوت , لكن كاريج صب لها الويسكى فعلاً كأساً كاملاً . فابتسمت كاريج و ابتسم كاريج و كانت أسعد لحظات حياتها . دعم هذا ثقتها بنفسها , رغم أنها لفتة بسيطة , لا عجب من أخلاق شارلوت . أصبحت الآن متدفقة الحديث طيلة العشاء , سألت كاريج عن مشاركته فى سباق الخيل . و أجاب:" أنا مجرد هاو , بدأت ركوب الخيل مع حصان صديقى بعد أن كسرت ساقه فى أحد المواسم و حققت بعض النتائج , شجع ذلك البعض على تقديم خيولهم لىّ للتسابق بها , و انا أتسابق كلما أمكن أحياناً صعبة , ربما لسبب مونى مهندس معمارى , منتهى فى المقدمة بالطبع." " أين تتسابق؟" سألته كما لو كان بمقدورها الذهاب لمشاهدته , إن لم يكن بعيداً انتزعت فيرتى منه خيط الحديث بقولها :"نعم, أحكى لنا . عندما تكسب الجولة القادمة يمكننا إقامة حفلة , ستكون ممتعة , يمكننى إحضار بعض الفتيات من الأستوديو , ماذا نحتاج أيضاً ؟ ربما بعض الشبان من شركتك؟" و بدأت تضع الخطط , وكانت النتيجة وكأن أمر الحفلة أصبح مقرراً و لم تذكر شيئاً بخصوص شارلوت . حاولت شارلوت التحدث ثناية مع كاريج و رمقتها فيرتى بنظرة عابسة " هل تظن فعلاً, أنه ينبغى السماح لـ شارلى بكأس آخر من الخمر يا أبى ؟ لقد أصبحت ثرثارة" هذه الملاحظة النابية الزاجرة التى أطبقت فم شارلوت للحظة , بينما تسارعت دقات قلبها لقربها من كاريج و تصاعدت الخمر و خصوصاً أن الجن أجودها إلى رأسها مباشرة. " طبعاً نحن نعيش فى العزلة هنا " قال والدها لـ كاريج :"أنا لا أذهب إلى المدن المجاورة, عالم أضطر إلى ذلك , المدن كلها متشابهة , هؤلاء الممسوخون يهدمون المبانى القديمة , ليتاح لهم عقد صفقات لبيع أراضيها , أنا أذهب فقط إلى لندن , عندما أريد مقابلة الناشر , و أبقى فى النادى , أنا لا أستطيع الإقامة فى الفنادق الأسمنتية الملونة , لا أتذوق طعامها كلها لها مذاق واحد , و أنا كان لها مذاق أصلاً. إتسعت عيناه و كأن فكرة ما داهمته :"أقول لك يا ولدى لماذا لا تصمم فندقاً حقيقياً وفق التقاليد القديمة؟ أنا أتخيله مريح بدلاً من كونه عملياً." ردت فيرتى متحمسة لكلام أبيها " فندق له أعمدة بدلاً من كونه علبة أسمنتية ." تفاعل كاريج مع أفكارهم و أشعلوا حماسهم معاً , و واصلوا حديثهم حول المشروع الجديدو الفندق المأمول. أسندت شارلوت ظهرها لمقعدها , حررت الخمر نفسها من التحفظ و التردد . الثلاثة لهم مظهر جميل , حتىأبيها الذى يقارب الستين , خطه المشيب له نظرة بشوشة فاتنة لما تفارقه بعد, مؤكد أنه كان فى شبابه مفعماً بالنشاط و لحيوية , مؤكد أن أمها وقعت فى حبه القدرى و كرست نفسها لخدمة نزواته و إشباع شهواته و ميوله المستبدة . أما كاريج و فيرتى فيندرجون طبعاً , تحت قائمة (الناس الجميلة) أحدهما أشقر و الآخر قمحى . ربما أنجذبا لبعضهما البعض بفعل التناقض لكنهما متجاذبان , سهل جداً أن يدرك أى إنسان ذلك من طريقة تلاقى نظراتها , و تلامس أياديها . عندما وقف أبوهما ليصبكأس آخر من الخمر , إتكأت فيرتى على كاريج إنفرجت شفتاها تدعوانه لتقبيلها , تستطيع أضواء الشموع على ذراعيها العارية , و فستانها القطيفة المخملى , أبتسم كاريج إبتسامة غامضة , تلك التى تميزه , لم يقبل فيرتى لكنه همس لها بشئ سمعته هى فقط , جعلها تنظر إليه و طوحت شعرها الأشقر و تذكرت شارلوت المهرة الصغيرة اللعوب! تذكرت شارلوت أنها كالبطة القبيحة بينهم , ثم قالت لنفسها , البطة القبيحة تتغير لتصبح أجمل بجعة , و إبتسمت لنفسها , متعجبة إن كان المستقبل مشرق و متفائل . " واضح أنك تفكرين فى شئ سعيد." أرتفع صوت كاريج ليقطع تتابع أفكارها , أخفضت رأسها لترأه و هو ينظر إليها بابتسامة مشجعة . "نعم , كنت أفكر فى شكلى عندما أصبح فى عمر فيرتى ." و خفضت صوتها حتى لا تسمعها أختها التى كانت قد إتجهت لتتحدث مع رينيات التى جاءت لترفع الأطباق . تساءل كاريج :"هل تريدين أن تصبحى ممثلة أم كاتبة؟" هزت شارلوت رأسها بإصرار " لا, أريد وظيفة ثابتة , لا أعرف بالتحديد كم النقودالتى سأحصل عليها , بدلاً من كونى ثرية لدقيقة و فقيرة فى التالية." ضحك كاريج ضحك حقيقى " من الأفضل أن تكونى محاسبة أو مبرمجة كمبيوتر." " يا له من عناء " صاحت فيرتى و هى تستمع إلى حديثهما " هذا لا يلائمنى ما زالت أرى أنه يلائم شارلى , لو أقعلت عن التصرف كالغلمان ." " أنا ليست غلاماً." منتديات ليلاس نظرت فيرتى مستغربة " يا للأسى شارلى عندما أصفك بأنك كالغلام فهو وصف مهذب! لم أرى أحداً يسلكسلوك الغلمانمثلك فى عمرك هذا . كل ما تعيشين لأجله هو الخيول , ذهنك مشتت , ثيابك ملطخة , حتى أعتقد أحياناً أنك لن تكبرى ! أنا فقط بدأت...." وقفت شارلوت وجهها شاحب , و أمسكت الفوطة بحزم" لست بحاجة إلى نصائحك , أبى هل يمكننى الأنصراف " أؤما والدها موافقاً مستشعراً ضرورة أنصرافها , سعيداً بالتخلص منها فلقد بدأت تستفز فيرتى. و أسرعت بالخروج من الغرفة , أتجهت مباشرة إلى الأسطبل قذفت حذائها بعيداً عندما خطت فوق العشب ليمكنها الجرى بسهولة . كان حصانها ليمبو ينظر بهدوء و سلام , يصهل صهيلاً ناعماً بينما تضع ذراعيها حول عنقه النحيل و دفنت رأسها فى وجهه , زفر هواء دافئ من منخاره , بث رائحة مألوفة , ودارت رأسها بأفكار بائسة , تذكرت أن الأمر كان دائماً هكذا , تتعمد فيرتى دائماً تحقيرها و إهانتها , هذا كل ما تتذكره , لم يكن بينهما أبداً أى شئ أخوى أو حتى دفء العلاقة , والدها كان يقف دائماً بجانب فيرتى , رغم أنه يفعل ذلك حتماً. منذ توفيت أمها, شعرت بأنها ستعتمد على نفسها . لا, شعرت أنهم يتحملونها كأنها شخص غريب غير مرغوب ببقائه عليه أن يعانى و يكدح لإعالة نفسه, ربما لأنها خاملة هادئة مترددة , هكذا أعتقدت , و ليست بحيوية و ذكاء و تدفق فيرتى , لأنها شاحبة و ليست بجمال فيرتى. أقلع الحصان عن النظر إليها و أمال رأسه و أنتصبت أذنيه , إلتفتت شارلوت لترى كاريج يتسلق السور و يمشى ناحيتها مع أخر خطوط ضوء يوم صيفى طويل , لمعت عيناه ليرى ما إذا كانت تبكى , ثم ركز إهتمامه على الحصان . " هو صديق طيب , ما أسمه؟" " ليمبو , لأننا عندما أشتريناه كان و كأنه أطراف فقط ." " من الذى يهتم به و يرعاه عندما تكونى فى المدرسة؟ " أركبه فى طريقى للمدرسة , وهو يأخذ معى أجازة المدرسة." رفع كاريج يده و أمسك الحصان و لكزه برفق و همس بكلمات حانية . إنتابت الحصان خفة سعادة و زفر بهدوء " أنه يحبك ! " صاحت شارلوت " أنه يعرف أننى أحضرت له شيئاً " و أخرج جزرةمن جيبه و أعطاها للحصان. " أنت لم تحضرها معك , صحيح ؟" " لا , مدبرة منزلكم رينيات , أليس هذا أسمها ؟ سمحت لى ّ بأخذها ." " إذن أغويتها هى الأخرى ." قالتها شارلوت دون تفكير. ضحك " هذا صحيح , أنا شيطان مع الخيول و مدراء المنازل ." قالت شارلوت " و الفتيات و النساء." نظر كاريج مندهشاً " ألا تصدقى ذلك!" " لكنك مفتون بـ فيرتى." قبضت شارلوت بيدها على عضرة الحصان " هل بينكما علاقة حب؟" قالتها و هى تحملق فيه وسط تكاشف العتمة , قلبها يدق أنفاسها لاهثة تتلهف إجابته لكنه قال فقط. " ما هى حكايتكما ؟ لماذا تعكر فيرتى صفو وقتك هكذا؟" نظرت شارلوت بعيداً , رفعت كتفيها بإستهانة "أنا لا أعرف , يريدون أن اكون مثلهم , أعتقد هذا لكننى ليست كذلك." تخلل صوتها نغمة يائسة , وحملت كلمة (هم) معنى التباعد و الغربة وضع أصبابعه تحت ذقنه ليرفع وجهها لتراه " أنت لطيفة هكذا , ربما تأخر نضجك , لكننى واثق أنك ستكونين جميلة مثل أختك و ذكية مثل أبيك." متلهفة قالت " هل تظن ذلك حقاً؟" ثم ضحكت ضحكة مكتومة صغيرة و أضافت " لقد كبرت بسرعة كبرت فعلاً! " و ضحك كاريج :" سيحدث , صدقينى لا تندفعى- أمامك وقت طويل فقط الآن إستمتعى بأيامك هنا." تمنت شارلوت أن (هنا - و الآن ) تستمر إلى الأبد و هى واقفة فى العتمة مع كاريج . بقدر طاقتها قالت " ثم ماذا , أظن ستقول لى فى يوم من الأيام ستقابلى شاب لطيف يقع فى حبك و تعيشون معاً فى سعادة أبدية ؟" كان فى صوت كاريج دهشة حقيقية و هو يقول :"ياه , أظنك سمعت هذا كثيراً من قبل إذن فأنا أضيع وقتك , أليس كذلك؟" " لا " هزت رأسها و فى إنفجار مفاجئ لشوقها :" فى الواقع , لو وقعت فى الحب ...أنا ...أنا أظن من الأفضل أن يكون شبهك" فزعت فوراً من جرأتها على قول هذا , أنتظرت متلهفة مرعوبة أن يضحك منها , لكنه على العكس قال بإخلاص : " أشكرك. أصابتنى كلماتك بالزهو و الغرور لكن كما قلت يا تشارلى...." قاطعته " شارلوت." " عفواً, شارلوت , كما قلت أمامك كل الوقت قبل وقوعك فى الحب." هزت رأسها :" لا. لقد حدثلىّ فعلاً." كان صوتها يشوبه حزن " حدث؟ " قال مستغرباً إلتفت إليها لكنها بالكاد رأت ملامح وجهه فالظلام بدأ يسدل ستائره السوداء , و أضاف " لكنك قلت عندما تقعين فى الحب ...." ثم توقف و ركز عينيه على وجهها " هل قلت ما أظنه؟" " نعم " ثم غمغمت " أنا ....أنا أحبك." " يا فتاتى العزيزة !" نظر مستغرباً بتشكك " لكنك لا تقدرين..." " أقدر , و لقد أحببتك , أنا آسفة , لا أستطيع التحمل ." " ياه , لا , لا تقولى أنك متأسفة , لا تأسفى أبداً لأنك أحببت شخص ما ." و أبتسم ابتسامة شاحبة حزينة و رفع يده ليدفع خصلة شعر عن وجهها" و الآن لقد اصابنى الغرور مرة أخرى , لكن أظن أنه مجرد إعجاب مؤقت و طارئ , بمرور الأيام ستقابلين العديد من الشبان و ستقعى فى حب أحدهم...." " لا!" ضربت الأرض بقدميها مؤكدة " أنا لا أتمنى أى شخص آخر. أعرف أننى صغيرة , و كل شئ, و أنك لا تحبنى كما أحبك لكن....." " أنا أحبك فعلاً." أحاط رأسها بيديه و نظر إلى وجها الصغير المتجم و ضحك ضحكة سريعة و قال " هنا , كى تذكرينى بها " و أنحنى ليضع شفتيه فوق شفتيها و قبلها بلطف. على الفور طوقته بذراعيها حول عنقه و ألتصقت به و قبلته بشراهة " رباه!" و تملص منها و ذب ذراعيها و حدق فيها " ياه !" قالها مذهولاً . إنطلق صوت فيرتى تناديه من فوق الكبوبرى عند الخندق " كاريج ....كاريج أين أنت؟" تطلع ناحية الصوت و إلتفت خلفه إلى شارلوت قلقاً . " الأفضل أن نذهب , كل رجال فيرتى يذهبون إليها مسرعين عندما تناديهم ." قالتها بحسم , كان كايج على وشك الذهاب لكنه توقف و نظر إليها "كل رجالها ؟" كان فى صوته تحذيراً لـ شارلوت بألا تتمادى أكثر, و إعتبار ما قالته نكته لكنها كانت فى عمر التفتح عندما قيل لها أن تكبر و تقلع عن كونها طفلة , بعد ذلك لم تزد عن كونها تلميذة , و شعرت بأن لا أحد يفهمها , و لا يدرك أنها تتصرف أحياناً كطفلة و أحياناً كفتاة ناضجة , غالباً فى التوقيت الخطأ , و الآن معظم استيائها منصب على أختها , كلما حضرت إلى المنزل تواصل تحقيرها كما لو كانت إظهار ذكاءها و لبقاتها و جمالها هى , بينما شارلوت منغمسة و مهمومة بالدراسة , حتى فى بعض فترات الإجازة و القيام ببعض المهام المنزلية و العناية بالحديقة , لكن فيرتى لا تقوم بتلك الأعمال , فهى تعيش فى لندن تجئ و ترحل وقتما تريد و تحضر معظم الحفلات المسائية عندما تكون هنا , و لم يُطلب منها أحد عدم الذهاب لم تضطر للإقلاع عن شئ تريد فعله لتساعد رينيات , لديها دائماً مخزون من الملابس الجميلة و لديها اصدقاء و عشاق رائعين مثل كاريج , و شارلوت لا تريديها أن تأخذ كاريج, و هى تخاطر بالا يقع ذلك مؤكد أنك تعرف أن فيرتى إرتبطت برجال مثل ...." ثم وضعت يدها على فمها كما لو كانت فى سجن " ياه, يا عزيزى , ربما كان لا يجب أن أقول ذلك , ربما تذهب أنت أيضاً" كان تأكيدها على آخر كلمة محدداً لكنه خافتاً , و نظر إليها متفحصاً بينما إنتابها كدر داخلى , لكن فات أوان التراجع لأنه ببطء " هل لـ فيرتى أصدقاء وعشاق , شبان كثيرون ؟" ضحكت شارلوت ضحكة عالية عصبية صبيانية و قالت له " حسناً , بالكاد أسميهم شبان , فهى عادة تخرج مع رجال كبار , رجال أعمال و...منتجى أفلام , و مثل هذا النوع أنت حقاً صغير تماماً بالنسبة لـ فيرتى." " و هل تجئ بهم غلى هنا؟" كانت شارلوت على وشك قول (نعم) لكنها رأته يراقبها بحذر و تشكك لذا قالت بمرح و إستخفاف " ياه , ليس كلهم " فقط أولئك الذين تريد الإيقاع بهم , لكنها تخرج معهم للتجول هنا و هذا يصيب تونى بالجنون فعلاً." تساءل :" تــونــــى؟ " " نعم , هو مدير المزرعة التى على الطريق . ربما قابلته أنت اليوم عندما ذهبتما لإستعارة حصانه , هو مجنون بـ فيرتى ....منذ أعوام , أليس هذا رومانسياً ؟" توقفت شارلوت و هى تعرف أنها واقفة على أرض آمنة , فهى ذكرت الحقيقة بشأن تونى . قطب كاريج جبينه مفكراً , ربما لاحظ أن الغيرة تنهش تونى , و لتضخم شارلوت الأمر قالت : " تونى يريد الزواج من فيرتى , لكنها لا تريده , طبعاً لأنه يريد إقلاعها عن التمثيل . و هىلن تفعل ذلك , لكنها مازالت تخرج معه عندما لا يكون أمامها غيره , و تقضى طيلة الليل معه فى الخارج , أليس ظلماً؟" و أضافت بغيظ:" بينما يجب أن أعود إلى المنزل قبل العاشرة و النصف حتى فى الأجازة الأسبوعية." لابد أن فيرتى قد عادت إلى المنزل لتبحث عنه , لكنها الآن خرجت مرة ثانية , صوتها يقترب بينما هى تسير ناحية الأسطبل: " كاريج !" قالت شارلوت " أظن يجب أن أخرج للتريض بالحصان." و أرتدت حذاءها ثم أسرعت إلى الداخل لتحضر السرج و اللجام. سرجت و ألجمت الحصان و أمتطته بسهولة , فتح كاريج الباب و قالت له " ليلة سعيدة" وهى تتهادى بحصانها , ثم دقت كعبيها و جذبت اللجام لتتجنب طريق فيرتى ثو أطلقت للحصان العنان . عندما عادت بعد ساعة كان ضوء الرواق مضاءاً دخلت شارلوت بهدوء , دلفت عبر اللم إلى غرفتها , كانت حجرتها مضاءة , ظنت أنها ربما تركت النور مضاء , لكن عندما فتحت الباب و دخلت وجدت فيرتى جالسة على مقعد فى إنتظارها , وقفت فيرتى و لطمتها على وجهها بكل قوة يدها . صاحت فيرتى بعنف و ضربتها ثانية : " يا ملعونة أيتها الثعلبة الصغيرة يمكننى أن أقتلك ! كيف تجرأت على سرد تلك الحكايات لـ كاريج ؟ شكراً , فلقد حلت بنا لعنة الشجار , و هو عاد إلى لندن ! " حاولت ضربها ثانية , لكن شارلوت وضعت ذراعيها حول وجهها لتحمى نفسها "أنا سعيدة!" و تراجعت شارلوت للخلف " هو ألطف من أن يخرج معك!." صاحت فيرتى " ماذا تعرفى يا ملعونة عن ذلك؟!" لقد خرجنا فعلاً فى أماكن أخرى حتى تطفلت و دسست أنفك و تحدثت معه " حاولت ضربها و ركلها بقدمها و قفزت شارلوت متفادية , هددتها فيرتى " أنتظرى سأنتقم منك على فعلتك هذه , مهما طال الزمن!" و غادرت الحجرة و صفقت الباب بعنف . أسرعت شارلوت لإحكام إغلاق الباب بالمزلاج و هتفت مرحاً و تراقصت هو أرجاء غرفتها فى نشوة الفرح حتى سقطت على سريرها, مصابة بدوار لاهثة الأنفاس . لقد نجحت خطتها , حتى إن لم تستحوذ على كاريج فلن يكون لـ فيرتى من الآن و بالنسبة لعقليتها المراهقة كان هذا أروع شئ فى العالم

تحميـــــل الملــــف مـــن هنــــــا